موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 2384-2423
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:

صفحات 2384-2423
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

=============

الرِّضَا بِالقَلِيل الكَاتِبُ الإِسْلاَمِيّ يَاسِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محْمُودٍ الحَمَدَاني °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° أَكْثَرُ مِن [1200] أَثَرٍ وَحَدِيثٍ وَبَيْتِ شِعْرٍكُلِّهَا نَادِرَة °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° $$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$ %%%%%%%%%%%%%%%%%%


@@@@@@@@@@@@@@@@@ &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° لَقَدْ قُمْتُ بمُوَافَقَةِ آثَارِ هَذَا الكِتَابِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الشِّيْخُ الأَلبَانيّ، وَأَحْكَامِ الإِمَامِ الذَّهَبيّ، وَالإِمَامِ الهَيْثَمِيّ، وَهُوَ خَالٍ تَمَامَاً مِمَّا قَالُواْ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ أَوْ ضَعِيف، اللهُمَّ إِلاَّ حَدِيثَاً أَوْ حَدِيثَينِ ضَعِيفَينِ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ضَعْفِهِمَا، وَاللهَ أَسْأَل: أَنْ يُوَفِّقَنَا إِلى مَا هُوَ أَفْضَل 0 المُؤَلِّف °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

إِهْدَاءُ الكِتَاب:

يَسُرُّني أَن أُهْدِيَ هَذَا الكِتَابَ إِلى كُلِّ أَدِيبٍ وَخَطِيبٍ عَاشِق؛ لِلأَدَبِ وَالرَّقَائِق، كَمَا أُهْدِيهِ إِلى أُخْتيَ الغَالِيَة، وَأُمِّيَ الثَّانِيَة / شَقِيقَتي فَاطِمَة، الطَّيِّبَةِ المُسَالِمَة، وَالحَنُونِ الحَالِمَة، وَإِلى الشَّيخ سَامِي؛ بْنِ الإِمَام محَمَّد متوَليِّ الشَّعْرَاوِي، وَإِلى الْكَاتِبِ المحْبُوب، وَالمُشَاغِبِ المَوْهُوب / عِصَام الشَّرْقَاوِي؛ كَمَا يَسُرُّني أَن أُهْدِيَ هَذَا الكِتَابَ ضِمْنَ مَن أُهْدِي؛ إِلى أَغْلَى النَّاسِ عِنْدِي / أَهَالي شَارِع حِيدَر بِقَرْيَةِ خَلِيل الجِنْدِي، بحَيِّ الغَرَقِ محَافَظَةِ الفَيُّوم، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور، وَمَنْ لَمْ يجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورَاً فَمَا لَهُ مِنْ نُور، وَأَخُصُّ في الإِهْدَاءِ مِن هَؤُلاَء: حَمَايَ الأَصِيل / إِسْمَاعِيل عَبْدَ الفَضِيل، وَجِيرَانَهِ الأَعِزَّاء، بَدْءَاً مِن عَمِّ فَوْزِي صَاحِبِ الحَفَاوَةِ وَالجُود، وَمُرُورَاً بِأَبي محْمُود، وَأَبي أَشْرَفَ وَسَائِرِ العُنْقُود، وَالأُسْتَاذ طَارِق وَكُلِّ وَدُود، وَانْتِهَاءً بِالشَّيخ سَيِّد وَعَمِّ مَسْعُود، أَكْثَرَ اللهُ مِنهُمْ في الوُجُود، كَمَا أُهْدِيهِ إِلى كُلِّ مَنْ وَقَفَ بجَانِبي، وَلَوْ بمُوَسَاتي في بَعْضِ مَتَاعِبي، كَالمحَقِّقِ الشَّهِير، وَالبَاحِثِ القَدِير، وَالأَخِ الكَبِير / محْمُود نَصَّار، وَإِلى الحَاجّ طَلْعَت السَّيِّد سُلَيْمَان، كَمَا أُهْدِيهِ لِرُوَّادِ مَسْجِدِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بمِصْرَ الجَدِيدَة، لاَ سِيَّمَا كُلَّ مَنْ رَبَطَتْني بِهِ عَلاَقَةٌ وَطِيدَة، كَالسَّادَةِ المُهَنْدِسِين / محَمَّد صَلاَح الدِّين، وَوَلِيد الشَّاذْلي، وَعَلاَء مُصْطَفَى، وَإِيهَاب المُرْسِي جَبر، وَعَبْد الله بخِيت بَدْر، وَالكِيمْيَائِيّ / أَحْمَد فَتْحِي غَانم، وَالسَّادَةِ الدَّكَاتِرَة / سَامِي عَبْد الْفَتَّاح، وَالدُّكْتُور طَارِق سَعْد، وَالأَصْدِقَاء / محَمَّد رَأْفَتْ عَلِي مُوسَى، وَبَسَّام سَيِّد فَهْمِي، وَعَبْدُه سَعْد؛ عَاشِقُ الْوَرْد، وَالأُسْتَاذ سَامِي وَرِفَاقِه، وَالصَّدِيقِ الرَّقِيق / محْمُود محَمَّد رَمْزِي؛ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَني وَإِيَّاهُمْ إِلى كُلِّ جَمِيل، وَأَنْ يُعِينَنَا في مِشْوَارِنَا الطَّوِيل، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنيِّ جُهْدَ المُقِلِّ في " الرِّضَا بِالقَلِيل " 00 إِنَّهُ هُوَ المُوَفِّقُ وَالهَادِي إِلى سَوَاءِ السَّبِيل 00 كَمَا يَسُرُّني أَن أُهْدِيَ هَذَا الْكِتَاب؛ إِلى أَعَزِّ الأَحْبَاب، وَشَاعِرِ الشَّبَاب / الأُسْتَاذ محَمَّد عَبْدِ الوَهَاب، وَأَخِيرَاً أُهْدِيهِ إِلى عَائِلَةِ السَّقَّا / بِدَايَةً بِالإِخْوَةِ الأَرْبَعَة / الحَاجِّ عُثْمَانَ وَالحَاجِّ حَمْدِي وَالأُسْتَاذَان / أَحْمَد وَمحَمَّد السَّقَّا، وَإِلى سَائِرِ مَنْ تَبَقَّى 0 وَفي النِّهَايَةِ أَقُولُ لِكُلِّ هَؤُلاَءِ الفًضَلاَء؛ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمْ بِصَفْحَةِ الإِهْدَاء: أَحْبَابَنَا مَا أَجْمَلَ الدُّنيَا بِكُمْ * لاَ تَقْبُحُ الدُّنيَا وَفِيهَا أَنْتُمُ $@$ يَاسِر الحَمَدَاني $@$

مُقَدِّمَةُ الرِّضَا بِالقَلِيل

تَبَارَكَ مَنْ لَهُ الحَمْدُ عَلَى الدَّوَام، تَبَارَكَ مَنْ لاَ يَغْفَلُ وَلاَ يَنَام، لَهُ الحَمْدُ في الأُولى وَالآخِرَة، وَلَهُ الحَمدُ دَائِمَاً وَأَبَدَا، سُبْحَانَه سُبحَانَه، لَهُ العِزَّةُ وَالجَبَرُوت، وَلَهُ المُلكُ وَالمَلَكُوت، يحْيى وَيمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يمُوت، يُسَبِّحُ بحَمْدِهِ كُلُّ مَنْ في الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات، بَدْءً امِنَ الذّرَّاتِ وَحَتىَّ المجَرَّات!! إِلهِي لَكَ الحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ * علَى نِعَمٍ مَا كُنْتُ قَطُّ لهَا أَهْلاَ إِذَا زِدْتُّ عِصْيَانَاً تَزِيدُ تَفَضُّلاَ * كَأَنيَ بِالعِصْيَانِ أَسْتوْجِبُ الفَضْلاَ نُسِيءُ إِلَيْهِ وَيحْسِنُ إِلَيْنَا؛ فَمَا قَطَعَ إِحْسَانَهُ وَلاَ نحْنُ اسْتَحْيَيْنَا 00!! اللهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا؛ حَتى نُرْضِيَكَ كَمَا تُرْضِينَا 00!! أَنْتَ الَّذِي أَرْشَدْتَني مِنْ بَعْدِ مَا * في الكَوْنِ كُنْتُ أَتِيهُ كَالحَيرَانِ وَزَرَعْتَ لي بَينَ القُلُوبِ محَبَّةً * حَتىَّ أَحَبَّتْ يَاسِرَ الحَمَدَاني وَنَشَرْتَ لي في العَالمِينَ محَاسِنَاً * وَسَتَرْتَ عَن أَبْصَارِهِمْ عِصْيَاني ﴿مِنْ نُونِيَّةِ ابْنِ الْقَيِّمِ بِتَصَرُّف﴾ إِلهِي لَقَدْ أَحْسَنْتَ رَغْمَ إِسَاءَ تي * إِلَيْكَ فَلَمْ يَنهَضْ بِإِحْسَانِكَ الشُّكْرُ فَمَنْ كَانَ مُعْتَذِرَاً إِلَيْكَ بحُجَّةٍ * فَعُذْرِيَ إِقْرَارِي بأَنْ لَيْسَ لي عُذْرُ دَعَوْتُكَ مُفْتَقِرَاً إِلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ * لِيُعْجِبَني لَوْلاَ محَبَّتُكَ الفَقْرُ ﴿الْبَيْتَانِ الأَوَّلاَنِ لأَبي نُوَاس / الحَسَنِ بْنِ هَانِئٍ بِتَصَرُّف، وَالأَخِيرُ لِلْبُحْتُرِيّ 0 أَيْضَاً بِتَصَرُّف﴾ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، أَرْسَلَهُ اللهُ هَادِيَاً وَمُبَشِّرَاً وَنَذِيرَا، وَدَاعِيَاً إِلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيرَا، اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ تَسْلِيمَاً كَثِيرَا 00 أَنْتَ الَّذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلى السَّمَا * بِكَ قَدْ سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِلِقَاكَا أَنْتَ الَّذِي مِنْ نُورِكَ البَدْرُ اكْتَسَى * وَالشَّمْسُ قِنْدِيلٌ أَمَامَ ضِيَاكَا نَادَيْتَ أَشْجَارَاً أَتَتْكَ مُطِيعَةً * وَشَكَا الْبَعِيرُ إِلَيْكَ حِينَ رَآكَا وَالمَاءُ فَاضَ بِرَاحَتَيْكَ وَسَبَّحَتْ * صُمُّ الحَصَى للهِ في يُمْنَاكَا وَالجِذْعُ حَنَّ إِلَيْكَ حِينَ تَرَكْتَهُ * وَعَلَى سِوَاهُ أُوقِفَتْ قَدَمَاكَا مَاذَا يَقُولُ المَادِحُونَ وَمَا عَسَى * أَنْ يجْمَعَ الكُتَّابُ مِنْ مَعْنَاكَا صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى * وَأَدَامَ في أَذْهَانِنَا ذِكْرَاكَا ﴿شِهَابُ الدِّينِ الأَبْشِيهِيُّ صَاحِبُ المُسْتَطْرَف، بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف﴾ اللهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ عَدَدَ أَوْرَاقِ الشَّجَر، وَعَدَدَ حَبَّاتِ المَطَر، وَعَدَدَ مَا خَلَقْتَ مِنَ البَشَر ثمَّ أَمَّا بَعْد فَسَوْفَ أَتَعَرَّضُ في هَذَا العَمَلِ لِقَضِيَّةٍ شَغَلتْ كَثِيرَاً مِنَ البَشَر، أَلاَ وَهِيَ قَضِيَّةُ القَضَاءِ وَالقَدَر؛ فَكُلُّ النَّاسِ يَرْضَوْنَ بِحُلْوِهِ أَمَّا المُرُّ فَيَسْتَقبِلُونَهُ بِالتَّبَرُّمِ وَالضَّجَر، تَنَاوَلْتُ فِيهِ كُلَّ مَا يُؤَرِّقُ بَني آدَمَ مِنَ المَصَائِبِ وَالآفَاتِ وَالضَّرَر 00 وَأَبْدَأُ هَذِهِ السِّلسِلَةَ بِقَضِيَّةِ ضِيقِ الرِّزْق، الَّتي قَلَّمَا ابْتُلِيَ بِهَا إِنسَانٌ فَصَبَر 00 فَأَكْثَرُ النَّاسِ إِذَا أَعْطَاهُ اللهُ آمَنَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ اللهُ كَفَر، نُرَغِّبُ الفَقِيرَ في القَنَاعَةِ وَنَنهَى الغَنيَّ عَنِ البَطَر؛ وَنَتَعَلَّمُ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِالحِيَل، وَأَنَّهُ أَشَدُّ طَلَبَاً لِلعَبْدِ مِنَ الأَجَل، وَلَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنسَانُ مِن عَجَل 00 هَذَا 00 وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيل، عَلَيْهِ تَوَكَّلنَا وَهُوَ نِعْمَ الوَكِيل 0 ،؛، الفَقِيرُ إِلى عَفْوِ رَبِّهِ وَدُعَائِكُمْ / يَاسِر الحَمَدَاني،؛، °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°*°

تَمْهِيدُ الرِّضَا بِالقَلِيل:

============ هَذَا الكِتَابُ مُوَجَّهٌ إِلى الَّذِينَ يَكُدُّونَ في طَلَبِ المَعِيشَة، ثمَّ لاَ يجِدُونَ في نِهَايَةِ الشَّهْرِ مَا يَكْفِيهِمْ وَيَكْفِي بَنِيهِمْ، لاَ إِلى العَاطِلِينَ الَّذِينَ لاَ يَعْمَلُونَ ثمَّ يَشْكُونَ مِنْ كَثرَةِ العِيَالِ وَقِلَّةِ المَالِ وَسُوءِ الحَال إِنَّ النَبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ فَقِيرَاً وَمَاتَ فَقِيرَاً، إِلاَّ أَنَّ فَقْرَهُ كَانَ أَسْمَى بِكَثِيرٍ مِنْ فَقرِنَا، فَلَقَدْ كَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسُ الغَنَائِمِ كَمَا كَانَ يُهْدَى لَه، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِكُلِّ هَذَا في سَبِيلِ اللهِ وَيَعِيشُ عِيشَةَ الفُقَرَاء!!

وَذَلِكَ رَغْبَةً مِنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثَوَابِ الفَقْرِ لاَ في الفَقْرِ ذَاتِه، فَلَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنَ الاَسْتِعَاذَةِ مِنه، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ كَيْفَ مَعَ فَضْلِه 00!!؟ وَأَقُولُ لَهُ وَبِاللهِ التَّوْفِيق: الفَقْرُ يَا أَخِي لَيْسَ خَيرَاً في ذَاتِه، إِنمَا الخَيرُ في ثَوَابِه، وَالصَّبْرِ عَلَى عَذَابِه 0

هَلِ الفَقْرُ خَيرٌ أَمْ شَرّ 00؟ أَمَّا اسْتِعَاذَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنهُ فَكَاسْتِعَاذَتِهِ مِنَ البَلاَءِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ العَظِيمْ، وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أَيُّهَا النَّاس، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ، وَسَلُواْ اللهَ العَافِيَة، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُواْ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقم: (2966 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 1742 / عَبْد البَاقِي]

انْظُرْ يَرْحَمُكَ الله: نَهَانَا عَنْ تَمَنيِّ الجِهَاد؛ وَإِنْ كَانَ أَمَرَنَا في الْوَقْتِ نَفْسِهِ بِتَمَنيِّ الشَّهَادَة 0 فَالاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْفَقْرِ محْمُولَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلَى أَنهَا اسْتِعَاذَةٌ مِنْ ذُلِّه، وَالترْغِيبُ فِيهِ محْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَرْغِيبٌ في الكَفَافِ وَالعَفَاف؛ وَكَمَا أَسْلَفْنَا فَالفَقْرُ: الخَيرُ في ثَوَابِه، وَالشَّرُّ في عَذَابِه 0 اسْتِعَاذَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَرِّ الفَقْرِ وَمِنْ شَرِّ الغِنى عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَات: " اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّار، وَعَذَابِ النَّار، وَمِنْ شَرِّ الْغِنى وَالفَقْر " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: 1543]

عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " اللهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّار، وَمِن عَذَابِ النَّار، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْر " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقم: (6376 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 589 / عَبْد البَاقِي] هَلِ الفِرَارُ مِنَ الفَقْرِ فِرَارٌ مِنْ قَدَرِ الله 00؟ فَكَوْنُ الفَقْرِ قَدَرَ اللهِ لاَ يَمْنَعُ أَبَدَاً مِنْ مُدَافَعَتِه وَمحَاوَلَةِ الخُرُوجِ مِنهُ، مَثَلُهُ في ذَلِكَ مَثَلُ المَرَض 0

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ خَرَجَ إِلى الشَّام، حَتىَّ إِذَا كَانَ بِسَرْغَ ـ أَيْ مَوْضِعٌ بَينَ الشَّامِ وَالحجَاز ـ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأَصْحَابُه، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّام؛ فَقَالَ عُمَر ـ أَيْ لاَبْنِ عَبَّاس ـ ادْعُ ليَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِين، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّام، فَاخْتَلَفُواْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ 00!! وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاء 00!!

فَقَالَ ارْتَفِعُواْ عَنيِّ، ثُمَّ قَالَ ادْعُواْ ليَ الأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُواْ سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُواْ كَاخْتِلاَفِهِمْ؛ فَقَالَ ارْتَفِعُواْ عَنيِّ، ثمَّ قَالَ ادْعُ ليَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلاَن ـ أَيِ اتَّفَقُواْ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاء ـ فَقَالُواْ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاء؛ فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ إِنيِّ مُصَبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُواْ عَلَيْه ـ أَيْ إِني مُرْتحِلٌ في الصَّبَاحِ فَتَهَيَّئُواْ ـ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاح: أَفِرَارَاً مِنْ قَدَرِ الله 00!؟ فَقَالَ عُمَر: لَوْ غَيْرُكَ قَالهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة 00!!!

نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلى قَدَرِ الله: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيَاً، لَهُ عُدْوَتَان ـ أَيْ حَافَّتَان ـ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَة، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله؟ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبَاً في بَعْضِ حَاجَتِه، فَقَالَ إِنَّ عِنْدِيَ في هَذَا عِلْمَاً: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ ـ أَيْ بِالطَّاعُونِ ـ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُواْ عَلَيْه، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بهَا فَلاَ تخْرُجُواْ فِرَارَاً مِنْهُ؛ فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ ثمَّ انْصَرَف " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (5729 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2219 / عَبْد البَاقِي]

فَالخَيرُ وَالشَّرُّ فِتنَة، وَكُلٌّ مِن عِنْدِ الله، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا لاَ يمْنَعُ مِنْ كَرَاهِيَةِ الشَّرِّ وَمُدَافَعَةِ أذَاه 00!! وَمِن أَطْرَفِ مَا يحْكَى في ذَلِكَ أَيْضَاً: أَنَّ طَاعُونَاً آخَرَ ضَرَبَ أَرْضَ الخِلاَفَةِ في عَهْدِ الخَلِيفَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِك؛ فَأَرَادَ الخُرُوجَ مِنهَا، فَقَالَ لَهُ النَّاس: يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإِذَاً لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاَ﴾ ﴿الأَحْزَاب: 16﴾ فَقَالَ لهُمْ وَكَانَ حَاضِرَ البَدِيهَة: ذَلِكَ القَلِيلَ أَطْلُب 00!!

[ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ في " العِقدُ الفَرِيد " ص: (142/ 3)، الدُّكتُور نَايِف في " نَفَائِسُ اللَّطَائِف " 0 بَيرُوت 0 ص: 113] الفَرْقُ بَيْنَ الفَقِيرِ وَالمِسْكِين إِنَّ الفَقْرَ لُغَةً هُوَ الحَاجَةُ وَالعَوَز؛ وَلِذَا كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ مِنه، لأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ السِّدَادَ لاَ العَوَز: أَيْ مَا يَسُدُّ الحَاجَة؛ وَلِذَا جَاءَ في الصَّحِيح: عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محَمَّدٍ قُوتَاً " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (6460)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 1055]

لاَحِظ يَا أَخِي أَصْلحَكَ اللهُ أَنَّهُ قَالَ " قُوتَاً " وَلَمْ يَقُلْ ضَيِّقَاً، وَلاَ قَالَ أَيْضَاً وَاسِعَاً 0 عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " خَيرُ الرِّزْقِ الْكَفَاف " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (5586)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في كِتَابِ الزُّهْد] عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " اللهُمَّ أَحْيِني مِسْكِينَاً وَأَمِتْني مِسْكِينَاً وَاحْشرنِي في زُمْرةِ المَسَاكِينِ يَومَ القِيَامَة " 00 فَتَسْأَلُهُ أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لِمَ يَا رَسُولَ الله 00!؟

فَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفَاً، يا عَائِشَة: لاَ تَرُدِّي المَسَاكِينَ وَلَوْ بِشِق تمْرَة، يَا عَائِشَة: أَحِبيّ المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ؛ فَإِنَّ اللهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ القِيَامَة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2352، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيصِ مُخْتَصَرَاً بِرَقْم: 7911] وَالمِسْكِينُ هُوَ الفَقِيرُ القَانِع، المُخْبِتُ الخَاشِعُ المُتَوَاضِع، الَّذِي جَمَعَ إِلى الفَقْرِ المَسْكَنَةَ وَالحَيَاء، وَهَذَا مَا طَلَبَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: حَيْثُ طَلَبَ السَّلاَمَةَ مِنَ الدُّنيَا في غَيرِ حَاجَةٍ مُذِلَّة، وَلاَ كَثرَةٍ مُضِلَّة، لاَ سِيَّمَا أَنَّ كَثِيرَاً مِن أَهْلِ اللُّغَةِ قَالُواْ: إِنَّ المِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالاً مِنَ الفَقِير،

غَيرَ أَنَّهُ وَبِرَغْمِ رِقَّةِ حَالِهِ [لاَ أَقُولُ سُوءَ حَالِهِ] كَالْفَقِيرِ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ كَالفَقِير، غَيرَ أَنَّهُ وَبِرَغْمِ رِقَّةِ حَالِهِ [لاَ أَقُولُ سُوءَ حَالِهِ] كَالْفَقِير؛ فَإِنَّهُ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ كَالفَقِير، فَهُوَ قَانِعٌ خَاشِعٌ مُتَوَاضِع 0 عَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَيسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَان، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَان، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لاَ يجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْه، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاس " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (1479)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 1039]

عَن أَبي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: " أَمَرَني صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 21415] وَفي رِوَايَةٍ: " أَرْحَمَ المَسَاكِينَ وَأُجَالِسَهُمْ " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 21517]

زُهْدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ في الغِنى وَعَن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيجْعَلَ لي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبَاً 00؟ قُلْتُ لاَ يَا رَبّ، وَلَكِن أَشْبَعُ يَوْمَاً وَأَجُوعُ يَوْمَاً، قَالَهَا ثَلاَثَاً؛ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُك، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُك " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيّ " بِرَقْم: (3980)، وَالعَلاَّمَة أَحْمَدْ شَاكِر في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: (22090)، وَهُوَ في " الشُّعَب " بِرَقْم: 10410]

عَن أُمِّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا غَرْبَلَتْ دَقِيقَاً، فَصَنَعَتْهُ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِيفَاً، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا هَذَا " 00؟ قَالَتْ طَعَامٌ نَصْنَعُهُ بِأَرْضِنَا؛ فَأَحْبَبْتُ أَن أَصْنَعَ مِنْهُ لَكَ رَغِيفَاً؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " رُدِّيهِ فِيهِ ثُمَّ اعْجِنِيه " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: 3336]

عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " لَسْتُ مِنَ الدُّنيَا وَلَيْسَتْ مِنيِّ؛ إِنيِّ بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ نَسْتَبِق " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " صَحِيحِ الجَامِعِ " بِرَقْم: (5080)، أَخْرَجَهُ الحَافِظُ الضِّيَاءُ في مخْتَارَاتِه]

إِنَّ خَزَائِن الأَرْضِ حُمِلَتْ إِلى رسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَر، فَأَخَذُوهَا وَوَضَعُوهَا في مَوَاضِعِهَا، كَانَتِ الدُّنيَا في أَيْدِيهِمْ وَلَمْ تَكُ في قُلُوبِهِمْ: فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الَّذِي كَانَ يملِكُ مِنَ الذَّهَبِ مَا كَانَ يُقطَعُ بِالفُئُوس: أَيْنَ ذَهَبَ ذَهَبُكَ يَا أَبَا بَكْر 00!؟ أَنْفَقَهُ كُلَّهُ في الدَّعْوَةِ وَعَلَى عِتْقِ العَبِيدِ وَالإِمَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ: كَبِلاَلِ الحَبَشِيِّ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِوَزْنِهِ ذَهَبَاً، لَكَ اللهُ يَا أَبَا بَكْر 00!!

أَمَّا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَلاَ أَجِدُ فِيهِ أَجْمَلَ وَلاَ أَرْوَعَ مِمَّا قَالَهُ الشّيخُ عَبْدُ الحَمِيد كِشْكٌ رَحِمَهُ الله: " كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَنَامُ عَلَى الحَصِير، لَمْ تَكُنْ في بَيْتِهِ سُرُرٌ مَرْفُوعَة، وَلاَ أَكْوَابٌ مَوْضُوعَة، وَلاَ نمَارِقُ مَصْفُوفَة، وَلاَ زَرَابِيُّ مَبْثُوثَة 00 كَانَ يَنَامُ عَلَى الحَصِير، وَلَيْسَ عَلَى الحَرِير " 0 [الشِّيخ عَبْدِ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبُ المِنْبَرِيَّةُ " ص: 62/ 3] وَفي النِّهَايَةِ يُمْكِنُ الْقَوْل: إِنَّ الْغِنى إِنْ كَانَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ فَلاَ ضَير، وَإِنْ لَمْ يَكُن؛ فَمَا فِيهِ خَير 0

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَن أَخِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لاَ بَأْسَ بِالْغِنى لِمَنِ اتَّقَى، وَالصِّحَّةُ لِمَنْ اتَّقَى خَيرٌ مِنَ الْغِنى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيم " [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ وَفي المِشْكَاةِ وَفي الأَدَبِ المُفْرَد] ،؛، الكَاتِبُ الإِسْلاَمِي / يَاسِرُ الحَمَدَاني،؛، °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°*°

الفَقِيرُ الصَّابِر:

======== أَوَّلاً: مَنْزِلَةُ الفَقِيرِ عِنْدَ النَّاس إِنَّ الفَقِيرَ هُوَ الفَقِيرُ في كُلِّ زَمَان، كُتِبَتْ عَليْهِ المَذَلَّةُ وَالهَوَان إِنْ كَانَ ذَا أَدَبٍ وَظُرْفٍ قِيلَ عَنهُ أَخُو ضَلاَلْ أَوْ كَانَ ذَا نُسُكٍ وَدِينٍ قِيلَ عَنهُ مِنَ الثِّقَالْ ﴿محَمَّدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ عَمْرٍو البَاهِلِيّ﴾ فَإِذَا كَانَ كَرِيمَاً قالُواْ مُسْرِف، وَإِذَا كَانَ حَكِيمَاً قالُوا مُتَفَلْسِف، وَإِذَا كَانَ مُتَدَيِّنَاً قَالُواْ مُتَطَرِّف 00!! مَتى يَتَكَلَّمْ يَهْزَئُواْ بِكَلاَمهِ * وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَالُواْ عَدِيمُ بَيَانِ ﴿محَمَّدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ عَمْرٍو البَاهِلِيُّ بِتَصَرُّف﴾

وَلَمْ يَزَالُواْ بِهِ لاَ يَدَعُونَه وَشُؤُونَه حَتىَّ إِنَّهُ لَيَتَمَنى أَنْ يجِدَ نَفَقَاً في الأَرْضِ أَوْ سُلَّمَاً في السَّمَاء؛ لِيَنْجُوَ بِهِ مِن هَذَا العَنَاء، وَلَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَهُ بِفَمِ الحَيَّةِ فيُخرِجَهَا سُمَّاً فيَبْتَلِعَهُ؛ كَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَيهِ مِن بعْضِ مَا يَسْمَعُ وَيَرَى، وَإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى00!! فَالفَقِيرُ لَيْسَ لَهُ مَكَان، في هَذَا الزَّمَان؛ مُصَافَحَتُهُ تُنْقِضُ الوُضُوء، وَالقُرْبُ مِنهُ عَدوَى، وَالبُعْدُ عَنهُ غَنِيمَة 00!! إِذَا سَأَلَ الْقُوتَ قَالُواْ أَسَاءَ * وَإِنْ وَصَفَ الْفَقْرَ قَالُواْ كَذَبْ وَإِنْ قَالَ قَدْ بَادَ عَهْدُ الْكِرَامِ * يُقَالُ لَهُ قَدْ أَسَأْتَ الأَدَبْ ﴿أَحْمَد محَرَّم بِتَصَرُّف﴾ عَن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال:

" لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَة: كُنَّا نُحَامِلُ ـ أَيْ نَتَحَامَلُ عَلَى أَنْفُسِنَا ـ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِير، فَقَالُواْ مُرَاءٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُواْ: إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا؛ فَنَزَلَت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَات، وَالَّذِينَ لاَ يجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ؛ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الآيَةَ﴾ ﴿التَّوْبَة/79﴾ " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (1415)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 1018] وَهَكَذَا الفَقِير: فَإِن أَحْسَنَ قِيلَ مُرَاءٍ كَذَّاب، وَإِن أَسَاءَ ضُوعِفَ لَهُ العَذَاب 00

وَحَسْبُ الفُقَرَاءِ أَنَّهُمْ فُقَرَاء، أَلاَ صَدَقَ أَحَدُ الشُّعَرَاء: الفَقْرُ مَوْتٌ غَيْرَ أَنَّ صَرِيعَهُ * يَبْقَى وَأَمَّا نَفْسُهُ فَتَزُولُ ﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾ وَهَكَذَا الفَقْرُ مُذْ كَانَ وَهُوَ مَوْتُ الأَحْيَاء؛ فَيَا مَنْ رَأَى مَوْتَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاة 00؟!! وَالنَّاسُ صِنْفَانِ مَوْتَي في حَيَاتِهِمُ * وَآخَرُونَ بِبَطْنِ الأَرْضِ أَحْيَاءُ ﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾ لَوْ لَمْ يَكُ في الفَقْرِ إِلاَّ أَنَّهُ يُلْجِئُ الكِرَامَ إِلى اللِّئَامِ لَكَفَى؛ وَلِذَا جَاءَ ذَمُّهُ عَلَى لِسَانِ النَّاسِ كَافَّة؛ أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يجْعَلُ العَفِيفَ يَسْرِق 00؟! وَالأَمِينَ يخُون 00؟! وَالكَرِيمَ يَبْخَل 00؟! نَزَلَ قَوْمٌ ضُيُوفَاً عَلَى رَجُل، فَلَمْ يجِدْ في بَيْتِهِ مَا يَقْرِيهِمْ بِهِ؛ فَبَخَّلُوه، فَقَالَ لَهُمْ:

" بَيْتي يَبْخَلُ لاَ أَنَا " 0 مَسَاكِينُ أَهْلُ الفَقْرِ حَتىَّ قُبُورُهُمْ * عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَينَ المَقَابِرِ حَتىَّ الكِلاَبُ تَرْفَعُ أَذْيَالَهَا لِلغَنيِّ وَتَنْبَحُ عَلَى الفَقِير يمْشِي الفَقِير مُطَأْطِئَاً مِن رَأْسِهِ * وَالنَّاسُ تُغْلِقُ دُونَهُ أَبْوَابَهَا وَتَرَاهُ مجْفُوَّاً بِغَيرِ جِنَايَةٍ * وَيَرَى العَدَاوَةَ لاَ يَرَى أَسْبَابَهَا حَتىَّ الكِلاَبُ إِذَا رَأَتْ أَهْلَ الغِنى * رَفَعَتْ لَهُمْ بِتَحِيَّةٍ أَذْنَابَهَا وَإِذَا رَأَتْ يَوْمَاً فَقِيرَاً مَاشِيَاً * نَبَحَتْ عَلَيْهِ وَكَشَّرَتْ أَنيَابَهَا ﴿تُنْسَبُ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَف 0 بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف﴾

وَهَذَا هُوَ حَالُ الْفَقِيرِ في كُلِّ زَمَان: إِن خَرَجَ لِلْعَمَلِ عَانى مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَان، وَإِنْ قَعَدَ في بَيْتِهِ عَانى مِنَ الجُوعِ وَالحِرْمَان؛ فَلاَ تُفَارِقُهُ الأَحْزَان، وَكَأَنَّ بَيْنَهُ وَبَينَ السَّعَادَةِ مَا بَينَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدَان فَالغَنيُّ فَقَطْ: هُوَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أَنْ يَقْطِفَ مَا شَاءَ مِنَ الوُرُود، أَمَّا الفَقِيرُ فَلَوْ شَمَّ وَرْدَةً؛ لَقِيلَ لَهُ قَدْ جَاوَزْتَ الحُدُود!! فَهْوَ أَضْيَعُ مِنَ الأَيْتَام في مَأْدُبَةِ اللِّئَام، وَمَهْمَا قُلْنَا مِنَ الكَلاَم؛ فَلَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا يَنْتَابُهُ مِن آلاَم 00!! وَمَنْ يَكُ ذَا فَقْرٍ يَعِشْ طُولَ عُمْرِهِ * ذَلِيلاً وَلَنْ يَلْقَى مِنَ النَّاسِ رَاحِمَا فَإِمَّا يُقِيمُ عَلَى المَذَلَّةِ رَاضِيَاً * وَإِمَّا يُقِيمُ عَلَى المَذَلَّةِ رَاغِمَا

﴿يَاسِرٌ الحَمَدَانيّ﴾ ظُلْمُ المجْتَمَعِ لِلفَقِير عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَة: عِيسَى ابْنُ مَرْيم، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِدَاً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي 00؟! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي 00؟! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِه، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ أَيْ رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي؟!

فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَقَالَت: اللهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتىَّ يَنْظُرَ إِلى وُجُوهِ المُومِسَات ـ وَفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِن ـ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجَاً وَعِبَادَتَه، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ 00 فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيَاً كَانَ يَأْوِي إِلى صَوْمَعَتِهِ ـ أَيْ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ ـ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ؛ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُواْ صَوْمَعَتَه، وَجَعَلُواْ يَضْرِبُونَهُ؛ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ 00؟! قَالُواْ زَنَيْتَ بهَذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْك، فَقَالَ أَيْنَ الصَّبيُّ 00؟

فَجَاءواْ بِهِ، فَقَالَ ـ أَيْ جُرَيْج ـ دَعُوني حَتىَّ أُصَلِّي، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبيَّ، فَطَعَنَ في بَطْنِهِ وَقَال: يَا غُلاَمُ مَن أَبُوك 00؟ قَالَ فُلاَنٌ الرَّاعِي؛ فَأَقْبَلُواْ عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُواْ: نَبْني لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَب، قَالَ لاَ، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُواْ، وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِن أُمِّه، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ ـ أَيْ هَيْئَةٍ ـ حَسَنَة؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَال: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَه،

ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِع " 00 قَالَ ـ أَيْ أَبُو هُرَيْرَة: فَكَأَنيِّ أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ في فَمِه، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَمَرُّواْ بجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونهَا وَيَقُولُون: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُول: حَسْبيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَال: اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ ـ أَيِ الأُمُّ وَوَلَدُهَا ـ فَقَالَتْ: حَلْقَى ـ أَيْ أَوْجَعَ اللهُ حَلقَكَ ـ مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقُلْتُ اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَه، فَقُلْتَ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني

مِثْلَه، وَمَرُّواْ بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ، سَرَقْتِ؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَقُلْتَ اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا 00؟! قَالَ ـ أَيِ الغُلاَم ـ إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارَاً؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا " 0 [رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ نَحْوَهُ بِرَقْم: (3436 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ بِنَصِّهِ نُسْخَةِ فُؤَاد عَبْد البَاقِي بِرَقْم: 2550] خُلِقَ الفَقِيرُ لخِدْمَةِ الأَغْنى وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارْ مَا لاِبْنِ آدَمَ زَادَ في جَبَرُوتِهِ فَطَغَى وَجَارْ ﴿محْمُود غُنَيْم﴾

فَكَمْ غَفَرَ النَّاسُ ذَنْبَ الغَنيِّ * وَكَمْ أَلْصَقُواْ بِالفَقِيرِ التُّهَمْ وَأَقْسِمُ لَنْ يَتَسَاوَى الأَنَامُ * فَمَا هُمْ سِوَى سَادَةٍ أَوْ خَدَمْ ﴿محْمُود غُنَيْم﴾ وَأَحْوَالُ الفُقَرَاء؛ هِيَ الَّتي جَعَلَتِ النَّاسَ يَطْلُبُونَ الأَغْنِيَاء؛ انْظُرْ إِلى عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ وَهُوَ يَقُول: ذَرُونِي لِلْغِنى أَسْعَى فَإِنيِّ * رَأَيْتُ النَّاسَ شَرُّهُمُ الفَقِيرُ وَمِنهُ يَسْخَرُونَ إِذَا رَأَوْهُ * أَتَى وَلَوَ انَّهُ رَجُلٌ قَدِيرُ فَيُقْصِيهِ الدَّنِيءوَتَزْدَرِيهِ * أَقَارِبُهُ وَيَنهَرُهُ الصَّغِيرُ وَتَلْقَى ذَا الْغِنى وَلَهُ جَلاَلٌ * يَكَادُ فُؤَادُ صَاحِبِهِ يَطِيرُ ﴿عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْد﴾ حَقَّاً وَاللهِ صَدَقَ مَنْ قَال: " الدَّرَاهِمُ مَرَاهِم " 00!!

عَدْوَى الفَقْر

عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيْمَنَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدِّثُ أَصْحَابهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الفُقَرَاء، فَجَلَسَ إِلى جَنْبِ رَجُلٍ مِنَ الأَغْنِيَاء، فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ ثِيَابِهِ عَنه؛ فَتَغَيرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: " أَخَشِيتَ يَا فُلاَنُ أَنْ يَعْدُوَ غِنَاكَ عَلَيْه، أَوْ أَنْ يَعْدُوَ فَقْرُهُ عَلَيْك "؟! قَال: يَا رَسُولَ الله، أَوَشَرٌّ الغِنى 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " نَعَمْ؛ إِنَّ غِنَاكَ يَدْعُوكَ إِلى النَّار، وَإِنَّ فَقْرَه يَدْعوهُ إِلى الجنَّة " 0 قَالَ ـ أَيِ الغَنيّ: فَمَا ينْجِيني مِنهُ 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " تُوَاسِيه " 00 قَالَ إِذَن أَفْعَل " 0 [ابْنُ القَيِّمِ في عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين]

وَسِيروا في الأَرْضِ وَانظرُواْ: مَنْ كَانَ يملِكُ ثَرْوَةً أَوْ مَالاَ * مَلَكَ الرِّقَابَ بمَالِهِ وَتَعَالى وَعَلاَ رُءوسَ القَوْمِ وَاسْتَمَعُواْ لَهُ * وَرَأَيْتَهُ بَيْنَ الْوَرَى مخْتَالاَ لَوْلاَ دَرَاهِمُهُ الَّتي في جَيْبِهِ * لَرَأَيْتَهُ شَرَّ البَريَّةِ حَالاَ فَإِذَا تَكَلَّمَ كَاذِبَاً قَالُواْ لَهُ * لاَ فُضَّ فُوكَ لَقَدْ صَدَقْتَ مَقَالاَ وَإِذَا الفَقِيرُ أَصَابَ قَالُواْ لَمْ تُصِبْ * وَكَذَبْتَ يَا هَذَا وَقُلْتَ ضَلاَلاَ إِنَّ الدَّرَاهِمَ في البِلاَدِ بِأَسْرِهَا * تَكْسُو الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَلاَلاَ فَهِيَ اللِّسَانُ لِمَن أَرَادَ فَصَاحَةً * وَهِيَ السِّلاَحُ لِمَن أَرَادَ قِتَالاَ ﴿محَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الهَاشمي﴾

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَات، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِب، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِق، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِن، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِين، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَة " 00 قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَة 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " الرَّجُلُ التَّافِهُ في أَمْرِ الْعَامَّة " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 4036، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد]

أَثَرُ الغِنى وَالإِفْلاَس؛ في الحُبِّ بَينَ النَّاس فَأَنْطَقَتِ الدَّرَاهِمُ بَعْدَ صَمْتٍ * أُنَاسَاً بَعْدَمَا كَانُواْ سُكُوتَا فَمَا عَطَفُواْ عَلَى أَحَدٍ بِفَضْلٍ * وَلاَ عَرَفُواْ لمَكْرُمَةٍ ثُبُوتَا ﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيّ﴾

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل