حضروا معركة فصرع فنظروا إليه في القتلى أو 1 طعن فظنوا أنه مات فخرجوا على ذلك وأشهدهم قوم على موته فشهدوا بذلك عند القاضي فهؤلاء يعلم أنهم لم يتعمدوا زورًا، قال: وأما الزور فإذا لم يأتوا بأمر يشبه وعرف كذبهم 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: محملهم إذا أتى المشهود عليه على الكذب حتى يثبت الشبهة.
وقال إسماعيل القاضي: إذا كانت الشهادة عند القاضي فذلك سواء شهدوا بزور أو شبه عليهم.
قال: وأحسب أن مالكًا إنما فرق إذا كانت الشهادة عند الورثة وفي المدونة خلاف ما تأوله إسماعيل عن مالك؛ لأنه قال: أو أشهدوهم فشهدوا عند القاضي والأصل في هذين السؤالين إذا استحق الميت أنه عبد أو شهد بموت الآخر ثم أتى مفترق؛ لأن الذي ثبت أنه عبد لم يتقدم على سيده حكم وإنما حكم بوصية آخر وهو العبد، والأصل إذا كان الحكم على رجل ثم تبين أن ذلك الحكم على الآخر أن يكون الثاني على حقه ولا يفيت ماله بيع ولا عتق ولا غيره، وله أن يأخذه بغير ثمن، وسواء كان الأول بتعدٍ أو بوجه شبهة فلو غصب لرجل عبد فباعه الغاصب من رجل وهو لا يعلم فأعتقه المشتري أو باعه وتداولته الأملاك أو باعه عليه حاكم في دين أو مات فورث عنه كان لمستحقه أن يرد جميع ذلك ويأخذه بغير ثمن.
ولو مات رجل فشهد لولده شهود أنهم لا يعلمون له وارثًا سواه فحكم
له وباع تركة أبيه وتداولته الأملاك أو أعتق أو اتخذ أم ولد ثم قدم من أثبت 1 أنه ولد للميت كان له أن يقوم في نصيبه من ذلك على أحكام الاستحقاق ويأخذه بغير ثمن ولا يفيته شيء مما تقدم، وهذا أصل المذهب وما وجد على غير ذلك فهو خارج عن الأصل فسيد العبد ها هنا كالأخ الطارئ يرد العتق والبياعات وإن كان الأول بوجه شبهة؛ لأن الحكم لم يكن عليه وقيل فيما بيع من المغانم لا يأخذه صاحبه إلا أن يدفع الثمن وإن لم يكن الحكم بالبيع على صاحبه للاختلاف في الأصل؛ لأنَّ غير واحد من أهل العلم رأى أن لا شىء لصاحبه فيه وإن أدركه قبل القسم.
وإذا شهد بموت رجل ثم أتى وقد كان الحكم عليه 2 فإن وجد ماله قائمًا أخذه بعد دفع الثمن.
واختلف إذا تغير بزيادة أو نقصان أو بعتق أو بإيلاد، فقال مالك: ذلك فوت 3، وقال أشهب فيما بيع في المقاسم: لا يفيته العتق ولا الإيلاد وله أن يأخذ ذلك ويرد جميع ما أخذه المشتري، وإن كان لا يأخذه إلا أن يدفع الثمن 4. وعلى هذا يكون للمشهود عليه بالموت أن يأخذه ولا يفيته عتق ولا نماء ولا نقص وإن كان لا يأخذه إلا بعد دفع الثمن؛ لأن حقه في عين ماله فيمكن من أخذه وحق المشتري في الثمن الذي وزن، ومقاله في هذه 5 في الرد أقوى منه فيما بيع في المقاسم وإن كان القياس أن يأخذه بغير ثمن؛ لأن الشبهة التي وقعت للبينة لا تدفع عنهم أنهم أخطأوا أو غلطوا عليه والخطأ عليه لا
يسقط ملكه.
واختلف إذا تعمدوا الزور، فقال مالك: يرد إليه ماله بغير ثمن وإن كان الأول يحكم عليه.
وقال إسماعيل القاضي: لا يرد إليه بخلاف أن يكون بغير حكم.
وقال محمد فيمن قام على غائب بدين وأثبته وبيع له بماله 1 ثم أثبت الغائب أنه كان قضى له ذلك الدين، قال: ليس له أن يأخذه إلا بالثمن 2. وعلى أصل مالك له أن يأخذه بغير ثمن؛ لأن القائم بالدين متعمد بالباطل فأشبه من شهد بالزور.
وقال فيمن باع ورثته تركته وعليه دين: فإن علموا رد الغرماء بيعهم بغير ثمن مثل ما تقدم في الذين شهدوا بزور، واختلف إذا لم يعلموا فقال مالك: البيع ماض ولا رد للغرماء 3. وفرقوا بينه وبين الذين شهدوا بموته؛ لأن ذلك مستحق لأعيان سلعته والغرماء حقهم في ذمة الميت فليس كالمستحق لأعيان السلع.
وقال غيره في كتاب الجنايات: للغرماء رد ذلك ما لم يفت بعتق أو اتخاذ أم ولد، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا اتبعوا به من أخذه 4.
وأمَّا الزوجة فسوى مالك بين الذين شهدوا بزور أو شبه عليهم بخلاف المال؛ لأنه يصح زوال الملك إذا بيع بوجه شبهة ولا يصح أن تمضي زوجة رجل لآخر إذا تزوجها بشبهة من غير طلاق من الأول وليست كزوجة المفقود؛ لأن الحكم كان لها لأجل قيامها بالضرر مع إمكان أن يكون حيًّا ولهذا
طلق عليه ولم يقسم ماله والآخر قيم بموته ليقسم ماله وليس القصد الطلاق وإنما الحكم بالموت يوجب لها أن تتزوج وليس لأنه تترقب حياته.
وفي المجموعة: في امرأة جعل لها زوجها إن غاب سنة فأمرها بيدها، فغاب عنها سنة، فاختارت نفسها وتزوجت، ثم قدم زوجها (1) فأثبت البينة أنه قدم قبل السنة، قال: ترد إلى زوجها (2) وتنزع من الزوج الآخر وإن دخل بها، فلم يجعل التزويج والدخول فوتًا؛ لأن التعدي منها وهي بمنزلة من باع سلعة ثم تعدى فباعها من آخر أنها ترد إلى الأول.
فصل [في استحقاق الْمُسْلَم فيه أو الثمن ووقت الاستحقاق]
ومن أسلم ثوبين في فرس فاستحق الوجه منهما رد الباقي 3. واختلف إذا استحق الأدنى أو كانا متكافئين، فقال ابن القاسم: يرجع المسلم إليه بقيمة المستحق ويثبت السلم 4. وقال سحنون: يحط من السلم بقدر المستحق، إن كان المستحق الربع أو الخمس سقط من الفرس ربعه أو خمسه 5. قال الشيخ -رحمه الله-: المعروف من قول مالك وابن القاسم ألا يرجع بقيمة المستحق وإنما يرجع في قيمة ما أسلم 6 عليه ويرجع 7 شريكًا وإذا كان الحكم12
الرجوع في قيمة ما ينوبه من الفرس وكان الأجل قد حل 1 أخذ الفرس ودفع قيمة ربعه يوم يأخذه، وإن استحق قبل محل الأجل كان بالخيار، فإن أحب دفع قيمة ربعه 2 الآن على أنه يقبض إلى ما بقي من الأجل وإن أحب أمهل حتى يحل الأجل ويقع التقابض فيدفع إليه قيمة ذلك الربع على الحلول، وإن كان الاستحقاق بعد حلول الأجل وبعد قبض الفرس لم يكن عليه القيمة إلا يوم قبض؛ لأنه ذلك اليوم ضمنه وعمرت ذمته به، وقد تقدَّم ذكرُ هذا الأصل في كتاب العيوب بأبسط من هذا، والله الموفق للصواب.
تَمَّ كتابُ الاستحقاقِ بحمدِ اللهِ تعالى
وحُسْن عَوْنِهِ، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا
محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم