التبصرة للخميصفحات 2479-2519

كتاب إرخاء الستور

صفحات 2479-2519

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبة وسلم

كتاب إرخاء الستور

باب في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر وقبله في النكاح والغصب

وإذا خلا الزوج بزوجته ثم طلقها، فإنهما لا يخلوان من أربعة أحوال 1: إما أن يتصادقا على المسيس، أو على نفيه، أو يختلفا فيه 2، فتدعي ذلك وينكره، أو يدعيه وتنكره 3. ويتعلق بالمسألة ثلاثة حقوق: حق لها، وحق له، وحق لله سبحانه، فحقوقها أربعة: إكمال الصداق، والسُّكنى، والنفقة، والإحلال.
وحقوقه ثلاثة: الرَّجْعَة، وقبول قوله في دفع الصداق، وفي سقوط نصفه.
وحقوق الله تعالى العدة والإحصان والإحلال.
فالإحلال حق الله تعالى، لنهيه عن الرجوع إلى الأول حتى تنكح زوجًا غيره، وحق لها إن ادعت ذلك؛ لأنها ممنوعة قبله من الأول.

فصل [فيما يُستحق به الصداق]

فأما الصداق فيُستحق إذا تصادقا على المسيس، ويستحق إذا انفردت بدعوى الإصابة، وذلك بشرطين: أن تكون ثَيِّبًا، والخلوة خلوة البناء، ولا خلاف في هذا القسم، واختلف في خمس مسائل: أحدها: إذا كانت بكرًا، هل تصدق أو ينظر إليها النساء؟ والثاني: إذا كانت خلوة زيارة وهي بكر أو ثيب.
والثالث: إذا اعترف بالإصابة وأنكرت.
والرابع: إذا تصادقا على نفي المسيس، وهي سفيهة أو صغيرة أو أَمَةٌ.
والخامس: إذا باشر ثم عجز عن الإصابة.
فأما البكر فقال مالك مرة 1: هي كالثيب يقبل قولها إذا كانت خلوة بناء 2. وروى عنه ابن وهب، وإسماعيل بن أبي أويس: أنه قال: لا تصدق 3 وينظر إليها النساء، فإن كانت بكرًا صدق عليها، وإن رأين أثر افتضاض صُدقت 4. وهو أحسن؛ لأن وجود البكارة دليل له، وعدمها دليل لها.
واختلف عنه إذا كانت خلوة زيارة على أربعة أقوال: فقال مالك 5 في المدونة: إن كانت الخلوة عند أهلها صُدِّق، وإن كانت عنده صُدِّقَت 6.

وقال في كتاب محمد: القول قولها حيث ما أخذهما الغلق (1). وقال فضل: قال (2) عيسى بن دينار: القول قوله مع يمينه في خلوة الزيارة حيث كانت، في أهله أو في (3) أهلها.
والرابع: يُقبل قولها إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا نظر إليها النساء، وبه أخذ في البكر، وإن كانت ثيبًا كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه يدعي استصحاب ما كانت الخلوة له؛ لأن الاجتماع لم يكن لتَسْلَم هي، ولا ليقبض (4) هو، فمن ادعى خلاف (5) ما كانت الخلوة له لم يصدق، إلا أن تكون الخلوة عندهم (6) ليصيب فيقبل قولها، أو تكون بكرًا فينظر إليها النساء.

فصل [فيما يلزم الزوج في اعترافه بالمسيس]

وإن اعترف بالمسيس وأنكرت كان قد أقر لها بالصداق، فإن كانت ثيبًا كانت بالخيار في أخذه أو تركه، ومن حق الزوج ألا تأخذه إلا أن تعترف بالإصابة لحقه في الولد وغير ذلك.
واختلف في البكر، فقال عبد الملك وأصبغ في ثمانية أبي زيد: هي كالثيب، وهي بالخيار أو وليها.
وقال مطرف: لا خيار لها، وعلى وليها قبض ذلك، وهو أحسن إذا كانت خلوة بناء 7.123456

وإن كانت خلوة 1 زيارة لم تأخذه إلا أن تصدقه لاتفاق عبد الملك ومطرف على سقوط العدة في خلوة الزيارة، وإن ادعى الإصابة.
وبسقوط العدة احتج عبد الملك؛ لأنه 2 يستحيل أن تكون صادقة كاذبة في حال واحدة، فتكذب 3 في أنه لم يصب وتعطي الصداق، وتصدق 4 في أنه لم يصب وتتزوج بالحضرة من غير عدة.
ومن حق الزوج ألا يؤخذ منه الصداق إلا أن تصدقه فتحبس عن الأزواج لحقه في الولد، وعلى القول الآخر: ينظر إليها النساء 5، فإن كانت قائمة العذرة 6 صُدِّقت ولم تمنع الأزواج ولم يكمل 7 لها الصداق، وحمل قول الزوج على الضرر بها ليمنعها 8 الأزواج، أو ليملك الرجعة.
وإن كانت ذاهبة العذرة صُدِّق وأكمل لها 9 الصداق، ومنعت الأزواج حتى تعتد، ويلزم مَن أسقط العدة في خلوة الزيارة في بيته -إذا قالت: لم يُصب، وأقر هو بالإصابة- أن يقبل قوله إذا قال: لم أصب، وإن ادعت ذلك؛ لأن الوجه 10 عندهما في سقوط العدة أن الخلوة لم تكن لتسلم نفسها، فكذلك

هو يقبل قوله؛ لأنه لم يدخل على قبض المبيع، فإن قيل: إنما قبل قولها إن ادعت الإصابة؛ لأنه الغالب.
قيل: فكذلك يقبل قوله إذا ادعى الإصابة، فتحبس عن الأزواج ويملك الزوج (1) الرَّجعة، بل قوله أرجح؛ لأنه مقر على نفسه أنه فعل ما الغالب أنه يفعله، فكان إقراره أقوى من دعوى غيره عليه، فإذا لم يصدق هو في الرجعة لم تصدق هي عليه ولم يكمل لها صداق.

فصل [في دعوى عدم الإصابة، ومتى تصدق؟]

وإن تصادقا على أنه لم يصب صُدِّقت إذا كانت حرة رشيدة، وسواء كانت خلوة زيارة أو خلوة 2 بناء، وتصدق إذا كانت سفيهة، أو صغيرة، أو أَمَة والخلوة خلوة زيارة 3. واختلف إذا كانت خلوة بناء، فقيل: تصدق ولها نصف الصداق 4. وذكر عن سحنون أنه قال: لا تُصَدَّق؛ لأنها تسقط ما وجب لها 5. والمسألة على أربعة أوجه: فإن كانت بكرًا صدقت إذا كانت على البكارة، ولم تصدق إن كان أثر افتضاض.
وإن كانت ثيبًا وأطال المكث لم تصدق، إلا أن يثبت أنه عجز، وإن لم يطل مكثه وقرب وأشكل الأمر صُدِّقت؛ لأن الستر 6 شاهد مع الدعوى.1

فصل [في ثبوت عجزه عن الإصابة]

واختلف إذا عجز عن الإصابة على أربعة أقوال: فقال مالك في المدونة: لها النصف إلا أن يطول مقامه واستمتاعه بها، وتمر لها سنة كامرأة العِنِّين 1. وقال مالك في كتاب محمد في العِنِّين: إن ضُرِبَ له 2 الأجل بقرب الدخول، فلها النصف، وإن طال مكثه قبل ضرب الأجل فلها الجميع 3. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لها النصف وإن طال مقامه معها 4. وذكر ابن القَصَّار عن مالك أنه قال: لها الجميع إذا عجز وإن لم يطل مقامه معها 5. قال: وهو قول عمر وعلي وزيد بن ثابت، ومعاذ، والزهري، والأوزاعي، وقال عمر - رضي الله عنه -: "ما ذَنبُهُنَّ إنْ جاءَ العَجْزُ مِن قِبَلِكُمْ" 6. وأرى لها النصف، وتعاض من تمتعه بها، والذي يقتضيه القرآن أن لها النصف إن طلقت قبل المسيس، والجميع إن طلق بعد المسيس الذي هو الجماع، فإذا كشفها واطلع عليها 7 واستمتع، كان ذلك وجهًا ثالثًا 8 فوق ما

تستحق به النصف، ودون ما تستحق به الجميع، فلها أن تأخذ العوض عنه.
فإن كان الصداق عبدًا، أو ثوبًا، استحقت نصفه بالعقد، وزيدت لمكان الاستمتاع بها 1، وإن هلك عندها لم ترد 2 شيئًا، وإن كان شوارًا أو دنانير فاشترت بها شوارًا، كان لها نصفه، وزيدت لمكان الاستمتاع إن كان قائمًا، وإنانتفع به فانتقص لذلك وبقي منه قدر النصف لم يرجع هو فيه بشيء، فكذلك إن بقي منه زائدًا على النصف بقدر ما يرى أنه يجب لمكان الاستمتاع.
وقال مالك في كتاب المدنيين: إذا طال مكثه وأخلقت ثيابها ومضى 3 الصبغ، ورثَّ المتاع 4، كان لها الجميع؛ لأنها إن صُرفت 5 إلى نصف ما بقي لم يكن فيه وفاء بالنصف لما أخلق زوجها من ذلك مع الذي كشف منها واطلع عليه 6. يريد، أنه لو طلق قبل أن يصير إليها كان لها 7 النصف موفرًا، فلما بنى بها استهلكته في طيب وفيما كانت في غنىً عنه، وانتفع هو به في غطاء ووطاء، فخلُق بانتفاعه معها فلو جعل لها نصفه رجعت عليه بقدر ما أتلف من ذلك النصف، ولتعوض باستمتاعه 8 بها، فجعل متاركتها 9 في ذلك صلاحًا.

فصل [في استحقاق الصداق في النكاح الفاسد]

النكاح الفاسد كالصحيح (1) فيما يستحق به الصداق من الخلوة والدَّعوى، إن ادعت ذلك، وأنكره (2) أو ادعى الإصابة وأنكرته، وكذلك إن كان العقد صحيحًا والإصابة فاسدة، أصابها وهي حائض، أو صائمة في رمضان، أو معتكفة، أو محرمة، أو ادعت أنه أصابها في ذلك وأنكرها، فقال في المدونة: القول قولها إذا كانت خلوة بناء (3). يريد: إذا كان ممن يُشبهه ذلك، وأما الرجل الصالح والمعروف بالخير فلا تصدق عليه في نهار رمضان ولا في الحيض إن اعترفت أنه علم بحيضتها قبل ذلك؛ لأنها ادعت ما لا يشبه، وإن كانت خلوة زيارة كان أبعد، إلا أن تكون بكرًا وُيرى أثر الافتضاض، فتصدّق من غير مراعاة لحال الرجل ولا لصفة الخلوة.

فصل [في الوطء الذي يجب به الصداق]

الصداق يُستحق بالوطء في القُبُل، واختلف إذا كانت الإصابة في الدُّبُر، هل تستحق به الصداق 4؟ وفيه نظر، وهو في البكر أبعد؛ لأن البكر يزاد في صداقها لمكان البكارة، فالقول قوله أنه لم يرض بذلك عوضًا عما بذل له من 5123

الصداق، ولا يقع به إحلال ولا إحصان، ولا يملك به رجعة، وإن أصابها بأصبعه وكانت ثيبًا لم تستحق به صداقًا.
واختلف في البكر يُذهب عذرتها بأصبعه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يكمل لها الصداق؛ لأنه فعله على وجه الافتضاض، ولها على الأجنبي في ذلك ما شانها، وقال أصبغ في الزوج: عليه ما شانها (1). وهو أحسن؛ لأنَّ فاعل ذلك يفعله سببًا ليتوصل إلى الاستمتاع عند العجز ليس أن يحسب (2) به إصابة، إلا أن يرى أنها لا تتزوج بعد ذلك إلا بما تتزوج به الثيب، فيكمل لها الصداق.
واختلف في المجبوب والحصور وما أشبه ذلك ممن لا يصل إلى الجماع، فقال المغيرة: إذا طالت المدة استحقت الصداق.
وقال (3): يكمل لها الصداق (4) وإن لم يطل، وهو قياد قول عمر - رضي الله عنه -: إذا عجز (5)، بل هو في هذا أبين.

فصل [في اختلاف الزوجين في دفع الصداق]

وإن اختلف الزوجان في دفع الصداق كان القول فيه مبنيًّا على صفة الدخول خاصة دون مراعاة المسيس، فإن كان دخول اهتداء كان القول قول الزوج مع يمينه أنه دفعه، وسواء تصادقا على المسيس أو على نفيه، ويرجع عليها بنصفه إن لم يمس؛ لأن الشأن ألا تكون تلك الخلوة إلا بعد دفع12345

الصداق، وإن كانت خلوة (1) زيارة وتصادقا على نفي المسيس، كان القول قولها مع يمينها أنه لم يدفع ذلك إليها، وغرم النصف، فإن نكلت حلف ورجع عليها بالنصف.
واختلف إذا تصادقا على المسيس وادعى الدفع، فقال مالك في كتاب محمد: القول قولها مع يمينها وتأخذ الجميع، وقال أصبغ: القول قول الزوج (2). والأول أصوب، وليس خلوة الزيارة في هذا كخلوة البناء؛ لأن العادة في خلوة البناء أنها لا تكون إلا بعد دفع الصداق، والعادة في خلوة الزيارة أنها تكون قبل القبض، فلم يقبل قوله.
وإن اختلفا في الدفع والإصابة، فادعى الدفع وادعت الإصابة وهو دخول اهتداء، حلفا جميعًا ولم يرجع أحدهما على الآخر.
وإن كانت خلوة زيارة في بيته كان القول قولها عند مالك في الوجهين جميعًا، أنه أصاب وأنها لم تقبض، وإن كانت عند أهلها كان القول قوله في نفي الإصابة، والقول قولها في الصداق أنَّها لم تقبضه وتأخذ النصف (3).

فصل [في وجوب العدة]

العدة تجب في ثلاثة مواضع متفق عليها، واختلف في حالين، فتجب في خلوة البناء تصادقا على المسيس أو على نفيه، وفي خلوة الزيارة أيضًا 4 إذا123

تصادقا على المسيس أو اعترفت هي بذلك وأنكر (1). واختلف إذا كانت خلوة زيارة وتصادقا على نفي المسيس أو ادعى ذلك وأنكرته، فقال مالك وابن القاسم: عليها العدة للخلوة (2)، وقال مطرف وعبد الملك في ثمانية أبي زيد: لا عدة عليها.
وهو أبين؛ لأن الخلوة لم تكن ليصيب، وإذا كان ذلك حُمِلا على ما دَخَلا عليه حتى يَظْهَرَ خلافُهُ.
وأرى العدة إذا تصادقا على نفي الإصابة (3) مستحبة، فإن تزوجت قبل ذلك لم أفسخه، وإن ادعى الإصابة كانت واجبة وإن أنكرت، فإن تزوجت قبل ذلك فسخ؛ لأن دعواه شبهة له، وله حق في النسب إلا أن تكون بكرًا وترضى أن ينظر إليها النساء فتوجد قائمة البكارة، فلا عدة عليها.

فصل [في ثبوت الرَّجْعَة]

الرجعة تثبت إذا كانت الخلوة وتصادقا على الإصابة، وسواء كانت خلوة بناء أو زيارة، واختلف إذا انفرد بدعوى الإصابة، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا رجعة له 4. وحمل حكم الرجعة على حكم الإحلال ألا 5 يصح إلا باجتماعهما على الإصابة.
وقال محمد: الموضع الذي يقبل فيه قولها في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة والرَّجْعَة وفي دعواه دفع الصداق 6.123

والظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة 1 الزيارة، وأن 2 القول قولها ألا رجعة له في خلوة الزيارة 3؛ لأنها لم تدخل على التسليم ولا تثبت الرجعة باتفاقهما 4 على الإصابة إذا لم تعلم الخلوة من غير قولهما؛ لأنهما يتهمان في الاعتراف بذلك لتصح الرجعة.
والرجعة في النكاح الفاسد على ضربين، فما كان الحكم فيه أنه يفوت بالدخول تثبت فيه الرجعة كالنكاح الصحيح؛ لأنه بأول الملاقاة يفوت، وما كان 5 لا يفوت بالدخول لا يملك فيه رجعة.
واختلف إذا كان النكاح صحيحًا والإصابة فاسدة مثل أن يصيبها حائضًا أو محرمة أو في نهار رمضان، فقال ابن القاسم في العتبية: لا رجعة له 6، وعلى قول المغيرة و 7 عبد الملك له الرجعة؛ لأنه عنده وطء يحل ويحصن 8. وقد تقدم ذكر الإحلال في كتاب النكاح الثالث.

فصل [في دعوى المرأة الغصب]

وإن ادعت امرأة على رجل الغصب، فإنها لا تخلو 1 من خمسة أوجه: إما أن تَشْهَد بينةٌ بمعاينة الوطء، أو على اعتراف الغاصب بذلك، أو على اغتصابه لها وغيبته عليها 2، أو تأتي متعلقة به تدمي 3 وتدعي أنه أصابها، أو تدعي ذلك عن يوم فرط.
فإن كانت الشهادة على معاينة الوطء لم تستحق الصداق بأقل من شهادة 4 أربعة؛ لأنها شهادة على زنا، فإن كان دون ذلك كانوا قذفة، وسقطت شهادتهم ورجع إلى دعواها وهل هي متعلقة به ولا يسقط دعواها لأجل سقوط الشهادة، بل هي زيادة في قوة دعواها 5. وإن كانت الشهادة على إقراره جاز في ذلك شهادة رجلين، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد 6؛ لأن الشهادة -وإن لم تتم في إقامة الحد عليه في أحد القولين- فإن الصحيح أن العدالة قائمة؛ لأنهما لم يشهدا على معاينة، وإذا لم تسقط العدالة قضي بها في المال.
وإن شهد واحد على اعترافه حلفت واستحقت وفيه اختلاف، وهو بمنزلة شاهد على السرقة، فإن الشهادة تتضمن مالًا واحدًا، فيحلف المسروق منه ويستحق المال ويسقط الحدُّ.

وإن شهد شاهدان 1 على معاينة غيبته عليها على وجه الغصب، كان القول قولها في الإصابة، واختلف في يمينها وألا تحلف أحسن إلا أن تكون بكرًا، فينظر إليها النساء.
وإن لم تكن بينة وأتت متعلقة به 2، فإنه يعتبر في ذلك ثلاثة أحوال 3: حال الرجل هل يشبهه ذلك؟ وحال المرأة هل هي من أشراف الناس أو دنيئة؟ والثالث: هل هي بكر أو ثيب؟ والجواب على هذه الحالات 4 ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فحالة تستحق الصداق ولا تُحَدُّ 5 لقذف الرجل، وحالة لا تستحق صداقًا ولا تحدُّ لقذفه، وحالة لا تستحق صداقًا وتُحدُّ له، وكيف تصرف الحال فيهما 6 فإن حدَّ الزِّنا ساقط عنهما 7، وإنما يتردد الأمر في الصداق وحدِّ القذف، فإن ادعت ذلك على من يعرف بمثل ذلك أو يشبهه وإن لم يعرف به، سقط الحدُّ عنها لقذفه، واختلف في الصداق، فإن ادعته على من لا يشبهه لصلاحه ودينه لم يكن لها صداق، واختلف في حدها لقذفه.
فأمَّا الصداق فإن ادعت الغصب على من هو معروف 8 بذلك أو 9

تعلقت به، ففيه أربعة أقوال: فقال مالك 1 في المدونة: ينظر في ذلك السلطان ولم يوجب شيئًا ولا أسقطه 2. وقال في كتاب محمد: لها صداق المثل ولا يمين عليها بكرًا كانت أو ثيبًا، وقال أشهب وعبد الملك: لها الصداق بعد اليمين.
وقال ابن القاسم: لا صداق لها وإن أتت تدمَى ويؤدب الرجل أدبًا موجعًا، وذكر عن مالك مثله 3. وأرى إن كانت ممن لها القدر، وكانت بكرًا وأتت تدمي، أن تأخذ ذلك بغير يمين، وإن كانت ثيبًا أو بكرًا لا قدر لها أخذته بيمين، وإن كانت ثيبًا لا قدر لها ولا يعرها ذلك أن لا شيء لها، ويحلف المدعى عليه.
واختلف إذا نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء، فقال أشهب: لا شيء لها 4، وهذا مثل 5 أحد قولي مالك في الزوجة إذا أرخى الستر وادعت المسيس وهي بكر أنه ينظر إليها النساء 6 فيعمل على ما يقوله النساء.
وقال أصبغ: لا يُرجَعُ إلى قولهن 7. والأول أحسن؛ لأنه قد تبين كذبها بشهادة من يرجع إلى قولهن في أمور الفرج، ولأنها تتهم أن تلطخ نفسها بدم تستحق الصداق به وتلطخ من لا يشبهه ذلك، وقد يحملها على الدعوى من يريد أذى المدعى عليه إذا كانت لا قدر لها، وكذلك إذا تبين أنها ليست بحديثة الاقتضاض وأتت تدمى.

واختلف في حدها إذا ادعت ذلك على الرجل الصالح على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب 1: لا تُحَدُّ لما بلغت من فضيحة نفسها، وقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: تُحَدُّ.
وقال أصبغ: إن جاءت تدمي لم تُحَدَّ، وفرَّق بين البكر والثيب 2. وهذا احسن إذا كانت ذات قدر؛ لأنه قام لها دليلان: بضعها 3 وشاهد الدم، وقام له هو دليل بحاله فتقابلت الأدلة، فدليلاها يسقطان الحدَّ ودليله يسقط الصداق.
وفي الثيب إشكال، وأرى إن كانت معروفة بالخير، ألا تُحَدَّ وإن كانت لا قدر لها ولا يعرها ذلك حدت، ولو كان الرجل ممن برز بالفضل والخير لحدت على أي حالة كانت من الموضع والقدر، فلو ادعت ذلك على مثل أبان أو سفيان الثوري لحُدَّت.
وإذا شهدت البينة على مُعاينة الإصابة ولم تتم الشهادة لنَقصِهم عن الأربع أو 4 كانت متعلقة به وقضي لها بالصداق، لم تُحَدَّ وإن كان ممن لا يشبهه ذلك؛ لأن الشهادة شبهة لها ما لم يكن ممن 5 برز في الفضل حسبما تقدم، فلا صداق لها، ولها شبهة في سقوط الحدِّ إذا كانت من أهل الخير.

فصل [فيما إذا ظهر حمل قبل دعوى الغصب أو بعدها]

وإن أتت متعلقة برجل ثم ظهر بها حمل لأمر يشبه أن يكون عن تلك الدعوى- لم تحدَّ، وإن كان متقدمًا عن تلك الدعوى حُدَّت حَدَّ الزنا وحَدَّ القذف إن لم تكن حدت له، وقال ابن وهب وغيره: إن لم تكن ذكرت الغصب إلا بعد ظهور الحمل حدت حَدَّ الزنا 1. وأرى ألا تحدَّ؛ لأنها قد تريد سترًا ولا تفضح نفسها، وترجو السلامة من الحمل فإذا ظهر ذكرت سببه، فإذا ادعت مثل هذا من إرادة الستر كانت شبهة تسقط الحد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ" 2. وقال غير واحد من أهل العلم: قول عمر - رضي الله عنه - في إقامة الحدِّ بالحمل، أن ذلك إذا لم تدَّعِ الاستكراه، فإن ادعت الاستكراه لم تحدَّ لما روي عنه أن امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت، وقالت: كنت نائمة فما أيقظني إلا ورجل قد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى 3 الموسم وناس من قومها، فسألها، فأخبرته، وسأل أهلها عنها 4 فأثنوا عليها خيرًا، فما رأى عليها شيئًا وكساها وأوصى بها قومها خيرًا 5.

باب في الرجعة، وبماذا تصح؟

الطلاق الرَّجْعِي: ما أُوقع بعد الدخول، ولم يكن معه فداء، ولم يستكمل في عددِه الثلاثَ إن كان الزوج حرًّا، أو الاثنين إن كان عبدًا، فإن انخرم أحدُ هذه الشروط الثلاثة لم يكن رجعيًا، والرجعة تصح مع بقاء العدة بأربع: بالنية والقول: راجعتك، أو ما يقوم مقامه، وبالنية والفعل، الوطء أو ما يكون من دواعيه، كالقبلة والمباشرة والملامسة، وأن تكون النية مقارنة للقول أو الفعل، فإن انفردت النية ولم يكن معها قول ولا فعل، أو عري القول أو الفعل من النية، كانت مسألة خلاف، فيختلف في الرجعة بالنية من غير نطق، قياسًا على الطلاق وعقد اليمين بالنية من غير نطق.
وقد اختلف قول مالك في ذلك، وقول محمد: ألا تصح رجعة 1 بالنية 2، فمبني على القول بمنع وقوع الطلاق بالنية.
واختلف في القول والفعل بغير نية، فقال أشهب في كتاب محمد: ليستا برجعة 3، وفرق في المدونة بين الوطء والقول، فأسقط ذلك في الوطء إذا كان بغير نية، وألزمه في القول إذا قال 4 راجعتك، ثم قال: كنت لاعبًا.
ولا بينة على قوله راجعتك، فهي رجعة 5، وهذا مبني على أحد قولي مالك أن هزل النكاح كجِده 6، وعلى رواية علي بن زياد عنه أن النكاح لا يلزم 7، لا تصح

رجعته، وكذلك إذا خرج ذلك 1 القول على سبق اللسان بغير نية، فهو على الخلاف في الطلاق بمجرد اللفظ بغير نية.
وجعل الليث وابن وهب الوطء بغير نية رجعة، والقول أن لا رجعة في الوجهين جميعًا أحسن، ولا عمل ولا قول إلا بنية.
وإذا لم تصح الرجعة بمجرد النية، ثم أصاب بعد ذلك بغير نية، لم تصح الرجعة أيضًا إذا بعُد ما بين النية والفعل أو القول، إلا أن يُحدث نية عند الإصابة.
وقال محمد: إن نوى الرجعة ثمَّ قَبَّل أو باشر أو ضَمَّ، فإن فعل ذلك لمكان ما نوى، فهي رجعة 2. يريد ذلك 3 أصاب ساهيًا عن الطلاق المتقدم لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية، وقد اختلف في النية للطهارة هل من شرطها مقارنة الفعل أم لا 4 وإن قال: كنت راجعتك أمس صُدِّق إن كانت في العدة، وإن خرجت من العدة لم يُصَدَّق.
وقال مالك: وإن قال لها وهي في العدة: إذا كان غدًا فقد راجعتك، لم تكن له 5 رجعة 6، وقوله هذا محتمل أن يكون رأى أن الرَّجعة إلى أجل كالنكاح إلى أجل، أو أن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل، وقد قدم هذا النية اليوم لما ينعقد غدًا.
والوجه الأول أبين؛ لأن الطلاق وإن كان يفتقر إلى نية فقد أجمعوا فيمن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فدخلت بعد سنة من قوله لزم

الطلاق، وإذا كانت هذه رجعة فاسدة على قوله ثم لم يُحدث رجعة ولا أصاب حتى خرجت من العدة، بانت.
وإن أصاب في العدة وهو يرى أن تلك الرجعة، كان وطؤه رجعة؛ لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسدًا، فإن حقه في الرجعة قائم، وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة.

فصل [في الرجعة في مدة تنقضي في مثلها العدة]

وإذا مضى للطلاق مدة تنقضي في مثلها 1 العدة، ولم يدر هل هي في العدة أم لا، فقال لها: قد راجعتك، فإن صمتت كانت 2 رجعة، وإن أنكرت وقالت: قد انقضت عدتي، صُدِّقت، وإن صمتت ثم أنكرت، أو أنكرت ثم قالت: كذبت ولم تنقضِ عدتي، لم تصدق فيما رجعت إليه، وإن قال الزوج بعد انقضاء العدة: كنت 3 راجعتك في العدة لم يصدق، وسواء صدقته الزوجة أو أكذبته إلا أن يكون له دليل على قوله بأن تشهد بينة بأنه كان يقول في العدة: أصبتها أو قَبَّلت أو ضاجعت فيصدق الآن أنه أراد الرجعة، وكذلك إن شهدت البينة أنه كان يبيت عندها.
قال محمَّد: يبيت عندها في بيت 4. قال ابن القاسم في كتاب المدنيين: وسواء مس أو لم يمس، فإنه يصدق أنه كان نوى الرَّجعة.
ورأى أن هذه الحال التي تقدمت شبهة، فلا يمنع منها، وتباح لغيره

بالشك.
وإذا لم يأتِ بدليل ولا شبهة، سئلت الزوجة عن قوله أنه كان أصاب أو ارتجع، فإن أنكرت حلت للأزواج، وإن اعترفت لم تحل لغيره لاعترافها أن عصمة الأول باقية عليها، ويجبر على النفقة عليها إلا أن يطلق.
واختلف إذا أجرى النفقة، وقامت بالطلاق لعدم الوطء، فالمعروف من المذهب أن لا مقال لها؛ لأنه لم يقصد ضررًا، والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياسًا على أحد قولي مالك فيمن قُطِع ذَكَرُهُ بعد الدخول (1) والطلاق على المرتجع أبين؛ لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن قطع ذَكَرُه له فيها مُستمتَع بغير الإصابة، وإن أحب الزوج أن يعطيها ربع دينار، ويحضر الولي، جاز وله جبرها على ذلك.
وإن كانت أمة واعترف سيدها بارتجاع الزوج بعد انقضاء العدة لم يصدق السيد (2)، ولم يملك الزوج الرجعة.
قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يحب الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم، فتكون امرأته وإن كره السيد؛ لأنه اعترف أنها امرأته (3). يريدة ويجبر السيد على أن يعقد نكاحها منه.

فصل [في صحة الرجعة]

الرجعة تصح في النكاح الصحيح والإصابة الصحيحة إذا كان الطلاق بالطوع من الزوج، ليس بحكم أوجب ذلك عليه، وكذلك إذا كان فاسدًا مما الحكم أنه يفوت بالدخول فطلق بعد أن دخل، فإن كان مما يفسخ بعد الدخول123

فطلق قبل أن يدخل أو بعد وقبل أن يفسخ، لم تكن فيه رجعة.
واختلف إذا كان النكاح صحيحًا، والإصابة فاسدة، كالذي يصيب في الحيض، أو في صوم رمضان، أو وهو محرم، أو وهي محرمة، ثم طلق فقال ابن القاسم في العتبية فيمن وطئ وهي حائض، ثم طلق بعد أن طهرت: لا رجعة له، قال: وهو بمنزلة من طلق قبل أن يبني؛ لأن ذلك الوطء ليس بوطء 1، ولا يقع به عنده إحلال ولا إحصان.
وقال ابن الماجشون: يحل ويحصن 2 فجعله كالحلال 3، فعلى هذا يملك فيه الرجعة، وإن أصابها في صوم تطوع أو في اعتكاف غير منذور، أو منذور في الذمة، كانت له الرجعة؛ لأن ذلك الصوم والاعتكاف قد بطل بأول الملاقاة، ولا يجب إمساك بقيته، فكان تماديه بمنزلة من ليس في صوم ولا اعتكاف.
وإذا كان الطلاق بحكم لعدم النفقة، أو لعيب به، جنون أو جذام أو برص، فأيسر أو ذهب العيب في العدة، كانت له الرجعة، وإن لم يذهب السبب الذي طُلِّق عليه به لم تكن له الرجعة إذا لم ترض الزوجة.
ويختلف إذا رضيت هل تصح الرجعة؟ وكذلك المؤلي يُطَلَّق عليه بالإيلاء، فلا تصح رجعته إلا بالإصابة 4؛ لأنه السبب الذي طُلِّق عليه من أجله.
واختلف إذا رضيت بالرجعة ولم يصب، فقال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة: لا تصح رجعتهما وإن رضيت.

ولا تهدم عدة ثبتت بطلاق لمعنى، إلا بزوال ذلك 1 المعنى الذي طلقت له.
وقال ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سَنَةً، فقامت بحقها فطلق عليه بالإيلاء، فله أن يرتجعها.
قالوا: لأن لها أن تقيم معه بغير وطء إلى انقضاء السنة 2. فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة، وإن لم يرتفع السبب الذي كان الطلاق لأجله، وهو أحسن؛ لأن الطلاق كان 3 لحق آدمي في عدم النفقة وعدم الوطء ووجود العيب، فإذا رضيت بالرجعة مع وجود الأسباب التي كان الطلاق عنها صحت؛ لأنه حقها أولًا وأخيرًا، ومثله إذا حلف بالطلاق ألا يصيبها حتى يحج أو يفعل فعلًا لا يمكنه 4 البِرُّ فيه عند قيامها، فطلق عليه بالإيلاء، ثم ارتجع، فإن رجعته موقوفة على بِرِّه، فيفعل ما حلف عليه في العدة، فإن لم يبر لم تصح رجعته، ولم يمكن من الإصابة لعدم الوجه الذي يصح به فيئته 5، وهو فعل ما حلف عليه ليفعلنه، فإن رضيت برجعته صحت على ما ذكره ابن حبيب ولم تصح على قول سحنون.
ولم يختلف المذهب في الزوج يطلق زوجته اختيارًا ثم يرتجعها ولا يصيبها حتى تخرج من العدة أن رجعته صحيحة، وأن ليس من شرط الرجعة الإصابة في العدة 6.

فصل [في صحة رجعة المحرم والمريض والعبد]

تصح الرجعة ممن لا يجوز له عقد النكاح كالمحرم 1، والمريض، والعبد 2، فإذا تزوج الحرم قبل إحرامه، ثم طلق في حال الإحرام، أو تزوج الآخر في الصحة، وطلق في المرض، جاز لهما أن يرتجعا في حال الإحرام والمرض، وكذلك العبد يتزوج بإذن سيده له أن يرتجع 3، وإن لم يأذن له سيده 4.

باب في المعتدة تدعي انقضاء العدة أو تأخيرها

النساء في انقضاء العدة أو تأخيرها على الأمانة والتصديق ما لم يتبين كذبهنَّ، أو يأتين في ذلك بما لا يشبه، وهذا في فصلين من العِدَد، الحيض، والحمل 1. فأما مَن عِدتها بالشهور أو بالسنة، فهنَّ والرجال في معرفة انقضاء العدة سواء، فإن كانت عدتها بالحيض فادعت انقضاءها في مدة تنقضي فيه الأقراء الثلاثة في غالب النساء صدقت، وسقط حق الزوج في الرجعة، وحلت للأزواج، وإن كانت مدة قريبة لا تنقضي فيها العدة بحال لم تصدق، ومنعت من الأزواج، صدقها الزوج أو كذبها.
واختلف إذا كانت مدة تنقضي فيها العدة للنادر والقليل من النساء هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، سئل النساء فإن كن يحضن ويطهرن كذلك، صدقت 2. وقال في كتاب محمد: لا تصدق في شهر، وقال أيضًا: لا تصدق في شهر ونصف، وما أراها إلا عجلت، ومن أقل حيض النساء أن تقيم خمسًا، وإنما تقيم هذه طاهرة عشرًا حتى تحيض 3. فصدَّقها في القول الأول، وإن ادَّعت ما يكون نادرًا؛ لأن الأصل أنهن على الأمانة، ولم تدع ما يقطع بكذبها فيه، ولم يصدقها في القول الآخر؛ لأنَّ الأحكام إنما تتعلق بما يكون غالبًا دون النادر مع ما يتعلق بالزوجة من التهمة

إذا كرهت الزوج، فتقصد الفرار بذلك، أو تعلم بأن رجلًا تعرَّض لنكاحها ورغبت فيه، وقد يرد قول العدل إذا عارض قوله تهمة.
وأرى أن تسأل هذه المرأة هل طلقت في أول الطهر أو في آخره؟ فإن قالت: كان الطلاق في آخر الطهر، واليوم رأيت الدم، كان ذلك أقرب لقبول قولها، وتُسأل أيضًا إذا ادَّعت النادر من عادات النساء هل ذلك عادتها قبل الطلاق أو كانت على الغالب من عادات النساء؟ فإن اعترفت أنها كانت على الغالب من (1) عادات النساء، ثم انتقلت بعد الطلاق إلى النادر، لم تصدق.
وإن ادعت أن هذه كانت عادتها قبلُ، وصدقها الزوج، صدقت ولم تمنع من الأزواج.
وإن قال: بل كانت عادتك على الغالب من النساء فذلك أشكل.
وأرى أن تمنع من الأزواج.

فصل [في دعوى الزوجة تأخر حيضها بعد الطلاق]

وإن ادعت أن حيضها تأخر، وقالت: لم أرَ بعد الطلاق دمًا، كان قولها على ثلاثة 2 أوجه 3: فتصدق إن لم يكن سمع منها قبل ذلك شيء إن كان زوجها حيًّا ولها النفقة وله الرجعة، وتصدق إن ادعت ذلك بعد موته إن كانت مرضعًا أو مريضة 4. واختلف إذا كانت صحيحة غير موضع، فقال مالك في كتاب محمد في1

المطلقة تقيم سنة، ثم يموت زوجها، فتقول: لم أحض إلا حيضة: لم تصدق إن لم تكن ذكرت ذلك، وكانت غير موضع (1). وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضتها بعد الفطام بسنة، وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض، ولا تصدق إن كانت عادتها (2) قبل الطلاق على الغالب من عادة النساء، فادعت بعد الطلاق أن عادتها (3) انتقلت وصارت من سنة إلى سنة، فإن كان الطلاق بائنًا صدقت؛ لأنها معترفة (4) على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه، وإن كان الطلاق رجعيًّا وصدقها الزوج كانت لها النفقة، ولم أمكنه من الرجعة.
ويختلف إذا كذبها هل تصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة ورجاء الرجعة؟ وإذا لم تصدق في أحد قولي مالك في انتقال العدة إلى النادر في القرب، لم تصدق في انتقالها إلى النادر في البعد، وليس كذلك إذا قالت: لم أرَ حيضًا؛ لأن ذلك يمكن أن يكون لحمل، ولهذا كانت العدة إلى أن يمضي من الأمر ما يظهر فيه الحمل ولم يظهر.

فصل [في هل يرث الزوج زوجته بعد انقضاء عدتها المعتادة؟]

ويختلف إذا ماتت الزوجة 5 بعد مضي أمد عدتها المعتادة، هل يحمل على أنها كانت في العدة فيرثها زوجها؟ فقال مالك في كتاب المدنيين: إن ماتت بعد1234

ثلاثة أشهر فادعى الزوج أنها كانت حاملًا فإنه يرثها، والبينة على من يريد أن يمنعه الميراث، وأنها لم تكن حاملًا، أو وضعت، أو أنها حاضت ثلاث حيض 1، أو أسقطت، إلا أن تكون اعتدت في منزله ثم تحولت إلى أهلها لانقضاء عدتها وذكرت ذلك، فلا ميراث له منها.
وقال في كتاب الاستبراء فيمن باع أمة بالبراءة من الحمل، وهو مقر بالوطء، ولم يستبرئ، فمضى لها بعد البيع قدر حيضة، قال محمد: وذلك قدر شهر انتقل الضمانُ، وكانت المصيبة من المشتري 2، فنقل الضمان وإن لم يعلم هل رأت دمًا أم لا؟ بل لو قال المشتري: لم تحض عنده لم يصدق.
فعلى هذا يحمل أمر المعتدة 3 إذا مضى قدر العدة على أنها رأت الأقراء، وبانت ولم يرثها.
وإن اختلف قولها فقالت: انقضت عدتي، في مدة تصدق 4 في مثلها، ثم قالت: كذبت ولم تنقض، لم تصدق ولم يكن لها نفقة إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا ميراث إن مات الزوج إلا أن يتبين صدقها 5، فإن قالت: أنا حامل، نظر إليها النساء فإن تحقق الحمل بالظهور أو بالحركة، كان لها النفقة في الحياة والميراث بعد الموت 6، وإن قالت أولًا: لم أرَ دمًا من يوم طلقتني.
ثم قالت: كذبت، وقد انقضت عدتي، كان الزوج بالخيار إن شاء صدقها في قولها أخيرًا 7، ولم يكن عليه نفقة، ومنعت من الأزواج؛ لأن العدة يتعلق بها حق

للزوج وحق لله، ورضا الزوج لا يسقط حق الله تعالى في ذلك.
وإن كذبها وأخذ بقولها في الأول، كانت له الرجعة وعليه النفقة.
قال أشهب في المدونة: له الرجعة إلا أن يمضي من ذلك اليوم ما تحيض فيه ثلاث حيض 1. والجواب فيها على ثلاثة أوجه: فإن تمادت على قولها الآخر: كنت حضت ولم أحض بعد ذلك إلى الآن، كانت عدتها بالسنة من يوم الطلاق كالمرتابة، ولزوجها عليها الرجعة؛ لأنها تصدق في قولها الأول لم أحض.
ويسقط قولها كنت حضت؛ لأنها تبين كذبها فيه، وتصدق في قولها بعد ذلك لم أحض إلى الآن، فصارت بمنزلة امرأة قالت: لم أحض من يوم الطلاق إلى الآن.
وإن قالت: حضت بعد قولي الثاني ثلاث حيض -وذلك في مدة يحيض فيها غالب النساء -صُدقت، وإن كانت مدة لنادر من النساء لم تصدق؛ لأنها خرجت من الأمانة التي جعلت للنساء بما تبين من 2 كذبها أولًا وردت إلى الغالب، ولا تمنع هذه إلى تمام السنة كما منعت التي قالت: لم أحض 3. لأن هذه مصدقة في قولها رأيت الدم، غير مُصدقة في تقريبه، وتلك قالت: لم أرَ دمًا غير الأول الذي اختلف قولها فيه.

فصل [في معنى الأقراء]

الأقراء عند مالك: الأطهار 1، وليس من شرط الطهر أن يوقع الطلاق في أوله، فإن طلق في أخراه ولم يبق منه إلا ساعة، ثم رأت الدم أجزأ.
ومن شرط الطهر الآخر الاستكمال، ولا يجتزأ 2 بأوله، ولا يمضي معظمه حتى تستكمله، فتدخل في الدم.
واختلف إذا دخلت في الدم الثالث، فقال ابن القاسم: تحل بنفس الدخول فيه، وليس عليها التماس تماديه، وقال أشهب: أستحب ألا تعجل بالتزويج حتى يتمادى الدم؛ لأن المرأة ربما رأت الدم الساعة والساعتين، ثم ينقطع فيكون عليها الرجوع إلى بيتها، ولزوجها عليها 3 الرجعة حتى تعود إليها حيضة صحيحة 4. وروى ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى تعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة 5، وعلى هذا يرثها إن ماتت في أول الدم وقبل أن يعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة 6، فحمل ابن القاسم أمرها إذا رأت الدم

على الغالب فيه أنه يتمادى وانقطاعه نادر، واستحسن أشهب التربص خيفة انقطاعه، فإن ماتت قبل ذلك حمل أمرها فيه على التمادي، ولم يرثها.
فإن مات الزوج 1 لم ترثه إن تمادى، فإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: كان انقطع الدم عني، وكان موته بأثر قولها ذلك -ورثته.
واختلف الصدر الأول ومن بعدهم في الأقراء، فذكر النحّاس في الناسخ والمنسوخ عن أحد عشر صاحبًا، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاذ، وعبادة، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري، وأنس، رضي الله عنهم أجمعين: أنها الحيض 2. وعن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، والضحاك، وابن سيرين، والشعبي، والحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، رضي الله عنهم أجمعين، مثل ذلك أنها الحيض، وبه قال من فقهاء الأمصار أبو حنيفة 3. وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها الأطهار 4. قال وقد 5: اختلف فيه عن ابن عمر، وزيد بن ثابت: هل هي الحيض أو الأطهار؟ وعن القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، ومالك 6، والشافعي 7، وأبي ثور: أنها الأطهار.

ويجري في كثير من مسائلنا بأن يقال: عدة الحرة ثلاث حيض، والأمة حيضتان؛ لأن عدتها حيضة ونصف، على النصف من عدة الحرة، فتكمل حيضة؛ لأن الحيضة لا تنقسم، وهذا القول وإن كان خلاف المشهور من المذهب، فهو أقيس؛ لأن العدة جعلت طلبًا لما يدل على براءة الرحم، والذي يدل على البراءة 1 الحيض لا الطهر، ألا ترى أنها إن لم تره ما طلبت الدليل بمدة يظهر فيها الحمل، وهي ثلاثة أشهر، فعلم بذلك أن الذي يدل على البراءة الحيض وأنه المطلوب.
ومحمل حديث ابن عمر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ 2، ثُمَّ إِنْ شاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ 3، وَإِنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ سُبْحانَهُ أَنْ تُطَلَّقَ لها النِّساءُ" 4. أي لتعتد بحيض كامل، ولا يصح ذلك إلا أن تطلق في الطهر، ولو طلق في الحيض لم يحتسب به؛ لأنها لا تحتسب ببعض حيضة، ولأن العمدة في البراءة أول الحيض؛ لأنَّ المرأة قد تحمل إن أصيبت في آخره، فلم يكن براءة إلا أن يقع الطلاق في الطهر فتحتسب بالحيضة من أولها.

باب ما تَكونُ المتعةُ فيه من الطلاق، وما تَسْقُطُ فيه

الزوجة تمُتَّع في الطلاق دون الوفاة، لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ....﴾ الآية.
والمتاع يصح بشروط، وهي: أن يكون الفراق بطلاق عن 1 نكاح صحيح أو فاسد فات وصار أمره إلى ألا يفسخ، وأن يكون الفراق بعد الدخول أو قبل ولم يتراضيا على تسمية، وألا يكون الطلاق برغبة من الزوجة.
ولا متاع لتسْعٍ: للمطلقة قبل الدخول إذا كان قد سمى صداقها، والمختلعة، والمفتدية، والمبارية، والملاعنة، والمعتقة تحت العبد 2 تختار نفسها، والتي ردت بعيب، والتي نكحت نكاحًا فاسدًا وحكم بفسخه قبل الدخول أو بعده، والتي نكحت نكاحًا صحيحًا فطرَأ ما يوجب الفسخ دون الطلاق 3. فلم تكن للمطلقة قبل الدخول -إذا سمى لها صداقًا- متاعٌ، لقول الله سبحانه في التي نكحت على تفويض: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
وفي التي سمى لها: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ ولأن المتاع تسلية لوحشة الفراق، فأمر من نكح على تفويض إذا لم يصل إليها شيء يكون فيه عزاء من فراقه بالمتاع، ولم يؤمر به من سمى؛ لأن المبيع باقٍ لها لم يتلف عليها شيئًا، فكان فيما تأخذه من نصف

الصداق تسلية لذلك، ولم يكن للمختلعة ولا للمفتدية ولا المبارية متاع؛ لأن الفراق باختيارهن والزوج يقول: هي كرهتني ورغبت بنفسها عني فلا أمتع من جاء الفراق من سببه.
وقد تفعل ذلك رغبة في غيره.
وكذلك المعتقة لا متاع لها بل هي أبعد؛ لأن الفراق من قبلها، ولا سبب للزوج فيه، بل هو مُكْرَه على الفراق، ولم تكن متعة فيما حُكم بفسخه لفساده؛ لأن الفراق لم يكن بطوعه، بل هي مصيبة نزلت بالزوجين، وسواء كان فساده مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه؛ لأن الحكم بفساده يرفع الخلاف 1، وكذلك إذا كان صحيحًا فطرأ ما أوجب الفسخ، هي مصيبة نزلت بهما.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن اشترى امرأته، أو اشترت زوجها، أو تزوج أمها ودخل بها وهو لا يعلم: فلا متعة لها 2. والفسخ يطرأ على النكاح من أربعة أوجه: يسقط في ثلاثة، ويحسن أن يثبت في وجه، فيسقط إذا كان الفسخ لا سبب فيه لواحد من الزوجين، أو كان ذلك من سبب الزوجة خاصة، أو من سبب الزوج، وهو غير عالم أن فِعْلَه يوجب الفسخ، ويثبت إذا كان عالمًا أن فعلَه يوجب الفراق، فإن تزوج صغيرة على تفويض فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة له أخرى -لم يكن لها متاع؛ لأنه لا سبب لهما فيه.
ولو كان الرضاع بأمر الزوج رأيتُ لها المتاع؛ لأن الفراق كان 3 بقصْدِ من الزوج، وإن كان سمى لها صداقًا كان لها نصف المسمى، وقد مضى ذكر

ذلك في كتاب النكاح الثالث 1، إذا تزوج الأم وهو غير عالم أو ارتد أن لها الصداق، وإن اشترت زوجها لم تمتع؛ لأن الفراق جاء 2 من قبلها وهو كاره، وإن اشتراها لم تمتع؛ لأنها باقية متعة 3 له، ولو اشترى بعضها متعها.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: للمخيرة المتعة بخلاف التي تعتق تحت العبد فتختار الفراق، وهذا صحيح لوجهين: أحدهما: قول الله عزَّ وجلَّ في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - أزواجه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28].
والآخر: أنها قد تختار الفِراق وهي كارهة، ولا ترضى بالمقام لما أظهر من اطراحها، وأن عليها في البقاء بعد التخيير ذلة إلا أن تكون هي المبتدئة والطالبة لذلك 4. ولم تمتع القائمة بالعيب يحدث بالزوج، ولا بعدم النفقة، ولا بما ينزل بالزوج 5 من جباب أو خصاء 6 فتطلق عليه؛ لأن كل ذلك باختيارها، ولو كان الطلاق عن 7 إيلاء، وهو قادر على الإصابة كان لها المتاع؛ لأن الامتناع منه، وهو مضار قاصد إلى الطلاق.

فصل [في ثبوت المتعة وإسقاطها، وفي قَدْرِها، والقضاء بها]

وإن ارتجع الزوج في العدة لم يكن لها متعة، واختلف إذا لم تمتع حتى بانت ثم تزوجها، فالظاهر من قول ابن وهب وأشهب 1 ألا متعة لها؛ لأنه قال: المتعة عوض من الفرقة 2، فإذا ارتجع لم يكن عليه شيء، وإن لم يرتجع حتى طالت المدة أو تزوجت لم تسقط المتعة.
واختلف إذا ماتت، فقال ابن القاسم: لها المتعة وتدفع إلى ورثتها.
وقال أصبغ: لا متعة لها 3. والمتعة على قدر الزوجين من اليسارة والحال، لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. وقال ابن عباس: "أَعْلاها خادِمٌ، وَأَدْنَاها كُسْوَةٌ" 4. و"مَتَّعَ ابْنُ عُمَرَ خادِمًا" 5. و"مَتَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خادِمًا سَوْداءَ" 6.

وفعل ذلك عروة بن الزبير 1، وإنما يراعى ما 2 فيه تسلية لمثلها من مثله 3. واختلف الناس في القضاء بها، فقال مالك: هي من الحق، ولا يقضى بها لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، و ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] 4. قيل: ولأن الواجبات مقدرة وهذه غير مقدرة، وقيل: هي واجبة ويقضى بها؛ لأنَّ هذين حق.
وعلى هذا تقتضي الوجوب، وقول الله سبحانه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا يخرجه عن الوجوب، وهو كقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. والمعنى لا شطط، ولا تقصير.

باب في جواز (1) الخلع، ومنعه

يجوز للرجل أن يأخذ من زوجته مالًا على أن يطلقها، وعلى أن يمسكها فلا يطلق، والأصل في الأول قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، وفي الثاني قوله سبحانه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128] قالت عائشة - رضي الله عنها - وغيرها من أهل العلم: "ذَلِكَ فِي المرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنه عَنْها مِنْ دَمَائهٍ، أَوْ كبَرٍ، أَوْ سُوءِ خُلُقٍ فَتكْرَهُ فِراقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ صَداقِها حَلَّ لَهُ" 2. واختلف في معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].
فقيل: "كَانَ أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ إِذا مَاتَ الرَّجُلُ، كانَ أَوْلياؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها، وِإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوها، وِإِنْ شاءُوا عَضَلُوها وَلَمْ يُزَوِّجُوهَا" 3. وقيل: المعنى: الرجل تكون1

له 1 المرأة يكره صحبتها، ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي منه 2 3، فلا يجوز ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة 4، وهذا أبين لقول الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
فالمفهوم من هذا بقاء الزوجية.
واختلف في معنى الفاحشة فقيل: هو 5 الزنا.
وقال ابن عباس وغيره: هو النشوز فيحل له منها الفدية.
وقال الطبري: ذلك في كل فاحشة من بذاء اللسان على زوجها والإذاية، أو زنا، أو نشوز، فله عضلها والتضييق عليها، حتى تفتدي منه إذا كانت الفاحشة ظاهرة 6. = تلك المرأة وعلى خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

جارٍ التحميل