التبصرة للخميصفحات 44-83

كتاب الطهارة

صفحات 44-83

النجاسات فيه، كثرت النجاس لكثرة الواردين على الماء وبخاصة ما كان قرب المدن، فيتغير لكثرة ما يحلّ فيه، وقد يظن أن ذلك لما جرت به العادة من التغير لطول المكث بالشمس وغيرها فكان الوجه منع 1 ذلك؛ لئلا يفسد ذلك على الناس فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء والاختلاف المتقدم في الماء القليل.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، كالآبار 2 الكبيرة، والمصانع العظيمة: فإنه لا ينجسها ما حل فيها إذا لم يتغير أحد أوصافه، واختلف إذا تغير ريح الماء خاصة؛ فقول مالك وغيره من أصحابه: إنه نجس 3. وقال عبد الملك: هو طاهر.
والقول الأول أبين.
وإن كانت الرائحة عن المجاورة دون الحلول لم ينجس، وليس حكم الرائحة على انفرادها حكم الجسم يحلّ في الماء، ولو كان ذلك لوجب على الإنسان غسل ثوبه إذا علقت به رائحة النجاس.
وكذلك روائح الطيب وغيرها إن كانت عما حل فيه من الطيب كان مضافًا، وإن كان عن مجاورة لم يضف، إلا ما كان من البخور؛ فإن له حكم المضاف لأن النار تصعد بأجزاء منه، ويوجد طعم ما يبخر به من المصطكى 4 وشبهها، ويرى عليه منها كالدهنية.
ولهذا قيل فيما طبخ بعظم الميتة: إنه لا يؤكل.
= وأصل الضغث الخلط.
انظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، للجُبِّي، ص: 17.

فصل [الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة]

والسادس: الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة، فإن تقدمت النجاسة ثم حل فيه ما أضافه مما هو طاهر كاللبن أو مياه الرياحين، كان الجواب فيه على ما تقدم أنه طاهر على المستحسن من المذهب.
وإن تقدمت الإضافة ثم حلت فيه نجاسة كان نجسًا، لأن المضاف والمائعات لا تدفع عن نفسها.
ويجري فيه 1 قول آخر: إنه طاهر مطهر قياسًا على قوله في "المجموعة" وما ذكر 2 في "السليمانية"، إلا أن تكون أجزاء ما أضافه 3 أكثر فلا يكون مطهرًا.
ويختلف في نجاسته إذا كانت النجاسة تافهة على ما قاله مالك في "العتبية" في الطعام أو في 4 الودك 5 تقع فيه النقطة من الخمر أو البول، قال: لا ينجس إلا أن يكون الطعام يسيرًا 6. وقال ابن نافع في جبابٍ تكون بالشام للزيت تقع فيها الفأرة: إنه طاهر.
قال: وليس الزيت كالماء، وكذلك سمعت.. قال: وسئل مالك عن جباب الزيت تقع فيه الفأرة- فكرهه 7. وإذا غسل ثوب أو عجن طعام بما حلّت فيه نجاسة، فإن تغير أحد أوصافه نجس الثوب وطرح الطعام، وإن لم يتغير أحد أوصافه وكان الماء

كثيرًا، كان طاهرًا ويؤكل الطعام ولا يغسل الثوب (1). وإن كان الماء قليلًا كالإناء يقع فيه اليسير من النجاسة، أو البئر القليلة الماء تقع فيه الفأرة أو الدجاجة ولم يتغير أحد أوصافه، كان الحكم في الطعام وغسل الثوب على الخلاف المتقدم في الوضوء بذلك الماء، فعلى القول الأول: يؤكل الطعام ويصلى بالثوب.
وعلى القول الآخر: يستحسن غسل الثوب.
وإن صلى به قبل غسله لم يعد، ويستحسن طرح الطعام إن كان يسيرًا، ولا يطرح إذا كان كثيرًا لأنه من إضاعة المال.
وعلى القول بأنه مشكوك فيه: يعيد الصلاة ما لم يخرج الوقت، ويطرح الطعام وإن أكثر، ولا يجبر على ذلك.
وعلى القول الآخر (2) أنه نجس: يعيد الصلاة وإن خرج الوقت إذا كان ذلك من مذهبه فصلى به وهو عالم، ويطرح الطعام وإن كثر جبرًا إذا كان ذلك من مذهبه.

فصل [في الوضوء بالماء المتوضَّأ به]

واختُلف في الماء الذي قد تُوضئ به، فقيل: يتوضأ به، وهو طاهر مطهر.
وهو قول ابن القاسم، إلا أنه يستحسن ألا يتوضأ به مع وجود غيره 3. وقيل: هو طاهر غير مطهر ولا يتوضأ به، ومن لم يجد سواه تيمم.
وهو قول مالك في "مختصر" ابن أبي زيد 4،...............12

وابن القاسم في كتاب ابن القصار 1، وأصبغ 2 في كتاب ابن حبيب.
وقيل: يتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة.
ذكره ابن القصار عن الشيخ أبي بكر الأبهري ورآه في معنى المشكوك في حكمه 3. والقول الأول أقيس؛ لأن الوضوء به لا يخرجه عن أن يسمى ماء، ولم يأت حديث ولا إجماع أنه لا يتوضأ 4 به إلا عبادة 5 واحدة, فوجب أن يكون على أصله، ويكره ذلك ابتداءً لأنه لا 6 يسلم من دهنية تخرج من الجسم فتخالطه.
= وسمع من ابن الأعرابي، وإبراهيم بن محمد بن المنذر، وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي، واستجاز ابن شعبان, والأبهري، والمروزي، وأخذ عنه من أهل القيروان أبو القاسم البراذعي صاحب التهذيب واللبيدي، وأبو عبد الله الخواص، وغيرهم، ومن الأندلسين أبو بكر بن موهب المقبري أوَّل شرَّاح الرسالة، وأبو عبد الله بن الحذاء وغيرهما.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 6/ 215، والديباج، لابن فرحون ص: 221، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 43، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 57، وفهرست ابن النديم، ص: 283، وفهرس مخطوطات خزانة القرويين: 1/ 588.

باب في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض

ومن "المدونة" قال مالك: كل ما وقع من خشاش الأرض 1 في إناء أو في 2 قدر 3 فإنه يتوضأ بالماء ويؤكل ما في القدر 4. ويحمل قوله على أنها أُخرجت من الماء والطعام بقرب ذلك، فإن طال مكثها حتى خرج منها شيء أو تفرقت أجزاؤها، فإنه يعود الجواب فيه إلى حكم ما حلّت فيه النجاسة، ويختلف في الماء القليل إذا لم يتغير أحد أوصافه ويطرح الطعام؛ لأنه قال في الجراد والحلزون 5 وما أشبه ذلك: لا يؤكل إلا بذكاة 6. وقال أبو محمد عبد الوهاب في "التلقين": كل ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والصرار وبنات وردان وشبه ذلك حكمه حكم دواب البحر؛ لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه منها 7. فعلى هذا يستعمل الماء ويؤكل الطعام، وكذلك إن طال مكث ذلك فيه وتفرقت أجزاؤه وتغير الطعام به، وإن تغير الماء كان طاهرًا غير مطهر.

فصل [في اللحوم والأطعمة تطبخ بالماء النجس]

واختلف عن مالك في اللحم يطبخ بماء نجس، فقال في "العتبية": يغسل ويؤكل 1. وقال عنه أشهب: لا يؤكل.
وهو أحسن؛ لأن اللحم يقبل ما طبخ فيه ويخالطه، ويوجد فيه طعم ما يطبخ به.
وكذلك الزيتون يطرح في ماء نجس، يختلف فيه حسب ما تقدم، وقال مالك في "المبسوط": إن سقطت فأرة في جرة زيتون طرح ما سقطت فيه 2. وإن طبخت بيضة بماء نجس لم تؤكل قياسًا على قوله هذا.
وقال ابن القاسم في البيضتين في إحداهما فرخ طبخا معًا: لا تؤكل السالمة 3، ورأى أن الفاسدة أنجست الماء بما خرج منها، ثم أنجس الماء السالمة بما وصل إليها منه.
وعلى أحد قولي مالك تؤكل السالمة.
وأرى أن يطرح الزيتون؛ لأنه يقبل ما عمل فيه، وتؤكل البيضة؛ لأنها لا تقبل، ومعلوم من الماء يطبخ فيه البيض أنه لا يتغير له لون ولا طعم، ويطبخ في الشيء المتغير اللون والطعم وما فيه أبزار 4 ثم يزال قشره فلا يوجد من ذلك التغير ولا من ذلك الطعم فيه شيء.
واختلف في الجراد يطبخ وفي بعضه ميت، فقال أشهب: لا يؤكل منه

شيء، وقال سحنون: يؤكل (1) بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر (2). وقول أشهب أحسن؛ لأن الجراد يخرج منه في حين الطبخ ما يغير الماء ويقبل الماء الذي يطبخ (3) فيه وهو يسقي (4) بعضه بعضًا بخلاف البيض.

فصل (5) في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب وغيرها، من الحيوان وذكر أعراقها وألبانها وأبوالها وأرواثها

ومن "المدونة": قال مالك: لا بأس بالوضوء بسؤر البغل والحمار 6، وإن أصاب غيره فهو وغيره سواء 7، ولا بأس بعَرَقِ البرذون والبغل والحمار.
وقال في "سماع ابن وهب" في الوضوء بفضل الحمار والبغل والفرس وغير ذلك من الدواب، فقال: غيره أحب إلي منه، وإن اضطر إنسان إلى ذلك فلا بأس به.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- سؤر بني آدم والحيوان كله -على اختلاف أجناسه- في أسآرها وأعراقها على الطهارة، كان مما يؤكل لحمه أم لا يؤكل، فإن أصاب ثوب رجل لم ينجسه.
وإن حلّ في طعام لم يفسده، يؤكل الطعام ويتوضأ بالماء ما لم يتغير أحد أوصافه أو يكون شيء من ذلك شأنه إصابة النجاسة ما خلا الكلب والخنزير فإنه اختلف في سؤرهما هل يتوقى شرعا أو12345

لا؛ لأنها تصيب النجاسة 1؟. وأبوال الحيوان وأرواثها على ثلاثة أوجه: طاهرة، ونجسة، ومختلف فيها، وهي في الجملة تابعة للحومها، فما كان منها محرمًا كان ما يكون 2 منها نجسًا، وما كان فيها يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم وسائر الوحش ما لم يكن ذا ناب من السباع- طاهرًا، أو ما كان مختلفًا في أكله كالخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع يختلف فيما يكون عنها؛ فعلى القول أنها محرمة يكون ذلك نجسًا، وعلى القول أنها مكروهة اللحمان، يتوقى ولا يقطع بنجاسته.
والألبان ثلاثة: حلال طاهر، وحرام نجس، ومختلف فيه هل هو حلال طاهر 3 أو حرام نجس؛ فلبن ما يؤكل لحمه تابع لِلُحمانها حلال 4 طاهر.
ولبن الخنزير تابع للحمه حرام نجس، ولبن بنات آدم مخالف للحومهن حلال طاهر؛ لأن تحريم لحومهن إكرام لهن، ولبن ما سوى ذلك كالأتن والسباع والكلاب وما أشبهها مختلف فيه، فقيل: تابع للحومها حرام، وقيل: مكروه وقيل: بخلاف لحومها هو حلال طاهر 5. وقال ابن وهب: قال مالك: إن أهل العلم لا يرون على ما أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم- شيئًا 6، وإن أصاب ثوبه فلا يغسله.
ويرون على من أصاب ثوبه شيء من أرواث الدواب: الخيل والبغال والحمير أن يغسله.

قال: والذي فرق بين ذلك أن تلك يشرب ألبانها وتؤكل لحومها، وأن هذه لا تؤكل لحومها ولا تشرب ألبانها، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صَلَّى فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ 1. وفي كتاب مسلم: قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ "نَعَمْ" 2. وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنهُ طَافَ عَلَى بَعِيره 3، فلو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يُدْخلها المسجد؛ لأنه لا يؤمن ما يكون منه في حين دخوله ولا طوافه عليه، فلا يجوز أن يعرض المسجد لنجاسة.
وأباح للعرنيين أَنْ يَشْرَبُوا أَبْوَالَ الإِبِلِ 4، فلو كانت نجسة لم يبحها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا شِفَاءَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ" 5،

فكل هذا دليل على طهارة ما يكون مما يؤكل لحمه.
وقال المغيرة 1 في "المجموعة" في لبن الأتن: إن صلى به أعاد ما دام في الوقت 2. وقاله يحيى بن يحيى 3................

في "العتبية" 1 وقال محمد 2: لا يعجبني ذلك، ولحوم بنات بني آدم محرمة وقد جعل لبنهن غذاءً للأبناء 3. وليس هذا بالبيّن؛ لأن تحريم لحوم بني 4 آدم إكرام لهم، ولحوم هذه رجس، إلا أن القياس أن يكون طاهرًا؛ لأن الحيوان في نفسه على الطهارة، وكذلك عرقه.
وإذا كان ذلك فحكم 5 الوعاء الذي فيه اللبن طاهر، فوجب أن يكون مثل عرقها وغيره، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّهُ رَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا وَأَجْرَاه 6، = 105، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 152، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 10/ 519.

والشأن في الخيل إذا أجريت أن تعرق، فلو كان عرقه نجسًا لَتوقّاه ولم يركبه على تلك الصفة.
وسؤر الجنب والحائض وأعراقهما طاهرة، واختلف قول مالك في سؤر شرب النصراني، فأجازه ومنعه (1). وسؤر شرب من يشرب الخمر من المسلمين مثله يختلف فيه.
ولا يتوضأ مما أدخل النصراني يده فيه (2)، وهو في ذلك بخلاف شربه؛ لأن الماء الذي يلقى نجاسة شفتيه في حين شربه يصير إلى فيه ويشربه.

فصل واختلف في الحيوان يصيب النجاسة

واختلف في الحيوان يصيب النجاسة هل ينقلها عن حكمها قبل أن تصيب تلك 3 النجاسة.
فقيل: هي على حكمها في الأصل في أسآرها وأعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها.
وقيل: ينقلها، وجميع ذلك نجس.
واختلف في عرق النصراني لما كان يشرب الخمر ويأكل الخنزير، وفي عرق السكران هل هو نجس أو طاهر، وفي أكل لحوم الجلّالة وألبانها، فقال مالك: تؤكل ولا بأس بها 4. وقال ابن حبيب: يكره ذلك.
ويختلف على هذا في لبن المرأة تشرب الخمر، وفي لبن 5 ما يأكل النجاسة،12

فقال ابن القاسم في جدي رضع خنزيرة: أحب إليّ أن لا يذبح حتى يذهب ما في جوفه، ولو ذبح مكانه أكل.
واستشهد على ذلك بالجلّالة 1. وقال في الطير تصاد بالخمر: يؤكل 2، وعلى القول في عرق السكران إنه نجس -لا يحل أكل شيء من ذلك كله حتى تذهب منفعة ما تغذى به من ذلك.
وقال مالك في أرواث ما يأكل النجاسة وأبوالها: إنه نجس 3. وجمعه في الجواب ما يكون من ذلك من بني آدم 4، وترجح فيه مرة، فذكر أشهب عنه في مدونته، فقيل له: أتعاد منه الصلاة؟ فقال: لا أدري.
ولأشهب في "النوادر": إنه طاهر 5، والقول الأول أحسن؛ فإن الجسم ينجس بما حلّ فيه من تلك النجاسة؛ لأنها تشيع فيه، والجسم لا يدفع عن نفسه، فأشبه مخالطة النجاسة المائعات.
وفي الترمذي والنسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نَهَى عَنْ لُحُومِ الجَلاَّلةِ وَألبَانِهَا" 6، وإذا نجس الجسم حرم أكله، وينجس اللبن بنجاسة الوعاء، وقد قال ابن القاسم في لبن الميتة: إنه نجس 7.

ويختلف على هذا في لحوم المواشي إذا شربت ماءً نجسًا قد تغيّر أحد أوصافه (1). واختلف في البقول تسقى بالنجاسة، إلا أن يبعد عهدها به.

فصل [وفي ولغ الكلب (2) في الآنية وسؤر الخنزير والهر]

ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 3، وفي كتاب مسلم قال: "فَليرقْهُ ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 4، وقال أيضًا: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 5. والجواب عن هذا الحديث من أربعة أوجه: أحدها: هل يجب استعماله؟ والثاني: إذا وجب استعماله هل يحمل الحديث على عمومه في جميع الكلاب، أو في بعضها، وهو ما لا يجوز اتخاذه؟.
والثالث: هل ذلك في جميع الأواني، أو على ما يكون فيه الماء دون الطعام؟ والرابع: هل يغسل تعبّدًا أو لأنه نجس؟.12

فقال مالك في "المدونة": قد جاء هذا الحديث وما أدري ما حقيقته.
وقال: إن كان يغسل ففي الماء وحده 1. فلم يعزم 2 على الأخذ به؛ لقوله: إن كان يغسل 3؛ لأن الحديث عنده معارض لظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]، وأنه يؤكل من غير غسل.
وقال أيضًا: يغسل.
وحمل الآية على أن المراد بها أن فعل الكلب ذكاة، وإن لم تدرك ذكاته، وغسل مواضع ذلك من الصيد معنىً آخر ليس هو المراد، مع أن المعلوم أنه لا بد من غسل تلك المواضع؛ لأن الكلب يدميها، فحمل الحديث على جميع الكلاب مرة، ومرة على ما لا يؤذن في اتخاذه, ومرة على بعض الأواني وهو الماء وحده، فقال في"المدونه": لا يطرح الطعام، وأراه عظيمًا أن يعمد إلى رزق من رزق الله تبارك وتعالى فيلقيه لكلب ولغ فيه 4!. ورى عنه ابن وهب أنه قال: يؤكل الطعام ويغسل الإناء 5 اتباعًا للحديث فجعل اغسله تعبدًا.
وقال سحنون: كل كلب لم يؤذن في اتخاذه نجس 6، وإن كان مأذونًا في اتخاذه فهو طاهر 7.

وقال عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إن شرب من اللبن وكان بدويًا أكل، وإن كان حضريًا طرح، وإن شرب من الماء طرح بدويًا كان أو حضريًا، فإن عجن به طعام طرح.
قال: لأنه نجس، وقال مطرف 1: البدوي والحضري سواء في اللبن، إن كان كثيرًا أكل، وإن كان قليلًا طرح.
يريد عبد الملك أنه أذن للبدوي في اتخاذه ولم يؤذن للحضري.
فعلى القول أن غسله تعبد، وأنه طاهر يتوضأ به عند عدم غيره، ويستحب له تركه مع وجود غيره.
وعلى القول الآخر: أنّه نجس يتيمم به ويدعه، فإن توضأ وصلى أعاد.
وحمل الحديث على جميع الكلاب وجميع الأواني أحسن؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص شيئًا دون غيره، بل حمله على ما يتخذ أولى؛ لأن ما لا يتخذ قد أمر بقتله 2 أو يصرف لمن يجوز له 3 اتخاذه.
ولا يغسل الإناء بما فيه من الماء للحديث "فليرقه"، ولا يجوز أن يحمل على الصحابة أنهم لم يمتثلوا أمره فيها في إهراقها.

واختلف في سؤر الخنزير، فقال مالك في "المختصر": لا يتوضأ به 1. وقال ابن القصار: روى عنه مطرف أنه قال: يغسل سبع مرات اعتبارًا بالكلب 2. وقيل: يغسل الإناء منه لأنه لا يتوقى النجاسات.
وهذا أحسن.
ولا بأس بسؤر السباع ما كان منها لا يفترس، أو كان يفترس إذا كان الماء كثيرًا، فإن كان قليلًا عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في الجلّالة وما يأكل النتن.
وقد اختلف في ذلك، فقال مرة: يتيمم ولا يتوضأ به.
وقال أيضًا: إن شرب من اللبن ما يأكل الجيف من الطير والسباع والدجاج، فإن تيقنت أن في منقاره أذىً لم يؤكل، وما لم تر في منقارها أذى فلا بأس به 3، وليس بمنزلة الماء؛ لأن الماء يطرح.
وهذا اختلاف قول؛ لأنه أباح الطعام مع كونه لا يدفع عن نفسه.
وطرح الماء على هذا القول على وجه الاستحسان، وعلى قوله في الماء أنه نجس ويتيمم يفسد الطعام.
وكذلك روى علي بن زياد عن مالك؛ أن الماء والطعام واحد 4. وسؤر الهر طاهر 5، وإن كان مما يفترس؛ لأن ذلك نادر، ويحمل على الغالب من عيشه، إلا أن يعلم أنه أصاب من ذلك شيئًا ثم شرب من الماء بفور ذلك، فيجتنب منه الوضوء، ويختلف في نجاسته إذا لم يتغير أحد أوصافه.
وقال علي بن زياد عن مالك: السباع كلها كالكلب إلا الهر إن لم

يكن 1 بخطمه أذى 2. وقال مالك: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة، قال: ويغسل بوله 3. فأما غسل ذلك، فهو على أحد القولين في كراهية أكلها.
ولا بأس بسؤر ما شربت منه أو أكلت؛ لأن محملها فيما تناله على أنه غير نجس حتى يعلم أنها أصابت نجاسة.

باب في آداب الأحداث

وينبغي لمن أراد الغائط أو البول أن يبعد عن الناس، وروى المغيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان إِذَا أَتَى 1 حَاجَتَهُ أبْعَدَ فِي المَذهبِ" 2. وروي عنه "أنه كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا كَمَا يَرْتَادُ مَنْزِلًا" 3. ومحمل الحديث "أنه - صلى الله عليه وسلم - أتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، 4: أن ذلك لضرورة؛ لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يغشاه الناس والوفود، ويقوم بأمر الأمة، فنزل به من ذلك ما يضر به الصبر إلى وصوله لبيته أو لا يستطيع إمساكه.
وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنه -: "مَنْ حَدَّثكمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلاَ تُصَدِّقُوهُ" 5. وهذا يؤيد أن ذلك كان مخالفًا لعادته لضرورة.
واستخف مالك أن يبول الرجل قائمًا إذا كان لا يتطاير عليه وكان مستترًا عن الناس 6.

ولا يرفع الرجل ثوبه للحدث حتى يدنو من الأرض، ولا يبول في مهواة ولا في الماء الراكد، وقد تقدم وجه ذلك، ولا بأس به في الماء الجاري، ولا يتكلم على طوفه 1. ويستحب أن يستعيذ بالله قبل التلبس بذلك 2 إذا كان في صحراء، وإن كان في الحاضرة فقبل دخوله الخلاء، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد دخول الخلاء قال: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ" 3. قال الخطابي: أهل الحديث يقرءون "الخبث" بإسكان الباء والصواب بضمها 4 جمع خبيث وهو الشيطان.
ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستنجي ولا يستجمر بيمينه.
واختلف إذا كان في شماله خاتم فيه اسم الله تعالى، هل يستنجي به وهو يزيده.
وألا يفعل أحسن، لحديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الجلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ ". ذكره الترمذي 5. وفي الصحيحين: "أنه نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه" 6. فإذا نزّهت

اليمن عن ذلك فذكر الله أعظم، وقد كره مالك أن تعطى الدراهم فيها اسم الله تعالى ليهودي أو نصراني (1)، فهو في هذا أولى.

فصل ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط

ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط إذا كان في الصحاري، واختلف عن مالك في ذلك في المدن، فأجازه في "المدونة" 2، وقال في "مختصر" ابن عبد الحكم: ذلك في الصحاري والسطوح التي يقدر على الانحراف فيها، فأما المراحيض 3 التي قد عملت على ذلك فلا بأس 4. فأمره في الحاضرة بالانحراف عن القبلة، إلا أن تكون أبنية فتكون ضرورة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لأن الأبنية قد تضيق ولا يمكن إلا على تلك الصفة 5. واختلف في تعليل الحديث فقال من نصر القول الأول: إن ذلك لحقّ من يصلي في الصحاري من الملائكة وغيرهم؛ لئلا ينكشف إليهم.1
= الوضوء في صحيحه, برقم (152)، ومسلم: 1/ 225، في باب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة، برقم (267).

واحتج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "ارْتَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ 1 فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى لَبِنَتْين لِحَاجَتِهِ مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ" 2. وقيلَ: إن ذلك لحرمة القبلة تعظيمًا لها وتشريفًا.
وهذا تستوي فيه الصحاري والمدن، وهو أحسن.
قال أبو أيوب: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ إِلَى القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ" 3. وعلى من أحب بناء ذلك أن يجعله لغير القبلة إلا أن لا يتسنى ذلك له؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لِبَوْل وَلا لِغَائِطٍ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" 4. فنص على القبلة ألا ينكشف إليها بقبل ولا دبر، ويلزم من قال النهي لأجل المصلين أن يجيز لمن جلس لحاجته أن ينكشف بقبله أو دبره للقبلة إذا سدل ثوبه لناحية المصلي هنالك، فيكون قد خالف نص الحديث، ولا يجوز الخروج عن النص على القبلة إلى المصلين إلا بنص أو دليل.
والاحتجاج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - غير صحيح لوجوه:

أحدها: أنه إذا نهى أمته عن شيء وفعله كان فعله مقصورا عليه، وكان الواجب على الناس امتثال ما أمروا به أو نهوا عنه من ذلك.
والثاني: أنه إذا ورد حديثان تعارضا، أحدهما نازلة في عين، والآخر مطلق لجميع الناس، وجب المصير إلى العام؛ لإمكان أن تكون لتلك النازلة علة أوجبت خروجها عن الأصل، وفعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك مرة كنازلة في عين.
والثالث: إذا كان مضمون أحد الحديثين يفتقر إلى توقيف والآخر لا يفتقر إلى ذلك وجب المصير إلى ما لا يفتقر إلى توقيف 1، وصفة جلوس الإنسان لا 2 تفتقر إلى توقيف ذلك، فالواجب الأخذ بما ورد من النهي في ذلك؛ لأنه نقل عن الأصل 3، وأوجب حكمًا.
والرابع: أنه إن كان فعله ذلك متقدمًا كان الحكم إلى الآخر، وإن كان متأخرًا فإنه يجب أن يبين لأمته - صلى الله عليه وسلم -. والخامس: أنه لا يختلف أن مجرد النهي لا يقتضي موضعًا مخصوصًا ولا يجوز أن يحمل أنه خصه بمثل هذا بما فعله في بيته ليطّلع عليه في تلك الحال، والواجب أن ينزه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ولا يحسن أن ينسب مثل ذلك إلى أحدنا، فكيف بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. والسادس: أنه ترك أمته على ما نهاهم عنه، ولا علم عنده هل علم ذلك منه أحد أو لا؛ وفي مسند البزار قال علي - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ القِبْلَةِ فَذَكر فَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِجْلالًا لهَا لمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَغْفِرَ

اللهُ لَهُ" 1. وقال ابن القاسم في الجماع مستقبل القبلة: لا بأس به.
قال: لأن مالكًا لم ير بأسًا بالمراحيض في المدائن وإن كانت مستقبلة القبلة 2. والجواب عن ذلك في المدائن والقرى؛ لأنه الغالب، والشأن في كون أهل الإنسان معه, وهذا إذا كانا منكشفين فيمنع في الصحاري، ويختلف في المدن.
وإن كانا مستترين جاز في الموضعين جميعًا.
وقال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلاَ يَتَجَرَّدْ تجرُّدَ العَيْرَيْنِ" 3.

باب في الاستنجاء والاستجمار

والاستنجاء من النجاسات: البول، والمذي 1، والودي 2، والغائط، ولا يستنجي من الريح، والقول: يُستنجى من هذه- توسعة ومجاز؛ لأن الاستنجاء إزالة النجو، والبول والودي ليس بنجو.
واختلف في زوال ذلك هل واجب أو سنة على الأصل في الاختلاف في أحوال 3 النجاسات، فمن صلى ولم يستنج ولم يستجمر أعاد أبدًا، على القول أن ذلك فرض، وما لم يذهب الوقت، على القول إنه سنة.
والاستنجاء يصح بشيئين: بالماء، والأحجار، فالماء لحديث أنس - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ الخَلاَءَ فَأَتْبَعُهُ بِإِدَاوَةٍ 4 مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ".
أخرجه البخاري ومسلم 5.

وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا 1 بِالمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُهُ" 2. والأحجار لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "آتى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَخَذَ الحجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا رِجْسٌ" 3. واختلف في الاستجمار مع وجود الماء فقيل: تجزئه صلاته 4، والاستحسان ألا يفعل.
قال مالك: وليغسل ما هنالك فيما يستقبل 5. وقال عبد الملك بن حبيب: لا يجوز ذلك 6. وقد ترك الاستجمار ورجع الأمر والعمل إلى الماء، ولا نبيح الفتوى بذلك، ولسنا نجيز اليوم الأحجار إلا لمن لم يجد الماء، وقال مالك: ترك ذلك وجرى الأمر بخلافه 7. وهذا هو الحق؛ لأن الأحاديث بالاستجمار إنما نقلت 8 عما كان في السفر، وقد يكون ذلك لعدم الماء، والأصل في زوال النجاسات الماء، والصلاة أولى ما احتيط لها.
= الوضوء في صحيح, برقم (151)، ومسلم: 1/ 227، في باب الاستنجاء بالماء من التبرز، من كتاب الطهارة، برقم (271).

فصل [فيما يراعى في الاستجمار]

يراعى في الاستجمار وجهان: الصنف الذي يستجمر به، والعدد الذي يقتصر عليه.
والأشياء التي يستجمر بها في الجواز والمنع على خمسة أقسام: فصنف يجوز الاستجمار به، وصنف يمنع الاستجمار به، واختلف في الإجزاء إذا نزل، وثلاثة مختلف فيها في الجواز وفي الإجزاء إذا نزل.
فالأول: الأرض على اختلاف أنو اعها من صخر أو مدر وكبريت وزرنيخ وغير ذلك.
فهذا يجوز الاستجمار به.
والثاني: ما كان استعماله في ذلك سرفًا، كالذهب والفضة والجوهر والياقوت، وما له حرمة كالطعام والملح فلا يستجمر به.
واختلف إذا نزل، فقيل: لمجزئ؛ لأن المراد زوال النجاسة وقد أزالها، وإن كان متعديًا فيما فعل به.
وقيل: لا تجزئه؛ لأن الصنف الذي أمر به غير ذلك.
والثالث: العود والخرق والفحم وما أشبه ذلك مما هو طاهر ولا حرمة له، ولا يتعلق به حق وليس من أنول الأرض، فروى ابن وهب عن مالك إجازته، ومنعه أصبغ وقال: إن فعل أعاد في الوقت.
يريد: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل الأحجار؛ ولأن للأرض تعلقًا بالطهارة وهو التيمم.
والرابع: ما كان طاهرًا وليست له حرمة ويتعلق به حق الغير، وهو العظم والبعر.

والخامس: ما كان من النجاسة جامدًا روثًا أو غيره واختلف في ذلك عن 1 مالك، فروى ابن وهب عنه في سماعه أنه قال: ما سمعت فيه بنهي 2 عام، وقد سمعته هكذا ولا أرى به بأسًا 3 وكرهه في سماع ابن القاسم 4. والقول في جواز ذلك بالعود والخرق أحسن؛ لأن المراد إزلة النجاسة، وما روي في الأحجار فلأنها أوجد وأيسر.
ولا يجوز بالروث لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - 5. ولا بالعظم والبعر 6 لحديث جابر - رضي الله عنه -: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يمْسَحَ بِهِمَا" 7، فإن فعل أجزأ؛ لأنه قد أنقى.
واختلف في العدد الذي يُكتفَى به، فقيل: إن أنقى بحجر واحد أجزأ، وقيل: لا يكتفى بدون ثلاثة آخرهن نقية 8. وهو أحسن لحديث سلمان - رضي الله عنه - وفي بعض الأمهات أن جابرًا 9 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَسْتَنْجِي 10 أَحَدُكُمْ بِدُور ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" أخرجه مسلم 11. ولأنه موضع غير مرئي، ويمكن أن تلقى يده أول مرة غير الموضع الذي

فيه الأذى.
وإنما اقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على حجرين 1 لعدم الثالث، وهذه ضرورة.
ويمكن أن يكون استعمل من أحد الحجرين رأسيها، وإذا لم يقع الإنقاء إلا بأربع تمادى إلى خمس، وإن أنقى بستة تمادى إلى سبع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" 2.

باب في الأسباب التي تنقض الطهارة

ينقض الطهارة الصغرى ثلاثة: أحدها: ما يخرج من أحد السبيلين، كالبول، والمذي، والودي، والربح، والغائط 1. والثاني: النوم وما في معناه مما يذهب العقل، كالجنون، والإغماء 2، والسكر.
والثالث: اللذة إذا قارنها مس من قبلة أو ملامسة أو مباشرة, أو مس ذكر.
والأصل في الغائط قول الله -عز وجل-: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6].
وفي الريح حديث عباد 3 بن تميم عن عمه قال: شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لاَ يَنْفَتِلْ -أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ- حَتَى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" 4. وفي المذي حديث المقداد - رضي الله عنه - سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يدنو من امرأته

فيمذي، قال: "مِنْهُ الوُضُوءُ" (1). أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة.
يريد أنه فرض بالسنة بما تلقته الأمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينزل فيه قرآن يتلى.
وقيل: هو فرض بالقرآن وداخل في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]؛ لأن من ذهب إلى الغائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- تكون منه هذه الأحداث الثلاثة.
وهذا غير صحيح لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والربح، وإذا كان ذلك كان الصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هنالك.
والثاني: أن هذين لم تسمهما العرب الغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما، ولذلك سموه نجوًا؛ لأنهم كانوا يستترون لذلك بالنجوة، وهو المكان المرتفع من الأرض، ولم يسموا البول والريح نجوًا.
والثالث: أنه إذا كان الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض إنما يقصد لغير البول والربح، كان المقصود بالآية ما كان يؤتى ذلك المكان له، وإن كان يكون في خلال ذلك غيره.

فصل الخلاف في الوضوء من مسِّ الذَّكَر

اختلفت الأحاديث في الوضوء من مس الذكر، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" 2، وروي عنه أنه سُئل عن الرجلِ1

يَمَس ذكره في الصلاة فقال: "وَهَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ " 1. واختلف عن 2 مالك في ذلك، فأخذ مرة بالحديث الأول وقال: منه الوضوء 3، ومرة بالحديث الآخر 4. وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة 5. واختلف فيه عن ابن القاسم أيضًا فقال: منه الوضوء، وروى عنه سحنون أنه قال: إعادة الوضوء منه ضعيف 6. واختلف -بعد القول إن منه الوضوء- في صفة المس الذي يكون منه الوضوء، فالمتفق عليه من ذلك إذا مسه بباطن الكف من غير حائل ذاكرًا غير ناس ووجد اللذة.
واختلف إذا مسه بباطن الأصابع من غير حائل، أو بباطن الكف بحائل ثوب = (89)، والنسائي في المجتبى: 1/ 100، في باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة, برقم (163)، وابن حبان: 3/ 396، في باب نواقض الوضوء، من كتاب الطهارة في صحيحه، برقم (1112).

أو غيره 1 ناسيًا أو عامدًا ولم يجد لذة، أو بظهر اليد أو الذراع ووجد اللذة.
فقال ابن القاسم في "المدونة": باطن الأصابع كباطن الكف 2. وقال أشهب في سماعه عن مالك: سئل مالك إذا مسّه بباطن الأصابع فقال: الذي يأخذ بنفسي 3 إذا مسّه بباطن الكف.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا مسّه على غلالة خفيفة فلا وضوء 4. وقال في مس ذكره في غسله من الجنابة: يعيد وضوءه 5. وروى عنه ابن وهب أنه إذا مسه ناسيًا فلا شيء عليه 6، ويختلف إذا كان عامدًا ولم يجد اللذة قياسًا على من لامس امرأته ولم يجد اللذة، وقال: إذا مسه بظهر الكف أو الذراع فلا شيء عليه، وقيل: عليه الوضوء إذا وجد اللذة؛ قياسًا على ملامسة النساء.
وهو أقيس؛ لأنه متى وجد اللذة كان عليه الوضوء، وإن كان ناسيًا أو عن حائل أو بظهر الكف، وإن لم يجد اللذة فلا شيء عليه على أي وجه كان مسه.
واختلف إذا صلى ولم يعد الوضوء، فقال مالك في "المجموعة": لا أوجب الإعادة.
فروجع فقال: إن كان في الوقت وإلا فلا 7.

وهذا مثل قوله: الوضوء منه حسن وليس بسنة 1. وقال ابن القاسم: لا يعيد في وقت ولا غيره 2. وهذا مثل قوله قبل: إن إعادة الوضوء منه ضعيف.
وقال ابن نافع: يعيد في الوقت وبعده.
وقال ابن حبيب: إن كان عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت 3. وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبّل للذة: يعيد وإن خرج الوقت، وإن طال وجاوز اليومين والثلاثة فلا إعادة عليه 4. واختلف في مس المرأة فرجها، فقال مالك: لا وضوء عليها 5. وإنما سمعت في مس الرجل ذكره.
وروى عنه ابن أبي أويس 6: أن عليها الوضوء إذا ألطفت 7.

قال الشيخ -رحمه الله-: أما مس الظاهر منه فلا شيء عليها فيه، وهو كالعانة للرجل، وإن مست موضعًا تجد منه اللذة أو وجدتها توضأت، وإلا فلا شيء عليها.

فصل في أقسام النوم الأربعة

النوم أربعة: خفيف قريب لا وضوء 1 فيه، وخفيف طويل يستحب الوضوء منه, وثقيل طويل يجب الوضوء منه، وثقيل قريب اختلف فيه، فقيل: لا ينقض الطهارة؛ لأن النوم ليس بحدث، وإنما هو سبب له، والغالب في القرب السلامة من ذلك، وذكر أبو الفرج عن ابن القاسم أنه قال: هو حدث.
قال أبو الفرج: وهذا الصواب؛ قياسًا على المغمى عليه؛ إذْ لم يشترطوا فيه تصرف أحواله.
وهو قول أبي هريرة: "مَنِ اسْتَحَقَّ نَوْمًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ" 2. وقاله ربيعة 3 وابن أبي سلمة 4.

فأما على القول إنه سبب للحدث فإنه تراعى 1 الحالة التي كان عليها النوم، وهي ثمانية: قائم، وراكع، وساجد، وجالس غير مستند، ومستند 2 ومحتبٍ، ومضطجع، وراكب.
فقال ابن حبيب: إن كان قائمًا أو راكبًا أو راكعًا أو جالسًا غير مستند، كان على طهارته؛ لأن القائم والراكب والراكع لا يثبتون 3. وإن كان ساجدًا أو جالسًا مستندًا أو مضطجعًا، فعليه الوضوء إذا خالط النوم قلبه وذهب عقله ولم يدر ما فعل.
وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار: من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا فعليه الوضوء 4. وسوّى بين هذه الوجوه؛ وهذا يصح على القول 5 أن النوم حدث؛ لأن القائم 6 لا يصح منه اجتماع الاستثقال والطول، وليس الغالب أيضًا في تلك الحالة تصرف ذلك وخروجه.
وللمحتبي ثلاث حالات: فإن استيقظ وحبوته بحالها فهو على طهارته، وذلك دليل على أنه لم تستغرقه آفة النوم.
فإن استيقظ لانحلالها كان على أحد القولين: أن النوم حدث في نفسه- تنتقض طهارته، وعلى القول الآخر: هو على طهارته, وكذلك إذا انحلت ولم يشعر ولم يطل، فإن طال وكان مستندًا انتقضت طهارته.
ومثله إذا كانت بيده مروحة، فإن لم تسقط من يده كان على طهارته، بن استيقظ لسقوطها كان على

القولين، إلا أن يطول وهو غير مستند.

الخلاف في الإغماء والجنون

ويختلف في المغمى عليه والمجنون، فقال مالك: عليه الوضوء.
وقال ابن القاسم: لو خنق قائمًا أو قاعدًا كان عليه الوضوء (1). وهذا موافق لما ذكر عنه أولًا أن النوم حدث.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الجنون والإغماء: إنها أسباب للحدث (2). فعلى هذا لا يجب على من خنق قائمًا وضوء، وكذلك إذا خنق قاعدًا بحضرة قوم ولم يظهر لهم منه شيء.
وفي سماع ابن وهب: قال مالك في الرجل يصاب حتى يذهب عقله هو بمنزلة النائم لا يدري ما هو فيه، فعليه الوضوء.
وفي كتاب مسلم: قال أنس: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" (3). وفي هذا بيان أنهم لم يكونوا يرون أن النوم حدث في نفسه.

فصل رفض الأفعال والخلاف في الرِّدة والمتكرر من الحدث

وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن تصنع للنوم ثم لم ينم:123

إنه يتوضأ.
وقال أيضًا في كتاب آخر فيمن كان في سفر فقدم سفرته ليفطر، ثم علم أنه لا ماء معه فلم يفطر: أستحب له القضاء 1. ولا أرى على أحد من هذين شيئًا، لأن هذا إنما نوى أن يفطر بالأكل فلم يفعل، وأراد الآخر أن ينقض طهارته بالنوم فلم ينم، ولو وجب انتقاض الطهارة لهذا لوجب على من أراد أن يصيب أهله فلم يفعل الغسل.
ورفض الأفعال على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يرفض ذلك العمل وهو فيه لم يتمه.
والثاني: أن يرفضه بعد تمامه ولم يبق فيه حق يتعلق به.
والثالث: أن يتعلق به حق في المستقبل.
فإن كان في صلاة أو في صوم ونوى رفضه ثم أتمّه ليس على القربة لله سبحانه لم يجزه، وإن أتمّه على نيّة القربة لله إلا أنّه قال: أجعل ذلك تطوعًا، ثم أقضيه وكان في إحدى الصلوات الخمس، أجزأه ويقضيه استحسانًا.
وإن نوى رفض ذلك بعد الفراغ منه، كان فيه قولان: وجوب القضاء، ونفيه.
والقياس أنه لا يرتفض على أحد أمرين: إما أن يريد رفض العمل الماضي أو رفض ثوابه، فإن أراد رفض نفس العمل لم يصح؛ لأن ذلك مما يستحيل رفضه بعد انقضائه، وإن أراد رفض ثوابه كان الأمر فيه إلى الله سبحانه إن شاء أثبت له ثوابه وإن شاء لم يثبته.
وسقوط الثواب لا يوجب عليه قضاءً؛ لأن القضاء فرض ثان يحتاج إلى أمر ثان.

والثالث: الوضوء ينوي رفضه بعد تمامه، فهو في معنى الصلاة؛ لأنه فعل مضى ومخالف لها؛ لأنه قد بقي عليه أن يؤدي به طاعة.
وقد اختلف فيه أيضًا هل يرتفض أو لا؟ والرفض ها هنا أشكل من الصلاة؛ لأن له أن يخرج منه بالحدث، وإذا كان ذلك ونوى أنه يبقى على غير (1) تلك القربة استحب له أن يستأنف الوضوء، ويختلف على هذا إذا نوى رفض اغتساله من الجنابة، هل يجب عليه أن يستأنف؟ واختلف في الارتداد هل ينقض الطهارة.

فصل غَسْل الذَّكَر من المذى

وقال مالك في المذي إذا كان من سلس من إبردة 2 أو ما أشبه ذلك قد استنكحه 3 ودام به، فلا وضوء عليه، وإن كان من طول عزبة إذا تذكر خرج منه، أو كان إنما يجده المرة بعد المرة، فإنه يغسل ما به ثم يعيد الوضوء 4. فأوجب الوضوء إذا كان من عزبة أو من غير عزبة ولم يتكرر، وأسقط الوضوء منه إذا تكرر.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: من سلس مذيه لطول عزبة 5 يمكنه رفعها1

بتسرٍّ أو النكاح فعليه الوضوء لكل صلاة 1. والصواب أن يتوضأ لكل صلاة وإن لم يمكنه رفعها؛ لأن خروج ذلك على وجه المعتاد ينقض الطهارة قولًا واحدًا.
ويجب الوضوء من الأحداث الثلاثة: البول، والربح، والغائط إذا كان خروجه على إرادة أو غلبة من غير إرادة ولم يتكرر.
واختلف عن مالك إذا تكرر على ثلاثة أقوال: فقال مرة: لا وضوء عليه.
وقال أيضًا: لا شيء عليه إذ كان في زمن يشتد عليه الوضوء فيه.
وقال أيضًا في سلس البول 2: يتوضأ لكل صلاة، وإن كان الشتاء واشتد عليه الوضوء، وقرن بين الصلاتين، لم أر بذلك بأسًا 3. وهذا هو الصواب لأنه منتقض الطهارة في جميع هذه الوجوه، فإن كان في زمن لا يشتد عليه فيه 4 الوضوء كان على الأصل في وجوب الطهارة.
ويختلف فيه إذا كان في زمن يشق 5 ذلك عليه، هل تكلفه الطهارة حينئذ حرج فتسقط عنه، أو لا حرج فيه؟ وقول مالك: إنه يجمع بين الصلاتين فيصلي الظهر والعصر في آخر وقتهما، والمغرب والعشاء في أول وقتهما حسن، فيكون قد أدى الصلاة بطهارة، ولا حرج في ذلك ولا ضرورة تدعو إلى إيقاع الصلاة في غير هذين

جارٍ التحميل