باب فيمن اكترى أرضا متى ينقضي أمدها (1) وهي أرض بعل (2) أو سقي، أو اكترى سنين غير معينة، وإذا أراد المكري أن يشتري ذلك، ومن اشترى زرعًا ليقلعه ثم اشترى الأرض، أو اشترى الأرض ثم اشترى الزرع
3
ومن اكترى أرضًا سنة يزرعها قمحًا أو شعيرًا، كان محمله على بطن واحد، فإذا رفع زرعه انقضت سنة، وسواء كانت عنده بعلًا أو سقيًا، إلا أن تكون عادتهم يزرعونها مرتين بها السنة فيحملون على عادتهم.
وإن لم يسم ما يعمل فيها ولا عادة عندهم، أو كانت العادة مختلفة ولا 4 يختلف كراؤه، كان فاسدًا عند غير ابن القاسم ويعمل إن تعاملا بمال على الطريق، وإن كانت بالسقي استعملها جميع السنة اثني عشر شهرًا.
ولو كانت العادة فيما يعمل فيها مختلفة، كان فاسدًا، مثل القول في كراء الدابة ولا يسمى الصنف الذي يحمل عليها، فأجازه ابن القاسم 5، ويحمل عليها ما لا يضر بها.
ومنعه غيره حتى يسمي ذلك الصنف.12
وكذلك الأرض تختلف مضرة ما يعمل فيها من الأشياء، إذا عمل فيها هذه السنة لا يمنع أن يستعمل السنة الأخرى، ومنها ما يذهب بقوتها ويضعفها فلا ينتفع بعملها (1) في السنة الثانية، ومنها ما لا ينتفع بها الثانية ولا الثالثة إلا على ضعف، وما لا يفيد كبير فائدة.
ومضرة الشعير أقل من مضرة القمح، ومضرة القمح أقل من مضرة العلس (2).
فصل (3) فيما إذا أكترى كل سنة بدينار ولم يسم عدد السنين
وإن اكترى كل سنة بدينار ولم يسم عدد السنين؛ كان كل واحد منهما بالخيار ما لم يحرث أو يقلبها في السنة 4، فيلزمه في تلك السنة، ثم هما بالخيار في الثانية 5 ما لم يشرع في العمل، وإن زرعها المكتري، لم يجز لصاحب الأرض أن يشتري ذلك الزرع على البقاء وإن كان في أرضه، ويدخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه.
وكذلك إن باع المكري الأرض لم يجز للمشتري أن يشتري ذلك الزرع، وليس بمنزلة الأرض والزرع لمالك واحد فيبيع الأرض ثم يبيع الزرع من مشتري الأرض.
فقيل: يجوز لأنه يلحقه بالعقد الأول ويصير كأنه بيع واحد.123
وقيل: لا يجوز لأن العقد الأول قد انبرم ولا يصح إلحاقه.
وقيل: يجوز إن قَرُبَ ولا يجوز إن بَعُد.
وقيل: لا يجوز وإن قَرُبَ.
وهو أحسن، فإن بَعدَ ما بينهما لم يجز، والقول بالمنع وإن قَرُبَ أصوب؛ لأن البيع الأول (1) قد انعقد حقيقة والعقد الثاني (2) منفرد لا يصلح دخول فيه.
ولو وهب الأرض، لم يجز لمن وهبت له أن يشتري ذلك الزرع ولا يلحق البيع بالهبة فيصير كأنه وهب الجميع.. وإن جهل مُكري الأرض فاشترى ما فيها من الزرع فلم ينظر في ذلك حتى تغير بنماء أو أصابته عاهة، لكان نماؤه وهلاكه من زارعه وإن كان سقيه على مشتريه؛ لأن سقيه عليه بالحق المتقدم بعقد الكراء، وشراء صاحب الأرض فيه بمنزلة شراء (3) الأجنبي.
وكذلك قول ابن القاسم في الْعَرِيَّة يشتريها المعرِي: إن الجائحة من المعرَى (4) وإن كان السقي على صاحب النخل؛ لأنه يقول: أنا أسقي بالحق الأول الذي تَقدَّم وجوبه علي بالْعَرِيَّة، وشرائي فيها بمنزلة لو اشتراها أجنبي.
فصل [فيما إذا اشتري زرع لم يبد صلاحه على القلع]
وكان اشترى زرعًا لم يبد صلاحه على القلع، ثم استأذن صاحب الأرض في بقائه حتى يبدو صلاحه، أو اكترى الأرض ليقره حتى يبدو صلاحه، لم يجز،1234
لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، ولا شيء عليه 1 فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأن الزرع إذًا بيع على البقاء، ويزيد في الثمن لذلك ولا يدري هل يسلم أم لا، ولو اكترى الأرض ليقره 2 ولا يقلعه، لم يجز ذلك 3.
باب في اختلاف المتكارين
قال 1: وإن اختلفا هل حرث متعديًا أو بكراء؟ فإن كان حرثه بعلم صاحب الأرض، كان القول قول الزارع أنه لم يتعد، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في المستحق 2 من الكراء هل المسمى أو المثل إن كان كثيرًا؟ فإن كان المسمى الذي يقول المكتري أنه اكترى به مثل كراء المثل فأكثر، غرم ذلك المسمى من غير يمين على واحد منهما.
وإن كان المثل أكثر كان القول عند ابن القاسم قول الزارع مع يمينه إذا كان أتى بما يشبه 3. وقال غيره: القول قول صاحب الأرض مع يمينه ويأخذ كراء المثل.
وإن كان حرثه بغير علم صاحب الأرض كان فيه قولان، هل اختلافهما شبهة يسقط عنه حكم التعدي، أو ليس بشبهة ويكون القول قول صاحب الأرض وهو قول ابن القاسم؟ وجعل غيره ذلك شبهة يسقط عنهه حكم التعدي.
فعلى قول ابن القاسم يحلف صاحب الأرض أنه لم يُكْرِه ويكون معه على حكم التعدي 4، فإن كان في الإبان ولم يبرز الزرع أو برز ولم يكن في قلعه منفعة، كان له أن يأخذ الأرض بزرعها ولا شيء للزارع، وإن كان في قلعه منفعة، كان له أن يأمره بقلعه ولربه أن يقلعه.
واختلف إذا أحب صاحب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعًا فأجيز
ومنع، والإجازة أحسن، وليس يدخل هذا في النهي عن بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأن ذلك في بيعه على البقاء فيزيد في الثمن لمكان البقاء 1 ولا يدري هل يسلم أم لا؟ وهذا يأخذه بقيمته مطروحًا ولم يزد البقاء شيئًا، فإن سلم فهو له، وإن لم يسلم لم يكن له على البائع شيء، وإن أحبَّ أن يقره بالكراء وكان ذلك قبل بروز الزرع أو بعد بروزه وقبل أن يكون في قلعه منفعة، لم يجز ذلك، ويدخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء؛ لأنه صار لرب الأرض بتنمية 2 أرضه، إلا أن يكون قصده إثبات التعدي.
ويرى رأيه هل يأخذه بالتعدي أو يمضيه له ويطلبه 3 بالكراء؟ فيجري على قولين فيمن خير بين شيئين، وإن كان في قلعه منفعة فأقره لربه بالكراء 4، جاز ذلك على قول من منع أن يأخذه بقيمته مقلوعًا، ويختلف فيه على من أجاز له أخذه بالقيمة، فإذا قدر أنه لم يختر الأخذ 5 جاز، وإذا قدر أنه لما ملك 6 أخذه 7 ثم انتقل إلى تسليمه، لم يجز.
والأول أحسن، ومحمله فيه على أنه لم يأخذه حتى يعترف بأنه أخذه ثم انتقل إلى هذا، وعلى قول غير ابن القاسم: لا يكون له إخراجه، وإنما مقاله في الكراء، فإن كان المسمى الذي ادعى أنه اكتراها به مثل كراء المثل فأكثر، حلف الزارع وحده أنه لم يتعد ولم
يحرث إلا على تراض منه، وليس عليه أن يحلف على التسمية أن العقد كان به؛ لأن الذي ادعاه 1 يجب إذا كان بوجه شبهة أن ذلك للذي اعترف به، وإن كان كراء المثل أكثر حلف الحارث.
باب في كراء الأرض بما يخرح منها
الأرض فيما تكرى به على ثلاثة أوجه: جائز، وممنوع، ومختلف فيه.
فيجوز بما ليس بطعام 1 وذلك في ست مسائل:
أحدها: أن يكون مما لا تنبته الأرض، كالحيوان إذا كان مما لا يؤكل لحمه، أو مما يؤكل لحمه ويراد للقنية والصوف والحرير والمسك والعنبر واللؤلؤ.
والثاني: أن يكون مما تنبته الأرض ولا ينبته الناس، كالذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والكبريت، والزرنيخ، والنيل 2، والحشيش، والحلفاء، والسمار 3.
والثالث: ما ينبته الناس وغَيَّرته الصنعة كثيرًا وذلك كالنِّيلُ و 4 كثياب الكتان والقطن.
والرابع: أن يكون مما ينبته الناس 5 ولكنه مما تطول المدة بنباته، كالشجر والخشب 6 والصندل 7 والعود.
والخامس: ما يكون من الثمر عن الشجر إذا لم تكن تلك الثمرة طعامًا؛ لأنه إذا جاز أن تكرى بذلك الأصل لبُعد نباته، كان بما يكون عنه أولى، وذلك كالورد، والياسمين، والأصماغ التي تكون عنه كالكافور، واللوبان.
والسادس: أن تكرى بأرض بملكها أو بأبعاضها كالياقوت والزمرد والعقيق (1).
فصل [في كراء الأرض بما يزرع في أخرى]
ولا تجوز أن تكرى (2) الأرض بما يزرع في أخرى لا بجملته ولا بجزء منه، ولا تكرى طائفة بما تخرجه طائفة أخرى، ولا تكرى بمكيلة مما تخرجه الأرض المكتراة يكون لأحدهما المكري أو المكتري وللآخر ما بقي، ولا على مكيلة لأحدهما وما بقي بينهما، ولا على جزء ثلث أو ربع وزيادة دنانير أو دراهم أو عروض.
فصل [في كراء الأرض بجزء مما يزرع فيها]
واختلف في اكترائه بجزء بانفراده من غير زيادة أو بمكيلة مضمونة من جنس ما يزرع فيها على ثلاثة أقوال: فمنعه مالك في الوجهين جميعًا.
واختلف فيه عن الليث فأجازه مرة بالمكيلة ومنعه بالجزء، ومنعه مرة بالمكيلة وأجازه بالجزء.
وهذا القسم 3 يستوي فيه الطعام الذي تخرجه تلك الأرض؛12
كالقمح، والشعير، والقطاني، وما ليس بطعام، كالقطن، والكتان، والحناء، وذكر ابن شعبان قال: واستئجار الأرض بالعروض التي تتولد عنها، مثل: الكتان، والعصفر، والخضر وما أشبه ذلك، ففيه قولان لأصحابنا، أحدهما: أنه لا يجوز.
والآخر: أنه يجوز.
أو بالحنطة، والشعير، والحبوب، وبالأول أقول وهو قول مالك.
وأما اكتراؤها بما تخرجه إذا اختلف الجنسان وكان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها، فعلى ثلاثة أقسام: إما أن يكونا طعامًا جميعًا، أو غير طعام، أو أحدهما طعام والآخر غير طعام.
فإن كانا غير طعام 1 جاز، مثل: أن يكريها بفطن ليعمل فيها كتانًا.
ويجوز أن تكرى بغير طعام ليعملى فيها طعامًا، كمن 2 اكترى بقطن أو كتان ليعمل فيها حنطة أو شعيرًا.
واختلف إذا اكتريت بطعام ليعمل فيها طعام أو غير طعام، واكتراؤها بطعام مخالف للطعام الذي يعمل فيها.
والطعام أربعة أصناف 3، أحدها: ما لا يحرج منها كاللحم والعسل والسمن والملح.
والثاني: ما يخرج منها ويبعد أَصل نباته، كالجوز، واللوز، والتين، والرمان، وما أشبه ذلك مما يكون على الشجر 4.
والثالث: ما لا يبعد، وهو حبوب تصح إعادته، كالقمح، والشعير،
والقطاني وغيرها.
1
والرابع: ما لا يصح إعادته ونباته، كبعض البقول والقصيل 2. فمنع في "المدونة" اكتراءها بطعام لا يخرج منها كاللحم، والعسل إذا كان يعمل فيها طعامًا وكان عنده بمنزلة من باع طعامًا بطعام مستأخر 3
ورأى أن ما أخرجت الأرض من الطعام كان صاحب الأرض بائعه.
وأنكر هذا التعليل بعض أهل العلم، قال: ولو كان ذلك لا جاز أن تكرى بالذهب والفضة 4 ويدخله بيع الزرع قبل أن يخرج من الأرض، وبيع المجهول.
وهذا إلزام صحيح، وليس هو 5 ببائع لا تنبته الأرض.
ولو اكتراها بما لا تنبته من الطعام جاز، وقد روي ذلك عن مالك وقاله غير واحد من أصحابه 6.
وحكم ما تخرجه الأرض من ثمار ذوات الأصول حكم ما لا تخرجه؛ لأنه مما يبعد نباته وهو على حكم الأصل الذي ينبت فيه وهي الشجر، فإذا جاز كراؤها بالشجر جاز كراؤها بثمارها.
وقال ابن كنانة في "كتاب ابن حبيب": لا تُكرى بشيء إن أعيد 7 فيها
نبت، ولا بأس أن تُكرى بغير ذلك من جميع الأشياء كلها، أُكِل أو لم يؤكل، خرج أو لم يخرج.
قال، وقال ابن نافع: تُكرى بجميع الأشياء كلها بما يؤكل منها وما لم يؤكل، خرج منها أو لم يخرج 1، إذا كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها ما عدا الحنطة وأخواتها 2.
قال الشيخ أَبو الحسن 3 - رضي الله عنه -: يختلف على هذا في كرائها بزريعة الكتان وبزيته 4، وبالكتان وبما يسقط منه كالأصطبة 5 إذا كان كراؤها ليعمل فيها، فمنع ذلك ابن القاسم بجميع ما ذكر 6، وأجازه ابن الماجشون بما ليس عمدة فيما تُكرى به كالأصطبة، وقد تلحق بذلك الزريعة وزيتها؛ لأنها حقيرة في جنب ما يعمل فيها وهو الكتان، ويجوز على قول ابن كنانة بالكتان وبزيته مما لا يعاد فيها، ولا يجوز بزريعته.
باب في كراء الأرض بالأرض
كراء الأرض بالأرض جائز إذا كانتا مأمونتين، كانا يعملان في عام واحد أو في عامين.
وإن كانت إحداهما مأمونة والأخرى غير مأمونة، لم يجز أن يكتريا ليعملا في عام ولا في عامين إذا قدمت المأمونة؛ لأنه نقد في غير مأمون، ولا باس به إذا قدمت التي غير مأمونة فإن سلم زرعها حرثت الأخرى، وإن لم يسلم بقيت لربها.
ولا يجوز إذا كانتا غير مأمونتين، وإن عملتا في عام فقد تسلم إحداهما دون الأخرى، إلا أن تكونا من أرض المطر وهما متقاربتان ويعملا في عام؛ لأن حالهما في المصابة 1 والعدم واحد، الغالب فيهما إما أن يصيبا جميعًا أو يعدما جميعًا.
باب إذا اكترى أرضًا ليزرعها فاشترط ثمرتها أو كان فيها زرع فاشترطه
1
قال ابن القاسم فيمن اكترى أرضًا ليزرعها وفيها نبذ من نخل فاشترط ثمرتها: إن ذلك جائز إذا كان الثلث فأدنى، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز.
قال: فإن اشترطها وهي أكثر من الثلث كانت الثمرة لصاحب الأرض وعليه قيمة العمل والسقي، وله في الأرض كراء المثل بغير ثمرة 2. وقد قيل في هذا الأصل: إن له قيمة العمل ما لم يجاوز قيمة الثمرة، فيكون ربها بالخيار بين أن يأخذها ويدفع أجرة العمل، أو يتبرأ منها.
وهو أحسن؛ لأنه لم يستأجره عليها، فيكون له في ذمته الإجارة وإن كثرت وإنما عملها لنفسه، وإن لم يكن فيها فضل لم يكن عليه شيء.
وإن كانت الثلث فأدنى؛ جاز اشتراطها إن كان طيبها قبل أن يرفع الزرع وكانت معه في الأرض أو في موضع واحد والأرض عليها غلق، فإن كانت في طائفة من الأرض ولا غلق عليها، لم يجز ذلك لأنه لا ضرر عليه في تصرف صاحب الأرض إليها.
وكذلك عند ابن القاسم إذا اكترى أرضًا وفيها زرع فاشترطه، فإن كان الثلث فأدنى وكان طيب ذلك الزرع قبل انقضاء مدة الكراء وهو في 3 وسط تلك الأرض ومعه فيها 4 أو في ناحية وعليها غلق، جاز ذلك، وإلا لم يجز 5.
وإن اشترط نصف ثمر النخل أو نصف الزرع، لم يجز ذلك؛ لأن مضرة التصرف والدخول والخروج قائم، وإنما يجوز ذلك لرفع الضرر في مثل ذلك.
والقياس ألا يجوز اشتراط الزرع وإن كان تبعًا، بخلاف ثمرة النخل؛ لأن النخل يسقط بلحًا وزهوًا ورطبًا وتمرًا 1، ذلك الشأن فيه فيتكرر لذلك دخوله وخروجه.
وكذلك إذا كان فيها بقول، فإنه يأخذه على قدر حاجته إليه، والزرع لا يسقط منه شيء وإنما يجز مرة واحدة، ولا ضرر في المرة الواحدة إلا أن تكون عادتهم افتقاده للتنقية والإصلاح.
وإذا اكترى أرضًا وشرط عليه رب الأرض أن يكريها ثلاث مرات ففعل وكانت ذات بئر فانهارت، كان للمكتري أن يرجع على رب الأرض بقدر ما ينتفع به لقابل من كرائها 2؛ لأن حرثة واحدة لم يكن بد منها فلا يرجع على صاحب الأرض منها بشيء، وحرثتين هما اللتان حرثهما لأجل الشرط ومنفعتهما لهما جميعًا؛ لأن الزرع عن ثلاث أفضل منه عن حرثة، فإن قيل: إنه يبقى منه نصف منفعته رجع بقيمة حرثة واحدة وكان للمكتري حرثتان، واحدة كان يحرثها من غير شرط، وواحدة من اللتن بالشرط.
فإن اكتريت الأرض في هذا العام من آخر، كان الكراء شركة بينهما، لصاحب الأرض كراء أرضه على أن له فيها حرثة واحدة وللآخر قيمة حرثتين، وإن لم تكن في هذا العام وأكريت في العام 3 الثاني وقد ذهب بعض منفعة ذلك الحرث، كان
الذاهب 1 عليهما أثلاثًا، يقال: بكم تكرى هذه الأرض على أنها غير محروثة؟ فإن قيل: بدينارين.
قيل: فبكم تكرى على ما فيها الآن من الحرث؟ فإن قيل: بثلاثة دنانير، كان لصاحب الأرض ثلثه وللآخر ثلثاه مما ينوبه من المسمى، وهو تسعا 2 المسمى.
وإن بيعت وكان ذلك الحرث لا يزيد في الثمن، لم يكن للمكتري في ذلك الثمن شيء، وإن كان يزيد في الثمن، كان للمكتري من ذلك الزائد ثلثه 3. وإن حرثها المكتري مرة واحدة بالزريعة، كان لصاحب الأرض أن يرجع على المكتري بقدر ذلك من كراء المثل، يقال: بكم تكرى على أن تحرث مرة؟ فإن قيل: ثلاثة دنانير؛ قيل: فبكم تكرى على أن المكتري يحرثها ثلاثًا؟ فإن قيل: بدينارين، كان لصاحب الأرض المسمى ودينار.
باب فيمن اكترى أرضًا أو إبلًا ثم فلس المكتري (1) أو مات
اختلف فيمن اكترى أرضًا فزرعها ثم فلس أو مات على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في "المدونة": صاحب الأرض أحق في الفلس من الغرماء؛ لأن الزرع في أرضه، ولو مات كان أسوة الغرماء 2.
وفي "كتاب محمد" فهو أحق في الفلس والموت 3.
وعند ابن شعبان أنه أسوة في الفلس والموت.
وقال فيمن اكترى إبلًا ليحمل عليها بزًّا ثم فلس الجمَّال: فالبزاز أحق بالإبل التي في يديه حتى يستوفي كراءه، إلا أن يضمن له الغرماء حملانه ويكترون 4 له من أملياء ثم يأخذون الإبل فيبيعونها.
وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا له حملانه.
وقال سحنون: معنى المسألة إذا كان الكراء مضمونًا 5.
قال مالك: وإن فلس البزاز كان الجمَّال 6 أحق بذلك البَزِّ يباع له حتى يقبض كراءه 7 وتكرى الإبل للغرماء 8.1
قال الشيخ -رحمه الله-: إذا فلس الجمَّال 1 وكان الكراء على إبل بعينها كان المكتري أحق بها قولًا واحدًا؛ لأن المنافع المعينة كالسلعة المعينة، وليس للغرماء أن ينتزعوها بمثلها، وإذا لم يكن لهم أن ينتزعوها منه جاز أن يراضيهم على تسليمها بمثل رأس المال أو أكثر ومثل تلك المنافع.
واختلف إذا كان الكراء مضمونًا، فقال مالك في كتاب الرواحل: المكتري أحق بما قدم إليه فيه 2 من الغرماء، وليس للجمَّال أن ينتزعه منه 3. يريد: وإن لم يفلس، وكذلك الغرماء.
وقال في "كتاب محمد": المكتري أحق ولو كان الجمال يريد الإبل تحته 4.
وقال غير ابن القاسم في "المدونة": ليس الراحلة بعينها كالمضمون 5. ولم يجعله أحق في الفلس.
واختلف بعد القول أنه أحق إذا ضمن ذلك الغرماء هل يجوز ذلك؟ وأما إذا كان الكراء معينًا، لم يكن لهم ذلك قولًا واحدًا، ويختلف إذا تراضوا 6 بذلك.
تم كتاب كراء الدور والأرضين
والحمد لله رب العالمين