ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى حيوانًا بيعًا فاسدًا، فطالَ مُكثها عنده فذلك فوت؛ لأن الحيوانَ لا يثبتُ على حاله.
وأما الثياب والعروض فإن تغيرت أسواقها أو دخلها عيب فقد فأتت، وإن تغيرت أسواقها ثم عادت إلى حالها يوم اشتراها لم ترد وقد فاتت، وإن باعها بيعًا صحيحًا، ثم ردت بعيب، أو اشتراها ولم تتغير في نفسها ولا حال سوقها، أو رجعت إليه بهبةٍ أو صدقةٍ أو ميراثٍ، ردَت على البائعِ الأول 1.
وقال أشهب: ليس له أن يردها وقد لزمته القيمة فيها 2.
قال في كتاب محمد: وكذلك لو دبرها أو أعتقها فرد غرماؤه التدبير والعتق، لزمته قيمتها 3. ولم يفسخ البيع.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: المبيع أربعة أصناف: الديار والأرضون، والحيوان، والعروض، والمكيل والموزون.
والذي يفيتُ البيعَ الفاسدَ سبعةٌ: حوالة الأسواق بزيادةٍ أو نقصٍ، وتغير المبيع في نفسه بزيادة أو نقص، وخروجه عن يد المشتري ببيعٍ أو هبةٍ أو صدقةٍ
أو عتقٍ، أو ما يؤدي إلى خروجه من اليد: كالكتابة 1 والتدبير، وتعلق حق غير 2 المشتري به كالإجارة والرهن والحبس، ونقله إلى بلد آخر، والوطء في الإماء، وقد يجتمع أكثر هذه في العروض والحيوان.
فأما الدور والأرضون فيفيتها الهدم والبناء والغرس، وشق العيون وحفر الآبار، وخروجها عن اليد، والتحبيس.
واختلف هل يفيتها حوالة الأسواق أو الطُّول؟ فقال مالك وابن القاسم: لا يفيتها ذلك 3. وقال أصبغ: إلا أن يكون الطول مثل عشرين سنة أو أكثر 4، فإن هذا لا بد أن يدخله التغيير في بعض الوجوه والْبِلَى.
وقال أشهب 5: حوالةُ الأسواق فوتٌ، والديارُ والعروضُ في ذلك سواء 6، وهو أبين؛ لأن مراعاةَ حوالة الأسواقِ كانت في العروض لدفع الضرر؛ لأن في رده بعد نقص سوقه ضررًا على البائع، وإن تغير بزيادة كان ضررًا على المشتري؛ لأنه كان في ضمانه، وإذا كان ذلك كانت الديار وغيرها سواء.
وإن كان التغيرُ أبينَ 7 كالذي يشتري بالثمن اليسير في الشدة، ثم يتضاعف ثمنه في الزمن الآخر، أو يشتريه بما له قدر في زمن رخاء، ويريد
البائعُ أن يستردَّه في شدةٍ، وقد تباينت الأسواقُ، فذلك أبين في أنه فوتٌ.
وكذلك إذا اشتريت للتجارة فهو فوت، وإن لم يتباين اختلاف الأسواق حسب ما تقدم.
ولا يفيت العروض الطول إذا لم تتغير في نفسها ولا حال سوقها (1).
واختلف في الطول في الحيوان، فقال مالك في كتاب التدليس فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، فكاتبه ثم عجز بعد شهر: أنه طول وقد فات (2).
وقال في كتاب السلم الثالث في الشهرين والثلاثة: ليس بفوت في العبيد والدواب، إلا أن يعلم أنه تغير (3).
وهو أحسن، إلا أن يكون المبيع صغيرًا، فإن المدة اليسيرة يتغير فيها وينتقل.
فصل [فيما يكال أو يوزن متى يدخله الفوت]
وأما الطعامُ وغيره مما يُكال أو يُوزن يشترى على كيلٍ أو وزنٍ فلا يفيته تغيره في نفسه، ولا ذهاب عينه إذا لم يتغير سوقه؛ لأنه مما يقضى فيه بالمثل، فالمثل يقوم مقام الأول.
واختلف إذا تغير سوقه وهو قائم العين، فقال مالك وابن القاسم: ليس بفوت 4.123
وقال ابن وهب وغيره: إنه فوت.
وهو أبين؛ لأن وجودَ المثلِ كقيام العينِ في الفوتِ.
وقد اتفقوا في العرض أن حوالة الأسواق فيه فوت وإن كان قائمَ العينِ، ولا يكون وجود المثل في المكيل والموزون أعلى رتبة من وجود عين العرض، فإذا لم ينقض البيع في العرض للمضرة التي تدخل على البائع من نقص السوق، أو على المشتري إن زاد؛ لأنه كان في ضمانه، فكذلك المكيل والموزون، وهما في دخول المضرة على البائع والمشتري من هذا الوجه سواء، وربما كانت المضرة في الطعام أبين، لتباين انتقال الأسعار، وإِنْ بِيعَ شيءٌ من ذلك جزافًا كان كالعرض تفيته حوالة الأسواق، وذهابُ عينه، ويقضى فيه بالقيمة.
وأرى إذا ذهب عينه وعرف كيله ولم يتغير سوقه أن يقضى فيه بالمثل، وكذلك إذا لم يعرف كيله، وأراد البائع أن يقضي له بمثل المكيلة التي تقوم لا بقيمتها؛ لأنه إذا قيل فيها من تسعة إلى أحد عشر غرم المشتري قيمة عشرة، كان غرم تلك العشرة أولى من غرم قيمتها.
وكذلك إذا قال البائع: أنا أغرمه أقل مما يقال أنه فيها، أو قال المشتري: أنا أغرم أكثر مما يقال أنه فيها، كان ذلك لهما ويسقط حكم القيمة، وقد تقدم قول أشهب وسحنون في كتاب الغصب في هذا الأصل.
فصل [فيما تفوت به الأمة ولا تفوت به]
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وطء الأمة فوتٌ 1، ولم يجعل الغيبة عليها فوتًا، وهذا أمر لا يعلم إلا من قوله، فإن قال: أصبتها صدق، وإن قال: لم
أصبها وصدقه البائع ردت ووقفت للاستبراء، وإن كَذَّبه وكانت من العلي لم ترد.
وإن كانت من الوَخْش كان القول قوله إن لم يصب 1 وردت ولم توقف.
وكذلك هبةُ الأبِ الجاريةَ لولده الكبير له أن يعتصرها، وإن غاب عليها إذا اعترف أنه لم يصب، وإن ادعى أنه قد أصاب صدق ولم يعتصر الأب على مذهب ابن القاسم 2. وقال المخزومي: له أن يعتصرها 3.
وكذلك الجارية يشتريها شراءً صحيحًا، ثم يجد بها عيبًا فله أن يردها، وإن غاب عليها والقول قوله أنه لم يصبها 4.
واختلف قول مالك إذا أصابها، فروى عنه ابن القاسم أن له أن يردها 5. وقال في كتاب ابن حبيب: ليس له أن يردها.
وكذلك الهبة للثواب له أن يردها وإن غاب عليها، والقول قوله أنه لم يصبها، فإن وطئها كان رضا بالتزام الثواب ولم ترد 6.
وأما الغاصب يغصب الجارية، فإن غاب عليها لزمته قيمتها، وطئها أولم يطأها؛ لأن الغاصب يضمن بالعيب اليسير، فيضمن بذكر الغصب والغيبة وإن لم يصب.
ومن أحل جاريته لرجل وغاب عليها لم يضمن بالغيبة عليها عند ابن
القاسم وردت ما لم يطأ، فإن ادعى أنه وطئ لم ترد (1).
ولو قيل في هذا: إنها لا ترد لكان وجهًا، وقد يكون قول ابن القاسم أنها ترد (2) مراعاةً للخلاف أنها ترد وإن وطئ.
وليس حرث الأرض وزراعتها فوتًا، فإن أدرك ذلك في الإبان كان على المشتري كراء مثلها، فإن لم يعلم حتى خرج الإبان لم يكن عليه كراء، وردت الأرض في الوجهين جميعًا.
ولو كانت نخلًا بيعت بيعًا فاسدًا فأثمرت، ردت الثمرة مع الأصل ما لم تطب، فإن طابت كانت للمشتري.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: فهي للمبتاع بالإبان (3). والأول أحسن.
فصل [فيمن اشترى رقيقًا شراء فاسدًا ثم نقلها هل يدخلها الفوت]
قال ابن القاسم في العتبية فيمن اشترى رقيقًا شراءً فاسدًا، اشتراه بإفريقية ثم نقله إلى الفسطاط: ليس نقله فوتًا إلا أن يتغير بنماء أو نقص أو حوالة الأسواق، قال: ولا أرى سوق مصر وسوق القيروان إلا مختلفًا وذلك فوت، وإن قدم بها من الإسكندرية، فإن لم تختلف الأسواق ردها بالفسطاط.
قال: ولو كان طعامًا لم يرده بالإسكندرية 4.
يريد لمكان الحمل، ولو كان المبيع عروضًا مما له حمل وأجرة لكان فوتًا،123
وإن لم تختلف الأسواق 1.
ولم يرَ ابنُ القاسم نقل الحيوان فوتًا إذا لم تختلف الأسواقُ؛ لأنه مستقل بنفسه فلم يكن على المشتري إن أُخذ من يده مضرة؛ لأنه لم يتكلف له أجرةً، ولا على البائعِ إن أسلمَ إليه مضرة؛ لأنه قادرٌ على أن يردَّه ويرجعَ بنفسه.
وأرى إن قال البائعُ: لا أقبله إلا في البلد الذي قبضه مني، أن يكون ذلك له.
وإن كان الطريق مخوفًا كان أبين، ويكون البائع بالخيار بين أن يقبله ها هنا أو يضمن قيمته، وإن حال سوقه، وإن كان ما بين البلدين قريبًا وَمأمونًا فقال المشتري: أنا أرده إلى موضع قبضته فيه، أن يكون ذلك له ولا يكون فوتًا، وقد تقدم لابن القاسم وأشهب 2 إذا باعها المشتري ثم اشتراها شراءً صحيحًا هل تُردُّ إلى البائعِ الأول.
وأرى إذا رجعت بعيب أن ترد إلى البائع الأول؛ لأنَّ الوجه الذي به فاتت نقض من أصله، وإن رجعت بشراء مبتدأ أو هبة أو صدقة أو ميراث، أن لا ترد ويمضي الأول بالقيمة؛ لاتفاقهما على ما أحدثه 3 المشتري الأول من بيع، ثم عادت إلى يده بشراء أو هبة أو صدقة أن لا ينقض، وإن العهدة في البيعة الثانية على حالها، وإذا كان كذلك لم يصح أن ترد إلى البيع الأول على الملك الأول؛ لأنها قد انتقلت بعد إلى آخر بملك صحيح.
وأما إن أعتق أو دبر أو كاتب فرد ذلك لدين عليه فقول ابن القاسم 4 فيه أحسن؛ لأن الوجه الذي كان يفوت به قد رد من أصله، ولا خلاف أنه إن
أقيم في ذلك وهي (1) عند المشتري شراء صحيحًا، فحكم بالقيمة ثم ردت بعيب، أو حكم بالقيمة قبل قيام الغرماء أن الحكم ماضٍ ولا يرد، وإن ردت بعد ذلك بعيب أو رد الغرماء عتقه أو تدبيره.
وإن قصد المشتري بالبيع والهبة تفويت ذلك المشترى قبل أن يقوم عليه البائع كان فوتًا (2).
واختلف إذا فعل ذلك بعد أن قام عليه البائع؛ ليرد البيع هل يكون فوتًا (3)؟ وألا يكون فوتًا أحسن.
وإن قال البائعُ حينَ قامَ: قد رَدَدتُ ذلك البيع -كان أبين.
فصل [في الأوجه التي تكون في السلعة في حين بيعها]
لا تخلو السلعة في حين البيع من ثلاثة أوجه: إما أن تكون في يد البائع، أو في يد أمينة، أو في يد مشتريها.
فإن كانت في يد البائع فهلكت قبل أن يسلمها، أو يُمكِّن المشتري منها 4 كانت من البائع.
واختلف إذا أمكنه منها، فقال ابن القاسم: المصيبة من البائع.
وقال أشهب: من المشتري 5، والأول أصوب 6؛ لأن الحكم أن يرد ذلك إلى الرضا وتقر في يد البائع على حالها.123
واختلف إذا كانت في يد أمن البائع، فأقرها المشتري ولم يقبضها، هل تبقى على ضمان البائع؟ لأن الحكم أن تقر للبائع في يد أمينه ولا يقبضها المشتري، أو هل يضمنها المشتري؟
وكذلك إذا كانت قبل البيع عند المشتري، ثم اشتراها شراءً فاسدًا، فاختلف هل يضمنها المشتري أو تبقى في ضمان البائع؛ لأن الحكم أن يرد ذلك الرضا وتقر اليد على حالها على الأمانة، إلا أن يحدث فيها المشتري حدثًا فيضمن قيمتها 1 يوم أحدث ذلك، بخلاف أن يحدث بها أمر من غير سبب المشتري، وقد مضى بيان ذلك في كتاب الرهن وفي كتاب البيوع 2 إذا باعها المشتري وهي في يد البائع أو البائع بعد أن قبضها المشتري.
واختلف إذا كانت في يد البائع فقبضها المشتري في نقض البيع، وفي ضمانها.
فقال مالك وابن القاسم: ترد إلى البائع إن كانت قائمة، وإن هلكت كانت من المشتري 3.
وقال محمد بن مسلمة: رد البيع بعد القبض استحسان.
وقال سحنون: إن كان البيع حرامًا كانت المصيبة من البائع، وهو في يد المشتري كالرهن 4.
فإن كان حيوانًا كان القول قول المشتري في تلفه، وإن كان مما يُغابُ عليه
لم يصدق إلا أن تشهد له بينة على هلاكه، فيكون من البائع.
وقول مالك في ذلك أحسن إلا أن يمضي البيع مع القيام لإمكان أن تفوت وهو لم يفت بعد.
واختلف إذا كان البيع مختلفًا فيه على أربعة أقوال:
فقيل: يمضي بالعقد.
وقيل: بالقبض.
وقيل: حتى يفوت بعد القبض فيمضي بالثمن.
وقيل: بالقيمة كغيره من البياعات الفاسدة، وهذا قول من قاد مذهب نفسه ولم يراع الخلاف.
وقد تقدم (1) ذلك في كتاب السلم الأول فيمن اشترى الثمار على كيل أو الزرع أوالفول قبل أن ييبس (2).
وأرى إذا ترجحت الدلائل عند المفتي، في صحة ذلك البيع وفساده، أن يتركهما على ما هما عليه ولا يعترضهما بنقض.
فصل [في وجوه فساد البيع]
ولا يخلو البيع الفاسد من أربعة أوجه: إما أن يكون فساده من قِبَل ثمنه، أو من قِبَل عقده، أو من قبل ثمنه وعقده، أو بشرط فاسد قارنه.
وقد تقدم الجواب فيما كان فساده من قبل ثمنه، ومضى في كتاب الصلاة الثاني ما كان فساده من قبل عقده 3. والاختلاف فيه كبيع12
الجمعة (1)، واختلف في التفرقة في البيع بين الأم وولدها، فقيل: البيع جائز، ويجمعان بينهما وإلا فسخ (2). وقيل: البيع فاسد، ويفسخ وإن جمعا بينهما (3).
وأما ما كان فساده من قبل عقده وثمنه، فإنه يجري على الحكم فيما كان فساده من قبل ثمنه، فينقض بعد القبض إذا كان قائمًا، وإن فات مضى بالقيمة (4).
وقد تقدم ذكر البيع إذا قارنه شرط في كتاب بيوع الآجال (5).
وقال ابن القاسم -فيمن باع جاريةً بيعًا فاسدًا ورضي البائعُ والمشتري بردها معيبةً: جاز ذلك (6). يريد: إذا كانت من الوخش أو من العلي وهي في أول دمها.
وقيل: لا يجوز ذلك إلا بعد معرفتهما بقيمة الجارية (7).
فصل [في اشتراء ثمر النخل وجُدادها قبل بدو صلاحها]
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى ثمر نخل قبل أن يبدو صلاحها ثم جدَّها قبل أن يبدو صلاحها-: إن البيعَ جائزٌ إذا لم يشترط تركها حتى يبدو صلاحها، فإن اشتراها قبل بدُوِّ صلاحها، ثم جَدَّها بعد أن بدا صلاحُها، كان1234567
عليه قيمتها يوم جَدَّها إن كانت رطبًا، وإن كان جَدَّها 1 تمرًا كان عليه مكيلتها تمرًا، وهو قول مالك 2، فحمل ابن القاسم البيع قبل بدو الصلاح على الجواز وعلى الجداد حتى يشترط البقاء.
وقال أبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: البيع على الفساد حتى يشترط الجداد 3. والأول أحسن؛ لأن الأصل البيع في الثمن والمثمون على المناجزة، حتى يشترط الأجل في أحدهما أو تكون عادة، وكذلك قال ابن حبيب -فيمن اشترى ثمرة بعد طيبها فأراد أن يقرها حتى تيبس-: فليس له ذلك وهي على تعجيل جدادها حتى يشترط تأخيرها من أجل السقي 4.
يريد: أنه لا يكون على البائع بقاؤها ولا سقيها إلا أن يشترط أو تكون عادة.
وأرى إذا بيعت قبل بدو الصلاح أن يستدل بالثمن الذي بيعت به فثمن ما بيع على الجداد مباين 5 لما بيع على البقاء، ومحمل قول ابن القاسم إذا جدها رطبًا أن عليه قيمتها يوم جدها؛ لأن جدادها رطبًا فساد فيكون عليه قيمتها على ما تباع به على البقاء لتيبس، ولا يلزم البائع أخذها مجدودة، وإن كانت قائمة العين، وإن كانت العادة جدادها رطبًا سلمت إليه على حالها، وهذا بخلاف من باعها قبل بدو صلاحها على الجداد فجدها زهوًا أو رطبًا فله أن يسلمها مجدودة، وإن كان جدادها حينئذٍ فسادًا؛ لأن البائعَ سلطه على جدادها
قبل بدو صلاحها، فهو لم يزده تأخير الجداد إلا خيرًا.
وإن فاتت ولم تعلم المكيلة كان عليه قيمتها مجدودة، وليس على البقاء لتيبس وكذلك إن علمت المكيلة، وكان غرم المثل يتعذر، وإن لم يتعذر وأحضر المثل لزم البائع قبوله، وإن لم يحضره وأحب البائع أن يأخذ من المشتري الثمن الذي يشتريه به كان ذلك له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" 1، وإذا جدها تمرًا أو لم يعلم المكيلة غرم قيمتها تمرًا.
واختلف إذا علمت المكيلة، فقال مالك وابن القاسم: عليه مثل مكيلة التي جد 2. وقال محمد: عليه القيمة في كل ما قبض جزافًا، وإن عرفت المكيلة.
والأول أقيس، وقد تقدم الجواب عنه في البيع الفاسد.
وقال مالك في كتاب محمد: فيمن اشترى ثمرة في رؤوس النخل قبل طيبها ثم باعها بعد طيبها وقبل أن يجدها-: كان بيعها فوتًا وعليه القيمة يوم بدا صلاحها، وقال محمد: عليه القيمة يوم باعها، قال 3: وقد كان مالك يقول يرد عدد المكيلة 4.
فأما قوله عليه 5 القيمة يوم بدا صلاحها فلا يصح إلا أن يكون المشتري
دخل على أن يجدها إذا بدا صلاحها وبعد ذلك، فيجري على الخلاف في التمكين هل هو قبض؟ وإن دخل على أن تبقى لتيبس هل 1 تعتبر القيمة يوم بدو الصلاح؟ وكان الاعتبار يوم البيع الثاني.
وقد اختلف فيمن اشترى عبدًا شراء فاسدًا فباعه أو أعتقه هل ذلك فوتٌ؟ فعلى القول أنه ليس بفوتٍ يكون البائعُ الأولُ بالخيارِ، بين أن يجيز البيع ويكون له الثمن، أو يرد المشترى، وإن بان بها وهو يعلم لم يكن له إلا الثمن، وإن لم يعلم بالبيع الثاني كان بالخيار، بين أن يجيز البيع ويأخذ من المشتري الثاني الثمن، أو القيمة مجدودة حسبما قبضها عليه المشتري الآخر، أو المكيلة إن عرفت، وعلى القول أن ذلك فوت يكون على المشتري الأول القيمة يوم باعها، فقال: بكم تباع على أن تبقى في رؤوس النخل، في ضمان بائعها الأول إلى أن تيبس، وهو معنى قول محمد؛ لأن المشتري الآخر اشترى على مثل ما تشترى عليه الثمر المزهية، أن الجائحة من البائع حتى تيبس، وإذا لم يضمنها المشتري الآخر إلا باليبس كان للمشتري الأول على البائع مثل ذلك، وهو بمنزلة من اشترى ثمارًا مزهية ثم 2 باعها بالحضرة، فإن لكل واحد من المشترين الرجوع على من باع منه متى أجيحت، ويصح أن يقال: إن البيع فوت، ويكون للمشتري الأول الثمن الذي باع به، وعليه لمن باع منه أولًا مثل المكيلة، كما قال مالك؛ لأنه وإن كان البيع فوتًا، فإن الضمان لا ينتقل عن واحد منهما إلا باليبس، وإذا كان ذلك كانت المكيلة على صفتها وقت قبضها.
باب في الوقت الذي يباع فيه القصيل وهل تباع معه خلفته؟ وفي بيع المقاثي
1
يجوز بيع القصيل 2 إذا برز على الأرض وبلغ أن يرعى، ولم يكن رعيه حينئذٍ من الفساد، ولا يترك حصاده لزيادة ولا ليتحبب، فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يجز 3.
واختلف في شراء الخلفة والرأس صفقة واحدة، وفي بيعها ممن اشترى الرأس في عقد بانفراده.
فأجاز في المدونة اشتراءها في صفقة واحدة، وفي عقد ثانٍ إذا كانت مأمونة 4.
وقال مالك في كتاب محمد في كتاب المساقاة: كل شيئين يجوز أن يشتريهما صفقة واحدة فلا بأس أن يشتريه صفقة أخرى 5.
ومنع محمد أن يشتريه صفقة واحدة، فقال في قصب السكر: إذا كانت له الخلفة، فساقاه عليه وعلى خلفته لم يجز؛ لأنه لا يجوز مساقاة ما لم يخرج من الأرض، ولا بيع خلفته، ولو انفرد به وحده جاز إذا عجز عنه، واستقل عن الأرض ولم يشترط خلفته 6، وهذا أقيس؛ لأن بيع الخلفة بيع ما لم يخرج من
الأرض، وإذا لم يجز بيعها على الانفراد لم يجز أن يضمها إلى الرأس.
فإن قيل: إنما جاز ذلك؛ لأنها مأمونة، قيل: فيجوز بيعها على الانفراد لمن لم يشتر رأسها، فإن اشترى الرأس ثم جَدَّه لم يجز له أن يشتري الخلفة؛ لأن الذي يلحقه به قد زال.
فصل [فيما إذا تحبب الرأس]
وإن تحبب الرأس انتقض البيع، وإن تحبب بعضه رجع بما ينوبه على القياس (1)، إلا أن تختلف الصَّفاقَة والخفة، فيُقَوَّمُ (2) ما ينوب ما تحببت، وإن تحببت الخلفة رجع بما ينوبها على القيمة، يقوم الرأس ثم تقوم الخلفة على سوقها يوم أصيبت من قيمة الرأس يوم قبض؛ لأن أوقات جداده مختلفة، والأسواق التي تباع فيها مختلفة، فليس أول ذلك كآخره، وإن تحبب بعض الخلفة قُوِّم ما ينوب الرأس من الخلفة، فإذا عرف ذلك رجع إلى قياس ما تحبب من الخلفة إلا أن يختلف في صفاقته.
فصل [في بيع المقثاة]
ويجوز بيع المقثاة إذا بدا صلاحها، ببيع البطن الذي أطعم أو ما أطعم وما لم يطعم إلى انقضائها، قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يبيع ما يطعم شهرًا، قال: لأن حمله في الشهور يختلف، إن اشتد الحر كثر، وإن اشتد البرد قلَّ 3.12
ويلزم على قوله ألا يبيع جميع ما يطعم؛ لأنه يأتي عليه شهور، والحمل يكثر في شدة الحر، ويقل في البرد، وإذا جاز ذلك جاز بيع ما يطعم هذا الشهر، وإذا انقضى ذلك الشهر لم يكن له ما كان صغيرًا وليس العادة جناه حينئذٍ.
وإن باع أول بطن كان له منه 1 ما يقال إنه من ذلك البطن، وليس له ما يقال إنه بداية من البطن الثاني.
باب فيمن باع عبدًا بخمسين نقدًا، أو بمائة إلى سنة ومن باع عبدًا على أن يعتقه أو يدبره أو أمة على أن يتخذها أم ولد
قال مالك وابن القاسم فيمن باع سلعة بخمسين نقدًا أو بمائة إلى سنةٍ: لم يجز إلا أن يكون البائعُ والمشتري جميعًا بالخيار، فإن اجتمعا على ثمنٍ نقدًا أو إلى أجلٍ جاز، وإن اختلفا لم يجز (1). وهذا الجواب صحيح من ناحية رفع الغرر؛ لأنه لا ينعقد بينهما بيع إلا بعد تراضيهما واتفاقهما على خمسين أو مائة، ويبقى الخلاف من ناحية الربا وفسخ دين في دين؛ لأنهما إن اتفقا على مائة مؤجلة منع، لإمكان أن يكون قد اختار كل واحد منهما في نفسه إمضاءها بخمسين نقدًا، فيكون فسخ خمسين في مائة، وإن اتفقا على خمسين نقدًا قيل: لا يجوز لإمكان أن يكون كل واحد منهما قد رضي بإمضائها بمائة، فيدخله ضع وتعجل.
فصل [في أوجه شرط البائع العتق على المشتري]
شرطُ البائع العتق على المشتري على أربعة أوجه: فإما أن يبيعه على أنه حر، أو على أن يعتقه وأوجبا ذلك، أو على أن المشتري بالخيار في العتق، أو يشترط العتق ولا يقيده بإيجاب ولا خيار، وأي ذلك كان فإن البيع جائز، وإنما يفترق الجواب في صفة وقوع العتق، وفي شرط النقد، فإن باعه على أنه حر كان1
حرًّا بنفس البيع، وإن كان الشرط على أن يعتقه والتزم ذلك، وأجبر على أن يوقع العتق، فإن لدَّ أعتقه الحاكم عليه، وإن كان بالخيار بغير نقد جاز ذلك 1 البيع، وإن اشترط النقد لم يجز، للغرر، ولأنه تارة بيع وتارة سلف.
واختلف إذا اشترط العتق مطلقًا من غير تقييد بإيجاب ولا خيار، فقال ابن القاسم: له ألا يعتق، وقال أشهب يلزمه، وبه أخذ سحنون 2.
وهو أحسن؛ لأنه شرط جائز قارن البيع فيجب الوفاء به، ولأنَّ الثمن يحط لأجله فأشبه غيره من المعاوضة الجائزة، ثم لا يخلو العبد إذا شرط الخيار أو كان ذلك الحكم على قول ابن القاسم من أن يكون قائم العين، ولم يتغير في نفسه ولا سوقه، أو هلك أو حدث به عيب أو حال سوقه أو كانت أمة فكان يصيبها أو يستخدمها.
فإن مات العبد بقرب البيع كانت مصيبته من المشتري؛ لأنه على القبول حتى يرد، ولا مقال للبائع عليه، وكذلك إذا مات بعد تراخٍ والبائع عالم أنه لم يعتق، فإن لم يعلم رجع عليه بما ترك لمكان الشرط، وإن حدث عيب بقرب البيع، كان للمشتري أن يعتقه معيبًا ولا شيء للبائع، أو لا يعتقه ويغرم ما حط لمكان الشرط، وكذلك إذا حدث العيب بعد تراخي الشهر ونحوه وهو عالم، وإن لم يعلم كان البائعُ بالخيار بين أن يرضى بعتقه معيبًا ولا شيء له، أو يأخذه بما حط لمكان الشرط، وكذلك إذا لم يرضَ المشتري بعتقه معيبًا فللبائع ما حط لمكان الشرط.
واختلف إذا حال سوقه بعد تراخي ذلك القدر، فقال محمد: إذا حبس
العبد يستخدمه، أو كانت أمة فوطئها، أو حال سوقه، أو مات المشتري، رجع البائع (1) بما كان وضع من الثمن لشرط العتق.
قال: وإن كان ذلك كله بعلم البائع ورضاه فلا شيء له، وقد سقط الشرط عن المشتري (2).
قال أصبغ في العتبية: أما حوالة الأسواق وما خف من زيادة البدن ونقصانه، فالمبتاع مخير بين أن يعتق ولا شيء للبائع أو يرد (3)، وإن أحب ألا يعتق ويغرم الأكثر فله أن يغرم الأكثر ويعتقه عن واجب، أو يغرم الثمن ويعتقه بالشرط، ولا أرى للبائع مقالًا في فوت المشتري؛ لأن ورثته مكانه فإن أعتقوا سقط مقال البائع، وكذلك الاستخدام ليس بفوت؛ لأنه وإن تعدى في الاستخدام فالعين على حالها، فإن أعتق فقد وفي بالشرط، والوطء أثقل ولا يفيت.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا طال ذلك مثل السنة ثم أعتقه، كان عليه بقيمة الثمن، وإن أعتقه عن ظهاره أجزأه، قال: وكذلك بعد شهر وبعد أن حدث به عيب يجزئه عن ظهاره (4). يريد: إذا كان العيب مما يجزىء في الواجب.
فصل [في حكم صدقة وهبة العبد]
والصدقة والهبة كالعتق، فإن باعه على أنه صدقة لفلان، وعلى أن يتصدق به على فلان، والتزم المشتري ذلك، جاز العقد والنقد، وإن كان المشتري1234
بالخيار في إنفاذ الصدقة جاز العقد دون النقد.
ويختلف إذا أطلق ذلك ولم يقيده بالتزام ولا بخيار فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن باع من امرأته خادمًا بشرط أن تتصدق بها على ولده: ذلك جائزٌ، ولا تلزمها الصدقة بحكم، والبائع بالخيار إن هي لم تتصدق بها، إن شاء أجاز البيع على ذلك، وإن شاء رد 1.
وعلى قول أشهب وسحنون يلزمها ذلك من غير خيار، وإن باعه على أن لا يبيعه من فلان وحده جاز، وإن قال: على أن لا تبيعه جملة، أو لا تبيعه إلا من فلان كان فاسدًا، وعلى المشتري أن يغرم تمام الثمن، إلا أن يسقط البائع شرطه، وإن قال: على أن تبيعه من فلان كان فاسدًا، وليس على المشتري إلا الثمن الذي باعه به من فلان؛ لأنه بيع ليس فيه تمكين فلا يضمنه المشتري، وإن قال على أن لا تبيع من هؤلاء النفر، جاز.
وقال في كتاب محمد فيمن باع جارية على أن لا يخرجها من بلدها أو على أن يخرجها إلى الشام: يفسخ البيع، إلا أن يضع البائع شرطه 2.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن باع عبدًا على أن يخرجه مبتاعه إلى بلد آخر: لا بأس به.
وهو أبين؛ لأنَّ الشأن أن البائعَ، إنما يشترط ذلك لضرورة لأمر يتقيه من العبد إن بقي، فقد يكون شريرًا، وقد اطلع على أسراره أو على موضع ماله، أو غير ذلك من العذر، أو يتقي مثل ذلك من الأمة، وإن كان المشتري طارئًا كان أبين في الجواز؛ لأنه يفعل ذلك من غير شرط، وإن شرط ألا يجيزها البحر جاز؛ لأنه قد أبقى ما سوى ذلك من البلدان.
ويختلف
إذا شرط أن يجيزها البحر قياسًا على من شرط أن يخرجها من بلدها.
وقال مالك -في كتاب محمد فيمن شرط على المشتري أن لا يبيع ولا يهب حتى يقبضه الثمن: لا بأس به.
وقال محمد: ذلك فيما يرى في الأجل القريب اليوم ونحوه.
وقال ابن القاسم: لا خير فيه 1. وظاهر قول مالك الجواز، وإن كان الأجل أكثر من هذا؛ لأن المشتري ينتفع بالمبيع، يسكن ويستخدم ويركب إن كانت دابة، وليس الغالب أن المشتري يريد البيع بالقرب، وإن كان للقنية كان أبين.
واختلف إذا شرط أن يبقى رهنًا بيد البائع أو بيد عدل حتى يحل الأجل، وإن كان المشتري لا ينتفع به فهو إذا أسلم إلى المشتري أبين في الجواز 2.
باب في البيع على حكم البائع أو المشتريٍ ومن باع عبدًا آبقًا أو بعيرًا شاردًا أو ثمرًا لم يبدُ صلاحه أو جنينًا وبيع العوادي من الحيوان
البيعُ على حكم البائع أو المشتري فاسدٌ 1؛ لأنه لا يُدْرَى بماذا يحكم، إلا أن يقوم دليل أن القصد مكارمة من جعل له الحكم لقرابة أو لصداقة، وكان من له الحكم بالخيار، وقال محمد فيمن قال لرجل: بكم جاريتك؟ فقال: بخمسين، فقال: أحسن، قال: خذها فقد حكمتك، فأخذها وبعث ثلاثين فلم يرضَ وفاتت- قال: عليه قيمتها ما لم تجاوز الخمسين أو تنقص من الثلاثين 2.
فأجاز ذلك لما قام عنده من الدليل أنه أراد مكارمته، وجعل القيمة ما لم تخرج عما رضيا به، ولو كان فاسدًا لم يراعَ ذلك، وكانت القيمة مطلقة قلَّت أو كثرت.
وقال ابن القاسم -فيمن قال: بعني غلامك فقال سيده: هو لك بما شئت فأعطاه عطاءً سخطه -قال: إن أعطاه قيمته جاز وإن سخط سيده، وقال محمد: ذلك إذا فات، فإن لم يفت رد، وإنما يجوز هذا في هبة الثواب 3.
والمفهوم من كلام ابن القاسم الجواز كهبة الثواب، أجيزت لما كان القصد المكارمة من القابض، ليثيب 4 أكثر وإلا رجع إلى القيمة، والقصد في هذه
المكارمة من البائع أنه يسامحه فيأخذ منه أقل من (1) القيمة، أو يقف على حقه فيأخذ القيمة.
فصل [في بيع الآبق]
بيعُ الآبقِ فاسدٌ 2 إذا شرط أنه من المشتري، أو أنه من بائع حتى يقبضه المشتري، وعلى أن طلبه على مشتريه، أو على البائع بشرط النقد، أو بغير النقد على أنه للمشتري على أي صفة وجد عليها، أو على أنه على صفة كذا، ولا يدرَى متى يجده قريب أو بعيد.
وإن كان المبيعُ بغير نقد، وعلى أن طلبه على البائع، فإن وجد على صفة كذا في وقت كذا، أو ما يقارب ذلك، جاز؛ لأنه لا غرر فيما عقد على هذه الصفة، وقد قال ابن القاسم فيمن قال: اعصر زيتونك فقد أخذت زيته كل رطل بدرهم، وكان يختلف خروجه لا خير فيه، إلا أن يشترط إن خرج جيدًا، أو أنه بالخيارِ ولا ينقد 3، فإن عرف مكانه وقبض عليه وسجن، وعرفت حالته بعد وجوده، ولا خصومة فيه وقرب موضعه، جاز العقد والنقد، وإن بعد جاز العقد وحده، وإن لم يعلم صفته لم يجز عقد ولا غيره، ولا أن يقول إن وجد على ما كنت أعرف، أو على أنه إن كان الآن على صفة كذا فيجوز العقد، أو يكونا بالخيار فيجوز، وإن لم يذكر صفة.
وإذا جعل المشتري في الآبق جعلًا1
لمن طلبه حتى وجده، رجع به على البائع.
قال محمد: فإن فات طرح من القيمة ذلك الجعل 1.
وقيل: لا يرجع بشيء، وليس بحسن؛ لأن المشتري لا يضمنه ولا بعد القبض، وما كان قبل فهو للبائع وعليه، وهو بمنزلة من اشترى ثمرًا قبل أن يبدو صلاحه على البقاء، فسقى وعالج ثم فسخ البيع، فإنه يرجع بقيمة سقيه وعلاجه قولًا واحدًا؛ لأنها كانت حينئذٍ على ملك البائع وفي ضمانه، بخلاف من اشترى نخلًا فسقى وعالج ثم فسخ البيع لفساد فيه؛ لأنه كان ضامنًا وكانت الغلات له.
ومن اشترى عبدًا على أنه إن أبق كان من بائعه، وقد كان أبق عند البائع أو لم يأبق، أو اشترى مريضًا على إن مات من مرضه كان من البائع كان بيعًا فاسدًا 2.
واختلف في ضمانه إن أبق أو مات من ذلك المرض، فقال محمد: الضمان من المشتري، وقال سحنون في كتاب ابنه: إن اشترط إن أبق إلى سنة فالثمنُ ردٌّ، فأبق عند المشتري فيها قبل فسخ البيع كان من البائع 3، والأول أحسن؛ لأن المشتري دخل على أنه ملكه، ويتصرف فيه في جميع الوجوه، يبيع ويهب ويعتق ويستخدم، ويطأ إن كانت أمة، و 4 على أنه إن حدث عيب أو فوت قيمة، وإنما شرط البائع وجهًا واحدًا 5 إن كان، فلا يسقط جميع ما دخل عليه
من وجوه الملك بذلك، وليس بمنزلة من باع واستثنى منفعة يوم بعد أيام؛ لأن هذا لم يمكن من الرقبة لما اشترط رجوعها، والأول قد مكن من الرقبة.
والجواب في البعير الشارد على ما تقدم في الآبق (1).
فصل [في بيع الجنين]
ولا يجوز بيع الجنين (2)؛ لأنه لا يدرى أحيٌّ أم ميتٌ، حسن أم قبيح، ذكر أم أنثى، فإن خرج وقبضه ضمنه إن هلك، والأيام اليسيرة تفيته إن لم يهلك، بخلاف الكبير؛ لأن المولودَ سريعُ الانتقالِ، ثم يجمعان (3) بينهما في ملك، ولا مقال لأحدهما إن دعا إلى نقض البيع، إذا كانا عالمين أن الحكم الجمع (4)، وإن جهلا كان للمشتري الرد؛ لأنَّ الجمعَ عيب عليه، والعيب لا يفيته حوالة الأسواق، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب التجارة بأرض الحرب (5)، وبيع الأمة واستثناء ما في بطنها مذكور في كتاب العتق الأول (6).
فصل [في العوادي من الماشية والنحل وغيره]
ومن كان له إبل أو بقر أو خيل، وشأنها أن تعدو على الزرع، أمر أصحابها123456
بإمساكها أو تخرج إلى بلد لا زرع فيه 1، فإن تعدت وأفسدت قبل ذلك ضمن أصحابها إن كان نهارًا، وإن لم يكن ذلك شأنها لم يضمنوا، إلا أن تترك ترعى بقرب الزرع فيضمن، وإن أفسدت ليلًا كانت العادية وغيرها سواء، يضمن إن تركها ترعى ليلًا، وإن صونها وحفظها فانطلقت وأفسدت لم يضمن 2. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في النحل يتخذها الرجل في القرية، وهي تضر بالشجرة إذا نورت، والبرج يتخذه الرجل للحمام، وهي تفسد الزرع، قال: يمنع من ذلك كله، قال: ولا يشبه النحل والحمام الماشية؛ لأن النحل والحمام طيارة لا يستطاع الاحتراس منها، كما قال مالك في الدابة الضارية بفساد الزرع التي لا يحترس منها 3. وقال أصبغ: النحل والدجاج والحمام كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن أضرت، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم، وهكذا قال ابن القاسم 4. والأول أحسن، وليس لأحد أن يحدث ما يعلم أنه يضر بجاره، ولا يكلف جاره أن يتكلف صرف ذلك الأذى.
باب في البيع إلى أجل مؤقت بعادة
البيع إلى الحصاد أو الجذاذ أو العصير جائز، ويجب القضاء عند معظم ذلك، وليس للبائع أن يطلب الثمن في أوله، ولا للمشتري أن يؤخره إلى آخره، فإن أصيب 1 الزرع أو الثمار كان القضاء في الوقت المعتاد لو سلم 2.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن باع حائطه، أو كرمه على أن يوفي 3 نصف الثمن إذا جدَّ النصف، وباقيه إذا جدَّ الباقي: لا أحب ذلك له، ويبيعه إلى فراغه، وقال: النصف غير معروف، وأجازه أشهب 4. والأول أحسن؛ لأن النصف والربع والثلاثة أرباع لا تتحصل حقيقة، وإنما هو على المقاربة، وذلك يؤدي إلى التنازع والاختلاف، فيقول المشتري: لم أَجُدَّ ذلك، ويقول الآخر: قد جددت، ويحتاجون إلى مشاهدة أهل المعرفة بذلك، وقد تدخل بينهم الأيمان فحسم 5 ذلك أولى، ولهذا فرق مالك بين هذا، وبين أن يكون دفع الكل إذا فرغ الجداد.
وكذلك البيع إلى قدوم الحاج جائز، فإن لم يقدم كان القضاء في الوقت الذي العادة قدومه، كان كان القدوم مفترقًا دفعة بعد أخرى كان القضاء عند قدوم أولها، إلا أن يكون القدوم الأول النفر اليسير كالسابق فلا يراعى،
والبيع إلى النيروز والمهرجان والفصح 1 جائز 2، إلا أن يكونا أو أحدهما لا يعلم حساب العجمي، ولا يعرف كم بين وقت البيع ودخول ذلك، وقد تقدم في كتاب الحوالة البيع إلى خروج العطاء 3، وأجاز مالك البيع على التقاضي؛ لأنه كان لم يكن محصورًا، فلا يختلف اختلافًا يؤدي إلى غرر 4.
باب في بيع النجاسات واستعمالها وأكل ما استعملت فيه
والأصل في منع 1 بيع النجاسات حديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْته وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ.
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا؟ فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكلُوا أَثْمانَهَا".
أخرجه البخاري ومسلم 2.
وبيع النجاسات على وجهين: محرمٌ ومختلفٌ فيه، هل يجوز أو يكره أو يحرم؟ واستعمالها على وجهين: جائزٌ ومختلفٌ فيه، وكذلك أكل ما استعملت فيه جائزٌ ومختلف فيه، هل يجوز أو يمنع؟ فبيع كل نجاسةٍ لا تدعو الضرورة إلى استعمالها، ولا تعم بها البلوى حرام، كالخمر والميتة ولحومها وشحومها ولحم الخنزير، والأصل في ذلك الحديث المتقدم.
واختلف فيما تدعو الضرورة إلى استعماله، كالرجيع وزبل الدواب يتخذ للبساتين على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: كره مالك بيع العَذِرة؛ لأنها نجس ولا أحفظ عنه في الزبل شيئا، إلا أنه كره العَذِرة لأنها نجسة؛ فكذلك
الزبل، وأنا لا أرى ببيعه بأسًا (1).
فساوى ابن القاسم بينهما، وأجاز بيع الزبل وإن كان عنده نجسًا، لما كانت الضرورة تدعو إلى استعماله، فكذلك العذرة يجوز على أصله بيعها.
وقال أشهب في الزبل: المشتري فيه أعذر من البائع، وأما العذرة فلا خير فيها (2).
وقال في كتاب محمد في العذرة بيعها للاضطرار والعذر (3) جائز، والمشتري أعذرهما (4).
وقال محمد بن عبد الحكم: ما عذر الله أحدًا منهما، وأمرهما في الإثم واحد.
فأجيز في القول الأول؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه، لإصلاح البساتين، فلو أسقط العوض عنها لم يتكلف أحد صيانتها وسرحت، وأدى ذلك إلى المضرة لمن احتاج إليها، وفسدت أموالهم، وكرهه في القول الآخر؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، أخذ الأعواض عن مثل هذا، ومنع في القول الثالث قياسًا على الأصل في سائر النجاسات وما ورد في الحديث.
فصل [في استعمال النجاسات مما لا تدعو إليه ضرورة]
واستعمال النجاسات 5 على وجهين، فما كان مما تدعو الضرورة إليه1234
كالصنف المتقدم ذكره جائز.
واختلف فيما لا تدعو الضرورة إليه، فأجازه مالك وقال: لا بأس أن يستصبح بزيت الفأرة، وتعلف النحل العسل النجس 1.
ويجوز على أصله أن تطلى السفن بشحم الميتة، ومنع عبد الملك أن ينتفع بشيء من ذلك على حالٍ.
وذكر ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح والحسن البصري والشعبي والنخعي وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري 2 وسعيد بن جبير والأوزاعي والليث والثوري والشافعي وأهل الكوفة وابن المبارك وإسحاق أنهم قالوا: الانتفاعُ بالميتةِ قبلَ الدباغِ حرامٌ وبعدَه حلالٌ 3.
واختلفت الأحاديث في ذلك فذكر مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عتبة بن مسعود عن عبد الله 4 بن عباس أنه قال: مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِشَاةٍ مَيِّتةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلاةً لمِيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - 5 فَقَالَ: "هَلَّا 6 انْتَفَعْتُمْ بِجلْدِهَا؟ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا مَيْتةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّما حُرِّمَ أكلُهَا" 7، وتعلق من منع بالحديث نفسه، فقال ابن عباس: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أَلا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ" 1. أخرجه مسلم.
فقيد الحديث، والمقيد يقضي على المطلق.
وفي الموطأ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتةِ إِذَا دُبِغَتْ" 2. وروي عنه أنه قال: "لاَ يُنْتَفَعُ مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ" 3، يريد في الإهاب قبل الدباغ.
واختلف في طهارتها بعد الدباغ وفي بيعها، فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه أجاز بيعها، وعلى هذا تكون طهارته، وبه أخذ ابن وهب في البيع 4، ويستعمل في المائعات وهو ظاهر قوله في المدونة 5، وإنما استعمله 6 في خاصة
نفسه.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب (1) عنه فيه روايتين هل هو طاهر أو نجس (2)؟ والأول أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" (3).
ولحديث سودة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا".
أخرجه البخاري (4). وذِكْرُ طهارة ما أسقي به (5) من بهيمة أو زرع أو بقل مذكور في كتاب الوضوء.
فصل (6) [في الانتفاع بعطام الميتة وأنياب الفيل]
واختلف في الانتفاع بعظام الميتة وأنياب الفيل للامتشاط والادهان، فقال مالك: لا أرى أن تشترى عظام الميتة ولا أنياب الفيل، ولا يمتشط بها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يمتشط بالميتة وهي مبلولة 7؟ وأجاز الليث وابن الماجشون ومطرف وأصبغ الامتشاط بها والادهان فيها.
وقال ابن وهب: إذا غليت عظام الميتة جاز بيعها 8.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: هي قبل أن تغلى نجسة، ويختلف هل تستعمل فيما123456
تستعمل فيه النجاسات؟ فعلى قول مالك يجوز، ويمنع على قول عبد الملك، وكره مالك في المدونة أن يوقد بها تحت طعام، أو يسخن بها الماء للوضوء أو لعجين 1.
وأجاز ابن القاسم أن يحرق بها الطوب 2، فإن أوقدت تحت طعام أو ماء، فانعكس من دخانها شيء في الطعام أو الماء، فسد، وصار نجسًا.
ويختلف فيما صعد منها من الدخان والوهج بعد أن صارت جمرًا أو رمادًا، أو في طهارة ذلك الجمر والرماد؛ لأن تلك الدهنية استهلكت وذلك كالدباغ، والقول أنه طاهر أحسن، ويجوز البيع حينئذٍ، ولا أرى التغلية تبلغ من العظام مبلغ الدباغ من الجلد.
وأما أنياب الفيل فهي تجري على الخلاف في قرون الميتة 3؛ لأنها ليست بأنياب ولا في الفم، وإنما هي قرون منعكسة إلى أسفل.
وقد اختلف في القرن والظلف من الميتة فكرهه مالك في المدونة وقال: أراه ميتة، قال: وكذلك إن أخذ منها وهي حية 4. وقال ابن المواز: ما قطع من طرف القرن والظلف، مما لا يناله دم ولا لحم، وما لو كان حيًّا لم يألم، فهو حلال، أخذ منها حية أو ميتة 5، وعلى هذا يجري الجواب فيما قص من الظفر إذا قطع من موضع لا يألم.
فصل [في الانتفاع بشعر الخنزير]
واختلف في الانتفاع بشعر الخنزير، فقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس ببيعه، قال: وهو كصوف الميتة.
وقال أصبغ: ليس مثل صوف الميتة، وهو مثل الميتة نفسها 1.
قال: وكل شيء منه حرام حيًّا أو مَيِّتًا 2. والأول أحسن؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: 115] إنما حرم اللحم، ولم يحرم الشعر 3.
ويختلف في الانتفاع بشحومها للاستصباح وما أشبهه، وقال ابن سحنون، لا يحل بيع الشحم ولا ملكه.
وقال سحنون: والناس مجمعون على تحريم بيعه 4.
فصل 5
واختلف في أكل الطين، فقال محمد: أكره أكله، فأما بيعه فقد يشترى لغير وجه، وقال: سمعت ابن الماجشون يقول: أكله حرام 6؛ لأن الله لم يحله ولم يجعله طعامًا.
ورأى أن الأشياء على الحظر وقد اختلف في هذا الأصل.
باب في بيع الصبرة جزافًا وعلى الكيل، وهل يجمع الرجلان سلعتيهما في البيع ومن باع على حميل بعينه، أو رهن غائب، أو تزوج أو خالع أو صالح عن دم على مثل ذلكـ
الأصل في بيع المكيلِ جزافًا حديث ابن عمر، قال: "كَانَ النَّاسُ يَتبَايَعُونَ الطَّعَامَ جُزَافًا" الحديث، وقال: "وكان الصحابةُ يتبايعون الثمارَ جزافًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -" 1. أخرجه البخاري ومسلم 2. وبيع الجزاف يصح ممن اعتاد ذلك؛ لأن الحزر لا يخطئ ممن اعتاد ذلك إلا يسيرًا، وإذا كان قوم لم يعتادوا ذلك واعتاده أحدهما، لم يجز؛ لأن الغررَ يعظمُ، ويدخل في النهي عن بيع الغررِ، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - اعتادوا ذلك، وقد كانوا يبعثون 3 عليهم الخُرَّاص إلى الزكاة، ولو أراد رجل أن يبتاع 4 ثمرة قد رآها قبل أن يحزرها أو يكيفها؛ لم يجز، وإذا كان أحد المتبايعين يعرف كيل الصبرة، والآخر يجهل ذلك 5 كان لمن جهل الكيل أن يقوم على من عرف، فإن عرف البائع كان
المقال للمشتري، وإن عرف المشتري وحده كان المقال للبائع كالعيوب.
وقد اختلف فيمن ابتاع جوهرة بثمن مائة دينار بدرهم، وهو عالم أنها جوهرة والبائع يجهل، هل يمضي البيع أو يكون للبائع مقال؟ وإذا لم يُجعل للبائع في هذه المسألة مقال لم يكن لمن جهل الكيل على من عرفه مقال، بل هو في الصبرة أخف؛ لأنه اشترى على الحزر وعلى ما يرى أنه فيها، والآخر لم يبع على أنه يظن أنها جوهرة، واستحسن أن يكون لبائع الجوهرة مقال بخلاف الصبرة، فإن قال البائع: أنا أعرف كيلها ولا أعلمك، فاشتر مني على الجزاف (1)، كان البيع فاسدًا، أو قال الآخر: أبيعك ولا أعلمك ما هي أجوهرة أو خرزة، فالبيع فاسد، وكذلك إن شكَّا هل هي جوهرة أو خرزة؟ وقالا: نتبايعها على ذلك ولا نسأل أهل المعرفة، فالبيع فاسد، ومن هذا الأصل أن يتبايع الرجلان السلعة وأحدهما يعرف سوقها دون الآخر، فقد اختلف هل يكون لمن جهل السوق على من علمه مقال؟ قال مالك: ولا يباع القمح في الأندر قبل أن يدرس (2). قال الشيخ: ولو رآه المشتري، وهو قائم قبل أن يحصد؛ جاز؛ لأنه قد علم حزره وهو قائم، ولا يعلمه بعد حصاده.
فصل [فيما يباع جزافًا]
البيع جُزافًا يكون فيما يكال أو يوزن، ولا يجوز فيما يُعدُّ كالثياب والرقيق 3. قال مالك: ويباع صغيرُ الحيتانِ والعصافيرِ جُزافًا، ولا تباع إذا12
كانت كبارًا جزافًا، ولا أحمالًا ولا صُبَرًا حتى تُعَدَّ 1.
قال ابن القاسم: ذلك في العصافير إذا كانت مذبوحة، فأما الحي فلا؛ لأنه يموج ويدخل بعضه تحت بعض 2.
قال مالك -في كتاب محمد-: ولا يجوز أن يباع جزافًا ما يعلم أحد المتبايعين عدده من جميع الأشياء لا قثاء ولا غيره، وهو كالعيب يرد به إن شاء 3. يريد: فيما كان يجوز أن يباعَ جزافًا وعددًا كالرمان والأترج.
وأجازه محمد وابن حبيب في البيض والجوز 4، قال محمد: ويجوز أن يشتري الطعام في غرائره 5 والزيت في أزقاقه جزافًا 6. ولا يجوز أن يقول: أشتري منها ما في هذه الغرارة، وأن تملأها ثانية، وكذلك قارورة الدهن يجوز أن يشتريها جزافًا وهي ملأى، ولا يجوز أن يقول وهي فارغة أشتري منك ملأها 7. = من الدقيق، والثياب والحيوان)، الموضع الثالث: 6/ 83، (قال مالك: ولا يباع الدقيق والثياب جزافًا، ولا يباع دقيق وثياب في صفقة، لا على جزاف ولا عدد، حتى يعلم عدد كل صنف، وإن سمى لكل رأس أو ثوب ثمنًا) وفي الموضع الأخير ذكر بعد (وإن سمى لكل رأس أو ثوب ثمنًا) مما يوضح أنه يعني الرقيق بالراء لا الدقيق بالدال.
فصل [في بيع الصبرة على الكيل كل قفيز]
بيع الصبرة على الكيل كل قفيز بكذا جائز، وكذلك إن قال: أبيعها من هذه الصبرة مائة قفيز، أو قال: أبيعكها على أن فيها مائة قفيز، فذلك جائز وهو على الكيل، فإن كان فضل كان للبائع، وإن كان نقصان أعطاه المشتري بحسابه، إلا أن يكون النقص كثيرًا، فيكون له أن يرد على قول ابن القاسم (1)، وليس ذلك عند أشهب (2)؛ لأن الطعام عنده كالعروض.
وقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: فيمن اشترى طعامًا وسمى كيله، أو كان حاضرَ المكيلةِ فهو على الكيلِ حتى يشترطَ أن يأخذه بكيله مثل (3) أن يقول: كم في طعامك؟ فيقول: مائة إردب فيقول: قد أخذته بخمسين دينارًا، فهو على الكيل؛ لأنه لم يشترط على التصديق (4).
فصل [في بيع الصبرتين جزافًا]
ولا بأس أن يبيع صبرتين جزافًا، وسواء كانا في الجودة سواء أو اختلفا أو كانا جنسين وقال مالك في العتبية 5 في صبرة قمح وعشرة أرادب عدس: لا خير فيه؛ لأن الخطار 6 يدخله إلا أن يكون جزافًا كله أو مكيلًا1234