التبصرة للخميصفحات 3427-3467

كتاب الحبس والصدقة

صفحات 3427-3467

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

كتاب الحبس والصدقة

باب فيمن حبس شيئًا في سبيل الله -عز وجل-

قال مالك فيمن حبس في سبيل الله: فسبل الله تعالى كثيرة، ولكن يجعل في الغزو 1. وقال أشهب في المجموعة: القياس أنه في أي سبيل خير وضع جاز والاستحسان أن يجعل في الغزو 2. والمسألة على ثلاثة أوجه: فإما أن يقول حبس في سبيل الله تعالى فيكون قد قيد من الطرفين أو يقول حبس ولا يسمي ما يصرف فيه أو يقول في سبيل الله -عز وجل-، ولا يقول حبس، فإن قال: حبس في سبيل الله جعل في الغزو كما قال مالك؛ لأن العادة جارية أن المراد بهذا اللفظ الجهاد، وإن كان غيره مما يتقرب به 3 إلى الله -عز وجل- من سبيل الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، ثم قال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا خلاف أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ها هنا: الغزو، وإن كانت الصدقات المذكورة في الآية من سبيل الله، وقال فيمن قال "داري حبس" ولم يجعل لها مخرجًا: أراها

حبسًا في الفقراء والمساكين 1. وقال ربيعة في المبسوط فيمن حبس رباعًا ولم يزد على ذلك، قال: يسكنها الولد والقرابة والرحم.
وهذا أحسن لحديث أبي طلحة قال: إن أحب أموالي إليَّ بَيْرُحَاء، الحديث.
فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها في الأقربين 2. ولا يمنع مالك أن يبتدئ بالأقارب والرحم.
قال مالك: وإن كانت في الإسكندرية وجل ما يحبس فيها في سبيل الله فليجتهد في ذلك الوالي، وأرجو أن يكون له سعة في ذلك 3، وقال أشهب: يجعل حبسًا في سبيل الله -عز وجل- 4. وأرى أن ينظر في ذلك، فإن كان جل الأحباس من الرباع وغيرها في سبيل الله جعلت الدار في سبيل الله، فإن كانت للسكنى سكنها أهل الغزو، وإن كانت للغلة أكريت وفرق فيهم غلتها، وإن كان جل الأحباس في السبيل من غير الرباع جعلت في الفقراء.
وقال في كتاب النذور فيمن جعل شيئًا من ماله في سبيل الله: فإنه يبيعه ويجعل ثمنه لمن يغزو به 5. وقال مالك في كتاب الوصايا من كتاب محمد فيمن أوصى بسلاحه في سبيل الله: لا أحب أن يعطى أهل الغنى 6 وليعطَ أهل

الحاجة 1. قال: ولا يجعل حبسًا ولكن يجتهد فيه 2. وأرى أن يجعل حبسًا ولا يباع، وكذلك إذا قال في فرس أو سيف أو درع أو غير من آلة الجهاد: وهو حبس، ولم يقل: في سبيل الله، أو قال: في سبيل الله، ولم يقل حبسًا فيكون عند ذلك حبسًا في الغزو كالذي قال: في سبيل الله، فإن قال: داري حبس في سبيل الله، وكانت في المواحيز 3، ومما يراد للسكنى سكنها أهل الغزو، وإن كانت للغلة فرقت غلتها عليهم، وإن لم تكن في المواحيز وكان شأنهم أن يبعثوا إلى أهل الغزو وكانت دار السكنى والغلة سواء تؤاجر وتبعث غلتها، وإن لم 4 يكن الشأن البعثة إليهم حمل قوله في سبيل الله -عز وجل- على ما يكون في سبيل الله من غير الغزو، فيسكنها الفقراء والمساكين وتكرى لهم إن كانت للغلة، وإن رأى أن يجعل الغلة في إصلاح المساجد أو القناطير أو غير ذلك جاز.
وإن قال: في سبيل الله، ولم يقل: حبس، بيعت الرقبة، وبعث بالثمن إن كان الشأن البعثة وإن لم يكن فُرِّق، وإن قال: حائطي حبس في سبيل الله، فرق غلته في السبيل، وإن قال: في سبيل الله، ولم يقل: حبس، بيع وصرف ثمنه في

المجاهدين والسلاح والكُراع، وإن قال في ثياب: "هي حبس في سبيل الله" لبسها المجاهدون، وإن قال: في سبيل الله، ولم يقل: حبس، بيعت.
وإن قال في عبد: هو حبس في سبيل الله، فإن كانت صناعته مما تراد للجهاد صيقلًا أو سراجًا أو قواسًا أو نجارًا أوقف لمثل ذلك، وكذلك إن قال: في سبيل الله، ولم يقل: حبس، وإن كان شجاعًا يعرف بالنجدة وذلك قصد سيده كان العبد بالخيار بين أن يقبل ويوقف لذلك أو يأبى فيباع ويصرف ثمنه في سلاح وغيره؛ لأن الجهاد ساقط عنه، وليس لسيده أن يلزمه القتال، وإن كان يراد للغلة افترق الجواب، فإن قال: حبس فرقت غلته، وإن لم يقل حبس بيعت رقبته، وكذلك إن كان للخدمة، فإن حبس عينه خدم في الجهاد، وإن لم يقل حبس بيعت رقبته.

باب ما يجوز حبسه وما يمنع

الحبس ثلاثة: الأرض وما يتعلق بها كالديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والمقابر والطرق.
والثاني: الحيوان كالعبيد والخيل وغيرها.
والثالث: السلاح والدروع والثياب.
فيجوز تحبيس المصنف الأول وهو الأرض، وما ذكر معها، واختلف في الحيوان والثياب على أربعة أقوال، فأجازه ابن القاسم في المدونة 1، وذكر أبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب في ذلك قولين: الجواز والمنع 2، وقال: من أصحابنا من يقول "يجوز في الخيل"، وإنما الخلاف في غيرها، يريد: في العبيد والثياب.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: استثقل مالك حبس الحيوان، وقال في رجل حبس غلامًا على رجل وعقبه: أكرهه؛ لأنه ضيق على العبد 3، يريد: لما كان يرجى له من العتق، وظاهر هذا أنه يكره في العبيد والإماء دون غيرهما.
وأرى أن يجوز الحبس في جميع ذلك، والأصل في حبس الأرض وما يتعلق بها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر لأرض صارت له من خيبر: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا غَيْرَ أَنَّها لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ".
فتصدق بها عمر في الفقراء والغرباء، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل،

والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقًا غير متمول فيه، أخرجه البخاري ومسلم 1. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يَشْتَري بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ دَلْوَهُ فِيهِ مَعَ المسْلمينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الجَنَّةِ" فاشتراها عثمان وجعلها للمسلمين، وقال: "مَنْ يَشْتَري بُقْعَةَ بِئْرِ فُلَانٍ بخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا في الجَنَّةِ"، فاشتراها عثمان وزادها في المسجد، رواهما مسلم 2، وقد وقف عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعمرو بن العاص، وزيد بن عبد الله، وابن عمر، وذكر لمالك قول شريح: لا حبس على فرائض الله، فقال: تكلم شريح في بلده ولم يقدم المدنية فيرى أحباس الصحابة - رضي الله عنهم - وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه أوقاف النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع حوائط 3. والأصل في تحبيس ما سوى الأرضين قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ الله إِيمانًا بِاللهِ وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِّيهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، أخرجه البخاري 4، وقال في خالد: قال: "حَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَعَبِيدَهُ 5 فِي سَبِيلِ

الله"، أخرجه البخاري ومسلم 1، وقال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاَثٍ: عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُوا لَهُ أَوْ صَدَقَةٌ جَاريَةٌ" 2، يريد: الحبس؛ لأن معنى الحبس: حبس الرقاب عن البيع 3 وتُصْرَفَ منافعُهُ فيما وقف له، فكان الحكم المساواة في ذلك بين الرباع وغيرها.

باب في بيع الحبس إذ انقطعت منفعته

وإذا انقطعت منفعة الحبس وعاد بقاؤه ضررًا جاز بيعه، وإن لم يكن ضررًا ورجي أن تعود منفعته لم يجز بيعه.
واختلف إذا لم يكن ضررٌ ولا رجا منفعته، فأجاز ابن القاسم وربيعة البيع ومنعه غيره، فقال مالك فيما ضعف من الدواب حتى صار لا قوة فيه للغزو أو كَلِبَ أو خَبُثَ: يباع، ويجعل ثمنها في غيره من الخيل، قال ابن القاسم: فإن لم يكن في ثمنه ما يشترى به فرس أو هجين أعين به في فرس.
وقال في الثياب: إن لم يكن فيها منفعة بيعت واشتري بقيمتها ثياب، فإن لم يكن في الثمن ما ينتفع به فُرِّق في السبيل 1. وقال مالك في كتاب محمد: لا تباع الدور والأرضون، وإن خربت وصارت عرصة وقد كان البيع أمثل 2. وقال ربيعة في المساكن تخرب فلا يكون على وليها أن يصلحها فعسى أن يرى الإمام بيع ذلك ويجعل ثمنه في مثله 3. قال سحنون وقال غير مالك: ما جعل في سبيل الله -عز وجل- من العبيد والثياب لا يباع 4. وقال مالك في كتاب ابن حبيب في الدور المحبسة حول مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين زيد فيه: لم يكن بد 5 أن تهدم تلك الدور 6. وقال ابن حبيب في العبد إن أحدث فسادًا أو إباقًا: بيع وجعل ثمنه في

مثله 1. وقال أشهب في المجموعة في الرقيق المحبس في السبيل: إن فضل عن عيشهم شيء فرق على فقراء ذلك الثغر، فإن فضل عنهم ففي أقرب الثغور منهم، وإن لم يكن في غلتهم فضل عن عيشهم لم يباعوا ما قام سوادُهُم بما يؤاجرون به، فإن انقطع ذلك وخيف هلاكهم بيعوا وقسمت أثمانهم في السبيل، فإن رأى أن يشترى بأثمانهم سلاح أو خيل فعل 2. وقوله: "لا يباعوا ما قام سوادهم بإجارتهم" أصلح 3 إذا كان ذلك لكساد تلك الصفقة أو لغلاء سعر ورجاء أن تعود لهم منفعة، وإن كان ذلك لأنهم 4 أسنُّوا أو لغير ذلك مما لا يرجى لهم منفعة بيعوا على قول مالك وابن القاسم.
وأما الفرس يكلب فلا ينتفع به، وإن كان يعلف بيع 5؛ لأن بقاءه ضرر على بيت المال أو على ذلك الثغر، فإن كان في الرعي ولا يعلف جرى بيعه على القولين، ولا يباع ما خرب من الرباع إذا كان بالمدينة لأنه 6 لا يؤمن من إصلاحه وقد يقوم محتسب لله -عز وجل- فيصلحه، وإن كان على عقب فقد يستغني بعضهم فيصلحه.
وما بعد من العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين، والذي آخذ به في الرباع منع البيع لئلا يتذرع إلى بيع الأحباس.
ومن تعدى على حبس فقطع النخل أو هدم الدار أو قتل العبد والفرس

أو أفسد الثوب أغرم قيمة ما أفسد، فإن كان الحبس في السبيل أو على الفقراء أو المساكين جعل ما أخذ عن هدم أو قطع نخل في بناء تلك الدار وغراسة مثل تلك النخل، وفي مثل ذلك العبد والفرس والثوب، وعلى قول أشهب يصرف فيما يرى أنه أفضل 1. ويختلف إذا كان الحبس على معين هل يسقط حقه فيما هلك أو يعود حقه في تلك القيمة، فقال محمد فيمن أوصي له بغلة دار أو سكناها فهدمها إنسان، فإن هدمها في حياة الموصي وهو يخرج من الثلث غرم الهادم ما بين القيمتين فيورث عنه وتكون الأرض على حالها فيما وصى به، فإن هدمها بعد موت الموصي بني به تلك الدار، فإن أتى في بنائها علما ما كانت عليه أو أقل يكون ذلك للموصى له به 2، وكذلك إن كان حائطًا منقطع نخله أو شجره.
وفي كتاب الجنايات من المدونة فيمن أوصي له بعبد فقتل فلا شيء له من قيمته 3، وعلى قول محمد يشتري له من القيمة مثل الأول.

باب في صفة الانتفاع بالحبس

الحبس على ضربين: حبس المراد منه 1 غلاته كالثمار وعبيد الإجارة 2 والحوانيت وما أشبهه ذلك، فإنه يساقي الثمار أو يؤاجر عليها، فما اجتمع من ذلك قسم في الوجه الذي حبس له، والثاني: الديار توقف للسكنى وعبيد الخدمة والخيل فهذه ينتفع بأعيانها، تسكن هذه ويستخدم الآخر وتركب الخيل، فإن لم يكن في ذلك متسع لجميعهم وكان الحبس على معينين كقوله هؤلاء العشرة أو هؤلاء النفر كان لجميعهم، والغني والفقير والآباء والأبناء سواء، فإن لم يكن في الدار محمل لجميعهم اكتريت وقسموا غلتها أو اقترعوا على أيهم يسكن ويدفع إلى الآخر نصيبه من الكراء.
واختلف إذا كان على عقب، فقال مالك وابن القاسم يؤثر الفقراء على الأغنياء والآباء على الأبناء، وسواء قال على ولدي أو ولد ولدي 3، وقال عبد الملك في كتاب محمد: لا يؤثر الفقير إلا بشرط من المحبِّس؛ لأنه تصدق على ولده وهو يعلم أن منهم الفقير والمحتاج، وقال مالك: إن اختلفت منزلتهم يؤثر الآباء، وسواء قال ولدي أو ولد ولدي.
وقال في كتاب محمد: هم سواء إلا أنه يفضل ذو العيال بقدر عياله، ولا يكون الآباء أولى من الأبناء، والذكر والأنثى سواء.
وقال أشهب: إن قال ولدي وولد ولدي لم يقدم أحدهم على الآخر، وإن قال ولدي ودخل ولد

الولد بالتأويل بدئ بالأعيان إذا استوت الحاجة 1. والقول بالمساواة أحسن، نص على ولد الولد أو أدخل بالمعنى إلا أن تكون العادة تبدية الآباء، وإذا سكن جميعهم ثم استغنى الفقير أو مات بعض العيال أو كثر عيال آخر أو كبر الصغار، فصار رجلًا يحتاج إلى مسكن أو غاب أحدهم افترق الجواب، فقال مالك في كتاب محمد: إذا استغنى أحدهم لم يخرج.
وقال ابن القاسم في العتبية: ينتزع ويرجع إلى عصبة المحبس.
قيل له: فإن كان للمحبس ابنة قال: ليس النساء عصبة إنما يرجع إلى الرجل، فإن افتقر بعض للحبس عليهم انتزع ورد إليهم 2. وهذا صواب إذا كان الحكم أنه للفقراء إلا أن تكون العادة متى سكن أحدهم لم يخرج وإن استغنى.
وإن مات بعض العيال ففضل مسكن انتزع، وإن كثير عيال أحدهم أو بلغ أحد الولد وتأهل لم يخرج له أحد ولم يستأنف القسم، وإنما تساوى حق الآباء والأبناء في مبتدأ القسم، وإن كان أحدهم في مبتدأ السكنى غائبًا قريب الغيبة وقف نصيبه وأكري له، وإن كان بعيدًا لم يكن له شيء ولم يستأنف القسم إن قدم، وإن غاب أحدهم بعد القسم على وجه السفر ليعود كان على حقه في مسكنه، ويكريه إن أحب، وإن كانت الغيبة المنقطعة أو خرج على وجه الانتقال سقط حقه إلا أن يكون ذلك المسكن فاضلًا عن جميعهم فيكون على حكم الغلة يقسم كراؤها وله نصيبه من كرائه.
وأما الثمار وغلة الحوانيت والحمامات وما أشبه ذلك فحق الحاضر، ومن

أحدث سفرًا قريبًا أو بعيدًا أو انتقل سواء، وإن كان في حين الحبس قد انتقل إلى موضع بعيد لم يبعث إليه شيء، وليس العادة ولا القصد من المحبِّس إدخاله في الحبس إلا أن يقدم فيستأنف له القسم.
وإن كان الحبس عبدًا يراد للإجارة جرى الحكم في إجارته على ما تقدم من الثمار وغيرها، وإن كان من عبيد الخدمة كان على حكم الدار تراد للسكنى إلا أن العبد يفارق الدار إذا ضاقت عن جميعهم، فإن كثير من حُبِّس عليهم العبدُ وسع في الأيام فإن كانوا ثلاثين كان لكل واحد خدمة يوم من ثلاثين يومًا.

باب في النفقة على الحبس

وهي على ستة أقسام: فقسم 1 نفقته من غلته كان الحبس معينًا أو مجهولًا، وقسم نفقته من غلته إن كان على مجهول، أو على المحبس عليه إن كان على معين، وقسم لا ينفق عليه من غلته كان على معين أو مجهول، وقسم نفقته تارة من غلته، وتارة من غيرها على مجهول كان أو معين، وقسم يختلف فيه هل النفقة على المحبِّس وهو المالك الأول أو على من حُبِّس عليه.
والسادس: لا يكون نفقته على أحد إن وجد من يصلحه وإلا ترك.
فالأول ديار الغلة والحوانيت والفنادق نفقتها إن احتاجت إلى إصلاح من غلتها، وإن كانت الديار للسكنى خير المحبَّس عليه بين أن يُصْلِح أو يخرج فيُكْرَى بما يُصْلَح به، ثم يعود.
والثاني: البساتين، فإن كانت حبسًا في السبيل أو على المساكين أو على عقب معين ولم يسلم إليهم الأصول، وإنما تقسم الغلة عليهم كانت النفقة عليها منها تُساقَى أو يُستأجَر عليها، فما فضل بعد ذلك أصرف فيما حبس عليه، وإن كان على معينين وهم يَلُونَها كانت النفقة عليهم، والحكم في الإبل والبقر والغنم كالحكم في الثمار، وإن كانت تقسم الغلة عليهم استؤجر عليها، وما فضل أصرف في الوجه الذي جعلت له، وإن كان حبسًا على معين سُلِّمت إليهم، وكانوا بالخيار بين أن يلوها بأنفسهم أو يستأجروا عليها.
والثالث: الخيل لا تؤاجر في النفقة، فإن كانت حبسًا في السبيل فمن بيت

المال، وإن لم يكن بيعت واشترى بالثمن ما لا يحتاج إلى نفقة كالسلاح والدروع، وإن كانت حبسًا على معين أنفق عليها، فإن قبلها على ذلك وإلا فلا شيء له.
والرابع: العبيد على ثلاثة أوجه، فإن كانت حبسًا في السبيل ولهم صنعة تراد للسبيل كانوا كالخيل ينفق عليهم من بيت المال فيوقفوا لتلك الصنعة، وإن كان المراد منهم الغلة كان نفقتهم من غلتهم، وسواء كانوا حبسًا في السبيل أو على الفقراء والمساكين أو على مجهول أو على 1 معين، فما فضل بعد نفقتهم من غلتهم 2 أنفق فيما حبسوا عليه.
واختلف في المخدم هل تكون نفقته على صاحبه أو على المخدَم والقول إنه على المخدَم أصوب 3؛ لأنه منقطع إليه ليله ونهاره، وليس الشأن أن يأخذ نفقته معه، ولو كان يخدم النهار ويأوي إلى سيده كانت نفقته على سيده، ولو قيل نفقته في النهار على المخدَم، فإذا آوى إلى سيده كانت نفقته عليه لكان وجهًا، وكذلك إذا كان العبد حبسًا على معين ليخدمه كانت نفقته عليه.
والخامس: أن يضرب للحبس أجلًا يخدم فيه العبد وينتفع بالفرس، فيختلف هل تكون النفقة على المعطِي أو المعطَى كالمخدم؛ لأن الرقبة ها هنا باقية على ملك المحبس، وكذا ينبغي أن يكون الجواب إذا لم يضرب أجلًا على القول إنه يعود بعد موت المحبَّس عليه ملكًا لصاحبه يكون كالمخدم، ويختلف على من تكون نفقته.

والسادس: المساجد والقناطر (1)، فإنه لا تتعلق النفقة وإصلاحه على المحبس، وإصلاح ذلك من بيت المال، فإن لم يكن ولم يجد من يحتسب لله -عز وجل- بقي حتى يهلك.

فصل [فيمن حبس عليه عبد أو فرس فلم يقبله]

ويختلف إذا حبس العبد أو الفرس على رجل بعينه فلم يقبله هل يصرف لغيره أو يرجع ملكًا للمحبِّس أو لورثته إن وَصَّى 2 بحبسه؟ فقال مطرف في كتاب ابن حبيب فيمن حبس عبدًا فلم يقبله المحبَّس عليه لأجل نفقته: يرجع ميراثًا.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: أعطوا فرسي رجلًا سماه فلم يقبله، قال: إن كان حبسًا أعطي لغيره وأرى إن أعطاه ليركبه ليس ليغزو عليه أن يرجع ميراثًا 3، وإن كان ليغزو عليه فهو موضع الخلاف؛ لأن الحبس حينئذٍ يتضمن منفعة المحبس عليه، والقربة إلى الله -عز وجل-، وكذلك الذي وصى أن يحج عنه فلان بكذا والموصي ليس بصرورة، فقال ابن القاسم: يكون المال ميراثًا 4، كقول مطرف في الفرس، وقال غيره: يدفع المال لغيره يحج به عنه، كقول مالك ها هنا 5. وهو أحسن؛ لأن ذلك يتضمن حقين: حقًّا لله سبحانه1

وتعالى وهو: الحج والغزو، وحقًّا لآدمي، فإذا أَسْقَطَ الآدميُّ حقَّهُ لم يَسْقُط الحقُ الآخر.

فصل [في شرط المحبس أن يصلح المحبس عليه الحبس أو ينفق عليه]

وإن حبس دارًا وشرط على المحبَّس عليه أن يَرُمَّها إن احتاجت إلى إصلاح لم يصلح ذلك ابتداء، وقال ابن القاسم: وذلك كراء وليس بحبس، واختلف إذا نزل فقال في المدونة: مرمتها من غلتها، وأجاز الحبس وأسقط الشرط 1. وقال محمد: يرد الحبس ما لم يقبض، قال: ولو اشترط أن يرم ما اشترى منها بقدر كرائها جاز 2. واختلف فيمن أعطى فرسًا، وقال: تحبسه سنة ولا تركبه ثم هو لك ملك، أو قال: يكون في يديك حبسًا تغزو عليه، أو قال: تحبسه سنة 3 وتغزو عليه، ثم هو لك ملك، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: من أعطى رجلًا فرسًا ينفق عليه سنة، فإذا انقضت فهو له، قال: غير ذلك من الشرط أفضل، فإن وقع جاز، وقال ابن القاسم: إن لم يفت الأجل، فإن أحب أسقط الشرط وبتله له، ويدفع إليه ما أنفق، ويأخذ فرسه، وإن فات الأجل كان للذي بتل له بغير قيمة، ولم يجعل له بيعًا 4؛ لأن المالك لم يشترط لنفسه شيئًا

يأخذه، وإنما قال: تأخذه لنفسك ملكًا، وتنفق على ملكك وشرط ألا يعجل الانتفاع به لأمر رأى أن فيه صلاحًا للفرس أو لغير ذلك من الوجوه، وعلى هذا يجري الجواب إذا قال: تحبسه سنة، ثم يكون بعد السنة بيدك حبسًا تغزو عليه، وإن كان هذا أثقل.
واختلف في القسم الثالث، فروى ابن القاسم عن مالك فيه الكراهة 1. وعلى قوله في المختصر إذا نزل مضى، وقال أشهب: ذلك جائز، وهذا أخف.
ولو قال رجل خذ هذا الفرس، تركبه سنة ثم هو لفلان بتلًا، فترك المعار عاريته لصاحب البتل جاز 2، وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: من أخدم عبده رجلًا عشر سنين ثم هو له بتلًا، أو أخدمه ثم قال ذلك بعد الإخدام، فذلك سواء قد صار له يصنع به الآن ما شاء، وقال أصبغ: إن جمع له الآن ذلك معًا فهو كالمحبس إلى الأجل 3. وهذا أصوب لأنها هبة ومعروف، فلا تغير عن الشرط الذي شرط المالك فيها، وكذلك إذا كانا عقدين، وقال: لا يتصرف فيها بالملك إلا بعد الأجل، وإن قال بعد الإخدام هو لك، ولم يزد كان له من الآن يصنع به ما شاء.

باب في مراجع الأحباس وما يرجع منها ملكًا لصاحبها

الحبس على وجهين: على معين ومجهول، والمعين على خمسة أوجه يرجع ملكًا في وجهين.
واختلف في ثلاثة هل يرجع ملكًا أو يمضي حبسًا.
فإن قال: حبسًا على هؤلاء النفر أو هؤلاء العشرة، وضرب أجلًا، أو قال: حياتَهم، رجع ملكًا، ولا خلاف في هذين الوجهين، وقال محمد: ليس هذا حبسًا وإنما هو سكنى 1. واختلف إذا أطلق ولم يسمِّ أجلًا، ولا حياة، وقال: حبسًا صدقة، أو قال: لا يباع ولا يورث، فقال مالك مرة: إذا أطلق ذلك لم يرجع ملكًا، وكان على مراجع الأحباس، وقال أيضًا: يرجع ملكًا إلا أن يقول: حبسًا 2 صدقة أو لا يباع ولا يورث 3، وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا كان الحبس على إنسان بعينه فهي عمرى، وإن سماها صدقة 4. وقال ابن وهب في العتبية فيمن حبس دارًا على رجل وقال: لا تباع ولا توهب، ثم بداله، فقال: هي عليك صدقة، فقال: هي له، يصنع بها ما شاء 5، ولم يرَ قوله لا تباع ولا توهب مما يمنع المرجع.

وأرى إن أطلق الحبس أن يرجع ملكًا؛ لأن معنى الحبس حبس الرقاب لتقبض المنافع، فإذا قبضت وانقضت بموت المعطى عاد إلى صاحبه ولا يخرج عن ملكه إلا ما أعطاه؛ ولأن حياة المعطى أجل، ولا فرق بين قوله حياته وسكوته عن ذلك؛ لأن قوله على فلان يتضمن حياته، وكذلك إذا قال حبس صدقة ويعود ملكًا؛ لأن الحبس على معين يحتمل أن يريد به وجه المحبس عليه أو وجه الله -عز وجل-، فإذا قال: صدقة أبان أنه أراد به وجه الله -عز وجل-، ولا يفيد أكثر من ذلك، وليس يفهم منه زيادة مدة ولا قوم 1 آخرين، ولا يختلف أن هذه الكلمة لم توضع لشيء من ذلك.
وقوله: "لا تباع ولا تورث" مشكل يحتمل أن يريد لا تباع ولا تورث أبدًا، أو حتى يستوفي هذا ما جعلت له أَوْجَبْتُ ألا أبيعه، ولا يورث عني حتى يستوفي حبسه، فإن كان حيًّا سئل ما أراد، فإن مات قبل أن يسأل حمل على 2 أن ذلك ما عاش المحبس عليه، ولم يسقط حقه في المرجع بالشك إلا أن تكون العادة ألا يباع ولا يورث أبدًا.
وقال عبد الملك في المبسوط: إن قال في صدقته: "حبسًا" ولم يزد فهي عمرى، وإن قال: صدقتي هذه على فلان وهي محبسة، لم ترجع من بعده إلا أن يقول عليه، ولو قال: صدقة محبسة وفلان يأخذها ما عاش، فإنها حبس 3.

فصل [في رجوع الحبس على المحبِّس بعد انقضاء الأجل أو الحياة]

واختلف إذا كان الحبس على مجهولين، فقال: حبس على فلان وعلى عقبه فانقرض ذلك العقب، فقال مالك في المدونة: لا يرجع ملكًا 1، وذكر ابن الجلاب قولًا آخر: أنه يعود ملكا 2، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن قال في حبسه ما عاش أو عاشوا فهي عمرى مالٌ لصاحبها ولا يحرمها قوله صدقة، ولا قوله لا تباع ولا تورث، ولا تعقيبه 3 إياها؛ لأن هذا كالشرط المرجع 4. ولم ير ذلك إذا أطلق ولم يقل بأعيانهم، ولا ما عاشوا إن كان الحبس معقبًا وقال: صدقة ولا يباع، ولا فرق بين قوله "ما عاشوا" ولا إطلاقه ذلك؛ لأن الإطلاق لا يقتضي أكثر من حياتهم.
واختلف أيضًا إذا ضرب أجلًا، فقال محمد: إذا سمى عقبًا أو نسلًا لم يأتِ فهو من المؤكد الذي لا يضر معه إن سمى أجلًا أو حياة.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن سمى أجلًا أو حياة عاد ملكًا 5، وهذا أبين له 6 إذا ضرب أجلًا، وإنما رأى مالك إذا سمى العقب ولم يزد ألا يرجع ملكًا؛ لأن الغالب من العقب أنه لا ينقطع، فكأنه أسقط ملكه عنه،

ورأى مرة أن العقب في معنى المعين، فإذا انقرضوا رجع ملكًا؛ لأنه لم يعطِ غير عقب فلان (1).

فصل [التصدق يعني التمليكـ إلا في حالات]

وإن قال: صدقة على فلان أو على فلان وفلان- كان ملكًا لهما، قال مالك في كتاب محمد: فإن قال صدقة عليك أو على ولدك أو على عقبك- كان ملكًا، إلا أن يقول لا يباع ولا يورث، قال محمد: إذا عقب الصدقة فهي حبس إلا أن يقول صدقة بتلًا لَه ولعقبه، فيكون لآخر العقب فإن كان آخر العقب بنتًا كان لها أن تبيع، وقال ابن الماجشون وابن القاسم في كتاب محمد: إذا قال: صدقة على فلان وولده فسبيلها سبيل الحبس 2. والأول أحسن أن تكون ملكًا أو يحملها على الموجود من الطبقة العليا؛ لأن الأصل في الصدقة التمليك ليس التعقيب، ففارق الحبس.
وكذلك إذا أدخل العقب تركها ملكًا على الأصل في الصدقة أنها تكون ملكًا للمعطَى، فتكون للأول هبة منافع، ولا تباع ولا توهب، فإذا مات انقلب إلى من بعده، فإذا لم يبق إلا بنت أو ولد لا يولد لمثله كانت ملكًا فَيُحَيَّا الأولون بالذكر ثم يقتسم على جميعهم، وعلى القول الآخر يكون ملكًا لآخرهم يبيعُ إن أحب، فيكون قد أعطى الأولين هبة منافع لما كانت تنتزع منه إلى من بعده، وللآخر هبة رقبة، ولا أرى أن تكون حبسًا إذا قال لفلان ولولده، ولم يذكر حبسًا، والذي عهده الناس من هذا اللفظ التمليك لمن هو موجود من الولد.1

واختلف إذا قال: صدقة على فلان وعقبه ما عاشوا، فقال مالك في المدونة: ترجع مراجع الأحباس (1)؛ لأنه إنما أعطى بقوله "ما عاشوا" منافع لا أكثر من ذلك، وعلى قول مطرف ترجع ملكًا؛ لأنه قال: إذا قال: حبسًا على فلان وعقبه ما عاشوا ترجع ملكًا (2)، فهو في الصدقة أبين أن ترجع ملكًا، وقال في كتاب محمد: إن قال داري صدقة عليك وعلى ولدك ما عشتما هي إلى الصدقة بتلًا أقرب (3)، قال: وقد اختلف فيه قول مالك، والصحيح من هذا أنه هبة منافع، وترجع ملكًا لصاحبها.

فصل [من أوصى بثلثه لفلان وعقبه وكيف يُعْمَلُ في ذلكـ]

قال محمد: ومن أوصى فقال ثلث مالي لفلان وعقبه لم يكن له أن يستهلكه، وإنما له أن يتجر فيه, وله ربحه، وعليه خسارته، وهو ضامن له، فإن ولد له ولد دخل معه فيه فإن انقرضوا وكان الآخر امرأة أخذته بالميراث تأكله إن شاءت 4. فحمله على الملك وإن كان معقبًا؛ لأن أصل الهبات الملك، فللأول هبة المنافع، وللآخر الرقاب، وعلى القول الآخر يُحيَّا الأولون بالذكر، ويقسم على جميعهم إلا أن يقول: لا يباع ولا يوهب، فيكون على مراجع الأحباس.
وإن قال: صدقة أو هبة على بني تميم أو الفقراء والمساكين أو مؤبدًا أو123

حتى يرث الله -عز وجل- الأرض ومن عليها كان حبسًا لا يرجع إلى المعطي أبدًا، وقال مالك فيمن حبس على ولده ولا ولد له: فله أن يبيع، وقال ابن القاسم: ليس له أن يبيع إلا أن يُؤْيَس له من الولد، ومن حبس على ولده ثم هو في سبيل الله، فلم يولد له فله أن يبيع، وقال عبد الملك: بل هو حبس (1). والأول أقيس؛ لأن القصد بالحبس ولده، والمرجع في معنى الاحتياط إن انقرضوا، فإذا لم يكن له ولد لم يلزمه حبس.
وقال ابن القاسم: إن قال حبس على فلان وعقبه ثم مصيرها إلى فلان بتلًا فانقرض الذي بُتِّلَتْ له قبل، ثم انقرض المحبس عليه وعقبه، فإنها ترجع ميراثًا بين ورثة الذي بُتِّلَتْ له يوم مات (2).

فصل [في أنواع المحبس عليهم]

المحبس عليهم ثلاثة: معين، ومجهول يترقب انقراضهم، ومجهول لا يترقب ذلك فيهم، فالأول أن يقول حبس على هؤلاء النفر أو على فلان وابنه، أو على ابن فلان.
واختلف في قوله "على بني" كقوله "على بني عبد الله" وما أشبه ذلك في موضعين: أحدهما: هل يحمل 3 على بنيه لصلبه خاصة، أو عليهم وعلى بنيهم وأعقابهم؟ والثاني: دخول الإناث، فقال محمد: إذا قال ابن ولم يقل ولد كان لفظ التعيين إلا أن يقول بنوه.12

وقال مالك في المجموعة: إذا قال بني فلان ولم يقل ولد، رجعت ملكًا إليه أو إلى ورثته 1، وحمل قوله على بنيه لصلبه خاصة، وذكر ابن شعبان في دخول الإناث قولين، واحتج من قال: يدخلن بقوله سبحانه ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، وإن قال: على ولد فلان، فإن كان حبسًا كان على العقب وعلى مجهول من يأتي.
واختلف إذا قال: صدقة على ولد فلان هل يحمل على التعيين وعلى من هو موجود يأخذون ذلك ملكًا، أو يكون حبسًا معقبًا؟ وإن قال: حبس على ولد ظهري كان لولده دون بنيهم، وإن قال: على بني أبي كان لإخوته لأبيه وأمه ولإخوته لأبيه، ويختلف في دخول بنيهم ولاشيء 2 لإخوته لأمه، وإن قال: على إخوتي كان لإخوته من حيث كانوا دون بنيهم، وإن قال: لآبائي كان للآباء والأمهات والأجداد والجدات من حيث كانوا، وإن بعدوا، ويختلف في دخول العمومة، فقيل: يدخلون لقول الله سبحانه ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133] ولا يدخل بهذا 3 الأعمام وإن قال: لأعمامي كان للعمومة من حيث كانوا دون بنيهم، وإن قال: على عصبتي دخل في ذلك نسب الأب من الذكور، وإن بعدوا، ولا يدخل فيه أحد من الأم.
واختلف إذا قال: على أهلي، فقال ابن القاسم: أهله وآله سواء، وهم العصبة والأخوات والعمات، ولا شيء للخالات 4، وقال مطرف في كتاب

ابن حبيب: يدخل في ذلك جميع أقربائه ورحمه من قبل أبيه وأمه والأخوال والخالات وبنوهم الذكور والإناث وبنو البنات ذكورهم وإناثهم.
واختلف في الأقارب إذا حبس عليهم أو أوصى لهم هل يدخل معهم من كان من قبل الأب خاصة أو يدخل معهم من كان قبل الأم، فقال مالك في كتاب محمد فيمن أوصى لأقاربه قسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد، ولا يدخل ولد البنات 1، قال ابن القاسم: ولا الخالة، ولا قرابته من قبل أمه، إلا أن لا يكون له قرابة من قبل الرجال 2، وقال علي بن زياد عن مالك: يدخل في ذلك قرابته من قبل أبيه وأمه ويعطى بنو البنين وبنو الإخوة وفقراء أبناء 3 من يرثه.
وقال ابن كنانة وأشهب: لا يفضل الأقرب وأسعدهم به أحوجهم.
وقال ابن كنانة: إن قال صدقة أعطي الفقراء، وإن لم يَقُل صدقة فأغنياء أقاربه وفقراؤهم سواء 4. وإن قال لذي رحمي أعطي من كان من قبل الرجال والنساء، وقال مالك في كتاب محمد فيمن حبس على ولده الذكور والإناث وقال: من مات منهم فولده بمنزلته لا أرى 5 لولد البنات شيئًا 6. وقال ابن القاسم في المستخرجة فيمن قال: داري حبس على ابنتي وولدها فولدها بمنزلتها ذكورهم وإناثهم، فإن ماتوا كان لأولاد الذكور ذكورهم

وإناثهم، ولا شيء لولد بناتها لا لذكورهم ولا لإناثهم، وكذلك قال مالك (1)، وقوله في هذه حسن، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب في الأولى أن يدخل ولد البنت؛ لأن الميت نص على ذلك.

فصل [في أولى الناس بالحبس]

وقال مالك: يرجع الحبس إلى أولى الناس بالمحبس رجالًا كانوا أو نساء إذا كانوا فقراء، فإن لم يكن فقراء فأقرب الناس لهؤلاء الأغنياء 2. واختلف في دخول الأغنياء والنساء، فقال عبد الملك: إن أراد بالحبس المسكنة والحاجة جعل المرجع كذلك، وإن كان أقرب الناس أغنياء لم يعطوا شيئًا، فإن أراد مع ذلك القرابة أوثر أهل الحاجة، فإن لم يكن من له حاجة أعطي الأغنياء 3. وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان للمحبس ابنة لم يكن لها شيء، وإنما هو للعصبة 4. وقال مالك في كتاب محمد: ذلك لكل من لو كانت رجلًا كان عصبة 5، قال ابن القاسم: يدخل الجدات والعمات وبنات الأخ والأخوات للأم والأب أو للأب دون الإخوة للأم، وتدخل أمه، وقال مالك: لا تدخل، وقاله عبد الملك: لا تدخل الأم، ولا أحد من الإناث إلا أن ترثه 6.1

فأما عمة وبنت أخ فلا، والأول أصوب أن يعطى الأقارب من النساء إذا كن فقراء، وسواء كن من الرجال أو النساء؛ لأن المرجع ليس فيه شرط، وهو بمنزلة حبس لم يسمَّ من يصرف فيه؛ لأن المحبس مات وهو يرى أن العقب لا ينقرض، فكان الوجه أن تصرف في الأقربين لحديث أبي طلحة 1. وقد قال مالك في كتاب محمد: الذكر فيه والأنثى سواء، وإن اشترط في أصل الحبس للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: لأن المرجع ليس فيه شرط ولا هو تصدق بها على من رجعت إليه.
ولو لم يكن له يوم يرجع إلا ابنة واحدة كان لها جميعه، قال: وإن انقرض المحبس عليهم إلا امرأة واحدة أخذت جميعه، وإن شرط أن للذكر مثل حظ الانثيين 2؛ لأن معنى قوله إن كان معها رجل.

باب فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده

قال ابن القاسم فيمن حبس في مرضه دارًا على ولده وولد ولده ثم مات والثلث يحملها، تقسم الدار على الولد الأعيان وولد الولد، فما صار لولد الولد أخذوه على وجه الحبس، وما صار لولد الأعيان دخلت فيه الزوجة والأم وقسم على فرائض الله -عز وجل- 1، يريد: لأن الحبس على وارث وغير وارث، فما ناب الوارث شاركه فيه بقية الورثة، فإن كان الولد أربعة وولدهم أربعة ولم تجز الزوجة والأم الحبس قسم في الأول قسم الحبس، فما صار للورثة قسم على الميراث ودخلت فيه الزوجة والأم.
فإن مات بعد ذلك أحد هذه الطوائف الأربعة الزوجة أو الأم أو الولد الأعيان، أو ولدهم افترق الجواب، فإن ماتت أم الميت 2 وهي جدة الولد الأعيان لم ينتقض القسم، فإن كان لها ولد غير الميت المحبس كان نصيبها لولدها، ولا ينتزع منه إلا بموت الأعيان أو بموت أحدهم.
وكذلك إن ماتت الزوجة ولا ولد لها إلا الولد الأعيان، فإنهم يأخذون نصيبها الذي كانت أخذته منهم، ولا حق لولد الولد فيه، ويكون ما في أيديهم بوجهين بميراث من قبل الأب وبميراث من قبل الأم.
وإن كان إنما مات واحد من الولد الأعيان انتقض جميع نصيبه، وقد كان صار له الثمن فيه، فينتزع من يد الزوجة والأم ما أخذتا منه، فيكمل ثُمُنًا ثم

يقسم ذلك الثمن أسباعًا فيأخذونه أربعة أسباع، والولد الأعيان ثلاثة أسباعه، فتأخذ الزوجة والأم منه ميراثها وهو السدس والثمن، ثم يضم الباقي إلى ما بيد الولد الأعيان، ويحيى الميت بالذكر، ويقسم أرباعًا فيأخذ الولد الأعيان ثلاثة أرباعه، ويأخذ ابن الميت من الولد الأعيان فيصير ما في يده من وجهين بالحبس من جده وبالميراث من أبيه، وهكذا إن مات ثانٍ وثالث من ولد الأعيان يُجْمَعُ نصيبه في الميراث عن أبيه، فيقسم قسم الأحباس ثم قسم الميراث.
فإن مات الرابع انتزع جميع ما صار للولد الأعيان، وما في يد الزوجة والأم، وسلم ذلك لولد الولد بالحبس، وسقط القسم بالميراث، وإن كان الميت أولًا واحدًا من ولد الولد قسم ما كان أخذه أسباعًا، فأخذ ولد الولد الثلاثة ثلاثة أسباعه، وأخذ الولد الأعيان أربعة أسباعه فيقتسمونه على الميراث عن الميت المحبس، وتدخل فيه الزوجة والأم.
وقال سحنون: لا يدخلان فيه 1، ورآه كمراجع الأحباس.
والأول أصوب؛ لأنهم المحبس عليهم، وإنما يأخذون ذلك بعطية من الميت، وإنما يكون مرجع الحبس بعد انقراض من حبس عليه، وإن لم يحمل الثلث الدار ولم يُجِزِ الورثة، فما حمله الثلث مِنْه 2 عمل فيه حسب ما رسم الميت لو 3 حملها الثلث؛ لأنه لا يصح أن 4 يقطع بالثلث شائعًا، فيحبس ما لم يقصد الميت إلى تحبيسه أو لا يحبس فتغير وصية الميت، وإنما يجمع ثلثه في الدار كالعتق إذا أوصى به فلم يحمل الثلث، فإنه

يجمع في غير 1 ذلك العبد.
وقال محمد فيمن حبس في مرضه داره على جميع ورثته، ولم يدخل غيرهم ولا بعدهم: فليس بحبس، ولهم إن شاءوا باعوا، وإن شاءوا حبسوا.
قال مالك: وكذلك لو قال: حَبْسٌ على ولدي ولم يدخل في ذلك غيرهم.
وقاله ابن القاسم وأشهب 2، وإنما أبطل الحبس ها هنا؛ لأنه وصية لوارث، فمن مات قَبْلُ 3 كان نصيبه لمن بعده، فصار ميراث الآخر أكثر، وهذا على أحد 4 القولين: إن الحبس المعين يرجع ميراثًا، وعلى القول أنه يرجع مراجع الأحباس لا يبطل الحبس، ويصير بمنزلة من حبس على ورثته وغيرهم.

باب في إخراج البنات من الحبس

اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المجموعة: أكره ذلك 1. وقال في العتبية: إن أخرج البنات إن تزوجن فالحبس باطل، قال: وهو الشأن.
وقال ابن القاسم: إن كان المحبس حيًّا فأرى أن يفسخه ويُدخِل فيه البنات، وإن حيز أو مات فات، وكان على ما حبسه عليه 2. وقال أيضًا: إن كان المحبس حيًا فليفسخه ويجعله مسجلًا، وإن مات لم يفسخ 3، فجعل له أن يرده بعد الحوز ويجعله مُسْجَلًا ما لم يمت؛ لأنه لو لم يحزه الذكور حتى مات بطل وكان ميراثًا، ولم يكن للذكور ولا لغيرهم شيء.
وقال ابن شعبان: من أخرج البنات بطل وقفه، وهذا مثل قول مالك في العتبية، وذكر أبو بكر ابن حزم أن عمر بن عبد العزيز مات وهو يريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء 4، وعلى هذا يجري الجواب في الصدقات إذا تصدق على الذكور خاصة أو على بعض الذكور، فعلى القول الأول يكره، فإن نزل مضى، وعلى القول الآخر يبطل إن لم يشركهم فيه، وعلى أحد قولي ابن القاسم يفسخ ما لم يُحَز، وعلى القول الآخر يفسخ وإن حيزت ما لم يمت.
وقال في كتاب محمد: لا بأس أن ينحل بعض ولده، وإنما يكره أن ينحل جل ماله، قيل: فإن فعل أترى أن يرد؟ فلم يقل شيئًا 5.

والأصل في المنع حديث النعمان بن بشير، قال: أتى بي أبي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا، قال: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ ". قال: لَا.
قال: "فَارْجِعْهُ" 1. زاد في كتاب مسلم: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ" 2، وقال: "لَا تُشْهِدْنِي إِلَّا عَلَى حَقٍّ" 3، وقال: "اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِى أَوْلاَدِكُمْ "وقد وافقه البخاري على بعض هذه الألفاظ 4. وكل هذا يتضمن منع عطية بعض الولد لعدم المساواة، فأخذ مالك مرة بهذا، وحمله على الوجوب، ومرة حمله على الندب 5، ولا يحسن حمل الحديث على من وهب جل ماله أو جميعه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ " فأبان أن الرد لعدم المساواة، ولأن ما يبقى الآن بيد الأب لا يفيد من لم يعط شيئًا؛ لأنه إن بقي فورثوه تساووا في ميراثه, وكان ذلك المعطى قد فضل من لم يعط.

واختلف في صفة العدل إذا كان ذكرًا وأنثى، فقيل: هو أن يعطيها مثل ما يعطي أخاها، وإلى هذا ذهب أبو الحسن ابن القصار، واستحسن ابن شعبان أن يكون على فرائض الله -عز وجل-، وهو أحسن؛ لأنه حظها من ذلك المال لو بقي في يد الأب حتى يموت، فقد عجل قسمته بينهم، وقد يحمل الحديث "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ " على أن ولده كانوا ذكورًا، وأما عطية أبي بكر لعائشة - رضي الله عنها - دون إخوتها (1) فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه علم من بَنيه أنهم لا يكرهون ذلك لمكانها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لأنه كان أعطاهم قبل ذلك.

فصل [في أحوال الحبس على البنات]

وقال محمد: من حبس على بناته حياتهن في صحته 2 وشرط أن من تزوج منهن فلا حق لها، فتزوجت واحدة أو كلهن ثم تأيمت فلا حق لها، وسواء كان ذلك في الصحة أو وصية إذا كانت غير وارثة، وقد انقطع ما أوصى لها به، وكذلك إن أوصى بأن ينفق على أمهات أولاده ما لم يتزوجن أو يسكُنَّ 3، قال: ولو حبس وله بنات متزوجات لم يدخلن في الحبس 4 قال: والمردودة تدخل في حبسي، فإنها تدخل معهم متى رجعت من ذي قبل، وإن قال: من تأيَّم من بناتي1

ولها مسكن بعينه كانت أحق به، ولا حق لها فيها.
قيل: ولو شرط لمن هو في حبسه، فقال: فمن تزوجت فلا حق لها، فإن رجعت فإنها تسكن 1، كذا لم يكن لها في حين تزويجها شيء حتى ترجع فترجع فيما مضى فليست كالتي لم يذكر رجعتها؛ لأنه إذا سمى رجعتها 2 فكأنه حبس عليها حقها إلى رجعتها فتأخذه، وإن قال: إن رجعت دخلت في حبسي كان لها من يوم ترجع 3. وقال عبد الملك في المبسوط فيمن شرط في حبسه أن من تزوج من بناتي فلا حق لها ما دامت عند زوج، فتزوجت واحدة منهن- كان نصيبها لمن هو معها في الحبس من أخواتها ما دامت متزوجة، فإن رجعت أخذته، قال: ولو تزوجن كلهن وقفت عليهن الغلة، فإن رجعت واحدة أخذته كله، ما وقف وما يستقبل كأنها لم تتزوج 4. وعلى القول المتقدم لا شيء لها في الماضي، وهذا في الغلة، وأما إن كان الحبس سكنى فذلك أبين ألا شيء لمن تزوجت في الماضي وتسكن في المستقبل.
وقال محمد: وإن قال: فمن تزوج منهن فلا حق لها، ونصيبها رد على أصحابها أو على أحد سماه، إلا أن يردها الزوج- لم يكن لها إن رجعت، إلا في المستقبل؛ لأنه سمى نصيبها في تزويجها لغيرها، وكذلك إن قال: فمن تزوج منهن فلا حق لها إلا أن ترجع فتدخل في حبسي؛ فإنه يستأنف لها 5.

باب في من حبس حائطًا أو دارًا أو عبدًا (1) على جماعة فمات أحدهم

ومن المدونة قال مالك فيمن حبس حائطه على قوم بأعيانهم وكانوا يسقون ويلون، ثم مات أحدهم بعد الإبار: فلا حق له، ونصيبه في المستقبل على أصحابه، وإن مات بعد الطيب ورث عنه نصيبه 2. وقال أشهب: له ذلك بالإبار 3، وإن كانت تنقسم عليهم، وليسوا يلون عملها فمات أحدهم- لم يستحق نصيبه بالإبار، واختلف هل يستحقه بالطيب أو يكون لمن أدرك القسم.
واختلف عن مالك في نصيبه في المستقبل هل يرجع إلى المحبس أو يكون لبقية أصحابه، وهو الذي ثبت عليه أنه لأصحابه 4. وكذلك إن كان المحبَّس دارًا لسكنى أو عبدًا يستخدم رجع نصيب من مات عند أصحابه حتى ينقرض آخرهم فترجع إلى المحبس 5، فإن كانت الدار للغلة والعبد للخراج كان نصيب من مات على القولين هل يرجع إلى أصحابه أو إلى المحبس؟ وحكى أبو محمد عبد الوهاب في المعونة في العبد للخدمة والدابة لتركب عن مالك قولًا آخر أن نصيب من مات لا يكون لأصحابه 6، وهو أقيس.1

ولا فرق بين ما يراد للغلة أو للسكنى، ولا فيما يلون عمله ولا يلونه، فإن كان الحبس على خمسة، فإنما جعل لكل واحد الانتفاع من ذلك الحبس بخمسه 1، فلا يزاد إن مات أحدهم نصيب صاحبه، وإنما يرد إلى المحبس، وإلى من جعل المرجع إليه إلا أن يكون العادة رجوع ذلك إلى بقية أصحابه.
وإن جعل لكل واحد مسكنًا بعينه، أو قال في العبد: يخدم فلانًا يومًا وفلانًا يومين وفلانًا ثلاثة أيام، أو قال في الثمار: لفلان وَسْق ولفلان ثلاثة، ولفلان خمسة، لم يرجع نصيب من مات إلى بقية أصحابه، وذلك راجع إلى المحبس أو إلي من جعل المرجع إليه.
وإن قال: لفلان وسق، ولفلان وسقان، ولفلان ثلاثة أوسق، ولفلان عشرة أوسق، فأخرج الحائط أكثر من تلك التسمية كان الفاضل لصاحب الحائط، وإن أخرج أقل تحاصُّوا في العاجز، وإن مات أحدهم ولم يوفِّ الحائط حُوصِصَ نصيب الميت ولم يرجع نصيبه إلى أصحابه.
وقال مالك في كتاب محمد: إن سمى ما يعطى لأحدهم كل عام من الكيل ولم يسمِّ للآخرين بُدِّئ الذين سمَّى لهم إلا أن يعمل فيه عامل فيكون أولى بإجارته 2، وأرى إن سمى لأحدهم مكيلة ولآخرين جزءًا، وقال: يعطى فلان عشرة أوسق وفلان ربع الثمرة، وفلان سدسها، وفلان نصف سدسها كان جميع الأجزاء نصف الثمرة، فإن كان نصف الثمرة عشرة أوسق أخذ كل واحد تسميته، وإن كان جميعها ثلاثين وسقًا كان للموصى لهم بالأجزاء نصف

الثمرة، وللآخر عشرة، ويرجع خمسة إلى المحبس أو إلى من جعل المرجع إليه.
ويختلف إذا كان جميعها أقل من عشرين وسقًا هل يتحاصان، أو يسلم النصف إلى الموصى له، ويكون النقص على أصحاب الأوسق وهو أحسن؛ لأن المحبس أعطى لهذا وجعل الأوسق في النصف الآخر.
وإن حبس على معين وقال: من مات منهم فنصيبه في وجه كذا كان كما قال: يصرف إلى ما سمى، ولا ينتظر موت أحدهم، ويختلف إذا قال: فإن انقرضوا رجع ذلك الحبس في وجه كذا، فمات أحدهم وكان المحبس هو الذي يلي السقي والعلاج هل يكون نصيب من مات لبقية أصحابه أو للمحبس حتى يموت أحدهم فيرجع فيما جعل المرجع فيه، أو يجعل من الآن في ذلك، وأرى أن يرجع إلى المحبس حتى ينقرض آخرهم فلا يرجع نصيب الميت إلى أصحابه؛ لأنه جعله بينهم على أعدادهم، ولا يرجع مراجع الأحباس لقوله: فإذا انقرضوا، وذلك بعيدة انقراض جميعهم.

فصل [في حكم ما يعمله المحبَّس عليه في الحبس من بناء أو إصلاح]

اختلف فيما يعمله المحبس عليه في الحبس من بناء أو إصلاح، فقال ابن القاسم: إن بنى أو أدخل خشبًا أو أصلح قليلًا أو كثيرًا ثم مات ولم يذكره لم يكن لورثته فيه شيء، فإن قال: خذوه كان ذلك لهم وإن قل 1، وجعل ذلك المغيرة موروثًا، وإن لم يوص بأخذه إلا ما كان لا قدر له 2.

قال محمد: أما كل ما يرى أنه أراد به الحبس وإصلاحه، وإتمامه فلا حق له فيه، أوصى به أو لم يوص، وأما 1 كل ذي بال من العمل والبنيان، ومثل المسكن يحتاج إليه يبنيه ناحية من الدار أو الحجرة 2، أو ما يرى أنه لم يرد به الحبس من طريق المرمة 3 فأراه حقًّا لورثته، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وقال عبد الملك: كل 4 ذلك حبس ولا شيء لبنيه 5. وأرى أن كل ما لا بال له مثل الخشبة تزاد، وما أشبهها فهي حبس، وإن أوصى به، وما كان له قدر مثل البيت فهو موروث إن وصى به، وإن لم يوص به فلا شيء لورثته فيه؛ لأن أمره فيه مشكل، هل بناه حبسًا أو على وجه الملك، فإذا لم يذكر كان دليلًا على أنه أراد به حبسًا إلا أن يكون مثل ذلك البناء 6 لا يبنى على وجه الحبس.

جارٍ التحميل