عليهم أن يصلوا قبل كما 1 قال أشهب، فلما لم يصلوا وجب القضاء، أو لأنه لا تصح منهم الصلاة بغير تيمم ويجب القضاء كما قال أصبغ.
والذي أختاره أن يصلي على حاله ولا يقضي؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلِى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ".
أخرجه البخاري ومسلم 2.
فثبت أنه مخاطب بالصلاة دون القضاء من وجهين:
أحدهما: أنه لم ينكر عليهم فعلهم؛ فلو كان 3 غير جائز لأبانه 4؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإذا كان فعلهم جائزًا كانت الصلاة واجبة؛ لأنه إذا جاز أداء الفرض على تلك الصفة لم يسقط وجوبه متى كان قادرًا على أدائه على وجه الجواز.
فإن قيل: إن ذلك منسوخ بآية التيمم.
قيل: إنما نسخ أداء الصلاة بغير تيمم مع القدرة عليه، فإذا عدم القدرة على استعمال التيمم عاد الأمر إلى ما كان مخاطبًا به عند عدم الماء.
وقال الشيخ أبو الحسن 1 في "الممهد" في المربوط: ينوي التيمم إلى الأرض بوجهه ويديه حسب طاقته، إذ لا يمكن أكثر من ذلك كما ينوي السجود إلى الأرض.
باب في الحيض وأحكامه والنفاس والحامل تحيض
والحائض ست: مبتدأة، ومعتادة، ومن اختلط أمرها فدخل الحيض على الطهر، ومستحاضة، ومن جاوزت سن الحيض، وحامل.
فأمَّا المبتدأة، وهي التي لم يتقدّم لها حيضٌ ترى الدم، فإنّ محمله على أنه حيض يمنع الصلاة والصوم ويمنع زوجها منها.
واختلف إذا تمادى فقال مالك: تجلس ما بينها وبين خمسة عشر يومًا 1. وقال في "كتاب محمد": تنظر إلى أترابها ولا تستظهر 2. وقال أصبغ: تستظهر 3 بثلاثة 4. وقال ابن المنذر: تنظر إلى قراباتها: أمهاتها وخالاتها وعماتها 5.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو قيل تنظر إلى أترابها من أقاربها وإلى ما كان عليه أمهاتها وخالاتها وعماتها في سنها لكان حسنًا.
وهذا مع تمادي الدم على الرقة، وما يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟
فأمَّا إن كان على لون دم الحيض في لونه وريحه - فإنها تصبر ويحمل على أنه محيض، وأما قول أصبغ إنها تستظهر؛ فليس بحسن؛ لأنّا نحملها على أعلى
سن 1 أترابها ليس على أدناهم، كما قالوا في النفساء يزيد بها الدم: إنها تحمل على أكثر ما يكون بالنفساء ثم لا تستظهر.
واختلف في المعتادة يزيد دمها على عادتها على خمسة أقوال: فقال مالك: تنتظر خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة.
ثم رجع فقال: تنتظر عادتها وتستظهر بثلاثة أيام، ثم 2 تحتاط فتصلي وليست عليها، أحب إليَّ من أن تترك الصلاة وهي عليها 3.
فعلى هذا إذا كان عادتها سبعًا - كانت على حكم الحائض إلى تمام العشر، ثم تعمل إلى تمام الخمسة عشر على الاحتياط، فتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها.
ولابن القاسم في "كتاب محمد" أنه بعد الاستظهار بالثلاث على حكم الطاهر ولزوجها أن يصيبها.
وقال المغيرة في "المبسوط": إذا زادت على عادتها، فلم تدر: هل ذلك انتقال أو استحاضة؟ فإنها تغتسل إذا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها احتياطًا، ثم ينظر إلى ما يصير إليه أمرها: فإن كان انتقالًا لم يضرها، وإن استمر استحاضة كانت قد احتاطت 4.
قال أبو مصعب: هذا قولنا، وبه نفتي 5. وقال ابن الجهم عن محمد بن عبد الحكم: إنه لا يأخذ بالاستظهار.
فوجه القول الأول أنها على الحيض بيقين، وانتقالها عنه مشكوك فيه، فأبقاها على الأصل وهو الحيض، وهذا هو القول باستصحاب الحال.
وأرى في القول الآخر أنها حالة يشك فيها، فكان الاحتياط أولى، وهو أحسنها؛ لأن الحيض يزيد وينقص، فتصلي وتصوم لإمكان أن يكون استحاضة، ويمنع الزوج لإمكان أن يكون حيضًا.
فإن انقطع الدم عند تمام 1 الخمسة عشر يومًا وتمادى طهرًا كاملًا تبين أن ذلك التمادي انتقال عادة، فإن كانت احتاطت للصلاة والصوم قضت الصوم ولا شيء عليها في الصلاة.
وإن تمادى الدم بعد الخمسة عشر أو انقطع ثم عاد عن قرب 2 تبين أن ذلك التمادي استحاضة، فإن كانت احتاطت في الصلاة والصوم أجزأها، وإن لم تكن صلت ولا صامت - قضت.
وهذا إذا كان الدم رقيقًا يشبه أن يكون حيضًا أو استحاضة، وإن كان على صفة دم الحيض في لونه وريحه عملت على أحكام الحيض، ولم يجز لها أن تحتاط لصلاة ولا صوم.
واختلف فيمن عادتها خمسة عشر يومًا، فقيل: لا تستظهر.
وقال مالك في كتاب الحج من كتاب محمد: تستظهر 3 بيوم أو يومين 4. وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون": إنها تستظهر بثلاث بعد الخمسة عشر يومًا 5.
وهو أحسن؛ لأن الحيض يزيد وينقص ولا يستحيل فيمن كانت عادتها خمسة عشر يومًا أن يزيدها الدم، وقد كان نساء (1) الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا، وإذا كانت الزيادة على لون دم الحيض وريحه كان ذلك أبين أن تستظهر.
فصل [في الحيض يتقطع على المرأة ويختلط عليها]
واختلف إذا اختلط أمر المرأة وكانت تحيض يومًا وتطهر يومًا، أو يومين ويومين 2، أو تحيض يومًا وتطهر 3 يومين: فقال مالك: إذا كان هكذا - احتسبت أيام الدم 4 وألغتْ ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها دمًا، فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها استظهرت بثلاثة، ثم اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة 5. وقال محمد بن مسلمة: إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا فليست بمستحاضة لأنها إنما حاضت من الشهر خمسة عشر يومًا وطهرت خمسة عشر؛ فهي امرأة حاضت أكثر ما يحيض له النساء، وطهرت أقل ما يطهرن له، فليست بمستحاضة 6 حتى تلغي من الدم أكثر من خمسة عشر يومًا في الشهر ومن الطهر أقل من خمسة عشر يومًا 7. ورأى أنها إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا أو تحيض يومًا وتطهر يومين لا تكون مستحاضة وإن تمادى على ذلك عمرها.1
فصل [في أحكام المستحاضة]
وإذا رأت المستحاضة الحيض أمسكتْ عن الصلاة والصوم ولم يأتها زوجها، فإن تمادى بها الدم بعد انقضاء أيام عادتها في الحيض فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يتمادى على ما عهدتْه قبل ذلك من دم الاستحاضة، أو على دم الحيض، أو يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟
فإن انتقل إلى ما عهدته قبل ذلك من لون دم الاستحاضة - لم تستظهر، واغتسلت وصلت وَحَلَّتْ لزوجها 1، وإن تمادى على لون دم الحيض وريحه بقيت على حكم الحائض، وإن شُك فيه: هل هو حيض أو استحاضة؟ لاشتباه لونهما؛ لأن آخر دم الحيض رقيق، فإذا أشكل آخره 2 كان فيه ثلاثة أقوال:
فقيل: تستظهر بثلاثة أيام.
وقيل: لا تستظهر وهي من الآن حلال.
وقيل: تجلس خمسة عشر يومًا مثل غير 3 المستحاضة.
ولا أرى أن تستظهر بشيء، ويحمل على أنه استحاضة؛ لأن هذه امرأة لها عادة في دمين: حيض واستحاضة، فإذا اشتبها ومضى قدر الحيض حمل على أنه استحاضة؛ لأنه أتى في زمنه، وبعد انقضاء زمن الحيض.
وإن أشكل الأمر؛ لأن لونه فوق دم الاستحاضة ودون دم الحيض - حُمِلَ على أنه حيض؛ لأنها حائض بيقين، فلم يأتها ما ينقلها عنه 4؛ لأن الحيض يزيد
وينقص 1 واللون هو إلى الحيض أشبه، فبقيت عليه.
واختُلِفَ إذا اغتسلتْ عند انقضاء الحيضة مع وجود دم الاستحاضة، ثُمَّ ذهب دم الاستحاضة: هل تغتسل؟
فقال مرة: لا غسل عليها 2. ثم رجع فقال: تغتسل 3. والأول أقيس؛ لقول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ 4 " 5. ولأنها كانت طاهرًا تصلي مع وجوده وتحل لزوجها، فلم يوجب عدمه غسلًا.
وقال مالك في امرأة رأت الدم خمسة عشر يومًا ثم رأت 6 الطهر خمسة أيام ثم الدم أيامًا ثم الطهر سبعة أيام، فقال: هذه مستحاضة 7. يريد في الأيام التي بين الطهرين الخمسة والسبعة، وأما الدم الذي جاء بعد السبعة فإنها تنظر إلى لونه، فإن كان لونه 8 لون دم الاستحاضة بقيت على ما كانت عليه من الصلاة والصوم، وإن كان دم حيض أمسكت وعملت على أحكام الحيض 9.
واختلف في المرأة ترى الدم وقد جاوزت سن المحيض: فقال محمد: إذا كان مثلها لا تحيض توضأت وصلت 10. وقال في كتاب "العدة": تترك 11 الصلاة والصوم، وإن طلقها فيه زوجها جبر على الرجعة، ولم يختلف أنها لا تعتد به.
وهذا أحسن؛ لأن الله -عز وجل- منع التقرب إليه بهاتين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود الحيض، ولم يفرق بين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود
الحيض (1)، ولم يفرق بين وجود الحيض في الصغر أو في الكبر ومنع الوطء فيه، وقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]. فهو أذى في الشابة والمسنة، ولم تعتد به لأن العدة فيمن بلغ ذلك السن بالأشهر (2) تعتد.
فصل [في الدم يعرض للحامل]
واختلف في الحامل ترى الدم: فقال مالك وقوم 3 من أصحابه: هو حيض.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" في المطلقة تعتد بثلاث حيض ثم يظهر بها حمل: لو أعلم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها 4. فنفى عن الحامل الحيض.
يريد: لأن الحيض جعله الله دليلًا على براءة الرحم وعلى عدم الحمل، ولو صح اجتماع الحيض والحمل لم يكن فيه دليل على البراءة.
والقول الأول أحسن؛ لأن الشأن في الحيض أنه لا يأتي إلا من عدم الحمل ويطرأ الحيض على الحمل في نادر من النساء، فيحمل في البراءة به على الغالب، فإن وجد في نادر من النساء غير ذلك كان لها حكم الحيض، وإذا كان حيضًا 5 فإنها لا تخلو أن ترى الحيض على 6 أوقاتها المعتادة قبل الحمل لم 7 يمسك عنها الحمل شيئًا 8، أو أمسك لأجل الحمل ثم أتى بعد ذلك، فإن أتى بعد ذلك، فإن أتى في أوقاتها 9 المعتادة ولم يحتبس لأجل الحمل - جلست قدر حيضة واحدة قولًا واحدًا.
وهو معنى قول أشهب: إلا أن تكون استرابت من12
حيضتها شيئًا من أول ما حملت فهي على حيضتها 1. ويختلف في قدر تلك الحيضة حسب ما تقدم في غير الحامل.
واختلف إن احتبس عنها على 2 العادة، فقال مالك مرة: تجلس حيضة واحدة كالحائل 3. وقال: وما حبس الحمل من حيضتها بمنزلة حبس الرضاع والمرض 4، 5.
وقال أيضًا: ليس أول الحمل مثل آخره، إن رأته في أوله أمسكت 6 قدر ما يجتهد لها 7.
وقال ابن القاسم: إن رأته في ثلاثة أشهر أو نحوها احتبست 8 خمسة عشر يومًا ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر احتبست 9 عشرين يومًا ونحوها 10.
وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": إن رأته في أول شهور الحمل تركت 11 قدر أيامها والاستظهار، فإن كان في الشهر الثاني جلست مثلي ذلك ولم تستظهر، وفي الثالث مثل أيامها ثلاث مرات، وفي الرابع تربعها كذلك حتى تبلغ ستين ليلة، وإن تمادى بها الدم لم تزد 12.
وقال ابن وهب: تُضَعِّف 13 أيام حيضتها ثم تغتسل؛ لأن دمها أكثر من دم الحائض 14.
وقال مالك في "المبسوط": تكف عن الصلاة، وليس لذلك وقت، ولكن إذا استرابت من طوله ويُرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل- رأيتُ أن تغتسل وتصلي وتصنع ما تصنع المستحاضة.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما القول إنها كالحامل فليس بالبين؛ لأن هذه تقدم لها سبب في حبس الدم واجتماعه، ولهذا كان حكم النفاس حكم الحيض وإن بلغ ستين يومًا على أحد الأقوال، ولم يجعل الزائد على الحيضة المعتادة استحاضة.
والقول إنه (1) تجلس بقدر احتباسه من عدد الحيض المتقدم حسن (2)، ولو قيل مثل ذلك في غير الحامل إذا كانت صحيحة وليست بمرضع احتبس الدم عنها أشهرًا، ثم أتاها وتمادى على العادة على لون دم الحيض وريحه.
ولا أحملها في الزائد على الخمسة عشر يومًا على الاستحاضة.
فصل [فيما تبرأ به الحائض من حيضها]
وإذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء برئت بها.
واختلف: هل تبرأ بالجفوف؟ فإن كانت ممن ترى الجفوف خاصة برئت به.
واختلف: هل تبرأ بالقصة؟ وقيل: الجفوف 3 أبرأ من القصة فتبرأ به من عادتُها القصةُ، ولا تبرأ بالقصة مَنْ عادتُها الجفوفُ.
وقيل عكس ذلك: أن القصة أبرأ وهو أحسن؛ لأن القصة دليل على انقضاء الدم؛ لأن الحيض إذا استكمل خرج أوله مسودا، فكلما مرت به الأيام ضعف12
عن الذي قبله حتى يكون آخره رقيقًا صافيًا، ثم يأتي آخر ذلك أبيض كالجير، وذلك لانقضاء الدم، والجفوف يعرض مع بقاء الدم على قوته، ومع كونه مسودا ينقطع ثم يأتي مسودًا، ولهذا قال مالك في المرأة تحيض يومًا وتطهر يومًا: إنها على حكم الحائض إذا أتاها، وعلى حكم الطاهر إذا انقطع عنها، فلم يكن ذلك الجفوف دليلًا على انقطاع الحيضة بل يجمع إلى الأول حتى يكون حيضًا (1).
فصل [في دم النفاس ومن لم تر دما في نفاسها]
وإذا نفست الحامل كانت بدم النفاس في حكم الحائض، ثم لا يخلو أن ينقطع عنها عند العادة للنفساء أو يزيد على العادة أو ينقطع قبلها، فإن زاد أمسكت إلى ستين يومًا ثم هي مستحاضة.
ثم رجع وقال: يُسأل عن ذلك النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد 2 ذلك.
وإن انقطع قبل مضي عادة النفساء اغتسلت وصلت، فإن عاودها عن قرب ضمت ذلك إلى دم النفاس، ثم ينظر: هل يزيد جميعه على العادة أم لا؟ وإن بعد ما بينهما مقدار طهر انقطع حكم النفاس، ولم تضم الثاني إليه، وكانت هذه حيضة مستأنفة.
وقال مالك في "العتبية" في التي تلد ولا ترى دمًا: تغتسل، أو في ذلك شك! لا يأتي من الغسل إلا خير 3. وهذا استحسان؛ لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.1
واختلف في الحامل تلد ولدًا ويبقى في بطنها ولد آخر فتضعه بعد شهرين والدم من الأول متمادٍ: فقال ابن القاسم: ينظر إلى أقصى ما يكون النفاس، ولزوجها عليها الرجعة حتى تضع (1) الآخر (2). وقد قيل: حالها كحال الحامل.
والأول أصح؛ لأن هذا الدم هو المعتاد الذي يجتمع مدة الحمل، ثم يخرج بعد خروج الولد، فليس بقاء الولد الثاني يخرجها عن أن تكون نفساء.
فصل [في الحيض والجنابة وما يمتنع بهما وما يحل]
الحيض يمنع من قُرَبٍ أربع: الصلاة والصوم والاعتكاف؛ لأنه يتضمن الصلاة والصوم، والطواف بالبيت.
ولا يمنع السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف بعرفة.
واختلف: هل يمنع دخول المسجد وقراءة القرآن؟ ولا يمنع ذكر الله سبحانه بالتسبيح والاستغفار وإن كثر، ويمنع ممّا ليس بقربة شيئين: الطلاق والوطء.
واختلف في دخول الحائض والجنب المسجد: فمنعه مالك، وأجازه زيد بن أسلم للجنب 3 إذا كان عابر سبيل، وأجازه محمد بن مسلمة جملة وقال: لا ينبغي للحائض أن تدخل المسجد؛ لأنها لا تأمن أن يخرج من الحيضة ما ينزه المسجد عنه، ويدخله الجنب؛ لأنه لا يخاف ذلك منه.
قال: وهما في أنهما طاهران سواء وليسا بنجسين.
وعلى هذا يجوز كون الجنب فيه، وكذلك الحائض إذا استثفرت بثوب.
كما قال مالك في المستحاضة لا بأس أن تطوف إذا استثفرت بثوب 4.12
واختلف قول مالك في قراءة القرآن للحائض، فمنع ذلك مرة وأجازه مرة خوف النسيان 1؛ لأن الحيض يتكرر.
وأجازه محمد 2 بن مسلمة نظرًا إذا كان من 3 يُقلب لها الورق.
ومر 4 على أصله في أنها في حكم محدث وليس في حكم نجس.
واختلف قول مالك 5 في قراءة الجنب القرآن، فالمشهور عنه المنع 6. وقال في سماع أشهب: يقرأ اليسير، وقال 7: وأنا 8 أشتهِي 9 أن يقرأ الجنب القرآن، وددت أني وجدت في ذلك رخصة، ولكني سمعت أنه لا يقرأ إلا اليسير 10 وأجاز ذلك مالك 11 في "مختصر ما ليس في المختصر" قليلًا كان أو كثيرًا.
وقد اختلفت الأحاديث في هذا الأصل: ففي الصحيحين 12 عن أبي هريرة قال: "لَقِيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، وَأَنَا جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ وَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟.
قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا جُنُبٌ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" 13. فعلى هذا يجوز له أن يقرأ القرآن وأن يجلس في المسجد.
وفي الترمذي قال: قال علي - رضي الله عنه -: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ لَنَا 1 القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا" 2. قال الترمذي: حديث صحيح.
وروي عنه أنه قال: "لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لجُنُبٍ وَلاَ لحِائِضٍ" 3. وإذا تعارضت الأحاديث كان الأخذ بالأحوط أولى.
واختلف فيما يحل من الحائض: فقال مالك: أعلاها، ما فوق المئزر 4. وقال أصبغ في منع ما دون المئزر: ذلك حماية للذريعة، وليس بضيق إذا اجتنب الفرج 5.
واختلف إذا رأت الطهر ولم تغتسل: فقال مالك: لا تحل حتى تغتسل (1).
وقال ابن بكير: المنع استحسان.
فأنزلها بمنزلة الجنب، فيجوز الإصابة وتمنع الصلاة.
فإن كانا في سفر ولم يجدا ماءً وطال السفر جاز له أن يصيبها، واستحب لها أن تتيمم قبل ذلك وتنوي الطهر من الحيض.
فصل [في الصفرة والكدرة تعرض للمرأة؟]
الصفرة والكدرة في آخر الحيض من الحيض؛ لأن الشأن آخر الدم يرق 2. واختلف إذا رأت ذلك في غير أيام الحيض، فقال مالك في "المدونة": ذلك حيض 3. وقال عبد الملك بن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا اغتسلت الحائض أو النفساء ثم رأت قطرة من دم أو غسالة دم 4 لم تعد الغسل ولتتوضأ 5، وهذا يسمى الترّية 6، 7.1
وقال مالك في "مختصر ابن عبد الحكم" في الحائض 1 ترى العرق من الدم الكدرة أو الصفرة: فلتدع الصلاة حتى ينقطع ذلك عنها 2.
وفي البخاري: قالت أم عطية: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ شَيْئًا" 3. وفي كتاب أبي داود: قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَلاَ الكُدْرَةَ 4 بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا" 5، وحمل على أنه عرق وليس بحيض.
تم كتاب الطهارة، والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم