فَتُعْتِقهَا؟ قَالَ: لاَ.
قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعيْنِ؟ قَالَ: لاَ.
فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟.
قَالَ: لاَ، قال: فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقٍ من تَمْرٍ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ..." الحديث 1، وقال أبو هريرة في الموطأ: "أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة, أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا" 2، فجعله في الحديث الأول على الترتيب، وظاهر قوله في الحديث الثاني التخيير، وقد يجعل 3 اللفظ في الحديث الثاني من قول أبي هريرة ليجمع بين الحديثين فيكون المعنى أنه أمره بعتق، أو صيام عند عدم العتق، أو اطعام عند عدم القدرة على الصيام؛ ليزول التعارض؛ لأنه متى كان حديثان مفسر ومجمل رُدَّ المجمل إلى المفسر.
وجعل أبو مصعب الكفارة على قدر الجرم، ورأى أن المجترئ على الانتهاك بالجماع أعظم جرمًا ممن اجزأ على ذلك بالأكل، وقد تقدم القول في هذا فيمن أفطر بالنية ولم يأكل.
وإن كفّر بالإطعام أطعم ستين مسكينًا مُدًّا مُدًّا لكل مسكين، قال ابن القاسم: فإن أطعم ثلاثين مسكينًا مدَّين مدَّين لم يجزئه 4.
ويختلف هل يكون من الصنف الذي يأكله المكفِّر، أو مما يأكله أهل البلد؟ حسبما تقدم في كفارة الأيمان.
فصل [في تأديب المفطر عمدًا]
ومن ظهر عليه أنه أكل أو شرب في رمضان عوقب على قدر ما يرى أن فيه ردعًا له ولغيره من الضرب أو السجن، أو يجمع عليه الوجهان جميعًا: الضرب والسجن، والكفارة ثابتة بعد ذلك، تجمع عليه العقوبة في المال والجسم.
ويختلف فيمن أتى مستفتيًا ولم يظهر عليه، فقال مالك في المبسوط: لا عقوبة عليه، قال 1: ولو عوقب خشيت ألا يأتي أحد يستفتي في مثل ذلك، وذكر الحديث، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب السائل 2، ويجري فيها قول آخر: أنه يعاقب قياسًا على شاهد الزور إذا أتى تائبًا، فقال في كتاب السرقة: يعاقب 3، وقال سحنون: لا عقوبة عليه 4. والقول الأول أحسن، ولا تسقط العقوبة خيفة أن لا يأتي أحد مستفتيًا 5 ولو كان ذلك لسقط الحد عن المعترف بالسرقة والزنى.
وأرى أن ينظر إلى السائل، فإن كان من أهل الستر، ومن يرى أن ذلك منه فلتة، لم ترفع الشهادة عليه لما أمر بالستر، وإن كان مستهزئًا، ومن تعرف منه قلة المراعاة لدينه بلغت عليه الشهادة وعوقب.
باب في من نذر الصيام, وما يلزم متابعته وما يلزم من (1) نذر سنة بعينها أو بغير عينها، ومن نذر شهرًا هل يجزئه تسعة وعشرون يومًا، أو نصفَ شهر هل يجزئه أربعة عشر يومًا
ومن نذر صومًا معينًا، أو مضمونًا في الذمة، لزمه الوفاء به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" 2.
واختلف في المتابعة إذا نذر صيامًا مضمونًا أيامًا أو شهرًا أو سنة على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في كل ذلك: هو بالخيار؛ إن شاء تابع، وإن شاء فرق 3.
وقال ابن كنانة في كتاب ابن حبيب: عليه أن يأتي بذلك متتابعًا.
وقال ابن الماجشون: إن نذر أيامًا لم يكن عليه أن يتابعها، وإن نذر جزءًا من شهر، أو شهرين أو سنة، كان عليه أن يتابع 4 وهذا أحسن؛ لأن الذي1
عهده الناس أن الشهر عبارة عن جملة متتابعة من الهلال إلى الهلال، والسنة كذلك، وقولُ القائل في ثلاثين يومًا "شهرًا" - مجازٌ، أو إنما هو نسبة إلى ذلك الشهر الذي هو من الهلال إلى الهلال 1، وهو فيمن نذر سنة أبين.
واختلف في القدر الذي يصومه من نذر سنة مضمونة أو معينة، فقال مالك فيمن نذر سنة مضمونة بغير عينها: يصوم اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان 2، ولا يوم الفطر، ولا أيام الأضحى، ويجعل الشهر بفطره منه ثلاثين يومًا، فيقضي على قوله إذا كان شوال ناقصًا يومين، وإذا كان ذو الحجة ناقصًا أربعة أيام مكان الثلاثة التي أفطر، وقول محمد بن عبد الحكم في هذا: أنه يقضي عدد ما أفطر لا غير ذلك، ووافق أشهب ابن القاسم في هذه المسألة إذا كان نذر سنة غير معينة ولم ينوِ متابعتها، وخالفه إذا نوى متابعتها، فقال في مدونته: لا قضاء عليه عن رمضان، ولا عن يوم الفطر، ولا عن يوم النحر، ولا أيام التشريق واجبًا، واستحب له قضاء ذلك، قال: لأنه إذا نوى المتابعة فلا بد أن يدخل في تلك السنة أبدًا رمضان والأيام المنهي عن صيامها، وساوى في ذلك بين المضمون والمعين.
وأن يفطر في اليوم الرابع من أيام التشريق إذا عين أو نوى المتابعة، وكان عنده بمنزلة من قال: لله تعالى علي أن أصلي 3 يومًا بعينه، أو بغير عينه، فلا قضاء عليه في الأوقات التي تصلى فيها الصلوات الخمس، ولا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها 4. = شهاب، وبه أقولُ).
وعلى هذا ينبغي أن يكون الجواب على مذهب ابن كنانة وابن الماجشون؛ لأن الحكم عندهم المتابعة وإن لم ينوها (1).
فصل [فيمن نذر صيام سنة]
وإن نذر سنة بعينها صام منها ما كان يصام، وأفطر الأيام المنهي عنها، ولا قضاء عليه عن رمضان 2.
واختلف في القضاء عن الأيام المنهي عنها 3، فإن قال: لله علي أن أصوم هذه السنة، فإن سماها فقال: سنة سبعين أو ثمانين أو ما أشبه ذلك صام ما بقي منها قلّ أو كثر، ولا قضاء عليه عن الماضي، فإن قال: هذه السنة ولم يزد، فالقياس أن لا شيء عليه إلا صيام ما بقي منها كالأول.
وقال مالك في "العتبية" فيمن حلف وهو في نصف سنة: إن فعل كذا وكذا ليصومن 4 هذه السنة، قال: إن نوى باقيها فذلك له، وإن لم ينو شيئًا ائتنف من يوم حلف اثني عشر شهرًا 5.
وفي هذا نظر؛ لأن قوله: هذه السنة، يقتضي التعريف، وهو بمنزلة من قال: لله عليَّ أن أصلي هذا اليوم، فليس عليه إلا صلاة ما بقي منه، وإن قال1
لله عليَّ أن أصوم شهرًا، فابتدأه للهلال، فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه.
واختلف إذا ابتدأ لغير الهلال، فقال في المدونة: يصوم ثلاثين يومًا 1، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزئه تسعة وعشرون يوما، فليس عليه إلا أقل الشهور عدة، كما لو قال: لله علي أن أصوم أيامًا 2، كان عليه أقل الأيام؛ وهي ثلاثة، قال: وكذلك لو قال: صدقة دراهم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا أحسن للسنة والقياس، وهو أيضًا أحد قولي مالك، فأما السنة فحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "آلَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَاعْتَزَلهنَّ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ، فَقِيلَ لَهُ: آلَيْتَ شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَقَمْتَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؟ فقال: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا" 3.
وأما القياس، فلأن كون الشهر تسعة وعشرين يومًا ليس بنادر، ونقصان شهور السنة متساويًا أو متقاربًا لتمامها، فلم يكن إلزامه أحدهما أولى من الآخر، وقياسًا على قول مالك فيمن قال: لله عليَّ هدي، فإن الشاة تجزئه 4، والشاة أقل الهدايا، وللهدايا أعلى وأدنى، فأعلاها البدن، وأدناها الغنم، فإن لم يلزمه أعلى الهدايا لم يلزمه أتم الشهور.
وإن قال: لله عليَّ أن أصوم نصف شهر، فإن ابتدأ أول الهلال صام خمسة
عشر يومًا، وإن ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يومًا منه فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أكمل خمسة عشر يومًا.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتابه: من أصحابنا من رأى الأربعة عشر 1 التي صامها نصفًا تامًّا 2، مثل من حلف: لاكلمتك في شهر، من قبل أن يمضي النصف منه، فكلمه بعد العصر من خمسة عشر يومًا ثم نقص الشهر، فلا حنث عليه؛ لأن العمل في النصف الأول على خمسة عشر يومًا ليس على أربعة عشر ونصف، قال: والأول أحوط.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: حقيقة نصف الشهر إذا كان ناقصًا أربعة عشر يومًا وليلة إلى طلوع الشمس، فإن لم يكلمه 3 قبل طلوعها لم 4 يحنث، هذا مقتضى اللفظ إلا أن يكون للحالف قصد فيحمل عليه؛ لأن من غروب الشمس إلى طلوعها نصف، ومن طلوعها إلى غروبها نصف، فأما الصوم فالنصف فيه أربعة عشر ونصف نهار الآخر؛ لأن قصد الحالف صيام النهار دون الليل، ففارق الحالف على الكلام، فيصوم 5 خمسة عشر يومًا؛ لأنه ليس يقصد أن يصوم بعض يوم.
باب فيمن قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان, ومن نذرصوم يوم فنسيه, أو نذر صوم الاثنين والخميس فنسي فصمام قبله أو بعده
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم فلان ليلًا، صام صبيحة تلك الليلة، وإن قدم نهارًا فلا شيء عليه 1. وقال أشهب في مدونته وابن الماجشون وأصبغ في كتاب محمد: إن عليه القضاء وإن قدم نهارًا 2 وإن أصبح ذلك اليوم صائمًا متطوعًا، أو ينوي قضاء صوم يوم من رمضان أو ظهار أجزأه عما صامه له، وعليه قضاء النذر.
واختلف إذا كان قدومه يوم الفطر أو النحر فقال أشهب في مدونته: لا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية 3، وعلى قول عبد الملك: يقضيه؛ لأنه لم يكن قصد نذرًا في معصية، وإنما وافق قدومه ذلك اليوم، وقد قال: إذا قدم.
والناذر مريض قضى ذلك اليوم واصلًا في أول صحته، قال: لأني لم أجده أراد بركة يوم بعينه، لا يوم جمعة ولا يوم خميس ولا اثنين، وإنما أراد شكر الله تعالى بصومه، ولزمه تعجيله لما ألزم نفسه من تعجيل صومه عند قدومه، فحمل النذر على أن المراد به تعجيل الصوم لا عين ذلك اليوم، قال: وإن بيَّته وهو يعلم أنه يدخل في أول نهاره لم يجزئه؛ لأنه صامه قبل
وجوبه، ويصوم غد ذلك اليوم 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس هذا الكلام بالبيّن، بل القصد عين ذلك اليوم، وعليه يحمل نذره, وكثيرا ما يجري مثل ذلك إذا فُرِّج عن الرجل كربة في يوم، أو أمر نزل به، أو نجاة من مرض، أن يتقرب إلى الله سبحانه بصوم ذلك اليوم الذي فُرِّج عنه فيه، ويلتزم صومه فيما بعد، وقد قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك 2 قالوا: هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى بن عمران - عليه السلام -، فنحن 3 نصومه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ؛ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ".
أخرجه البخاري ومسلم 4، وسئل عن صوم الاثنين فقال: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ" أو: "أُنْزِلَ عَلَيَّ" 5.
وإذا كان القصد بالنذر عين ذلك اليوم كان الصحيح أن لا قضاء عليه، وكذلك أرى إذا قدم ليلًا أن لا شيء عليه؛ لأن الوقت الذي قدم فيه لم يعلق به نذرًا، وإنما علّق النذر باليوم شكرًا لله سبحانه، والليل لا يصام بانفراده ولا ينعقد النذر إلا أن ينذر ذلك اليوم للأبد، فيصام بعد ذلك اليوم الذي قدم فيه، إن قدم نهارًا، وإن قدم ليلًا لم يصم صبيحته.
واختلف إذا نذر صوم يوم فنسيه، فقال ابن القاسم في العتبية: يصوم يوم الجمعة، قال: وهو آخر أيام (1) الجمعة وأولها يوم السبت (2)، ولسحنون في ذلك ثلاثة أقوال؛ فقال: يصوم يومًا من أيام الجمعة أيها شاء، وقال أيضًا: يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، فيكون في معنى القضاء، وقال: أيضًا يصوم الدهر (3)، وهو آخر قوله، وهذا أقيسها؛ لأنه شاك في كل يوم هل هو المنذور؟ وهل يجوز له فطره، أم لا؟ وإن نذره للأبد صام يومًا واحدًا، بخلاف الأول إذا نذر صوم يوم من جمعة واحدة، فلا يؤمر هذا بصيام جميع أيام الجمعة, فيكون قد ألزم صيام الدهر، وذلك حرج، وأي يوم صام أجزأه، ولا وجه للاختصاص بيوم الجمعة؛ لأنه في الأيام التي قبل شاكٌّ هل يجوز له الفطر، أم لا؟
فصل [في نذر صوم يوم بعينه]
ومن نذر 4 صوم يوم بعينه كالاثنين والخميس أو غير ذلك لزمه الوفاء به، وكره مالك هذا الذي يقول: لله عليَّ أن أصوم يوم كذا، يؤقته 5، ويستحب لمن أحب أن يتقرب إلى الله سبحانه بصيام أو صلاة أو غيرهما من الطاعات أن يفعل ذلك من غير نذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَنْذِرُوا..." الحديث 6، ولأن النذر123
يعقب ندمًا، والغالب في الناذر أنه يأتي 1 بما نذر متثاقلًا متباطئًا لأجل ما عقد،
فكان الإتيان بذلك بغير نذر نشيطًا راغبًا إذا حضرته نية أو عزم - أولى.
ومن نذر صوم يوم الخميس ثم صام قبله وهو يظن أنه الخميس لم يجزئه، وإن صام بعده أجزأه وكان قضاء.
واختلف إذا بيَّت 2 الفطر في يوم الخميس، ثم تبين له قبل أن يأكل، فقيل: يمسكه، ولا يجزئه، وقيل: يجزئه، وقد تقدم ذلك في ذكر النية للصوم 3.
باب في الأيام المنهي عن صيامها وما يرغب في صيامه, وهل يصام الدهر
والأيام المنهي عن صيامها ثمانية: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، ويوم الشك، ويوم الجمعة, ويوم السبت، أن يُفْرَد أحدُهما، أو يُخَصَّ بصيام، على اختلاف في بعض هذه الأيام، فأما يوم الفطر ويوم النحر فقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن صيامهما 1 2، وأجمع أهل العلم على تحريم صيامهما 3. واختلف في أيام منى على ثلاثة أقوال، فقيل: لا يصام منها شيء، وقيل: لا بأس بصومها، وقيل: يصام الرابع وحده، فذكر أشهب في مدونته أن يفطر جميعها وإن نذرها، وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا صامها المتظاهر رجوت أن تجزئه 4، وهو قول المخزومي في السليمانية، وفي الحاوي: إذا نذر اعتكافها أنه يوفي بنذره, فيصومها ويعتكفها 5. وقال محمد: روي عن مالك إذا صامها عن كفارة
يمين أنه وقف، وقال: لا أدري 1، وقال في المدونة: يجزئه الرابع 2. فاما المنع فللحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث كعب بن مالك، وأوس بن الحارث وهو بمنى فناديا 3: "... أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" أخرجه مسلم 4 وفي الموطأ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنى" 5. وأما جواز صومها فلتظاهر الأخبار 6 عن صيام يومين، فقال أبو هريرة 7 وأبو سعيد الخدري 8 وعائشة - رضي الله عنها - 9: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ يَوْميْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى"، وقال عمر - رضي الله عنه -: "إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ 10 نَهَى
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ"، وهذه أحاديث صحاح أخرجها البخاري ومسلم 1، فاجتمعت هذه الأحاديث على اختصاص النهي عن هذين اليومين، فلو كان جميع تلك الأيام محرمًا لم يكن لاختصاص اليومين وجه، ولإجماع المذهب على جواز صومها للمتمتع، ولو كانت محرمة العين لم يجز صومها 2 للمتمتع كما لم يجز له أن يصوم يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب لمن كان بمنى خاصة لما كانوا عليه من المنع من النساء، وقد تقدم الحديث أن النداء بالنهي كان للناس بمنى، ولأن من صام امتنع من النساء، فندبهم أن لا يتكلفوا من ذلك فوق ما يقدم حتى تنقضي أيام الحج.
وأما التفرقة بين الرابع وغيره فلأنه أضعف رتبة؛ لأن المتعجل يسقطه، وقد تقدم ذكر يوم الشك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" 3، وقال: "لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلاَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ" 4، ودخل على جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - يوم جمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ فَقَالَتْ: لاَ.
قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا.
قَالَتْ: لاَ.
قَالَ: فَأَفْطِرِي" 5 انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله: "لاَ
تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ..." (1) واجتمعا على ما سوى ذلك.
وقال الداودي، في قول مالك في الموطأ (2): لم يبلغ مالكًا الحديث، ولو بلغه لم يحالفه، يريد.
لم يبلغه الحديثُ بالمنع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لاَ تَصُومُواُ يوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيمَا افْتُرضَ عَلَيْكُمْ..." (3) ذكره الترمذي، وهو حديث حسن السند، وقد ذُكرت هذه الأحاديث في هذه الأيام وفيما بعدها؛ لأن المنع والترغيب وتعلُّق الفضل ببعضها دون بعض موضع توقيف، ليس يؤخذ بقياس.
فصل الأشهر المرغب في صيامها
الأشهر المرغب في صيامها ثلاثة: المحرم، ورجب، وشعبان، ومن أيام السنة ستة من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، ومن أيام الجمعة الاثنين والخميس.
والأصل في هذه الجملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ" أخرجه مسلم 4،123
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" 1 اجتمع عليه الصحيحان.
وقال أبو أيوب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" 2 أخرجه مسلم، وقال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا صِيَام سَنهٍ، وَقِيَام كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" 3، وقال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَهَ الماضِيَةَ وَالثَّانِيَةَ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضِيَةَ" 4 أخرجه مسلم يريد: في يوم عرفة ما لم يكن في حج، فإن فطره حينئذٍ أفضل للتقوِّي على الدعاء 5، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "أَوْصَانِي خَلِيلي بِثَلاَثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلًاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وألا أَنَامَ قَبْلَ أَنْ أُوتَرَ" 6، أخرجه البخاري ومسلم.
واختلف متى تصام الثلاثة من الشهر فقالت عائشة - رضي الله عنها - في كتاب مسلم: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
وَلا يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ" 1، وقال أبو ذر - رضي الله عنه - في الترمذي: قال لي رسول - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ: ثَلاَثَة عَشرَ وَأَرْبَعَة عَشرَ وَخَمْسَةَ عَشْرَ" 2، وقيل: يصوم من أوله؛ لأن تعجيل كل خيرٍ خيرٌ من تأخيره, وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن، قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك من موت أو 3 مرض أو سفر أو عدم نشاط، وقيل: يبتدئ كل عشر 4 بصوم يوم، يصوم أول يوم، وأحد عشر، وأحد وعشرين، ليكون قد استفتح كل عشر بالطاعة، وفي مسلم قال أبو قتادة - رضي الله عنه -: "سُئِلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيّ فِيهِ 5، وَفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنَ وَالخَمِيسِ" 6، ومنه: قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: تُعْرَضُ الأَعمالُ يَوْمَ الِاثْنينِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ = استحباب صلاة الضحى، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (721).
أَنْ يُعْرَضَ عَمِلي وَأَنَا صَائِمٌ" (1).
فصل في الخلاف في صيام الدهر
اختلف الناس في صيام الدهر، فقال مالك وابن القاسم في المجموعة: لا بأس به.
وقال ابن حبيب: إنما النهي إذا صام فيه ما نهي عنه 2، وذهب غير واحد إلى المنع؛ لحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: "بَلَغَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فقال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لجِسْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزوَّارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا.
قُلْتُ: إِنِّي لأقوى عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّيَامِ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، [لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" 3.
وقال أيضًا فيمن صام الأبد]: "... مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ..." 4 أخرجه البخاري ومسلم.1
فكان في هذا أربعة أدلة:
أحدها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالفطر، ولم يكن يأمر بالأدنى عن الأفضل.
والثاني: قوله: "... لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، فأخبر أن الفطر في ذلك أفضل من الصوم.
والثالث: دعاؤه على من صام الأبد، بقوله: "لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ...".
والرابع: أنه إذا صام في معنى من لم يكتب له أجر؛ لقوله: "مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ"، يريد: أنه ما أفطر؛ لأنه كان ممسكًا، ولا صام؛ لأنه لا يكتب له فيه أجر الصائم.
باب في قيام رمضان، والقنوت فيه
قيام رمضان مندوب إليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" 1، وهو في العشر الأواخر آكد؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَانَ العَشْرُ الأوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ" 2، ولأن ليلة القدر فيه، فيجتهد في العمل فيه رجاء موافقتها.
والجمع في قيام رمضان وإظهاره في المساجد حسن؛ لأن كثيرًا من الناس لا يستظهر القرآن، وقد جمع الناسَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - على ذلك في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - 3 ليدرك قيامه من كان لا يقرأ القرآن، أو كان يقرأه ويعجز عن القيام به إذا كان وحده، وإن كان ممن يقوم بذلك وهو في بيته، كان قيامه في بيته أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاَتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوَبَةَ" 4 أخرجه البخاري ومسلم.
فأجاز التنفل في المساجد، وفرق بينهما
في الفضل.
وكذلك القرب المتطوع بها إخفاؤها أفضل، ولا حرج في إعلانها، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]، فالإخفاء خير لما يخشى أن يدخل في ذلك من الرياء والسمعة، ولا يُعتَرَض هذا بقيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن لا يجوز ذلك عليه.
واختلف في العدد الذي يقوم به الإمام، وفي القدر الذي يقرأ به في كل ركعة، فقال مالك في المدونة: يقوم بتسع وثلاثين ركعة، يوتر منها بثلاث 1، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: الذي يأخذ بنفسي في ذلك الذي جمع عليه عمر - رضي الله عنه - الناس إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإحدى عشرة ركعة من ثلاث عشرة ركعة قريب.
وذكر مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر أبي بن كعب، وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال: "وَكَانَ القَارِئُ يَقْرَأُ بِالمِئِينَ"، وفي رواية أخرى: "بالمائتين 2 حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى العِصِيِّ مِنْ طُولِ القِيَامِ" 3، وذكر عن يزيد بن رومان أنه قال: "كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي = يعنيه, من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في صحيحه، برقم (6860)، ومسلم: 1/ 539، في باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (781).
رَمَضَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً" 1. وقال ابن حبيب: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر الناس أن يقوموا بإحدى عشرة ركعة، ثم رجع إلى ثلاث وعشرين 2.
وأما القدر الذي يقرأ به في كل ركعة فقيل: بالمائتين، وقيل: بالعشرين والثلاثين آية، وقيل: بالعشر آيات.
وتقدم حديث السائب أنه كان يقوم بالمائتين، وينصرف في بزوغ الفجر، وذكر مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أنه قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ فَنَسْتَعْجِلُ الخَادِمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الفَجْرِ" 3، فكان الأمر من طول القيام في زمن الصحابة على ذلك، ثم صار الأمر في زمن التابعين على دون ذلك، فذكر مالك عن ابن هرمز أنه قال: "كَانَ القَارِئُ يَقُومُ بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ" 4، ثم صار الأمر في التخفيف إلى دون ذلك، فذكر ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القرَّاء أن يقوموا في كل ركعة بعشر آيات.
5
فصل [ولا باس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف عند عدم من يستظهر القراءة]
ولا بأس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف 1 عند عدم من يستظهر القرآن، أو عند وجوده إذا كان الذي يستظهره لا تُرضى حاله، أو يكون الرجل الصالح، أو من يرجى التبرك بإمامته.
وليس لمن قام في غير المصحف إذا وقف عليه شيء أن ينظره حينئذٍ في المصحف؛ لأن في ذلك شغلًا في تصفح الورق، ويلتمس ذلك، فيكون قطعًا لما دخل فيه، وليس كذلك من استفتح في المصحف؛ لأنه متمادٍ في القراءة لا يعطل ما هو فيه 2 لغيره.
وإمامة من استكمل القرآن أحسن؛ ليتذكر المأمومون جميع ما تضمنه القرآن من القصص، والمواعظ، والفرائض، والوعد، والوعيد، ولا يؤم من لا يستكمله إلا لعدم غيره، أو لعذر، وإذا أمَّ جماعة في مسجد قرأ الثاني من حيث انتهى الأول، والثالث من حيث انتهى الثاني.
واختلف في إمامة الصبي في ذلك، ولا بأس بإمامة العبد، وأجاز مالك في العتبية للعبد أن يؤم النساء 3، ولم يرَ ذلك داخلًا في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 4؛ لأنهن جماعة.
واختلف في صلاة الأمير مأمومًا، فأجازه مالك 1، وكرهه ربيعة، وقال: لا يصنع 2 ذلك، وليصل في بيته إلا أن يأتيه فيقوم بالناس 3 والقول الأول أحسن؛ لأن تقدمته من حقوقه، ليس حقًا لله تعالى، فإذا أسقط حقه في ذلك جاز، وقد أتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلي بالناس، فأراد أبو بكر - رضي الله عنه - أن يتأخر، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ..." 4 الحديث، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون مأمومًا، وأتى وعبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس، فصلى خلفه مأمومًا" 5 وهذا في ولاة العدل، وأما ولاة الجور فلا حق لهم في التقدمة، إلا من باب القهر.
ومن أتى المسجد ولم يصلِّ العشاء والإمام في القيام، جاز له أن يصلي فرضه ناحية ثم يدخل مع الإمام، وهو في ذلك بخلاف من أتى والإمام في الفرض.
وقال مالك فيمن دخل في الركعة الثانية من الركعتين الأوليين في القيام 6 فصلاها معه ثم سلم الإمام فلا يسلم، وليقم لقضاء الركعة التي = حاجة وكان له عذر هل يؤذن له، من كتاب الجهاد والسير في صحيحه، برقم (2844)، ومسلم: 2/ 978، في باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره, من كتاب الحج، برقم (1341).
بقيت، فإن قاموا معه لشفع ثانٍ (1) فليتوخَّ أن يكون قيامه معهم وركوعه، وسجوده موافقًا لسجودهم، ثم يجلس ويقومون ويتشهد ويسلم، فإن شاء قام وإن شاء قعد حتى يتموا شفعهم، وقال ابن القاسم: يدخل مع الإمام في التي هي له ثانية وهي لهم ثالثة فيتبعهم فيها (2)، وقال مالك في المبسوط فيمن قام بين الأشفاع يركع (3): إن لحقوه (4) قبل أن يركع رأيت أن يدخل معهم إن كان لا يستطيع أن يصلي ما دخل فيه ثم يلحقهم، وإن كان قد صلى ركعة شفع إليها أخرى ثم لحقهم (5).
فصل [اختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان]
واختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان، فقال مالك في المدونة: ليس على ذلك العمل، فلا يقنت في أوله ولا في آخره ولا في الوتر 6، وقال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر 7 وبعده في الزمن الأول، في النصف الأخير من رمضان يجهر 8 الإمام بكلامه ودعائه في القنوت،12345
وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف 1، روى ذلك مالك بن أنس عن عمر بن الخطاب.
وأخبرني مطرف عن مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج يقول: "مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ" 2، وقال عبد الملك: فمن أخذ بهذا اليوم في النصف الآخر وفعله على سنته فحسن، ورواه ابن وهب عن مالك.
وقال مالك في المدونة في الإمام يوتر ولا يسلم من الشفع: لا تخالفه؛ إن سلم فسلم وإلا فلا تسلم 3. وذكر محمد بن عبد الحكم عن أشهب أنه قال: يسلم من خلفه من اثنتين ثم يقوم إلى الثالثة، وقال مالك: من أدرك ركعة من الوتر مع الإمام فأضاف إليها أخرى فصل إن كان إمامُهُ فَصَلَ، وإلا وصل كما وصل.
تم كتاب الصيام من التبصرة بحمد الله وحسن عونه وصدى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه 4