التبصرة للخميصفحات 1076-1115

كتاب الزكاة الثاني

صفحات 1076-1115

بحكمه.
وعلى القول أن الأتباع مراعاة في نفسها لا يزكى؛ لأنه ليس مما في الحديث ولا أصلًا للعيش، وكذلك العنب الشتوي هو تفكهٌ.
وتجب الزكاة فيما يزهي من النخل، وإن كان لا يتمر (1)؛ لأنه مما هو أصل للعيش (2). والاختلاف، هل تجب الزكاة بنفس الزهو وقبل أن يصير تمرًا؟

فصل [زكاة ذوات الزيت]

الزكاةُ تجبُ فيما يُراد منه زيته، وذلك في خمسة: الزيتون، والجُلْجُلان، وحب الفجل وبزر 3 الكَتَّان والقُرْطُم، على اختلاف في هذه الثلاثة.
فقال مالك في المدونة: في حب الفجل الزكاة إذا بلغ خمسة أوسق 4. وقال في المجموعة: في بزر الكتان وحب القرطم لا زكاة فيهما 5. قيل له: إن بعض الناس يعصر منه الزيت الكثير، فقال: فيزكى إذا كثر.
6 قال سحنون.
وقد قال: لا زكاة فيه، قال 7: وهو أحب إليَّ 8. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا زكاة في بِزْرِ الكتان، ولا في زيته؛ إذ ليس بعيش 9. وقيل في بزر الفجل12

أيضًا: لا زكاة فيه 1. ويلحق بهذه بزر السَّلْجَم إذا عمل بمصر، والجوز إذا عمل 2 بخراسان، وقد ذكر أنهم يعوِّلون على زيتها للأكل.
فأمَّا الزيتون فالأصل فيه قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141]؛ ولأنه في البلدان التي هو بها مقتات وأصل للعيش.
وكذلك الجلجلان باليمن والشام هو عندهم عمدة في الاستعمال للأكل، ولا تجب فيه الزكاة عندنا بالمغرب على أصل المذهب: أن الزكاة إنما تجب فيما كان مقتاتًا أصلًا للعيش؛ لأنه 3 إنما يراد للعلاج ويقام منه الادهان كالبنفسج 4 والورد والياسمين وما أشبه ذلك، وقد تقدم من 5 قول أبي الحسن ابن القصار في التين: أنه لا يزكى في المدينة، ويزكى بالشام 6، ولأن هذه الأشياء لم يأتِ في زكاتها نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما تُرَدُّ إلى غيرها مما تجب فيه الزكاة إذا وجدت فيها الشروط التي تجب بها الزكاة.
وأما بزر الكَتَّان فالصواب أن لا زكاة فيه؛ لأنه لا يراد للأكل، ولا في حب القرطم؛ لأنه ليس مما يعيش 7، ولأن النصاب في الحبوب خمسةُ أوسقٍ،

فإذا كانت هذه الأوسق لا تُخرج من الزيت إلا يسيرًا علم أنها ليست من الأموال التي قصد وجوب الزكاة فيها بذلك النصاب؛ لأن الزكاةَ مواساةٌ من الأغنياءِ إلى الفقراءِ، ولا يصح أن يجعل نصاب أكثر من خمسة أوسق.
ولو قَحَطَت السماء عن الزيتون فحط زيته عن المعتاد بالشيء البين، فصار إلى النصف أو ما أشبه ذلك، لم تجب الزكاة في خمسة أوسق منه، والعادة 1 أنه يعصر من قفيز زيتون ما يزيد على العشرين قفيزًا زيتًا، ربما الخمسة والستة ونحو ذلك.
وقد قحطت السماء عندنا في بعض السنين فكان يخرج من القفيز الزيتون خمسة أقفزة زيتًا ونحوها، وهذا شبيه بالجوائح، فإن وجد من الزيتون فوق خمسة أوسق مما يخرج قريبًا 2 من الخمسة الأوسق على الوجه المعتاد كانت فيه الزكاة.
وهذا 3 بخلاف القرطم لورود النص بوجوب الزكاة في الزيتون دون الآخر.
وتجب الزكاة في حب الفجل بمصر؛ لأنه يراد للأكل وهو مما يكثر زيته.

باب في نصاب ما أخرجت الأرض، وما يُضَمُّ بعضه إلى بعض إذا اختلف حصاده أو اختلفت أجناسه

النِّصَابُ في ذلك خمسةُ أوسقٍ.
والوَسْقُ ستون صاعًا بصاعِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو بقفيزنا قفيزٌ وربع، فذلك ستة أقفزة وربع.
فإذا كان ذلك وجبت الزكاة إذا كان صنفًا واحدًا، وسواء كان حصاده معًا أو مختلفًا إذا كان حصاد الأول بعد زراعة الثاني، فإن كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول 1 لم يُضَمَّ بعضه إلى بعض، فإن كان كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة.
وإن زرع ثالثًا بعد حصاد الأولِ وقبل حصادِ الثاني لم يُضَمَّ الأول إلى الثالث وضُمَّ الأوسط إلى الأول والثالث، فإن كان في الأول 2 وسقان والثالث 3 كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكى عن الجميع؛ لأنك إن أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق.
وإن أضفته إلى الثالث كانا خمسة أوسق، وهذا قول ابن مسلمة.
وإن كان الأوسط وسقًا أو وسقين لم تجب في شيء من ذلك الزكاة، وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين 4 والأول ثلاثة زكى الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكى الأوسط والآخر دون الأول.

واخْتُلِفَ عن مالك في ذلك، فقال في كتاب ابن سحنون: ما زرع في الصيف في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، وما زرع في الشتاء في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، ولا يُضَمُّ ما زرع في الصيف إلى ما زرع في الشتاء (1). وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا زكاة عليه حتى يرفع من كل ما حصد ما تجب فيه الزكاة (2)، وهذا أحسن.
ولا يضاف إلا (3) ما اجتمع نباته، وإن افترق حصاده.
وأرى إذا كانت زراعة الثاني عندما قرُب حصاد الأول ألا يضافا؛ لأن الأول في معنى المحصود، وإن يَبِسَ ولم يبق إلا حصاده كان ذلك أبين.

فصل [في الحائطِ فيه أصنافٌ أو صِنْفٌ وفيما يُضَمُّ بعضه إلى بعض]

واخْتُلِفَ فيما يضاف بعضه إلى بعض من الحبوب، فقال مالك: القمح والشعير والسُّلْت صنف واحد يُضَمُّ بعضه إلى بعض في الزكاة 4. فإذا اجتمع من ذلك خمسة أوسق وجبت في ذلك الزكاة.
واخْتُلِفَ في العَلَس، فقيل: هو صنف رابع لا يضم بعضه إلى بعض 5. وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يكون في اليمن مستطيل مصوف ويجمع مع الحنطة.
قال: وهي الإشْقَالِيَّة 6. وقيل: هو بين الحنطة والشعير.123

قال مالك: والأرز والذرة والدُّخْن أصناف، ولا يضم بعضها إلى بعض، وأضاف ربيعة الذرة إلى القمح (1). وقال الليث: القمح (2) والشعير والسُّلْت والأرز والذرة والدُّخْن صنف يجمع في الزكاة (3)؛ وهذا أقيس لاتفاق المذهب على أن أخباز جميع هذه الستة صنف يحرم التفاضل فيه.
وإذا كانت هذه الحبوب لا تستعمل على حالها، والمقصود منها أن تعمل خبزا، وكان خبزُها صنفًا واحدًا، وجب أن يكون حبها صنفًا واحدًا.
ولا خلاف في القِطْنِيَّة أنها غير مضافة إلى ما تقدم.
واخْتُلِفَ هل هي في نفسها صنف واحد في الزكاة والبيع، أو أصناف (4)؟ فذكر أبو محمد عبد الوهاب فيها قولين: هل تجمع في الزكاة والبيع أم لا؟ (5) وقال مالك في العتبية: الكِرْسِنَّةُ (6) من القِطْنِيَّة.

فصل [في الحائط فيه أصنافٌ، وفيما يُجمع منها من الزكاة]

التمور كلها 7 صنف واحد تجمع في الزكاة، وكذلك ما يزهى ولا يكون تمرًا، أو لا يزهي د نما يكون بَلَحًا على القولِ بزكاتِه، وكذلك العنب الشتوي123456 = والبيان والتحصيل: 2/ 513.

والصيفي على تسليم القول بزكاة الشتوي، والتين (1) الصيفي والشتوي على قول من أوجب الزكاة فيه، فجميعه صنف.
والزيوتُ أصنافٌ لا يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فإن أصابَ منَ الزيتونِ ثلاثة أوسق، ومن الجلجلان وسقين، لم تجب في ذلك زكاة؛ لأن منافعها غير متشابهة (2)، والتفاضل بينهما جائز.
ولا زكاة فيما يؤخذ من الجبال أو غيرها من زيتون وتمر وكرم مما لا مالك له، فإن تملكه بعد ذلك بالإحياء زكاه.

فصل [في زكاة النخل والثمار]

وإذا كان القمح مختلفًا جيدًا ورديئًا أُخِذَ من كل شيء منه بقدره، ولم يؤخذ من الوسط.
وكذلك إذا اجتمع القمحُ والشعيرُ والسُّلْتُ، أو اجتمع أصنافُ القَطَانيِّ، أخذ من كل شيء بقدره ولم يؤخذ من الوسط 3. وكذلك أصنافُ الزبيبِ.
واخْتُلِفَ في التمر، فقال مالك في المدونة: إذا كان ذلك جنسًا واحدًا -جعرورًا كله 4 أو غيره- أُخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضلَ منه، وإن كانت أجناسًا أُخِذَ من الوسط 5. وقال في كتاب محمد: يُؤخذُ من كلِّ صنفٍ منها بقدره، قيل له: فإن كان جُلُّ12

ذلك الجيد، 1 والقليل من الخبيث 2، فقال: يُؤخذ من كل صنفٍ ما يصيبه من حصته من الصدقة 3، وقال في المجموعة: إذا كان جيدًا كله أو رديئًا كله فليتبع الوسط، وقاله عبد الملك بن الماجشون 4 وابن نافع- قال: بمنزلة الغنم تُعَدُّ سِخَالهُا ولا تؤخذ 5، يريد: لو كانت سِخَالًا كلها أنه يأتي بالزكاة من غيرها.
وقوله في كتاب محمد أصوب، وهو الحق.
وأصل الزكوات في 6 العين الذهب والفضة والحبوب أنها من عين المزكى، لا من غيره.
ويصرف إلى المساكين ما وجب لهم من ذلك إذا كان مما يدخر: كالتمر والزبيب والقمح 7 وغيرها، ولا يُباعُ عليهم 8 شيءٌ مما وجب لهم من ذلك؛ إلا أن يكون في بيعه حسن نظر لهم، فإن باع ذلك من وجبت عليه زكاته لنفسه فأدرك فسخ البيع، وإن فات ذلك، جاز بيعه وغرم مثله للمساكين، فإن باعه لهم نظر في ذلك، فإن كان إجازة البيع حسن نظر لهم مضى 9، وإلا رُدَّ إن كان قائمًا، أو أُغْرِم المثلَ إنْ ذهب به المشتري.
وأما البلح، والزهو، والرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب،

الشأن أن أربابه يبيعونه 1 لما كان لا يدخر؛ فيباع ذلك جملة وتخرج الزكاة من الثمن؛ لأن فيه حُسن نظرٍ للمساكين، ولا كلفة على المالك في بيعه جملة، وإن أخرج عين ذلك وصرفه في المساكين ولم يبعه أجزأه.
وقال مالك في الجُلْجلانِ: إن كان يعصرُ أخذ من زيته، وإن كان يبيعونه حبًّا أخذ من ثمنه 2. وقال أشهب في مدونته في الزيتونِ يبيعه صاحبه قبل عصره: إن المصدق فيه بالخيار، إن شاء أخذ منه زكاة ثمنه، وإن شاء أخذ مكيلة زكاته ويعصره له 3. وقال محمد بن عبد الحكم: تجب الزكاة فيه حبًّا وليس عليهم عصره 4، وهو أقيس لقول الله -عز وجل-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. قال محمد بن مسلمة: جعل الله وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله، وهذا يتضمن إخراج الزكاةِ منه على هيئة ما هو عليه وقت حصادِه، وهو مفهوم الحديثِ أنَّ الزكاةَ جزءٌ من المكيلة التي هي خمسة أوسق، وقياسًا على سائرِ الحبوبِ أنها تخرج زكاتها إذا صارت حبًّا.
وكذلك الجُلْجلان ليس عليه عصره وإن كان ممن يعصر نصيبه منه.
وقال مالك في كتاب محمد في العنب: تخرج مكيلة ذلك زبيبًا.
قيل له: فإن كان أهله 5 إنما يبيعونه عنبًا في السوق كل يوم، ولا يعرف خرصه، ولا يجد

من يخرصه له، قال: وأرى أن يؤدي من ثمنه 1. وقال مالك 2 فيمن باع الفول أخضر: أحب إليّ 3 أن يتوخى خرص ذلك يابسًا وإن زاد قليلًا 4. وقال مالك: لا بأس أن يبيع الرجل زرعه عند حصاده، ويكون المبتاعُ أمينًا عليه يخبره بكيله، ويخرج الزكاة على ذلك 5. قال: ولا بأس أن يشترط بائع الحائط الزكاة على مشتريه 6، يريد: إذا كان المشتري أمينًا وممن يوثق بقوله، وإلا فعليه أن يخرصه ولا يقتدي بقوله لأنه 7 لا يدري أصدقه أم كذبه؟ وكذلك إذا اشترط الزكاة على المشتري، يجوز له 8 إذا كان المشتري ثقة ممن لا يتهم في إمساكها، ولا في القدر الذي يخرجه، وإن كان ربها يقبض ذلك فيخرجه بنفسه فقد يخونه فيما يدفعه إليه إذا كان غير مأمون، وهذا إذا كان البيع بعد الخرص، أو قبل وعلم أن فيه ما تجب فيه الزكاة بأمر لا يشك فيه، فإن شكَّ فيه لم يجز البيع إلا أن يشترطَ ذلك الجزء على كل حال، فإن وجبت فيه الزكاةُ صرف ذلك للمساكين، وإن لم تجب فيه 9 الزكاة أخذ البائع ذلك

الجزء 1 لنفسه، وبعد أن يعلم المشتري هل هو بالنضح فيكون المستثنى نصف العشر، أو بَعْلًا أو سيحًا فيكون العشر 2. وإذا كان معلومًا أن فيه خمسة أوسق فأكثر فسرقت الثمرة قبل الجداد، أو بعد الجداد، ولم يتراخ 3 عن الإخراج، لم يضمن المشتري الزكاة، وإن سُرِقَ البعض وبقي ما لا زكاة فيه كان للبائع جزءُ الزكاةِ، وإن لم يشترط البائعُ على المشتري الزكاةَ فأصابَ الثمرةَ بعد البيعِ جائحةٌ لم تسقطِ الزكاةُ عن البائعِ؛ لأنَّ الثمنَ له لا يرجع عليه المشتري فيه بشيء إذا كانت الجائحةُ بعد اليُبْسِ، ولأن المالك لما باع رضي أن تكون الزكاةُ مضمونةً عليه يدفعها من ذمته.
واخْتُلِفَ إذا سلمت الثمرة أو الزرع، وأعسر البائع قبل دفع الزكاة، فقال ابن القاسم: يرجع على المشتري بقدر الزكاةِ إذا كان قائمًا، ويرجع هو على البائع متى أيسر 4، وقال أشهب: لا شيءَ على المشتري 5، وهو أحسن إذا كان البيع ليخرج الزكاة، ثم حدث ما منع من 6 ذلك، فإن كان ممن يعلم أنه لا يخرج زكاته أخذ ذلك من المشتري قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن الأول متعدٍّ في بيع جزء المساكين.
قال مالك: وإن وهب الثمرة قبل طيبها كان زكاتها على الموهوب له، وإن كان 7 وهبها بعد طيبها كانت الزكاةُ على الواهب 8، وقيل:

زكاتها منها، وهذا أبين إذا كان سقيها على الموهوب له، وإن كان ربها يسقيها (1) كانت زكاتها عليه؛ لأن الهبة تتضمن جميعها، بمنزلة ما لو باعها، فإن البيعَ يتضمن جميعها جزءَ الزكاةِ وغيرَه.
فإن قال: "إنما قصدت أن تكون زكاتها منها" أُحْلِف على ذلك وزكيت منها.

فصل [في قدر ما يخرح في زكاة الحرث]

والزكاة فيما كان يشرب من عروقه، أو سيحًا، أو بالعيون، والأنهار، أو بعلًا بالسماء، وما 2 أشبه ذلك مما لا يتكلف فيه 3 مؤنة العشر، فإن كان يسقى بالغرب، أو بالدالية فنصف العشر، فحط 4 نصف العشر لمكان ما يتكلف في ذلك من المؤنة بنفسه أو بماله.
والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ".
أخرجه البخاري ومسلم.
وقال ابن فارس: العَثَرِيُّ الذي يشرب سيحًا، قال: وقيل هو العِذْي والعِذْي عنده ما سقته السماء، وكلا القولين مخالفٌ للحديثِ؛ لأنه قد ذكر في الحديث ما تسقيه السماء والعيون، والعثري غيرهما: وهو ما يشرب بعروقه.
واخْتُلِفَ إذا كان الشرب بالوجهين جميعًا: بالسماء والنضح.
فقال مالك في كتاب محمد: إن سقى نصف السنة بالعيون، ثم انقطع عنه وسقى بالنضح،1

أخرج نصف زكاته 1 عُشْرًا، والنصف الآخر نصفُ العشرِ، فإن سقى ثلثي السنة بالعين، والثلث بالنضح، جُعِل القليل تبعًا للكثير، وسواء كان المبدأ القليل أو الكثير.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يتخرج فيها قول آخر؛ أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه 2. قال: وقال ابن القاسم: إنما ينظر إلى الذي يحيا به الزرع (3)، يريد: الآخر الذي به تم، كان قليلًا أو كثيرًا، وأرى أن ينظر إلى ما كان يرى أنه في ذلك النخل أو الزيتون أو الزرع أولًا قبل الثاني، فإن قيل: عشرة أوسق، فأصاب بعد ذلك خمسة عشر وسقًا، زكى ثلثيه على الأول، والثلث على الثاني، فإن كان الأول هالكًا، ولولا الثاني لم يؤخذ من تلك الثمار شيء صح أن يزكي على الآخر.
والقياس أن يراعي الأول؛ لأن به تم الثاني.
ولو انفرد به الثاني ولم يتقدم الأول لم ينتفع بالثاني، وإن كان لا يعرف قدر ما كان في الثمار قبل الثاني رجع إلى قدر السقي 3. وسأل قومٌ لهم أراضي إلى جنبها وادٍ مستقل عنها، فأنفقوا فيه نفقة كثيرة حتى طلع الماء وصار يسقي تلك الأرض؛ فرأيت أن يُزَكُّوا عن أول عام نصف العشر، وكذلك ما يكون من النخيلِ لا ماء له فاكترى له ماء أن 4 يزكي نصف العشر؛ لأن أكثرَ الماءِ ربما يتكلف 5 فيه أكثر مما يتكلف من اكتراء الماء أو استخراجه أو اشتراه فأحيا به زرعه أو ثمرة نخلة في الغرب والدالية، وإن اشترى الماء ولم يكترِ زكى العشر؛ لأن السقيَ من بابِ الغلةِ، وقد يبيعه بعد ذلك.

باب فيما يخرص من الثمار، وهل يحط من الخرص لمكان ما يأكله من الثمار أصحابها، أو يُعْرُونَهُ (1)، وكيف إذا أخطأ الخارصُ في خَرْصِه

الذي يُخرص شيئان؛ النخلُ والعنبُ، ولا يخرص الزيتون، ولا الزرع، ولا ما أشبه ذلك مما ليس بشجر؛ لأن العادةَ تقدمت بخرص النخل والعنب، ولا يكاد يعرف الخرص فيما سواهما؛ ولأن الشأن في الزهو 2 والرطب والأعناب أن أصحابها يأكلون منها حينئذٍ.
وقال مالك في كتاب محمد: يخرص ليأكلوه كيف شاءوا رطبًا أو غيره 3. واخْتُلِفَ في الزيتون والزرع يحتاج أهله إلى الأكل منه، أو كانوا غير مأمونين يخشى أن يكتموا منه، هل يخرص، أو يجعل عليه أمين؟ فقال عبد الملك بن الماجشون: إذا احتاج أهل الزيتون أن ينتفعوا ببعضه وهو أخضر، وخافوا أن لا يخرصوا 4 كيل ما أخذوا منه مقطعًا، فإنه يخرص عليهم 5 كما تخرص الثمار كلها، ثم يخرجون زكاته من الزيت.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا اتهم الإمام قومًا بالتقصير فيما يجب عليهم من1

زكاة الزيتون والزرع، فإنه يوكل من يتحفظ بذلك 1. والقول الأول أحسن: أن يخرص عليهم إذا وجد من يعرف الخرص في مثل ذلك، فإن لم يوجد جُعِل أمين، فإن احتاجوا إلى شيء لم يمنع أهله من الانتفاع به، وأحصى عليهم.
واخْتُلِفَ هل يترك الخارص 2 لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون، أو يعرون، أو يفسد، أو يسقط، فقال مالك في المدونة: لا يُترك لهم لمكان الأكل والفسادِ شيءٌ 3. وقال عبد الملك بن حبيب: يخفف لانتفاعهم وما ينالون 4 منه في رءوس النخل 5، قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالتخفيف للواطئة، والساقطة، واللاقطة، وما ينال العيال.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وعن مالك في تخفيف الخرص وترك العرايا والثنايا روايتان؛ إحداهما: أنه يترك لهم ما يأكلون وما يُعْرون 6، والصواب أن يُترك لهم لمكان ما يفسد وما يذهب 7 من غير سببهم، وما يلتقطه غيرهم، وما يأكله المارة، وأما ما يأكلونه أو يعرونه فلا يترك لهم على القول: إن الزكاة تجب بالطيب.
وأما من قال: لا تجب إلا باليبس أو الجداد فيترك لهم ذلك؛ لأنهم الآن لم يجب عليهم شيء، وأكلهم الآن وهباتهم إنما تقع فيما لم تجب فيه الزكاة.

فصل [المراعى في خرص التمر والزيتون]

المراعى في التمر إذا خرص وهو زهو ما يكون منه خمسة أوسق تمرًا، إذا كان ذلك النخل مما يتمر.
واخْتُلِفَ فيما يكون بلحًا ولا يزهي، أو يزهي ولا يصير تمراَّ، أو ما لا يتزبب من العنب، فقيل: يخرص 1 كالأول لو كان يكون فيه تمر، فما بلغ خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة وقيل: يخرص على حاله.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط في العنب الذي لا يصلح زبيبًا قال: إذا بلغ خرص عنبه خمسة أوسق أخذ منه 2، وكذلك الثمار التي تكون بمنزلة العنب، والأول أصوب؛ لأنَّ غالبَ الأموالِ التي جاء الشرعُ بوجوبِ الزكاةِ فيها هي ما يكون تمرًا، وهو القدر الذي تجب الزكاة فيه، وهي الأصل؛ وإنما قيست عليها هذه فلا يحط عنها.
وأما الزيتون فالمراعى فيه كيله حين خرصه، ولا ينظر إلى نقصه بعد ذلك بخلاف التمر؛ لأنه إنما يخرص بعد كماله، وطحينه حينئذٍ أحسن وأطيب؛ وليس يؤخر ذلك إلا لمكان الاشتغال 3 بجمع غيره، ليس لمصلحة في كمال ولا طيب.
وقال محمد بن سحنون: إذا خَرَصَ ثلاثةٌ حائطًا، فقال أحدهم: خَرْصُهُ ثمانون 4، وقال الثاني: تسعون 5 والثالث: مائة، أُخذ من قول كل خارص

ثُلُثُ خَرْصِه (1).

فصل [في خرصِ العنب والنخل، وكيف إن نقص أو زاد أو أُجيحَ]

واخْتُلِفَ إذا خرص الخارص ثم تبين أنه أخطأ، وأن في ذلك أكثر أو أقل، هل يكون ذلك كحكم مضى، أو يرجع فيه إلى ما تبين؟ فقال مالك في المدونة: إذا خرص الخارص أربعة أوسق فجدَّ منه خمسة، أحب إليَّ أن يؤدي زكاته 2؛ لأنَّ الخراصَ اليوم لا يصيبون 3. وقال في كتاب محمد: فإن وجد نُقصانًا فلا يعطيهم 4. فرأى ذلك عليهم؛ لأنهم يتهمون، قال: وإذا زاد على ما خرص، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر، لم يكن عليه إلا ما خرص 5. وعلى قوله هذا 6 إذا وجد نقصانًا، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر 7، لم يسعه أن يخرج على ما وجد من النقصان؛ بل يخرج على ما خرص عليه الخارص 8.1

وقال أشهب: إن كان في زمن العدل أخرج على ما خرص عليه زاد أو نقص، وإن كان في زمن الجور أخرج على ما وجد 1. وقال ابن نافع: يؤدي زكاة الزائد خرَّصَه عالم أو غير عالم 2. وعلى قوله لا يؤدي عن زكاة النقص إذا ثبت ذلك، وهذا أصوب.
والأصل الذي فرضه الله سبحانه: أن يخرج زكاة ما يُجدُّ، وإنما جعل الخرص لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس يوجب أمرًا غير ما كان قبل الخرص.
فإن سرقت الثمار بعد الخرص أو أجيحت لم يكن عليه شيء، وإن أجيح بعضها زكى عن الباقي إن كان فيه 3 خمسة أوسق فأكثر، فإن كان أقل لم يكن عليه شيء.
وإن تأخر المصدق عنه فعزل ذلك في الجرين فهلك، فلا شيء عليه، وإن أدخله بيته ضمن.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان هو الذي يلي إخراج ذلك للمساكين، ولم يفرط، فذلك مجزئ عنه من زكاته.
وإن لم يكن هو يلي إخراج ذلك للمساكين لم يجزئه، ولم يكن عليه فيه ضمان، وعليه زكاة ما بقي إن بقي ما فيه زكاة 4. قال محمد: قول أشهب هو الذي نحن عليه 5؛ قال: ولكن لو حمل ذلك كله إلى منزله بعد انتظار منه، حين خاف الضيعة لطول انتظاره، لم يكن عليه 6 ضمان 7.

قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك إذا كان الجرين غير مأمون فنقله ولم ينتظر المصدق لم يضمن.
والقياس إذا نقله ليوقفه 1 حتى يأتي المصدق أن لا ضمان عليه، وإن كان الجرين مأمونًا، وإنما ضَمَّنه مالكٌ حماية لئلا تضيع الزكاة بإدخال التأويلات فيها؛ ولأن كثيرًا ممن تجب عليهم غير مأمون.

باب هل تجب زكاة الثمار بالطيب، أو باليبس أو بالجداد؟

الزكاة تجب عند مالك بالطيب، فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه، أو أفرك الزرع واستغنى عن الماء، وأسودَّ الزيتون أو قارب الاسوداد، وجبت الزكاة فيه 1. وقال المغيرة: تجب بالخرص، ورأى أن المصدق في ذلك كالساعي في الغنم.
وقال محمد بن مسلمة: تجب بالجداد.
وفائدة ذلك إذا مات المالك فعلى قول مالك: إذا مات بعد الطيب تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد ما وجبت فيها الزكاة، فإن كان في جميعها خمسة أوسق ولم يصر 2 لكل وارث إلا وسق أخرجت منها 3 الزكاة.
وقال المغيرة: تجب بالخرص 4، فإن خرص عليه قبل موته فذلك ثابت على ورثته، يخرجون ذلك ثم يرثون ما بعده.
وإن مات قبل أن يخرص عليه، فإنما يخرص على ورثته، فمن صار له خمسة أوسق زكَّاه 5. وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: إنما تجب بعد الجذاذ، وبعد الحصاد 6، وإنما قدم الخرص توسعة على أصحاب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد

الخرص قبل الجداد لم يجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها؛ كزكاة الفطر إذا أخرجها قبل طلوع الفجر.
انتهى قوله.
وقد قال مالك مرة: يترك الخارص لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون ويعرون (1)، وهذا مثل قول المغيرة: إنها لا تجب بالطيب، فلا يحسب عليهم ما خرج منها قبل اليبس بأكل أو بعارية (2). وتكون فائدة الخرص على هذا خيفة أن يكتم منها بعد اليبس أو بعد الجذاذ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فالوقت الذي يجب فيه هو الوقت الذي يجب فيه إخراجه.
قال: وجعل وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله (3).

فصل [في زكاة الزرع الأخضر يموت صاحبه ويوصي بزكاته]

وقال مالك فيمن مات عن زرع وأوصى بزكاته قال 4: إن كان أخضر أنفذت وصيته في ثلثه 5، ولا تبدَّى على الوصايا؛ لأنها ليست بزكاة 6، ولا يضع ذلك الزكاة مما وصى به إذا كان في الموصى به خمسة أوسق، وإن لم يصر لكل مسكين إلا مدٌّ واحدٌ؛ لأنه إنما أبقاه على ملكه.
ولا يضع ذلك الزكاة عن ورثته، فمن صار له في حظه ما تجب فيه الزكاة زكَّاه، ومن صار له دون ذلك123

لم يكن عليه شيء 1. وإن أوصى زكاته بعد أن أفرك واستغنى عن الماء زكي على ملك الميت، وأخرجت الزكاة من رأس المال، ولا زكاة على الورثة، وإن صار لكل وارث من نصيبه خمسة أوسق 2. وإن أوصى بذلك لمعينين وهو أخضر، وكانوا يسقونه ويلون عمله 3، زكي ذلك 4 على أملاكهم، فمن صار له في نصيبه خمسة أوسق زكَّاه 5. قال محمد: وكذلك النخل المحبسة على قوم بأعيانهم لا زكاة فيه إلا على من يصير له في حظه ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المؤنة فيه عليهم كالوارث، ويلزم على هذا إذا صار له دون نصاب، وله مال سوى الحبس إذا أضاف إليه الحبس صار نصابًا 6، أن يزكي جميع ذلك 7. وعلى أحد 8 القولين في المحبس عليه يموت بعد الإبار وقبل الطيب: أن لا شيء لورثته فيها.
تُزكَّى هذه على ملك المحبس إذا كان في جميعها خمسة أوسق، وإن كان المحبس عليهم جماعة.

باب في زكاة الثمار المحبسة والماشية والعين

قال مالك: تؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله، وعلى قوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم، وعن الإبل المحبسة في سبيل الله يحمل عليها أو على نسلها، وعن الدنانير المحبسة في سبيل الله 1 لتسلف 2، وما كان ليفرق من الدنانير والإبل والبقر والغنم، فحال عليها الحول قبل أن تفرق، لم تؤخذ منها زكاة 3. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الحوائط فتؤخذ منها الزكاة.
ويفترق الجواب في النصاب، فإن كان الحبس على قوم بأعيانهم، وكانوا هم يسقون ويلون ذلك 4، نظر إلى ما ينوب كل واحد منهم، فمن بلغ نصيبه خمسة أوسق زَكَّاه، ومن كان نصيبه دون ذلك لم يزكه؛ لأنها طابت على أملاكهم، وسواء كان الحبس شائعًا أو لكل واحد منهم نخل بعينها.
فإن كان ربها يسقي ويلي النظر لها 5، ويقسم الثمرة، زكيت إذا كان في جملتها خمسة أوسق، وإن كانت دون ذلك وكان لصاحب الحبس نخل لم يحبسها؛ فإذا أضافها إلى الحبس بلغت خمسة أوسق زكيت بجميعها، وإن كانت حبسًا على غير معينين 6، أو في سبيل الله زكيت إذا كان في جميعها خمسة أوسق.

وإن كان الحبس على مسجد أو مساجد زكيت على ملك المحبس، فإن كان في جملتها خمسة أوسق زكيت، وإن لم ينب كل مسجد إلا وسق وإن مات المحبس زكيت على ملكه لو كان حيًا، وعلى هذا المذهب: أنها تزكى على ملك المحبس.
وقال طاوس ومكحول فيما حبس على المساكن: لا زكاة فيه، وهذا هو القياس؛ لأنه إن قدر أنه باقٍ على ملك المحبس لم تجب فيه زكاة؛ لأن الميتَ غيرُ مخاطب بزكاة، وإن حمل على أن ملكه سقط عنه لم تجب فيه زكاة أيضًا؛ لأن المساجد غيرُ مخاطبةٍ بالزكاة، وحوزها للمسجد كحوزها للعبد إذا كان صغيرًا، أو حوز العبد لنفسه إذا كان كبيرًا؛ وإنما استسلم مالك في هذا 1 للعمل، ليس لأنه القياس.
وأما الدراهم تحبس لتسلف، فإنها لا تزكى إذا أسلفت وصارت دينًا حتى تقبض؛ فإذا قبض منها نصاب زكي، وسواء كان الحبس على معينين أو مجهولين، وإذا كانت في ذمة المتسلف زكى عنها 2 من هي في ذمته، إذا كان له ما يوفي بها كسائر الديون، وإن قبضت زكيت على ملك المحبس لعام واحد.
وإن كان الحبس إبلًا أو غنمًا لينتفع بألبانها وأصوافها زُكي جميعها على ملك المحبس إذا كان في جميعها نصاب، وسواء كان الحبس على مجهولين أو معينين، فإن حبس أربعين شاة على أربعة نفر، لكل واحد منهم عشرة بأعيانها، زكيت لأنه إنما أعطى المنافع، والرقاب باقية على ملكه، وهذا بخلاف حبس النخل؛ لأن النخل لا زكاة في رقابها، وإنما الزكاة في الثمار وهي المعطاة؛ فيصح أن تزكى على ملكهم، والغنم غير معطاة فزكيت على ملك المحبس، وإن

حبسها ليؤخذ نسلها كانت الزكاة في الأمهات على المحبس، ثم ينظر في الأولاد فإن كان الحبس على معينين لم تزكَّ الأولاد مع الأمهات؛ لأن الولادةَ على ثلاثة وجوه: إما أن يكون قبل تمام الحول، فقد خرجت عن ملك صاحبها قبل الحول، فلم يصح أن تضم إلى الأمهات، أو بعد تمام الحول وقبل مجيء الساعي، فهي 1 في معنى ما لم يحل عليه الحول؛ لأنه لو باعها حينئذٍ لم تجب فيها زكاة الماشية، وإن أتى الساعي وهي حوامل فولدت بعد ذلك فهي محسوبة 2 من العام الثاني، وقد خرجت عن ملكه بالعطية، فلا زكاة فيها إلا على من صار له من المعينين نصاب، وحال عليه الحول من يوم الولادة.
وإن كان الحبس على مجهولين لم تجب فيها زكاة على قول ابن القاسم 3، فإن جعل شيئًا من ذلك في سبيل الله ليفرق وليس حبسًا فلم يفرق حتى حال عليه الحول، فإن كانت دنانير لم تجب فيها زكاة 4، واخْتُلِفَ في الماشية فقال ابن القاسم: لا زكاة فيها 5. وقال محمد: فيها الزكاة 6، قال: وكذلك النخل 7، وفرق بينها وبين العين؛ لأن النماء في هذه موجود في حال الوقف بخلاف الدنانير.

باب في زكاة الفطر

الأصل في ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ 1 مِنَ المُسْلِمِينَ" 2. وقال مالك: زكاة الفطر سُنَّةٌ 3؛ يريد: لأنها أخذت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينزل فيها قرآنٌ.
وقال في المجموعة: هي فرض بقول الله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 5]، فرأى أنها داخلةٌ في عمومِ الآية 4 لتسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها زكاة؛ ولأن الزكاةَ وردتْ 5 في القرآنِ مجملةً فأبانتِ السنةُ المرادَ بها.
واخْتُلِفَ في تأويل قول ابن عمر: "فَرَض...". فقيل معناه: قدّر قدرها، وأنها صاعٌ.
وقال محمد بن عبد الحكم: المعنى: أَوْجَبَ، وهو المفهوم من كتاب مسلم؛ لأنه قال: "فرض على الناس".
وفي كتاب الترمذي قال عبد الله بن 6 عمرو

ابن العاص: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلاَ إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كلِّ مُسْلِمٍ" (1)، ثم ذَكر باقي الحديث على مثل حديث ابن عمر.
واخْتُلِفَ في تأويل قول الله -عز وجل-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14، 15]، فقيل: تزكَّى (2) بزكاة الفطر، وصلى صلاة العيد (3). وقيل: تَزكَّى بالإسلام وصلى الخمس؛ وهذا هو الأشبه بقوله: ﴿تَزَكَّى﴾ وإنما يقال فيمن أدى الزكاة: زَكَّى؛ وعلى أنه ليس في التلاوة أمرٌ، وإنما تضمنت مدحَ من فعل ذلك.
ويصح المدحُ على فعلِ المندوبِ.

فصل من تجب عليهم زكاة الفطر

أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - زكاةَ الفطرِ على الحرِّ، والعبدِ، والذكرِ، والأنثى، والصغيرِ، والكبيرِ.
وروي عنه أنه قال: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" 4 وليس إسناده بذلك.
وإخراج الرجل زكاته عن يمُونه على ثلاثة وجوه: واجبة، وساقطة، ومختلف فيها.
فتجب عليه عمن تلزمه نفقته من الأحرار، وهم خمسة: الابن، والبنت، والأم، والأب، والزوجة 5. ولو استأجر حرًا بطعامه 6 لم يلزمه123

إخراجها عنه، ولم يدخل في عموم الحديث؛ لأن هذه مبايعةٌ 1، باع منافعه بطعامه، فليس عليه سوى ما تبايع به.
واخْتُلِفَ في الزوجة، فقال مالكٌ وابنُ القاسم: على الزوج أن يؤدي عنها زكاة الفطر 2، وقال ابن أشرس: تؤدي من مالها عن نفسها وعن رقيقها، ورأى أن نفقته عليها من باب المعاوضة 3، وهي عوض عن الاستمتاع.
ويفترق الجواب في إخراجها عن عَبِيدِه على نحو ما تقدم فيمن تلزمه نفقته من الأحرار، فيخرجها عن كل عبد في يديه وتحت قهره، ولم يتعلق به حق لغير سيده، وسواء كان العبدُ ليس فيه عقدُ حريةٍ، أو كان مدبرًا، أو أم ولد، أو معتقًا إلى أجلٍ 4. واخْتُلِفَ في المكاتَب، والمعتق بعضه 5، والمخدم، ومن جَنَى جنايةً فمرَّ يومُ الفطرِ قبل تسليمه، وتسقط عمن أبق فأيس منه، أو أُسِرَ أو غُصِبَ ويحتج في الغصب، فلا يرجو انتزاعه، ويلزم 6 إخراجها عمن هو في ملك غيره كعبد الأب، والأم إذا كانا فقيرين ولا غنى بهما عنه.
واخْتُلِفَ في عبد الابن، والابنة، والزوجة قبل الدخول، والمخدم ولا يلزم إخراجها عن عبده الكافر، ولا عن عبد عبده وإن كان مسلمًا 7. وقال مالك في المدونة: يخرج السيد عن عبده المكاتب زكاة الفطر، وقيل: لا شيء على السيد، ولا على العبد 8. وهو أبين؛ لأنَّ السيدَ قد باعه نفسه، وإنما

له الآن عليه مال ولم يعجز.
وقال مالك في المدونة في المعتق بعضه: يؤدي السيدُ عنه 1 بقدرِ ما له فيه، ويسقط ما ناب العتق 2. وقال أشهب: على السيد بقدر ما له فيه، وعلى العبد بقدر ما عتق منه 3؛ وقال مالك في المبسوط مثل ذلك، وقال عبد الملك في كتاب محمد: على المتمسك بالرق جميع ذلك، وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: يؤدي السيد بقدر ما له فيه 4 والعبد بقدر ما عتق منه، بمنزلة إذا جرح فإن لم يكن للعبد مالٌ زَكَّى السيدُ جميعَ ذلك؛ قال 5: لأنه لا يخرج نصفَ صاعٍ.
فأسقط في القول الأول 6 عن العبد ما ينوب العتيق؛ لأنه في ذلك الجزء على أحكام العبيد في الجراح وفي الميراث، وألزم في القول الثاني أن يخرج عن نفسه عن الجزء العتيق؛ لأن مؤنته في ذلك الجزء على نفسه، وقد جُعلت 7 زكاةُ الفطرِ تابعةً للنفقةِ في غيرِ موضعٍ، ولأن له في ذلك الجزء حكم نفسه يتجر لنفسه ويصون ماله 8، والجناية عليه: يؤخذ ما يخص ذلك الجزء دون من له الرق، والجناية منه: يؤدي من ماله ما يخص ذلك الجزء العتيق، والجناية والموت 9 والموتُ أمرٌ طارئٌ، وألزم السيد في القول الثالث جميع الزكاة قياسًا على الميراثِ؛ لأنه لو مات كان له جميعُ ميراثِه.
وقول أشهب أقيس.

واخْتُلِفَ في المُخْدَمِ على ثلاثةِ أقوالٍ: فقال ابنُ القاسم في المدونة: زكاته على من له الرقبة 1، وقال في كتاب محمد: على من له الخدمة.
وقال عبد الملك ابن الماجشون: إن قلت الخدمة فعلى السيد.
واخْتُلِفَ في نفقته هل هي على السيد، أو على المخدم؟ فمن جعلها على السيد جعل الزكاة عليه؛ لأنه اجتمع فيه وجهان: الملك والنفقة، ولا يختلف في ذلك؛ وإنما يدخل الاختلاف على القول: إن النفقة على من له الخدمة، فجعلت مرة على من عليه النفقة، وإن كان الملك لغيره؛ لظاهر الحديث: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" 2. وكونها على المالك أحسن.
وقال أشهب في كتاب محمد: هو بمنزلة عبد يستأجر بنفقته، وعلى هذا يجري الجواب: إذا أوصى بخدمة عبده لرجل، وأبقى الرقبة لورثته، وكذلك إذا أوصى بالخدمة لرجل والمرجع لآخر، وجعل له المرجع من الآن، فقيل: النفقة على من له المرجع؛ وعلى هذا تكون الزكاة عليه؛ لأنه قد اجتمع فيه وجهان: الرقبة والنفقة لواحد 3 وقيل: تكون النفقة على من له الخدمة 4، وعلى هذا يختلف هل تكون الزكاة على المخدم تابعة للنفقة، أو على من له المرجع؟ وإن جعل المرجع للموصى له بعد انقضاء الخدمة، وأبقى الرقبة ما بينه وبين انقضاء الخدمة على ملك الورثة، عاد الخلاف المتقدم في النفقة والزكاة

بين الورثة والمخدم، ولا شيء على الموصى له برقبة؛ لأنه لا شيء له فيه من الآن وميراثه إن مات، وقيمته إن قتل للورثة، ولو جعل له رقبته من الآن لكان ميراثه وقيمته للموصى له به.
والزكاة على العبد المرهون على سيده 1؛ لأنه على ملكه وفي نفقته.
وإذا كان لكل واحد من الأبوين خادم، ولا غنى بهما عنهما وهما فقيران، كان على الابن الإنفاق عليهما والزكاة عنهما إذا لم تكن الأم في عصمة الأب 2، وإن كانت في عصمته وكانا يستغنيان بخادم الأب عن خادم 3 الأم، كان على الابن الإنفاق على الأبوين وعلى خادم الأب دون خادم الأم، والزكاة عنهم دون خادم الأم، وإن كانا يستغنيان بخادم الأم عن خادم الأب لم يكن عليه الإنفاق على الأبوين ولا على خادميهما؛ لأن الأب موسرٌ بالخادم وعليه أن يبيعها وينفق ثمنها على نفسه وعلى زوجته وخادمها؛ فإذا نفد ثمنها عادت النفقة على الأبوين والخادم على الولد.
والولد يكون له الخادم على مثل ذلك، فإن كان الولد في غنى عن تلك الخادم لكونه في جملة الأب وفي عياله لم يلزم الأب النفقة على الولد ولا على خادمه؛ لأنه موسرٌ بثمنِ الخادم 4، إلا بعد نفاد ثمنه، وإن لم تكن له مندوحةٌ عنه كان على الأب الإنفاق عليهما والزكاة عنهما.
وقد اضطرب في هذه المسألة.
وإن تزوجت البكرُ على خادمٍ بعينها وقبضتها، فإن لم تكن لها مندوحةٌ

عنها كانت كخادمها التي لم تتزوج ما، فإن كانت في غنى عنها كانت زكاة الابنة على الأب، وكانت زكاة الجارية على الابنة، فلا تسقط عن الأب النفقة لمكان الخادم؛ لأن من حق الزوج أن لا تباع للإنفاق على الابنة لما كانت صداقها 1، وكذلك سائرُ الصداقِ لا يسقطُ به الإنفاقُ عن الأب، وإن كانت الابنةُ فقيرةً ليس لها ما تُزَكِّي منه عنها كان في المسألة قولان: أحدهما أن الزكاةَ ساقطةٌ عنها، والآخر: إنها واجبةٌ، ويباع من الأمةِ بقدر ذلك، إلا أن يشاءَ الزوج أن يزكي عنها.
واخْتُلِفَ إذا دعي الزوج إلى الدخول فامتنع ولزمه الإنفاق على زوجته، فقال ابن القاسم في المدونة: يزكي عن خادمها 2. وقال ابن الماجشون في مختصر ما ليس في المختصر: ليس ذلك عليه إلا بعد الدخول؛ لأنَّ الخادمَ بعد الدخول تخدمهما جميعًا، ولم يختلف في المدخول ما فيما أعلمه 3 أن عليه أن يزكي عن خادمها إذا كانت ممن يجب عليه أن يُخْدِمَها، لما كان عليه أن يأتي بخادم 4 تخدمها ويزكي عنها.
وقد خفف عنه الشراء، ولعله لو لم تكن لها خادم لاشتراها ولم يستأجر.

باب في الفقير، هل تلزمه زكاة الفطر؟

اخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة فيمن تحل له زكاة الفطر: إنه يؤديها، قال: وإن كان محتاجًا ووجد من يُسَلِّفُه فَلْيَتَسَلَّف 1. وقال ابن حبيب: إذا كان عنده فضلٌ عن قوتِ يومِه أخرجها.
يريد: فضلًا عن قوتِه وقوتِ عيالِه.
وهذا راجع إلى ما في المدونة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يخرجها إذا كان لا يلحقه ضرر بإخراجها من فساد معاشه، أو جوعه، أو جوع عياله 2. وقال ابن الماجشون في المبسوط: الحدُّ الذي تجبُ به وتسقط من حال اليسرِ والفقر 3 أنه من كانت تحلُّ له سقطت عنه.
وقاله مالك في كتابِ محمدٍ، قيل له: إن كانت له عشرةُ دراهم فأخرجَ زكاةَ الفطرِ أيأخذُ منها؟ فقال: أَيُخْرِجُ ويأخذُ؟! لا، إذا كان هكذا فلا يأخذ، قيل له: إذا كانت له عشرةُ دراهم، فلا يأخذ، قال: ليس لهذا حدٌّ معلوم 4. فأوجبها في القولِ الأولِ على الفقيرِ لظاهرِ الحديثِ، ولاتفاقِ المذهبِ على وجوبها عمن ينفق عليه من صغيرٍ أو كبير 5 أو عبدٍ، وإن كانا فقيرين.
وألزمها في القول الثاني مع الفقرِ ما لم يؤدِّ ذلك إلى حرجٍ؛ لأنَّ الدينَ يُسْر، فإن كان رأسُ مالِه الشيءَ اللطيفَ، وله عيالٌ، كان إخراجُها مما يجحف

به، وقد يؤدي ذلك إلى أن يتكففَ من لم يكن ذلك من شأنه، وأُسقِطت في القول الثالث عن الفقيرِ لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" 1 فمفهوم هذا: أنها مواساةٌ ممن هو غنيٌّ لمن هو يتكففُ.
ولم يختلف المذهب في أنه ليس من شرطِ الغنيِّ أن يملكَ نصابًا، واخْتُلِفَ في صفةِ الفقيرِ الذي تحل له، فقيل: هو الذي تحلُّ له زكاةُ العينِ 2. وقال أبو مصعب: لا يُعْطَاها مَنْ أخرجها 3، ولا يُعطى فقيرٌ أكثرَ منْ زكاةِ إنسانٍ؛ وهو الصَّاعُ.
وهذا الظاهرُ منْ قوله: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، فكان القصدُ: غِنَاهُم ذلك اليوم، والقصدُ بما سواها من الزكواتِ ما يغنيه 4 عما يحتاج من النفقةِ والكسوةِ في المستقبلِ، وقد قيل: يُعْطَى ما يكونُ فيه كفافٌ لسنته؛ ولهذا قيل: إنه لا بأسَ أن يُعطى الزكاةَ منْ له نِصَابٌ لا كِفَايةَ فيه؛ ولا أعلمُهم يختلفونَ أنه لا يُعْطَى زكاةَ الفطرِ من يَمْلِكُ نِصَابًا.
واختلف هل تجب على من له عبدٌ، ولا شيءَ له سواه، أو يعطاها؟ فقال مالكٌ في المبسوطِ فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاةُ الفطرِ.
فرآه موسرًا بالعبد، وقال في موضعٍ آخر: لا شيءَ عليه، وقاله أشهب في مدونته، ورأى أنها مواساةٌ.
وسبيلُ المواساةِ: ألا يُكَلَّفها من هذه صفته ولا يُعْطَاها من له عبدٌ على قولِ أبي مصعب، ويُعطاها على القولِ الآخر.

واختلف هل تجب على من عليه دينٌ.
فقال أشهب في مدونته: عليه أن يؤدِّيها، ورآها كزكاةِ الحرث والماشية: أن الدين لا يسقطها، وقال: ليس يمنع الدينُ من الزكاةِ إلا زكاةَ العينِ.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يبدأ بأداء الدين، فإن فضلَ شيءٌ أدى منه الزكاة، وإن لم يفضل شيء سقطت عنه 1.

باب في الوقت الذي تجب به زكاة الفطر

اختلف في ذلك على أربعة أقوال: فقيل: تجبُ بغروبِ الشمسِ من آخرِ يومٍ من رمضانَ، وقيل: بطلوعِ الفجرِ من تلك الليلةِ، وقيل: بطلوع الشمس من يوم الفطر 1، وقيل: الأمرُ فيها مترقبٌ 2 في جميع ذلك اليوم، وبغروب الشمس من ذلك اليوم ينختم وجوبها.
وفائدة ذلك في ستة أسئلة: في الولادة، والموت، والإسلام، والبيع، والطلاق، والعتق.
فعلى القول: إنها تجب بغروب الشمس من آخر رمضان، تجب على من مات بعد الغروب، وتسقط عمن توالد، أو أسلم ذلك الوقت، وتكون في البيع على البائع دون المشتري، وفي الطلاق على الزوج دون الزوجة، وفي العتق على السيد دون العبد؛ إذا كان البيع والطلاق والعتق بعد غروب الشمس.
وعلى القول: إن المراعى: طلوع الفجر، تجب على من كان حيًا، أو باعَ أو طلَّقَ أو أعتقَ بعد طلوعِ الفجرِ، أو توالد أو أسلم قبل طلوع الفجر 3، وتسقط

عمن مات، أو طلق أو أعتق أو باع قبل، أو توالد أو أسلم بعد.
وتكون الزكاة على المشتري والزوجة والعبد، وكذلك على من قال: تجب بطلوع الشمس، يراعى فيمن كان قبل أو بعد حسب ما تقدم.
فأمَّا من 1 قال: إنها مترقبة في سائر ذلك اليوم، يراعى مثل ذلك في سائر ذلك اليوم 2، وجميع هذه الأقوال 3 مروية عن مالك؛ إلا القول بطلوع الشمس، فإنه عن بعض أصحابه 4. وأخذ أشهب وأصبغ بالقول الأول، وأخذ ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون بالقول الثاني، أنها تجبُ بطلوعِ الفجرِ 5، وأما 6 إيجابها بغروب الشمس من آخر يوم من 7 رمضان فلقول ابن عمر: "فَرَضَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ" 8 فأول الفطر: ذلك الوقت، ولأنه لا يخلو أن يكونَ المرادُ بها الشكر منا لإكمال عدة رمضان، أو لتعقب قربة الصوم

بقربة الصدقة.
وأي ذلك كان، فإن ذلك يجب 1 بغروب الشمس، وأما مراعاةُ طلوع الفجر فلأنه الوقت الذي يفطر فيه، وهو الذي كان بالأمسِ ممنوعًا من الأكلِ فيه، فيكون معنى الفطر من رمضان: أن يدخلَ في زمنٍ لم يكن يفطر فيه، وليس المرادُ غروب الشمس من تلك الليلة؛ لأن جملةَ ليالي رمضان موضع الفطر، وقد لزم هذا الاسم ذلك اليوم، فقيل: يوم الفطر، وإن كان يوم النحر مثله يُفطر ولا يُصام، وأما الاعتبار بطلوع الشمس فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، وهو أبينها.
ولو كان الوجه الشكر بإكمال الصوم أو بالدخول في الفطر لم يجب على من لم يتقدم له صوم من صغير أو مولود أو من أسلم قبل أن يصح منه صوم 2 أو مريض أو مسافر، وفي الإجماع على وجوبها على هؤلاء دليل على بطلان ما سواه، ووجه اعتبار جملة ذلك اليوم إلى الغروب فلأن وقتها موسع، ومتى أعطى فيه كان مؤديًا، ولا يكون قاضيًا إلا بغروبِ الشمسِ.
واخْتُلِفَ فيمن أسلم، فقال مالك في المدونة: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر استحب له أن يؤدي زكاة الفطر.
وقال في كتاب ابن حبيب: إن أسلم قبل طلوع الفجر من يوم الفطر وجبت عليه زكاة الفطر.
وقال

أشهب: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم آخر 1 من رمضان فلا أرى ذلك لازمًا له؛ لأنه لم يصم من رمضان شيئًا، ولم يكن من أهله، وإني لأستحب ذلك له 2. وهذا ينتقض عليه بالصغير والمريض 3 والمسافر.

باب (1) [زكاة فطر العبد المشترى]

واخْتُلِفَ فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، فقبضه فمر يوم الفطر وهو عنده، ثم رده بعد ذلك.
فقال ابن القاسم: زكاته على المشتري؛ لأنَّ ضمانه منه ونفقته عليه 2. وقال أشهب عند ابن حبيب 3: إنْ مَضَى يومُ الفطرِ بعد أن فاتَ 4 العبد كانت زكاة الفطر 5 عنه على المشتري، وإن لم يفت بشيء فالفطرة على البائع 6. وقال ابن الماجشون: إن فسخ بيعه ورد العبد إلى سيده قبل فوته كانت فطرته على سيده، وإن مضى يوم الفطر وهو عند المشتري؛ لأنه لم يكن بيعًا، وإن فات ولم يفسخ ففطرته على مشتريه، وإن لم يفت إلا بعد الفطر.
قال ابن حبيب: وكذلك لو بيع وبه عيب فَرُدَّ به أو لم يُرَدَّ فسبيله سبيل البيع الفاسد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وما بيع على خيار فمضى يوم الفطر وهو عند المشتري، ففطرته على البائع قولًا واحدًا، بخلاف البيع الفاسد، وإن قبله المشتري قبل غروب الشمس من آخر رمضان كانت فطرته عليه؛ ويختلف إن قبله بعد غروب الشمس، أو بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس حسب ما تقدم.1

جارٍ التحميل