التبصرة للخميصفحات 1-41

التَّبْصِرَةُ

تَأليف أبي الْحَسَن عَليّ بن مُحَمَّد اللَّخْمِيِّ المتوفى سنة 478 هـ

دِرَاسَة وَتَحْقِيق الدكتور أَحْمد عبد الْكَرِيم نجيب عُضْو رابطة عُلَمَاء الْمُسلمينِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدِّمة كتاب "التَّبْصِرة للخمي" الحمدُ لله حمدًا يوافي نِعَمَه، والصَّلاة والسَّلام على أشرف خَلْقه، وخاتم رُسله، وبعد: فإنَّ علماءَ الإسلام قد خلَّفوا لنا تراثًا علميًّا ضَخْمًا، متعدِّدَ المناحي، ما يزال معظمُه مخطوطًا لم يَرَ النور، ولم يتعرفْ عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدَّقيقة، والأفكارِ العميقة، التي تخدمُ واقعَنا المعاصر، وتنير السُّبُلَ لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، حيث يُقدِّرُ بعضُ الخبراء أن ما بقي من تراث علماء الإسلام مخطوطًا يربو على ثلاثةِ ملايين عنوان في زوايا المكتبات، وظلام الصَّناديق والأقبية، لم يُفَهْرَسْ فهرسةً دقيقةً، فَضْلًا عن نشره.
فكان من المهمِّ في هذه المرحلة أن تَتَّجِهَ الجهودُ لتقويم هذا التُّراث، واستجلاء ما ينفعُ الناسَ في عصرنا منه، ثم العمل على تحقيقه ونشره.

وإنَّ وزارةَ الأوقاف والشُّؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وَفَّقها الله لأن تضربَ بسهمٍ في إحياء هذا التراث- لتحمد الله سبحانه وتعالى على أنَّ ما أصدرته من نفائسِ التُّراث قد نال استحسانَ أهلِ العلم في مشارقِ الأرض ومغاربها.
والمتابعُ لحركة النَّشْر العلميِّ لا يخفى عليه جهودُ دولة قطر في خدمة تُراثِ الأمة منذ ما يزيدُ على سِتَّةِ عُقود، ومَشْروع إحياء التراث الإسلامي؛ الذي بدأته الوزارةُ منذ أربع سنوات؛ امتدادٌ لتلك الجهود، وسَيْرٌ على تلك المَحَجَّة التي عُرفت بها دولةُ قطر.
ومنذ انطلاقةِ هذا المشروعِ المباركِ يسَّر اللهُ جلَّ وعلا للوزارة إخراجَ مجموعةٍ من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة؛ تُطبع لأوَّل مرة.
ففي تفسير القرآن الكريم: أصدرتِ الوزارةُ تفسيرَ الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن)، وفي عِلْم الرَّسْم أصدرتْ كتابَ (مرسوم المُصْحَف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديدٍ مُتَميِّزٍ للمحرّر الوجيز لابن عطية مُقابَلًا على نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ عِدَّة.
وفي السُّنَّة: أصدرتِ الوزارةُ كتابَ: (التَّوضيح شَرْح الجامع الصَّحيح لابن الملقّن) و (حاشية مُسْنَد الإمام أحمد للسّندي)، و (شرحين لموطأ الإمام مالك لكلٍّ من القنازعي والبوني)، و (شرح الرَّافعي على مسند الإمام الشافعي)، و (نخب الأفكار شَرْح معاني الآثار للبَدْر العَيْني)، و (صحيح ابن خُزيمة) بتحقيقه الجديد المُتْقَن، يتبعه

قريبًا بإذن الله السُّنَن الكبرى للنَّسائي باستدراك ما فاتَ في طبعاته السَّابقة، مع مشاريع أخرى في السُّنَّة المُطَهَّرة يُعْلَن عنها في حِيْنها.
وفي الفقه: أصدرتِ الوزارةُ: (نِهاية المَطْلَب في دراية المذهب للإمام الجُويني) الذي حَقَّقَه وأتقن تحقيقَه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الدِّيب -رحمه الله-، وكتاب (الأوسط لابن المُنْذِر) بمراجعة وتدقيق د. عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وفي الطَّريق إصداراتٌ أخرى مُهِمَّة، تُمَثِّلُ الفقهَ الإسلاميَّ في عهودهِ الأولى.
وفي السِّيرةِ النَّبويةِ: أصدرتِ الوزارةُ الموسوعةَ الإسناديَّةَ (جامع الآثار لابن ناصر الدِّين الدِّمشقي).
وفي العقيدة والتَّوحيد: أصدرتِ الوزارةُ كتابًا نَفِيْسًا لطيفًا هو: (الاعتقادُ لابن العَطَّار) تلميذ النَّووي، رحمهما الله.
ولم نغفلْ عن إصدار دراساتٍ معاصرة متميِّزة من الرَّسائل العلميَّة وغيرها، فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و (نوازل الإنجاب) وفي الطَّريق -بإذن الله تعالى- ما تقرُّ به العيونُ من دراساتٍ معاصرةٍ في القرآن والسُّنَّة، ونوازل الأمة.
ويسرُّنا اليومَ أن نُقدِّمَ للمسلمين كافةً هذا السِّفْرَ من نفائسِ مصادرِ الفقه المالكيِّ للحافظ الإمام أبي الحسن عليِّ بن محمد اللَّخمي القيرواني؛ الذي حاز الرئاسةَ العلميَّة في بلاد إفريقية، وتوفي سنة 478 هـ.

والكتابُ -كما يقولُ القاضي عِياض- كنز من كُنوز هذه الأمةِ المكنونةِ، وذَخائِرِها المَدْفُونة، وقد اعتمده الشَّيخُ خليل عمدةُ المحققين وخاتمةُ المتأخِّرين، فجعله أحدَ الأربعة الذين بنى عليهم مختصره، ورَمَز له بلفظِ الاختيار، وقد اشتمل كتابُ اللَّخمي هذا على الكثير من اختياراتِه الفقهية، واجتهاداتِه المَذْهبية؛ لأنه كان مُغْرى بتخريج الخِلافِ في المذهب، واستقراء الأقوال، وربما اتَّبع نظره فخالفَ المذهبَ فيما ترجَّح عنده بالدَّليل، فخرجتْ بعضُ اختياراته عن قواعد المذهب، وقد أثنى العلماءُ على هذا الكتاب قديمًا وحديثًا، شِعْرًا ونَثْرًا بما لا يتَّسعُ المجالُ لِذِكْرِه.
والحمدُ لله على توفيقه، ونسأله المزيدَ من فَضْلِه

إدارةُ الشُّؤون الإسلامية

المقدمة التحقيقية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقول -مستعينًا بالله تعالى- بعد حمدِه كما ينبغي لجلاله، والصلاةِ والسلام على نبيِّه المصطفى وصحبِه وآله: لا يزال الإهمال هو السمة الغالبة على التعامل مع الكثير من كتب التراث العربي والإسلامي، وقد وقف هذا الإهمال حائلًا بين الفقهاء والمتفقهين وبين الحصول عليها أو الوصول إلى بعض ما فيها، وقد أودى بكثير من الأصول الخطية لكتب المذاهب الفقهية، ومذهب إمام دار الهجرة -بخاصة- من بينها، حتى إن كلمة مفقود باتت لصيقة بكثير من الأمهات المصنفة فيه، وربَّما كان ما قيل إنه مفقود موجودًا، ولكن عنونته -في الفهارس التي يضعها غيرُ المختصين في الغالب- بكتاب مجهول، أو نسبته إلى مؤلِّف مجهول، دعَّم زعمَ من زعم، وقناعةَ من اقتنع بأنَّه مفقود.
وحين أيس الكثيرون من الوصول إلى بعض الآثار المفقودة، لم يجد اليأس إلى نفوسنا سبيلًا، بل عقدنا العزم على البحث عن مخطوطات ما لم يطبع من كتب السادة المالكية؛ فوصلنا إلى بعض الأصول الخطية، وامتلكنا بعضها شراءً ممن كانت بحوزته ولم يقدرها حق قدرها، بينما صوَّرنا البعض الآخر حينما أتيحت لنا الفرصُ لتصويره.
وما كتاب "التبصرة" إلا واحدٌ من الدواوين الفقهية التي فُقِد معظمُها، فلم يوقَف في عصرنا على نسخة كاملة منها، بل تناثرت أسفارُها أشتاتًا في شرق العالم وغربِه؛ حتى صار من علامات ثراء المكتبات أن تحتوي على جزءٍ

أو نبذة منها.
وأمام هذا الواقع استخرنا الله تعالى في العمل على تحقيق هذا الديوان النفيس ونشره، ومضينا في الأمر قُدُمًا حتى انتهينا بتوفيقه سبحانه إلى ما نقدِّمه اليوم إلى المكتبة الإسلامية في ثوب قشيب من التوثيق والضبط والتحقيق، مُقَدِّمين بين يديه:

أولًا: تعريف مختصر بأبي الحسن اللخمي -رحمه الله-

(1)

اسمه ونسبه وكنيته

: هو أبو الحسن، علي بن محمد بن علي 2 الربعي 3 اللخمي 4، القيرواني 5، نزيل سفاقس 6.1

مولده ونشأته

: ولد اللخمي -رحمه الله- في مدينة القيروان، وبها كانت نشأتُه 1، ولم يذكر له تاريخ ولادة، عند من ترجم له غير أنَّ عياضًا -رحمه الله- ذكر طول بقائه بعد أقرانه وحيازته بذلك التقدم والتفرد فعلى أقل تقدير أن يكون عمر للثمانين أو ما حولها 2، وكذا يستفاد من رواية ابن حجر في معجم شيوخه لكتاب الملخص لابن القابسي المتوفى سنة 453 هـ - فقد جاءت هذه الرواية من طريق المازري عن اللخمي عن القابسي (إجازة) - فدلت إجازة القابسي على ولادة اللخمي قبل وفاة هذا العالم فما أجيز إلا حيًّا أو متحملًا فدل على ولادته قبل ذلك 3. وقد كان بالقيروان حتى خرج منها في الفتنة 4 كما ذكر عياض أنه رابع أربعة فقهاء خرجوا من القيروان بعد الفتنة 5. وقد اختار مدينة سفاقس فظل بها حتى توفي، ومسجده وقبره بها معروفان 6. = البحر.
معجم البلدان: 3/ 223.

شيوخ اللخمي

: 1 - أبو الطيب عبد المنعم بن إبراهيم الكندي؛ المعروف بابن بنت خلدون، القيرواني المتوفى سنة 435 هـ 1: أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، وغيرهما، وله رحلة إلى المشرق.
وبه تفقه اللخمي، وأبو إسحاق بن منظور القفصي، وعبد الحق الصقلي، وابن سعدون وغيرهم، له على المدونة تعليق مفيد، وكان له حظ وافر في أكثر من علم.
2 - أبو إسحاق، إبراهيم بن حسن التونسي، المتوفى سنة 443 هـ 2: تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، ودرس الأصول على الأزدي.
أخذ عنه عبد الحق، وابن سعدون، وعبد العزيز التونسي، وابن أبي جامع وغيرهم، قال عياض: وله شروح حسنة على كتاب ابن المواز والمدونة 3. 3 - أبو القاسم عبد الرحمن بن مُحرز القيرواني المتوفى سنة 450 هـ (تقريبًا) 4: تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران، والقابسي، وأبي حفص

العطار، وبه تفقه اللخمي، وعبد الحميد الصائغ، وله تصانيف حسنة منها تعليق على المدونة سماه: "التبصرة"، وكتابه الكبير المسمى بـ "القصد والإيجاز" وابتلي آخر عمره بالجذام.
4 - أبو القاسم، عبد الخالق بن عبد الوارث السيوري، القيرواني، المتوفى سنة 460 هـ (1). قال عياض: خاتمة علماء إفريقية، وآخر شيوخ القيروان، ذو البيان البديع في الحفظ والقيام على المذهب والمعرفة بخلاف العلماء (2). تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، وغيرهما، وبه تفقه عبد الحميد، واللخمي ولازمه، وعبد الحق، والذكي، له تعاليق على المدونة، أخذ عنه أصحابه، وطال عمره؛ ونقل عياض أنه كان يطعن على اللخمي سيئ الرأي فيه (3).

تلامذته

: 1 - أبو الطيب، سعيد بن أحمد بن سعيد السفاقسي، الينُونِشي 4 الفقيه، المتوفى سنة 501 هـ 5. قال عياض: سكن أغمات، وكان من المحققين بالفقه والكلام، من أهل البلاغة، والتأليف والنظم والنثر، تفقه بأبي الحسن اللخمي وطبقته وكان من123

أهل الخير التام، والفضل الكامل، وسلوك طريق الزهد والورع، متواضعًا حسن الصحبة، كريم العشرة، وشهر اسمه عند السلطان وغيره فلم يزدد إلا خيرًا وانقباضًا وتواضعًا ولم يتشبث بشيء من أمور الدنيا إلى أن توفي -رحمه الله- من سقطة سقطها من درج منزله 1. 2 - أبو علي، الحسن بن عبد الأعلى الكلاعي، السفاقسي، السبتي، المتوفى سنة 505 هـ 2. تفقه بأبي الحسن اللخمي وعليه كان اعتماده وأخذ أيضًا عن ابن سعدون والجياني وغيرهم من مشايخ إفريقية والمغرب والأندلس، ثم استوطن سبتة أخيرًا، وشاوره بها بعض القضاة، وأريد على قضاء الجزيرة فامتنع؛ قال عياض: كان منقبضًا فاضلًا، لم يجب إلى التدريس ولا تصدر للفتيا، وكان محققًا فَهِمًا فقيهًا أصوليًا متكلمًا عارفًا بعلم الهندسة والحساب والفرائض وغير ذلك من المعارف؛ وتوفي بأغمات في المحرم 3. 3 - أبو الفضل، يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، القلعي، المعروف بابن النحوي، المتوفى سنة 513 هـ 4 من قلعة حماد، صحب اللخمي، وأخذ عن أبي عبد الله المازري، وأبي

زكرياء الشقراطيسي، وعن عبد الجليل الربعي، وأخذ عنه محمد بن على عرف بابن الرمامة، وموسى بن حماد الصنهاجي وغيرهما، وكان أبو الفضل من أهل العلم والعمل، وكان ممن انتصر لعدم إحراق الإحياء للغزالي، ولم التقى بأبي الحسن اللخمي سأله ما جاء به، فقال: جئت لأنسخ تأليفك المسمى بالتبصرة، فقال له: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب 1. يشير إلى أن عمله كله في هذا الكتاب، توفي ببلده -قلعة حماد- سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
4 - أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الصقلي، الغرناطي، الفقيه، المتوفى سنة 518 هـ 2: روى كتاب التبصرة، بإجازة من اللخمي وكان جارًا له وقدم غرناطة تاجرًا ولقي بها ابن عطية وذكر ابن بشكوال أخذ الناس عنه بها ووفاته في طريقها.
5 - أبو عبد الله، محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري، القيرواني، المتوفى سنة 536 هـ 3: أحد الأئمة الأعلام، أفقه المالكية في عصره لقب بالإمام، أخذ عن اللخمي وابن عبد الحميد السوسي الصائغ، وغيرهما، جمع بين علوم كثيرة

وبرع في الفقه والأصول والطب، والحساب والآداب، من مصنفاته: "المعلم بفوائد مسلم"، "إيضاح المحصول في برهان الأصول"، "نظم الفرائد في علم العقائد"، تعليق على المدونة، "شرح التلقين".
6 - أبو الطاهر؛ إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي، المتوفى بعد سنة 526 هـ 1: أخذ عن السيوري، وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة وتعقبه في كثير من المسائل ورد عليه اختياراته الواقعة في كتاب التبصرة وتحامل عليه في كثير منها.
قال عنه ابن فرحون: من العلماء المبرزين في المذهب المترفعين عن درجة التقليد إلى رتبة الاختيار والترجيح.
وله كتاب "الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة" و"التنبيه على مبادئ التوجيه"، وكتاب "التذهيب على التهذيب".
وقد ذكر أخذه عن اللخمي مخلوف في ترجمته له، أعني ابن بشير 2، وهو ما تعقبه محقق التنبيه لابن بشير، وهو على جانب كبير من الصواب.
7 - أبو حفص عمر بن يوسف بن محمد بن الحذاء القيسي الصقلي المتوفى سنة 526 هـ 3: ولد بصقلية وحج وجاور، ورحل إلى سفاقس، ثم إلى الإسكندرية وبها مات، قرأ على عبد الحق، وابن يونس، واللخمي، قال السلفي: كان من

مشاهير الزهاد وأعيان العباد، له مجدٌ كبير عند أهل صقلية.
اهـ (1)، وحج سنة إحدى وخمسين.
8 - أبو يحيى ابن الضابط (2). 9 - أبو محمد، عبد الحميد بن محمد، المعروف بابن الصائغ، القيرواني السفاقسي المتوفى سنة 486 هـ (3): تفقه بالعطار، وابن محرز، والتونسي، والسيوري، وهو من أقران اللخمي وقد ذكر الذهبي أخذه عنه (4)، قال عياض: وكان فقيهًا، نبيلًا، فاضلًا، فهمًا، أصوليًّا، زاهدًا، نظارًا، جيد الفقه، قوي العارضة، محققًا، وأصحابه يفضلونه على أبي الحسن اللخمي -قرينه- تفضيلًا كثيرًا.

مؤلفاته

: لم يعرف لأبي الحسن اللخمي مؤلف غير التبصرة وهي الكتاب الذي نحن بصدده وسيأتي الكلام عليه.1234

تنبيه

على مبادئ التوجيه، لابن بشير: 1/ 77.

تنبيه

: مجموع فتاوى اللخمي جمعها الدكتور حميد بن محمد لحمر، وهي وإن كانت من تراثه الفقهي فهي ليست من مؤلفاته، لكنها مستلة من نوازل البرزلي والمعيار كما أوضح جامعها (1).

ثناء العلماء عليه

: ولقد أثنى العلماء على اللخمي قديمًا وحديثًا، وفيه أُلِّفتِ المؤلفات، ولنبدأ بذكر من أثنى عليه بحسب الترتيب الزمني فنقول: قال عنه القاضي عياض: كان مفتيًا متفننًا، جيد النظر، حسن الفقه، جيد الفهم.... فقيه وقته، أبعد الناس صيتًا في بلده.... حاز رئاسة بلاد إفريقية جملة..... وكان حسن الخلق مشهور المذهب 2. وقال الإمام الذهبي: طال عمره، وصار عالم إفريقيّة 3. وقال ابن فرحون: كان أبو الحسن فقيهًا فاضلًا دينًا متقنًا ذا حظ من الأدب 4. قال الحجوي الثعالبي: حسن الفهم جيد الفقه والنظر أبعد الناس صيتًا في بلده 5.1

وقال عنه مخلوف: الإمام الحافظ العالم العامل العمدة الفاضل رئيس الفقهاء في وقته وإليه الرحلة (1). ومن الثناء عليه شعرا ما أورده ابن غازي في فهرسته نقلا عن بعضهم (2) وإن كانت مجهولة القائل إلا أن في تداولها في مجالس العلم وبين طلبة الفقه ما يؤيد قبولها فهي من أعظم الإشادات بهذا الجبل الراسخ وكأني بها على هذه القافية والروي ترد على مثيلاتها التي سنعرضها في معرض النقود: واظب على نظر اللخمي إن له... فضلا على غيره للناس قد بانا يستحسن القول إن صحت أدلته... ويوضح الحق تبيانا وفرقانا ولا يبالي إذا ما الحق ساعده... بمن يخالفه في الناس من كانا ومما يدل على علو شأنه ورفعة منزله اعتماد الشيخ خليل عمدة المتأخرين وخاتمة المحققين لكلامه بل كان اللخمي أحد الأربعة الذين بنى عليهم الشيخ خليل -رحمه الله- مختصره، ونص على هذا في مقدمته فقال -عطفًا على قوله: "مشيرًا بفيها للمدونة"-: وبـ "الاختيار" للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره من الخلاف (3). وكذا سار على نهج خليل من اعتماد كلام خليل كل من جاء بعده كبهرام الدميري والمواق وابن غازي والحطاب الرعيني ومن أتى بعد ذلك.

النقد الموجه له

: على أن اللخمي واختياراته الفقهية قد كانا مثار جدل قديمًا فقد خرجت123

به عن المذهب، قال عياض: "وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب واستقراء الأقوال، وربما اتبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده فخرجت اختيارته في الكثير عن قواعد المذهب" اهـ (1). وهذا مما حدا بعضهم أن ينشد فيه هذا البيت: لقد مزقت قلبي سهام جفونها... كما مزق اللخمي مذهب مالك (2)

وفاة اللخمي

: توفي اللخمي -رحمه الله- كما ذكرت كتب التراجم والتاريخ- بعد عمر مديد في طلب العلم والتدريس والتصدر للفتوى سنة 478 هـ.12

ثانيًا: نظرة حول مكانه "التبصرة" بين الدواوين الفقهية ورد بعض ما أثير حولها

لا تخفى -على ذي نظر ودين - مكانةُ مختصر الشيخ خليل عند فقهاء المالكية المتأخرين، حيث صار عامة أتباع المذهب على المختصر معتمدين، وإليه راجعين، وعنه صادرين، وليس الباعث على ذلك المكانةَ الرفيعةَ لمؤلِّفه -وحسب- بل ثمة أسبابٌ كثيرةٌ تعلي من قدره وتزيد من شأنه؛ أجلُّها أصالةُ المصادر التي استَخرج منها مسائله، وهي تلك التي أشار إليها في مقدمته التي أجاب فيها سائلَه، حيث قال -رحمه الله- ما ملخَّصُه: "...سألني جماعةٌ مختصرًا على مذهب الإمام مالك بن أنس، مبينًا لما به الفتوى، فأجبتُ سؤالهم مشيرًا بـ "فيها" للمدونة، وبـ "الاختيار" للخمي، وبـ "الترجيح" لابن يونس، وبـ "الظهور" لابن رشد، وبـ "القول" للمازري" 1. فاختيارات اللخمي في "التبصرة" عمادٌ من عُمُد المختصر الخليلي، وهي من المختصر بمكان، حتى لو خالف اللخمي فيها غيره من الشيوخ، ألا ترى أنَّ خليلًا رمز في مختصره برمزَين لتمييز ما أورد فيه من أقوال اللخمي فهو يشير إلى اختياره هو في نفسه بصيغة الفعل، وإلى اختياره من الخلاف بصيغة الاسم 2. ولا يكاد يخلو كتاب من كتب المالكية الذين جاؤوا بعد اللخمي من نقل كلامه واختياراته في "تبصرته"، فهي من أهم ما يُرجَع إليه في تحرير رواية المتقدمين، وتقريب الأحكام من المتفقهين.

نعم؛ وقعت في "التبصرة" اختيارات خرجت عن المذهب، وأيُّ غضاضة في ذلك ما دام المصدرُ كتابَ الله وسنَّةَ رسوله، واللخمي مجتهد يميز الصحيح من السقيم، ويستنبط الأحكام من غير تعصب ولا هوًى ذميم.
ومع ما في "التبصرة" من اختيارات من خارج المذهب فقد تلقاها العلماء بالقبول، ولم يعتَرض عليها بشيء سوى ما قيل من أنَّه لا يفتى بها في المذهب.
وقد رأيتُ من انبرى للدفاع عن التبصرة بإثبات أنَّها من كتب الفتوى عند المالكية، مستدلًا باعتمادها مصدرًا من مصادر الشيخ خليل في مختصره، وضرب آخرون يمنةً ويسرةً وهم يُنَقِّبُون في بطون الكتب ليستدلوا بما وجدوه على مكانة التبصرة وتبرئتها مما رُميَت -في نظرهم- به.
قلتُ: وأيُّ عيبٍ في أن لا تكون "التبصرة" من كتب الفتوى؟ وهل تغمز قناة اللخمي بأنَّ المفتين -على التنزل بإثبات ما نسب إلى بعضهم- لم يكونوا يجيزون الفتوى بما فيها؟ لا، والله، ولكن كثيرًا من القوم أوتوا من قِبَل فهمهم؛ ففهموا الأمور على غير وجهها، ولذلك استحسنتُ أن أتناول هذا المسألة من أكثر من جانب: الجانب الأول: في تقرير أن قيمة الكتاب عند السادة المالكية ليست منوطة بكونه من كتب الفتوى أو من غيرها، بل بما يحويه من فقهٍ ورواية؛ وها هنا أمران: الأمر الأول: أن المالكية أكثروا من جمع الفتاوى والتأليف في النوازل الفقهية، وهذه المصنفات تحتوي على فتاوى العالِم الواحد -سواء صنَّفها بنفسه أو جمعها غيره مما أفتى به- أو على فتاوى مجموعة لعدد -قلَّ أو كثُر- من العلماء يضمُّها كتابٌ واحدٌ، ومثل هذا الكتاب يحط من مكانته التحذير

من الإفتاء بما فيه؛ لأنَّه من كتب الفتاوى، فإن لم يعتدَّ به في بابه، كان أحرى أن لا يعتدَّ به في غير باب الفتوى؛ كالحفظ والتدريس والتعليم، لذلك أصيبَت بعضُ الكتب في مقتل بسبب التنفير عنها، والتحذير من الإفتاء بما فيها، وهي من كتب النوازل والفتاوى لا غير.
أما ديوان "التبصرة" فليس من كتب النوازل قطعًا، ولم يُرِد مؤلِّفه من تصنيفه أن يُصَيِّرَهُ كذلك، بل غاية ما قيل فيه: إنَّه وضعَه -شرحًا أو تعليقًا- على المدونة, ونحن -وقد خبرنا الكتاب وعشنا معه زمانًا- نجزم بعدم صحَّة هذا القول، ونزعُم أنَّ الكتاب يشكل حلقة مستقلة في سلسلة التأليف الفقهي عند المالكية، وهو أقرب إلى أن يكون نقدًا لروايات المدونة والترجيح بين آراء المتقدمين فيها وفي غيرها من أن يكون شرحًا، أو تعليقًا عليها بما يفيد التسليم المطلق بما فيها.
فما أكثر ما انتصر اللخمي للدليل وردَّ به ما خالفه من أقوال وآراء، وإن كانت مما يفتى به في المذهب! وبهذا يتقرر أن القول بعدم اعتماد "التبصرة" في الفتوى قولٌ مقبول ما لم يُرَد به لمزها أو غمز قناة مصنِّفها -رحمه الله-.
الأمر الثاني: أن للإفتاء قواعد تختلف من مذهب إلى مذهب، وللمالكية خصوصيَّة في هذا الباب أوجزها الأخ الشيخ حسن بن عبد الرحمن الحسين المالكي، وننقلها -بنصها- عنه لما فيها من تقريب الأمر من مبتغيه، فقد قال وفَّقه الله: لكلِّ مذهبٍ طريقة مختلفة في تعيين الصَّحيح والرَّاجح أو ما عليه الفتوى، جَرَّ إلى ذلك اختِلافُهم في الأصول، فإن السَّادة الحنفية تراهم لا يَذكُرونَ مشهورًا أو تصحيح روايةٍ؛ لأن مناطَ النَّظر عندهم ليس على

صحةِ نسبة القول للإمام وحسب، فتراهُم يعبرون بـ (المُفْتَى به)؛ لأن في مذهبهم جَمْعًا ممن سَلَّمُوا لَهُم الإمامةَ غيرَ أبي حنيفة، كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزُفر، فلهم مسلكٌ في الإفتاء حينًا برأي هذا وحينًا برأي ذاك، وكذا الشَّافعية ترى عندهم وجوهًا وقديمًا وجديدًا، والحنابلة رواياتٌ؛ معتمدا منها وغير معتمد.
فإذا صَحَّ هذا، لَزِمَ منه أن لا تَصِحَّ قاعدةٌ في التقليد والفتوى إلا من ذات المذهب؛ لاختلافهم في الحقائق والمعاني.
أما السَّادة المالكية فالعبرةُ عندهم إنَّما تكون بقول الإمام لا غير، فلا يُعدَل عنه البتة لقول أحدٍ من نُظَّار أصحابه، بلا خلاف صحيح يُعتدُّ به؛ لأنه تقرَّر في الأصول أنه لا يجوز إلَّا تقليد المجتهد المطلقِ، ثم قيِّد بالأئمة الأربعة، وعلماءُ المذهب ليسوا من أهل الاجتهاد المطلق.
وقرَّر المحقِّقون من أهل المذهب أنه لا ابن القاسم ولا غيره من علمائنا بأهل اجتهادٍ مُطلقٍ 1. فإن كان خلافٌ في النَّقل عن الإمام فلهم فيه تفصيلٌ دقيقٌ قائمٌ على قواعدَ مَتينة، من تقليد الأطول صُحبة وآخر النَّاس عهدًا بالإمام، فإن كان الأمرُ بعد عهد تلاميذ الإمام فالقولُ قول المُعتنين بالمدونة من المغاربة لا العراقين؛ لأنهم ألصق بفروع الإمام وحافظوه، وأولئك ألصقُ بما ينصُره من دليل، والحافظُ متقيِّد، والنَّاصر رُبَّما نصرَ بدليل في تضاعيفه ما لا يقبلُه الإمام، خاصَّة أن أولئكَ المنتصرين لا ينتصرون في الغالب بدليل جُزئي نَصَّ عليه الإمامُ، وإنما ينتصرون بأدلَّة جزئيَّة مُستمدةٍ من الأدلة الكُلِّيَّة التي يقول بها الإمام، وهذه الطَّريقة وإن كانت صحيحة في نفسها إلَّا أنه يتطَرَّقُ

إليها احتمالٌ 1. فإذا تقرَّر هذا فكل ما يُنقل من خلافٍ عن أصحاب مالك؛ إن كان في مقابل قول الإمام طُرِحَ من جانب المقلِّد؛ لأنهم ليسوا بمجتهدين، وإنما ساغ لمثلهم خلاف مالك وهم مُقلِّدوه للمسألة المرسومة في كتب الأصوليين بتجزُّؤ الاجتهاد.
أمَّا المقلِّد الذي ليس هو بأهل لطُرق التَّرجيح والتَّشهير فلا يعمل بغير نصِّ الإمام؛ ولذا أخرجنا القول باستحباب صيام السّتّ من شوال مطلقًا وعزوِ خفاء الحديث عن الإمام مالك من وجوه المذهب؛ لأنه اختيار لمالك لا رأيٌ له مذهبي، فتأمل! أما إذا اختلف المنقول عن الإمام وتعارض، تأتي مسألة تعيين الرَّاجح والمشهور.
قالوا: الرَّاجح: ما قَوِيَ دليلُه.
والمشهور ما كَثُرَ قائله.
وقيل بعكسهما، أي الرَّاجح ما كثر قائله والمشهور ما قوي دليله 2. إلاّ أن الاستعمال الصَّواب المُستقر عليه في الراجح هو ما قوي دليله.
أما المشهور فبحثه يطول.
لكن من المستحسن تبيين أن الذي يَهْتَبِل بمسألة تعيين الرَّاجح والمشهور والتَّقديم بينهما ليس هو المُقلِّد العارف ببعض كتب المذهب مع نظرٍ قليل في الأدلة؛ بل فيمن كانت له أهلية الاجتهاد، والعلم بالأدلَّة وأقوال العلماء وأصول مآخذهم، فإن هذا له تعيين المشهور، وأما من لم يبلغ هذه الدَّرجة وكان حَظُّه من العلم نقل ما في الأمهات؛ فليس له ذلك، ويلزمه الجريان على ما نُصَّ أنه مشهور المذهب.

ثم إن قيل: الرَّاجحُ ما قَوِيَ دليلُه، بمعنى أن الدَّليل بِحَدِّ ذاته قويٌ ناهضٌ بالحُجَّةِ.
إن عمل به لأنه مذهب مالك فقد تَقَوَّلَ على مالك، لأنه لا يصح في العقل أن مَن ظَنَّ رُجحان دليلٍ، صار ما ظَنَّهُ دالًا عليه الدليل -حسب فهمه- مذهبَ مالك، ويلزم منه أن يكون مذهب مالك مذاهب لا مذهب، فلا يَختبئ هذا المُرَجِّح خلف مالك، وليُصرح بأنه يرجِّح لذات الدَّليل بلا التفاتٍ لمالك.
وإن قال إنما آخُذ بما قوي دليله من قول مالك، هذا أيضًا أخذٌ بالرَّأي المُقوَّى عندَهُ هو لا رأي مالك؛ لأنه ليس من طرق معرفة نسبة القول لقائله أن يكون هذا القول قويًّا دليلُه عند النَّاظر، إنما النَّظر في النَّاقل عن الإمام والقرائن لا مُطلق قوَّةِ الدَّليل، وتقدَّمَ أن الرُّجحان في الدَّليل عند فلان وفلان من نُظَّار المذهب لا يلزم منه أن يكون راجحًا عند الإمام.
أما إذا اختُلِفَ في فهم نص الإمام بين الأصحاب، فالمَهْيَع هنا أن تورد تأويلات وتفسيرات عبارة الإمام التي حرَّرها أصحابه ونظار مذهبه، فينظر في قوتها من جهة دلالة عبارة الإمام، وتوافقها مع قواعده وأصوله وهو أمرٌ ليس بالهين.
اهـ النقل بطوله 1. قلتُ معقبًا: يظهر مما تقدَّم تقريره أن الفتيا عند المالكية تدور على قول الإمام مالك وما أفتى به، وعليه فلا غرو أن لا يفتي من يتقيد بالرواية عن إمام المذهب من كتاب كـ "التبصرة" و-كثيرٍ من الكتب المصنَّفة في المذهب- غيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين ما لم تكن معنيَّة بتحرير قول الإمام

والتسليم به، خاصةً أنَّ في "التبصرة" -بين كتب المالكية- جرأة -لا تخفى ولا تُنكر- في الاختيار والترجيح، يلزَم منها رد كثيرٍ من الأقوال، والرد على كثير من القائلين، وإن كانوا -في العلم- من الراسخين.
فإذا تقرر هذا فليعلم أنَّ عدم الإفتاء بما في التبصرة -إن سلِّم به- فمردُّه إلى كونها ليست من كتب هذا الفنِّ، وكون مصنِّفها -رحمه الله- غير ملتزم باطرادٍ منهجَ المالكية في الإفتاء.
الجانب الثاني: في إثبات أن الدعوى المزعومة واهية متهالكة في ميزان النقد العلمي، وذلك لأنَّها لم تنقل إجماعًا ولا اتفاقًا، بل جاءت أقرب إلى الحكاية منها إلى الرواية في مصدرين؛ أوَّلهما كتاب نفح الطيب، حيث جاء فيه عن المقري الجد (ت 759 هـ) أن الناس (تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال، فصار الفتاوى تنفذ من كتب لا يدرى ما زيد فيها وما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها، ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي لكونه لم يصحح على مؤلفه ولم يؤخذ عنه) 1. وثانيهما قول ابن مرزوق (ت 781 هـ) في كلام له بعد أن أشكل عليه كلام الشيخ خليل في التوضيح: (نصُّ اللخمي في جوابه صريح في أنه أفتاه بالتيمم لا يشتبه على ناظر، نعم من مسائل خليل الاختصار، فربما أوقعه في بعض المواضع في الاختصار المخل، إلا أن تكون النسخة التي نقل منها محرَّفة، وهذا بعيدٌ لشهرة كتاب اللخمي في هذا الموضع، وإن كان يعتري نسخه الاختلاف في كثير من المواضع، ولذلك تجدني أتوقف عن الفتيا بما فيه،

وبلغني عن بعض شيوخنا الفاسيين -حفظهم الله- أن كتاب اللخمي لم يُقْرأ عليه، فكان الشيوخ يجتنبون الفتيا منه لذلك) 1. قلتُ: وكلام ابن مرزوق الذي يَذكُر فيه توقُّفَه عن الفتيا بما في "التبصرة"، وحكايتَه مثلَ ذلك عن بعض شيوخه الفاسيين يدل على أنَّ الأمر يتعدى الفترة الزمنية التي حدَّدها المقري بالمائة السادسة وصدر السابعة، لأنَّ ابن مرزوق عاش حتى أواخر القرن الثامن الهجري، ولمناقشة ما حكاه والمقري قبلَه يحسُن أن نناقش تعليلهم للتوقف عن الفتيا من "التبصرة"، حيث علَّلَه المقري بِعدَم تصحيحها على مؤلِّفها، وعلَّله ابن مرزوق بما يعتري نُسَخَها من الاختلاف في كثير من المواضع، ومدار العلَّتَين على التشكيك في نسبة ما في النُّسَخ إلى اللخمي نفسه، بسبب تعارض الكلام وتناقضه -أحيانًا- وهذا الإشكال قد يرتفع بتحقيق الكتاب تحقيقًا علميًّا، ومقابلته على ما وصل إلينا من نُسَخه الخطيَّة ليُنتهى إلى إخراجه على ما يغلب على الظنِّ أنَّه مراد مؤلِّفه -رحمه الله-.
ثُمَّ إن التذرُّع بترك الفتيا بما في "التبصرة" بعدم تصحيحه على مؤلِّفه -قد- يَرِد عليه ما يُفهَم منه أن اللخمي صحَّح كتابه، وأذن بتحمُّله عنه وتداوله، حيث ذكرت مصادر ترجمة أبي الفضل يوسف بن محمد المعروف بابن النحوي (ت 513) أنَّه حينما لقي شيخَه أبا الحسن اللخمي سأله الشيخُ عما جاء به، فأجابه أنه يريد نسخ "التبصرة"، فقال له اللخمي: "إنما تريد أن تحملني في كفِّكَ إلى المغرب"، ولم ينهَه عن ذلك، بل عُلمَ من كتب التراجم أن ابن النحوي الذي وفد على اللخمي من قلعة بني حمَّاد في المغرب الأوسط (الجزائر حاليًا)، رجع بالتبصرة وأدخلها إلى فاس 2.

وتحسُن الإشارة هنا إلى أنَّ عدم تبييض المؤلِّف لكتابه لا يعني الطعن في نسبته -أو نسبة ما فيه- إليه إذ ليس التبييضُ بشرطٍ ولا عادةٍ مطردةٍ عند المؤلفين القدامى ولا المُتأخرين، ولو سُلِّم بعدم الأخذ بما قاله الشيوخ في مسودَّات كتبهم للزم من بابٍ أولى عدم التسليم بما كتبه عنهم غيرهُم، أو رواه عنهم مشافهة من غير عَرْضٍ، أو قيَّده في دروسهم أو من مَجَالسهم، كما هو الحال في كثير من تقييدات المالكية, وأشهرها عند المتأخرين تقييد الزرويلي على تهذيب البراذعي للمدونة، فليُتأمَّل وليُعلَم أنَّ في بعض نُسَخ "التبصرة" التي وقفنا عليها ما نُسِخ من مسودَّة مصنِّفها -رحمه الله-؛ حيث قال نُسَّاخُ النسخة التازية وثنتَين من نُسَخ القرويين في آخر كتاب "الخيار": (هذا آخر ما وجد في مسودة الشيخ) 1، وهذا إن لم يكن دليلًا على اعتماد مسودَّة المؤلِّف -رحمه الله-، فلا أقلَّ من أن يكون دليلًا على اعتمادهم على أصلٍ مخطوط نُقل منها أو قوبِل عليها، والله أعلم.
وإن كان لأحد أن يشكك في نسبة ما في "التبصرة" إلى اللخمي، أو صحة نسبة مسائلها إليه ورضاه بها، أو يجزم بعدم تصحيحها على مؤلِّفها، فلا يصح ذلك إلا من تلاميذه الذين هم أقرب الناس إليه وأوثقهم نقلًا عنه، وقد وجدنا من كثرة اعتمادهم على التبصرة ونقلهم واقتباسهم منها، والإحالة إليها بالنص الذي قد يطول أحيانًا فيتعدى الجمل إلى الفقرات والصفحات، كما فعل المازري -وهو أبرز تلاميذ اللخمي، وأكثرهم أخذًا منه ونقلًا عنه- في تعليقته على المدونة التي نسعى إلى تحقيقها ونشرها قريبًا إن شاء الله، وهو ما يوجب الطمأنينة إلى أن تبصرة اللخمي من الكتب المرضيَّة المتلقاة بالقبول، سواء خرجت من مسودَّة المؤلف أو من مبيَّضته.

ومن مجموع ما تقدَّم أنتهي إلى أن تعليل ترك الفتيا بما في "التبصرة" بكونها لم تصحح على الشيخ، أو بالاختلاف الواقع بين بعضٍ من نُسَخها غيرُ مسلَّمٍ، والله أعلم وأحكم.
بقي أن نشير إلى أمرين متعلِّقَين بفتاوى اللخمي على الخصوص، بعيدًا عن الكلام على تبييض "التبصرة" وتصحيحها وما أثير حولَه.
الأمر الأوَّل، أن فتاوى اللخمي كثيرة ظاهرة في دواوين المفتين والمصنِّفين في النوازل الفقهية، وقد سعى إلى جمعها وترتيبها الدكتور حميد لحمر فأثمر سعيُه -مشكورًا- إلى إخراج مائة واثنتين وثمانين فتوى نشرها في كتاب بعنوان "فتاوى الشيخ أبي الحسن اللخمي القيرواني"، وهي خلاصة فتاوى اللخمي في نوازل البرزلي، ومعيار الونشريسي، وما يعنينا من ذلك هو اعتماد المالكية هذه الفتاوى على الرغم من أنَّ كثيرًا منها -إن لم يكن أكثرها- موجود في "التبصرة" أو منقولٌ منها بفوارق طفيفة.
والأمر الثاني -وبه ختام هذا المبحث- أن متأخري المالكية أجمعوا على تلقي مختصر الشيخ خليل -وما أودعه بين دفتيه- بالقبول، وهو الكتاب الجامع لما به الفتوى في المذهب، فلزم من اعتماده اختيارات اللخمي ونصِّه عليها صراحةً، بل وتقديم التبصرة في ترتيب مصادره الأربعة التي هي لبُّ لباب الكتاب - رفع الخلاف الواقع في اعتمادها في الفتوى أو الإفتاء بما فيها.
بل إن الشيخ خليل -رحمه الله- ذهب أبعد من ذلك فأورد في مختصره اختيارات اللخمي التي خالف فيها من سبقَه من أئمة المذهب وفقهائه، مع أنَّ هذا هو عينُ ما اعتبره غيرُه تمزيقًا للمذهب، وخروجًا عليه، فرحم الله الشيخين، وعمَّ بنفعهما العباد.

ثالثًا: نظرة علي المحاولات السابقة لتحقيق تبصرة اللخمي ونشرها

اختار عدد من طلاب الدراسات العليا -بمراحلها المختلفة- أجزاء من كتاب "التبصرة" لتحقيقها، فحقِّقَ أكثرُه في جامعة أم القرى بمكة المكرمة على أيدي عدد من الطلاب، وحُقِّقَت أجزاء منه في كلية الشريعة بجامعة القرويين بفاس وأيْت ملُّول، وكان جهد الطلاب في هاتين الجامعتين مشكورًا يستحق التقدير بالجملة، وإن كان بعضُه دون بعضٍ في مستوى الضبط والتحقيق.
ومع تعدد الطلاب واختلاف مشاربهم ومراجعهم، واختلاف النسخ الخطية التي حصل عليها كلُّ واحدٍ منهم واعتمدها في تحقيقه، فضلًا عن تبايُن اصطلاحاتهم ومناهجهم في البحث؛ فقد خرج عملهم على هيئة تستحيل طباعته عليها، وتوجب عليهم أن يوحدوا أعمالهم ومناهجهم قبل التفكير -فضلًا عن الشروع في طباعته- لذلك لم نر في السبق الذي أحرزه هؤلاء الطلاب ما يُعَكِّر علينا أو يعيق إقدامنا على تحقيق الكتاب من جديد تمهيدًا لطباعته ونشره.
وقد وجدنا -غَيْرَ مَنْ تقدَّم ذكرهم- منافسًا يمشي على عَرَج - فقد جزِّئ الكتابُ بين نحو عشرةٍ من طلاب جامعة الحسن الثاني في المحمدية بالمغرب الأقصى - لتحقيقه، فأتموا المهمة في عجالة من أمرهم، وأخرجوا الكتاب على ما زعموه تحقيقًا وهو إلى المسخ أقرب منه إلى النسخ فضلًا عن التحقيق، هذا ما تأكد لي في جزء واحدٍ من أجزاء الكتاب أتاني به آتٍ فاطَّلعتُ عليه، ولم يُتَح لي الاطلاع على سواه، ولا حرصتُ عليه بعد أن رأيتُ في ذلك الجزء ما رأيت.
وبلغني فيما بعدُ أن إحدى الجهات العلمية العامة في المملكة المغربية

الشريفة تعتزم شراء الكتاب من طلاب المحمدية ونشره، بعد تكليفهم -أو تكليف بعضهم أو غيرهم- بإجراء بعض التعديلات عليه، فثارت في نفسي الغيرة على العلم وأهله، وسعيت إلى -من يُمَثِّلُ أولئك الطلاب بِعَرْضِ مالٍ مجُزٍ- في نظري -مقابلَ التنازل لي عن حق السبق إلى إخراج الكتاب، وتزويدي بما بذلوه مشفوعًا بما اعتمدوه من مخطوطاته لأعيد العمل فيه من جديد، فأنقذ بذلك الكتاب من أن يخرج للقرَّاء محرَّفًا مصحَّفًا، ولكني لم أوفَّق في مسعاي، ولم أبلُغ المراد نظرًا لتلقيهم -كما بلغني- عرضًا ماليًا يبلُغ ضعف ما عرضتُ عليهم.
عندئذ شمَّرتُ عن ساعد الجد، وعزمت على الشروع في تحقيق الكتاب من البداية، واستنفرتُ الأصدقاء والأعوان للنصرة والمساعدة؛ فلقيت منهم أكثر مما توقعت من التشجيع والمساندة، وطفقت أجوب مكتبات العالم في جمع أصوله ونُسَخه، حتى اجتمع بين يديَّ ما يغلب على ظني استحالة الوصول إلى غيره، أو الحصول على مزيد عليه.
ولا بأس هنا من الإشارة إلى أمرين ذوَي شأنٍ عرضا لي أثناء مرحلة تجميع المخطوطات: أوَّلهما: أني سعيتُ إلى الحصول على صورة لجزءٍ من التبصرة يحفظ أصله في الخزانة الحسنية, بالقصر الملكي العامر في الرباط، فطلبتها من العلامة الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين، وتوقَّعت أن أجد بعض المشقة في الحصول عليها، ولكني فوجئت بنقيض ما توقعتُ، حيث أمر فضيلته بتصويرها على عجل، وتكفَّل بإيصال صورة ورقية منها حملها بيديه الكريمتين إلى مكتبي في القاهرة، فكان لموقفه هذا وقعٌ حسنٌ في نفسي ونفوس إخواني في مركز "نجيبويه"،

وإضافة إلى كونِه طوَّق عنقي بجميله، فقد شحذ عزيمتي وأعلى همتي، فكان لي نِعْمَ المعين، جزاه الله عني خير الجزاء، وأنزله منازل الأبرار في عليِّين.
وثانيهما: أني قصدتُ الجمهورية الإسلامية الموريتانية في طلب مخطوطات "التبصرة" بعد أن علمت بوجود نسخة لأجزاء منها في مكتبة أهل حبت بشنقيط، ولكني فوجئت من القائمين على المكتبة بالصد والرد، متعللين تارة بوصية واقفها بعدم إخراج شيء من مخطوطاتها -حتى لو كان مصوَّرًا- وتارة بأن المكتبة وما فيها من المخطوطات -أو بعضه- تحتاج إلى ترميم وإصلاح، ولما أكثر الوسطاء بيننا من الإلحاح عليهم، أفصح القوم عن مطالب أَعْجَزُ عن تحمُّلها، فصرفت النظر عن الأمر، واحتسبت عند الله تعالى ما عانيت، وسألته أن يعوضني خيرًا عمَّا منه حُرمتُ وإليه سعَيت، وأحسب أن دعوتي استجيبت فقد زودني العلامة الشيخ محمد فال (أبَّاه) بن عبد الله شيخ محظرة النبَّاغية بجزء أصلي من "التبصرة" وهو أحد كنوز مكتبته الخاصة بارك الله لنا فيه، وله فيها، ثم أتحفني أحد المحبِّين بصورة لجزء ضخم من الكتاب يحفظ أصله في مكتبة آل ناجم بتيشت فالحمد لله حقَّ حمده.

رابعًا: صعوبات مررنا بها وحلول اعتمدناها أثناء التعامل مع نُسَخ "التبصرة"

من الصعوبات التي واجهتنا عندما جدَّ منَّا العزمُ على تحقيق كتاب "التبصرة" عدمُ وجود نسخة تامة له فيما يُعلَم من الخزانات الخاصة والعامة، وتفرُّق ما يوجد من الأجزاء التي يمكن منها تلفيق نسخة كاملة للكتاب في أنحاء العالم؛ الأمر الذي يكبِّد عناء البحث والسفر، وتجشُّم المشاق لجمع شتات الكتاب من الآفاق.
غير أنَّ صعوبة التعامل مع المخطوطات بعد جمعها لا تقل عن صعوبة الجمع والجلْب، وقد عانى ذلك الأقدمون؛ لما "يعتري نسخَهَا من الاختلاف في كثير من المواضع" كما قال ابن مرزوق 1، وإن كان هذا حال نُسَخها في زمنه، فما الظنُّ بما وصلنا من النُّسَخ على قلَّتها وسوء حالها، وأخطاء نساخها ومفهرسيها 2!! وقد عانينا -في التعامل مع تلك النُّسَخ- العناء الكثير، وفيما يلي نورد نماذج لبعض مشكلات، وما سلكناه في حلِّها باجتهادنا حسبَ الوسع والطاقة:

المشكلة الأولى: اختلاف أرقام الحفظ لبعض نسخ التبصرة من موضع إلى موضع؛ وبيان هذا الإشكال أنَّنا حصلنا على بعض النسخ المخطوطة للكتاب مصورة على الميكروفيلم، أو مسحوبة على الحاسوب، وقد أُعطيَت صورُها أرقامًا غير الأرقام التي تحفظ بها أصولها قي الخزانات ودُور الكُتُب، وقد عانينا هذه المشكلة كثيرًا في نسخة القرويين، فضلًا عن حصولنا على بعض النسخ أو الأجزاء غير مرتبة، وعلى فترات تطول أحيانًا.
وخروجًا من هذا الإشكال رمزنا لكل منها بالحرف (ق) متبوعًا بأرقام متتالية من (ق 1) إلى (ق 10) وأثبتنا لكل نسخة منها رقم الحفظ الذي أشار إليه العلامة محمد العابد الفاسي -رحمه الله- في كتابه "فهرس مخطوطات خزانة القرويين"، وضربنا صفحًا عن الأرقام الناشئة بسبب التصوير الورقي أو الإلكتروني لبعضها.
المشكلة الثانية: تباين أعداد النسخ المخطوطة لكل كتابٍ من كتب "التبصرة" فبعض الكتب وجدناها لها خمس نسخ مخطوطة، وربما أكثر، بينما لم نجد للبعض الآخر إلا النسخة (مثل كتاب التجارة لأرض الحرب)، وحرصًا على ضبط المخطوط على أكمل وجه مستطاع، فقد آلينا على أنفسنا أن نقابل كلَّ كتابٍ منه على نسختين على الأقل ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، اللهم إلا ما انفردت به نسخة واحدة.
وزدنا في عدد النسخ المقابَل عليها كلَّمَا ازدادت مشاكل الكتاب، واقتضت الحاجة مزيدًا من التمحيص لضبط النص وتصحيحه وتقويمه.
المشكلتان الثالثة والرابعة: كثرة النسخ المخطوطة للكتاب رغم النقص الذي لم تسلم منه أيٌّ منها، فبين أيدينا بضعٌ وعشرون نسخة خطيَّة، تتفاوت في جودتها وأحجامها ويختلف نسَّاخها وتاريخ نسخها، وليس من بينها نسخة

تعم الكتاب كلَّه أو جُلَّه، وقد نجم عن هذا الواقع مشكلتان: أولاهُما الحاجة الماسة إلى نسخة أمٍّ نحيل إليها في ترقيم المخطوط، وأخراهما إيقاف القارئ على ما يعنيه من النسخ التي قوبل النص عليها في كلِّ كتابٍ كي لا يتيه أثناء البحث عن كلمة أو موضوع في خضم مخطوطات كثيرة لا تساس بخطام، ولا يزمُّها زمام.
وقد تغلبنا على مشكلة الافتقار إلى نسخةٍ أمٍّ للكتاب بالجمع بين نسخَتي الكتاب المحفوظتين في برلين وباريس؛ عملًا بغلبة ظنٍّ ترسَّخ لدينا بأنَّهما جزآن من نسخة واحدة، بدلالة وحدة الخط -في الغالب- والناسخ (وهو علي بن محمان)، ومن كُتبَ له كل جزء من جزأيها (وهو القاضي أحمد العبايسي)، ولا فرق إلا في تاريخ النسخ فقد تم الفراغ من نسخ أحد الجزأين سنة 1240 هـ, ومن الجزء الآخر سنة 1244 هـ, ولا يعكِّر هذا الفرق بين علاقة الجزأين ببعضهما، لاحتمال توقف الناسخ عن النَّسخ لبعض الوقت، أو انقطاعه عنه ثم عودته إليه، أو استغراقه للوقت -بطوله- في الكتابة والتصحيح والمقابلة التي تشهد عليها التعليقات المثبتة في حواشيها، وكل ذلك يقعُ من النُّساخ عادةً.
وبالجمع بين هذين الجُزأين تمكنَّا من الحصول على نسخة تناهز التمام وإن لم تبلغه، فاعتمدناها نسخة رئيسة، سمَّيناها بالنسخة الأم، وأثبتنا أرقام لوحاتها في النصِّ المحقق.
وتغلبنا على مشكلة اختلاف النسخ التي قوبل عليها بعضُ كتُب "التبصرة" عن النسخ التي قوبلت عليها كتُبٌ غيرها، بذكر النسخ التي قوبل عليها كل كتاب في صفحة العنوان المتقدمة عليه، مع ذِكر رمزها، ورقمها، ومكان حفظها.

المشكلة الخامسة: اضطراب ترتيب محتويات الكتب الفقهية داخل مخطوطات "التبصرة": اختلفت النسخ الخطية اختلافًا كبيرًا في ترتيب محتوياتها من كتبٍ وفصولٍ، بل ومسائل في بعض الأحيان.
ففي نسخة الجامع الأعظم بتازة يقع كتاب "الحج" عقب كتاب "الأيمان والنذور" مخالفًا بذاك ما في بقية النسخ التي وقفنا عليها؛ حيث وقع كتاب "الحج" فيها جميعًا في آخر العبادات، وهذا هو المعروف في عموم الكتب الفقهية عند السادة المالكية.
وفي النسخة التازية أيضًا وقع الترتيب التالي: "الصلح" ثم "الجُعل" ثم الإجارة، ويقابل هذا الترتيب في نسخة الخزانة الحمزية بالرشيدية بعد "الصلح" كتابُ "الرواحل والدواب" ثمَّ كتاب "الجعل" فـ "كِراء الدور".
وفي نسخة تازة يأتي "كراء الدور" بعد "الجوائح" وقبل "الرواحل"، مخالفًا بذلك ترتيب نسخة الرشيدية.
أما كتاب "الشركة" فيقع في التازَّية بعد "القراض" وقبل "الأقضية"، وفي الرشيدية بعد "كراء الدور" وقبل "القراض".
والأمر على خلاف هذا كلِّه في نسخة المكتبة الوطنية بباريس، حيث يتأخر "الصلح" على "الوكالة" ويتقدم على "المساقاة".
أما نُسخُ القرويين فقد وقع فيه"لكثير من التقديم والتأخير في ترتيب الكتب، فنجد في (ق 2) الكتب التالية متواليةً "القسم" ثم "الشفعة" ثم "الهبة"، بينما جاء ترتيب هذه الكتب الثلاثة نفسها في (ق 6) على التوالي بدءًا بكتاب "القسم" ثم "الشفعة" ثم "الوصايا"، وفي (ق 7) "الشفعة" ثم "القسم"

ثم "الوصايا".
وأختم بأوضح دليل لمسته على الخلاف في ترتيب أبواب "التبصرة" من (ق 1)؛ حيث جاء في آخر هذه النسخة قولُ الناسخ: (كمل السفر السادس من التبصرة لأبي حسن اللخمي، وبتمامه تم جميع الديوان بحمد الله وعونه)، وفي حاشيته اليمنى طُرَّة جاء فيها -بخط مختلف- ما نصُّه: (بل يتلوه كتاب الحدود في القذف، ثم كتاب الأشربة، ثم كتاب الجراح، ثم كتاب الديات).
قلتُ: وإن كان الاختلاف بين النسخ في ترتيب محتوياتها راجعًا -في بعض المواضع والمواضيع- إلى اجتهاد الناسخ نفسه، فإن الأمر ليس على هذه الحال دائمًا، بل نجد في نصِّ المؤلِّف ما يرجِّحُ ترتيبًا على غيره في بعض المواضع، وأمثلة ذلك كثيرة؛ فقد قال -رحمه الله- في كتاب الطهارة عند حديثه عن الدم يصيب الثوب: (وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الأطعمة وما يحل أكله من ذلك وما يحرم)!!! مع أن كتاب الطهارة -على ما هو معلوم من كتب الفقه الإسلامي بعامة والمالكي بخاصة- يتقدم ما سواه من أبواب الفقه، فتنبَّه! وقال -رحمه الله- في كتاب "الحج الأوَّل": (وقد مضى ذكر هذا الحديث في كتاب النذر)، وفي هذه العبارة تنكيسٌ -بتقديم كتاب "النذر" على كتاب "الحج"- لا يخفى.
وقال في كتاب "الجهاد": (وقد تقدَّم بعض ذلك في كتاب الأرضين)، مع أنَّ كتاب "الأرضين" يأتي -متأخرًا عن هذا الموضع- إذ موضعه في أبواب المعاملات من البيوع.
وقال في كتاب "الأيمان بالطلاق": (وقد تقدم ذلك في كتاب العتق)، وقال في كتاب "العدة وطلاق السُّنَّة": (وقد تقدم ذكر الطلاق في الحيض في

كتاب اللعان)، إلى غير ذلك من الإشارات الموهمة بوقوع الخلل والاضطراب في ترتيب بعض نسخ الكتاب.
ويستمر هذا الاختلاف في ترتيب الكتب داخل ديوان التبصرة حتى آخرها فالنسخة التي اعتمدناها أصلًا، وسمَّيناها النسخةَ الأم، وأثبتنا أرقام لوحاتها في النصِّ المحقق تنتهي بكتاب "الديات"، والأمر كذلك في نسخة القرويين السادسة، بينما نجد في نسختَي القرويين الثانية والسابعة ما يدلُّ على أن التبصرة تنتهي بنهاية كتاب "الجنايات".
وأمام الإشكال في ترتيب كتب "التبصرة" سلكنا أوَّل الأمر مسلك المدونة الكبرى في الترتيب، نزولًا عند رأي من ذهب إلى أنَّ "التبصرة" تعليقٌ على المدونة -وإن لم نسلِّم هذا الرأي- وقطعنا في ذلك شوطًا، ولكن الأمر لم يعد ممكنا بعد أن وجدنا فروقًا في أبواب كلًّ من الكتابَين، مع ما قدَّمناه من تصريح الإمام اللخمي نفسِه بالإحالة في كُتُب تقدَّمت في "تبصرته" على ما هي متأخرة عنها في المدونة، والعكس، فعدلنا عن ترتيب المدوَّنة إلى ما عليه ترتيب النسخة الأم بعد ضمِّ جزأيها المصوَّرَين من برلين وباريس، وما لم نجده فيها رتبناه بحسب موضعه في المدونة، وراعينا -في الترتيب- الكتاب الذي قبله لا الذي بعده، حتى استقام الأمر، وزال الإشكال، والحمد لله.
قلتُ: وعلى علاقة بالاختلاف في الترتيب ما وقع أحيانًا من اختلاف في ترتيب محتوى الكتاب الواحد، أو الفصل الواحد، كتأخير مطلَع كتاب "القذف" في النسخة الأم، عند موضعه المفترض قياسًا على منهج المصنِّف -رحمه الله-, ومقارنة بما في باقي النُّسَخ، وقد حللنا هذا الإشكال برد الأمر إلى الصواب، مستأنسين في ذلك بما في نسخة القرويين السادسة.

المشكلة السادسة: اختلفت مخطوطات "التبصرة" في عناوين الكتُب داخلها، وإن كان المحتوى واحدًا فيها جميعًا، وقد يكون الأمر هينًا حينما يتعلَّق الأمر بالتقديم والتأخير بين ألفاظ العنوان المعطوفة على بعضها؛ كقوله "كتاب الصدقة والهبة" في نسختَي القرويين الثانية والثامنة، في مقابل قوله "كتاب الهبة والصدقة" في النسخة الأم، ويهون الأمر -أيضًا- عند حصر الاختلاف بزيادة حرفٍ أو نقصان حرف لا يغير المعنى، كقوله "كتاب القسم" في نسخَتَي القرويين الثانية والسابعة، وقوله "كتاب القسمة" في السادسة من نُسَخ القرويين.
أما موطن الإشكال فهو انفراد بعض النسخ عن غيرها بكتب ذات عناوين مختلفة ككتاب "الغرر" أو "البيع على الصِّفَةِ" الذي انفردَت به النسخة الأم، ومثله كتاب "التدليس بالعيوب" الذي يحيل عليه المؤلف -اختصارًا- بقوله: في كتاب "العيوب".
وفي آخر كتاب "اللعان" من نسخة الخزانة الملكيَّة (الحسنية) قال الناسخ ما نصُّنه: (تمَّت رزمة النكاحات بحمد الله وعونه، والحمد لله وحده) وقال ناسخ النسخة الأمِّ في هذا الموضع: (إلى هنا انتهى كلام الشيخ) ثم أكمل الباب بما هو مثبت.
وقد انتهى اجتهادنا فيما يخص هذه الاختلافات وما شابهها بإمرارها كما جاءت، فأثبتنا العناوين كما هي في النسخة الأم، وما لم يكن فيها أثبتناه من مصدَره كما جاء.
المشكلة السابعة: تظهر النسخ الخطية التي وصلتنا وجود نقصٍ في بعض كُتُب "التبصرة"، مع تعذر الجزم بكون النقص واقعًا في النسخ التي وصلتنا فقط -فيكون عيبًا من عيوبها- أم فيها وفيما نُسخَت منه من النسخ المتقدمة،

فيكون الناسخ قد أثبَت ما اتَّفق له.
ومن أمثلة ذلك النقصُ الواقع في آخر كتاب "العتق الأول" من النسخة الأم، حيث أنهى الناسخ الكتاب بقوله (وتمامه في آخر كتاب الولاء من هذا السفر)، وقد التمسناه في الموضع المشار إليه فلم نجده.
ووقع في آخر كتاب "الجهاد" نقصٌ بيِّنٌ؛ حيث أنهاه الناسخ في نسخة القرويين الثالثة بقوله: (ها هنا انتهى الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- من كتاب الجهاد، والحمد لله)، وفيما يقابل هذا الموضع من نسخة الإسكوريال بياضٌ يعقبه قول الناسخ: (كمل بحمد الله وحسن عونه كتاب الجهاد، وبتمامه كمل السفر الأول، ويتلوه كتاب الحج...). وفي هذا الموضع من النسخة التازية بياضٌ بقدر أربعة أسطر، تركه الناسخ، وقال بعدَه: (تم كتاب الجهاد...). وفي آخر (باب في وجوب العمرة ووقتها) من نسخة القرويين الرابعة خَتَمَ الناسخ البابَ بكلمة (بياض) وكأنَّه يرى أن الباب لم يكتمل.
وفي الخامسة من نُسَخ القرويين، عقب قول المصنِّف -رحمه الله-: (واختلف في جواز التمتع بالعمرة لأهل مكة وغيرهم من أهل الآفاق)، أورد الناسخ كلمة (بياض)، وأعقَبها بياضًا بمقدار أربعة أسطر ونصف.
وجاء حلُّنا لمشكلة نقص بعض الكتب الواقع في بعض النسخ بإكماله من النسخ التي ورَد فيها بتمامه، أمَّا ما سقط منها جميعًا فأبقيناه على حاله، وأشرنا إلى ما قاله النُّساخ مما يفيد سقوطه من الأصل الذي نقلوا منه؛ إذ لم نجد إلى إتمامه سبيلًا، والله المستعان.
المشكلة الثامنة: تداخلت النصوص داخل بعض الكتب، وأدرج في

بعضها ما ليس منها، ففي نسخة برلين يتداخل كتاب الصيد بآخر كتاب الزكاة الثاني تداخلًا بيِّنًا، حتى إن الناسخ ليكتب نصف لوحة من الزكاة الثاني يفصل بها بين الحج الثالث والصيد.
وأُلحِق الباب الأول من كتاب "الاستحقاق" بآخر كتاب "الغصب" في نسخة القرويين التاسعة، وقال الناسخ بعد ما ألحَقَه (تمَّ كتاب الغصب والحمد لله تعالى).
واتَّفقَت المخطوطة الأم في كتاب "الرواحل والدواب" مع النسخ الأخرى من أوَّل قول المصنِّف (وتجوز الإقالة إذا كانت من المكري زيادة قبل النقد وبعده) ثمَّ اختلط الأمر على الناسخ، فأدرَج جزءًا من نهاية كتاب إرخاء الستور أتمَّ به كتاب الرواحل، قائلًا عقب الكلام السابق للمصنِّف: (وكذلك لو حكم السلطان رجلًا أجنبيًّا...) إلى أن وصل إلى قوله: (وإن أشكل الأمر لم يمضِ)، ومن الغريب أنه بعد إيراد هذا الكلام بطوله أعقبه بقوله: (تم كتاب الرواحل والدواب من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي... إلخ).
ورفعًا لما قد يُشكل على القارئ أو المراجع والمتابع، نبَّهنا على هذه المواطن ونظائرها عند وقوعها.

جارٍ التحميل