التبصرة للخميصفحات 5166-5205

كتاب الرواحل

صفحات 5166-5205

والأول أحسن؛ لأنها مدة متعدى فيها لم يقم 1 فيها عقد، فوجب أن يغرم كراء المثل إلا أن يعترف بالرضا بالمسمى.
وإن كان الكراء لتستعمل 2 بالمدينة فانقضت مدة الكراء: فإن كانت العادة أن ربها يأتي ليقبضها فلم يأت 3 لم يكن على المكتري في تلك الزيادة شيء إذا لم يستعملها، وإن كانت العادة أن 4 المكتري يأتي بها إلى ربها، فلم يفعل- كان عليه الكراء، وإن عدمت العادة وكان الكَرِيُّ أتى بها إلى المكتري كان عليه أن يأتي ليقبضها، وإن كان المكتري أتى 5 بها لصاحبها وقبضها منه، كان عليه أن يردها إلى حيث قبضها، فإن لم يفعل كان عليه الكراء 6 عن المدة التي حبسها فيها.
واختلف هل يغرم المسمى أو إجارة المثل؟ فقال ابن القاسم: إجارة المثل 7 على ما استعملها فيه أو حبسه أيامًا 8 بغير عمل.
وقال غيره: عليه المسمى.
وحمل حبس المكتري وترك المطالبة من الكراء بردها 9 رضًا منهما 10 بالتمادي على مثل العقد الأوّل، وقول ابن القاسم أبين، وقد تقدم وجه ذلك إلا أن يشهد على أحدهما 11 بالرضا، فإن كانت الشهادة على المكتري كان

للآخر 1 الأكثر.
وإن كانت على الكري كان على الآخر 2 الأقل، أو تكون العادة أن التمادي بحساب الأوّل.
وإن حدث عيب أو تلفت 3 لم يضمن على قول ابن القاسم أن لصاحب الدابة المسمى؛ لأنه يرى ذلك رضًا منهما 4، وعلى قول ابن القاسم يضمن ما حدث من عيب فيما قارب العقد.
وخرج عن المعتاد في التراخي 5 بالرد؛ لأنه على حكم المتعدي 6، وإن طالت الأيام لم يضمن لأنَّ فيه شبهة للرضا 7 إذا لم 8 يطلبها، وفيما قرب يقول: كنت أنتظر ردّها.
وقد تتوزع في صفة ما يغرمه من الكراء إذا لم يستعملها على قول ابن القاسم.
وأرى أن يقال: بكم تكري هذه الدابة على أن يغيب عليها المكتري؟ ويمنع صاحبها من الانتفاع بها ومن كرائها، ممن ينتفع بها ثمَّ يوقفها ولا يستعملها، فقد يكون كراؤها على هذه الصفة قريبًا من كرائها لتستعمل 9؛ لأنَّ غرض صاحبها كراؤها حسب ما تقدم وما يعود 10 من منفعة، ولا يحط لراحتها شيء 11؛ لأنَّ ذلك لا ينفعه كبير منفعة؛ لأنه لا

يكريها 1 في مخوف وحالها أمس وهي تستعمل واليوم وهي 2 لا تستعمل سواء، وقد يكون كراؤها كذلك مثل كرائها لتستعمل؛ لأنَّ صاحبها يقول: لا يفيدني وقوفها ولا تعطيلها شيئًا 3.

باب (1) في من اكترى دابة ثم زاد عليها صاحبها أو المكتري أو أردف عليها

وقال ابن القاسم في من اكترى دابة ليحمل عليها متاعًا فحمل صاحبها متاعًا مع متاع الأوّل: كان للأول كراء ذلك المتاع الذي حمل مع متاعه، وإن كان إنما أكراه على مسمى من الوزن لم يكن له في الزيادة 2 كراء.
وقال غيره: إن كان 3 أكراه ليحمله ببدنه أو ليحمله ويحمل له متاعًا 4 ففعل، ثمَّ أدخل الكري 5 متاعًا بكراء أو بغير كراء- فهو لرب الدابة؛ لأنه وفاه بشرطه، وقد كان للمكتري أن يمنع رب الدابة من الزيادة 6. قال الشيخ أبو الحسن اللخمي - رضي الله عنه - 7: كراء الدابة على ثلاثة أوجه: فإما أن يكتري 8 جملتها ولا يسمي قدر ما يحمل عليها، أو يكتري على حمل قناطير، أو يكتري جملتها ليحمل 9 قناطير مسماة.
فإن اكترى جملتها ولم يسَمِّ ما يحمل عليها جاز، فإن كان حمل مثلها أربعة1

قناطير فحمل عليها ثلاثة وحمل عليها ربها 1 قنطارًا: فإن أتى به من عنده فحمله عليها والمكتري لم 2 يعلم، أو علم ولم يقدر على منعه- كان المكتري بالخيار بين: أن يفسخ عن نفسه ما ينوبه، أو يأخذ فيه كراء المثل.
وإن علم ولم يمنعه كانت إقالة في ذلك القنطار، وكذلك إن كان ذلك القنطار بكراء ولم يكتر على أن يحمل على 3 غير 4 هذه الدابة.
فإن 5 أكراه ليحمله عليها فحمل والمكتري 6 لم يعلم أو علم 7 ولم يقدر على منعه - كان بالخيار بين: أن يفسخ عن نفسه ما ينوب 8 ذلك القنطار، أو يأخذ فيه 9 كراء المثل أو المسمى 10 الذي أكراه 11 به، وإن علم بالكراء فرضي بحمله كان له الذي أكرى به، ولا مقال له فيما سوى ذلك.
وإن حمل عليها المكتري أربعة قناطير وزاد المكتري 12 نصف قنطار، فإن كانت مضرة ذلك الزائد على رب الدابة وحده، وكانت تسير بسيْر الدواب،

ولا يخشى أن تقف بحملها في الطريق لم يكن للمكتري 1 في ذلك مقال، وإن كان فيه مضرة على المكتري؛ لأنها أبطأت عن سير الدواب 2، أو كان يخشى أن تقف بحملها كان للمكتري وللمكري 3 في ذلك مقال: فمقال المكتري ما كان عليه متاعه من الغرر إن وقفت في قفر فهو كالعيب 4 حدث 5 في المكترى، ومقال المكري 6 تعب 7 دابته، فيقسم كراء ذلك الزائد بينهما على قدر شركتهما فيه 8، فإن حمله بغير رضاه كان بالخيار بين ثلاثة أوجه: بين أن يحط عن نفسه ما ينوبه من المسمَّى، أو يأخذ قيمة ذلك العيب، أو ما أكراه به فيقال: بكم تكرى هذه الدابة لحمل 9 أربعة قناطير بانفرادها؟ فإن قيل: بعشرة، قيل 10: فبكم تكرى على أن معها نصف قنطار؟ فإن قيل: تسعة 11، حط عشر المسمى إلا أن تكون القيمة أكثر من المسمى فيحاسبه بدينار، وإن 12 أحب أن يأخذ ما ينوبه من الكراء الثاني

قيل: بكم يكرى هذا النصف قنطار على دابة عليها أربعة قناطير؟ فإن قيل: بدينارين؛ لأنَّ الدابة يخشى عليها منه 1 فلا تكرى إلا بأكثر من غيره، كان المسمَّى الذي أكرى به 2 بينهما نصفين 3؛ لأنَّ قيمته ديناران وللأول 4 فيه ما قيمته 5 دينار.
وإن اكترى 6 جملتها ليحمل عليها ثلاثة قناطير، وحمل مثلها أربعة، فحمل عليها ثلاثة وحمل ربها قنطارًا كانا شريكين في ذلك القنطار؛ لأنَّ صاحب الدابة يحط عما يكري به على أربعة قناطير 7 لمكان راحتها، والمكتري يزيد على ما يكري 8 به على الثلاثة، لو كان عليها أربع 9 ليكون مستظهرًا لحمل متاعه، وقد تقدم ذكر ذلك في "كتاب 10 الجُعْل" في مسألة الراعي 11 يزيد على ما شورط على رعيه.

فصل [فيما إذا أردف المكتري على الدابة]

وإن كان المكتري هو الذي 1 أردف 2 معه رديفًا، فإنَّه لا تخلو الدابة من أربعة أوجه: إما أن تسلم، أو يحدث بها عيب يسير، أو كثير، أو تهلك.
فإن سلمت كان 3 لصاحبها المسمى وكراء المثل في الرديف.
وإن حدث عيب يسير كان له المسمى، وفي الرديف الأكثر من كراء المثل أو قيمة العيب إذا كان العيب لا يفيت 4 الركوب؛ لأنَّ المسمى استحق عن الأوّل 5، ولو لم يردف لم يحدث العيب، فزيادة الرديف سبب العيب وفيه وقع التعدي 6. وإن كان العيب كثيرًا كان الخيار بين أن يأخذ قيمة الرقبة، ولا شيء له 7 من الكراء أو المسمى والأكثر 8 من كراء الرديف، أو قيمة 9 العيب.
وكذلك إن هلكت هو بالخيار، فإن أحب قيمة الرقبة أو المسمى

والأكثر 1 من كراء الرديف أو من 2 قيمة العيب الذي هلكت عنه، إذا كان العيب عن تمادي الثقل فأنهكها، وإن كان عِثارًا عرض لها 3 لشدة 4 الثقل في الآخر- كان له المسمَّى وكراء المثل عن الأيام الفارطة 5 وقيمتها لآخر يوم.
وإذا وجبت القيمة وكان المكتري عديمًا والرديف موسرًا، فإن كان عالمًا أنها في يد الأوّل بكراء ولا يخفى أن ركوبه 6 عليها مع الأوّل يخشى عليها منه- ضمن جميع 7 قيمتها، وإن لم يعلم أنها بكراء كان عليه نصف قيمتها؛ لأنه يقول: جميعنا أهلكها ولم أتعمد عداء 8. ويختلف إذا كان الغالب السلامة فقدر إن هلكت من ركوبهما 9 هل يضمن؛ لأنَّ هلاكها من باب الخطأ بمنزلة من اشترى عبدًا فقتله خطأ، ثمَّ استحق فقد اختلف في ضمانه؟ والجواب: إذا اكترى للحمل فزاد على ما تقدم في الرديف ينظر هل سلمت أو حدث عيب يسير أو كثير أو 10 هلكت؟ وصفة قيمة الزيادة أن

يقال: بكم يكرى 1 هذا الزائد على هذه الدابة، وهي مثقلة بذلك الحمل المكترى عليه.
وإن حمل مثل وزن الأول وهو أضر مثل: أن تكرى 2 على أربعة قناطير كتان، فيحمل عليها أربعة رصاص 3 كان لقيمة ذلك طريقان: أحدهما أن يقال: بكم تكرى 4 على أربعة قناطير 5 كتان؟ فإن قيل: بدينارين وعلى 6 أربعة 7 الرصاص، ثلاثة 8 أخذ المسمى ودينارًا، فإن كان المسمى ثلاثة أخذ أربعة.
والثاني: أن يقال: بكم تكرى 9 على أربعة كتان؟ فإن قيل: بثلاث دنانير.
قيل: بكم تكرى 10 من الرصاص بثلاثة دنانير؟ فإن قيل: ثلاثة قناطير.
قيل له: هذا الوزن لَحِقَكَ 11 في العقد الأوّل، ثمَّ يكون عليه كراء القنطار الباقي على أنَّه على 12 دابة 13 مثقلة بثلاثة

رصاص 1، فما 2 قيل إنه يكري به أخذه مع المسمى.
وقال مالك في الحاج يكتري على خمس مائة رطل، فيكون في زاملته أكثر مما تعطب 3 فيه قال: لم يزل الحاج تكون له 4 الزيادات من السفر والأطعمة لا ينظر في ذلك، ولا يعرف المكري 5 ما حمل، ولا يكون عليهم في ذلك ضمان إذا كان المكري هو الذي حمله 6 ورآه.
فجاوب إذا كان هو الذي حمله، ولم يجاوب إذا لم يحمله.
والأمر فيه مشكل، فيصح أن يقال: يضمن إذا جاوز المعتاد من الزيادة، وأن لا يضمن؛ لأنَّ المكري فرط إذ 7 لم يختبر مع إمكان أن يكون زاد مثل 8 ذلك، وأما إن زاد المعتاد فلا ضمان عليه 9. وقال ابن القاسم فيمن اكترى دابة يحمل 10 عليها عشرة أقفزة، فزاد قفيزًا فعطبت: لم يضمن إذا لم تعطب منه 11. يريد: إذا كان حملها في البلد لم يخرج عنه فلا يضمن سواء هلكت في حال الحمل أو بعد انقضائه، إذا لم تكن الزيادة سبب هلاكها، وإن 12 شك هل

هلكت من ذلك أم لا؟ وكان هلاكها في حال الحمل أو بفور 1 انقضائه ضمن على قول ابن مسلمة، بخلاف التعدي على العبد؛ لأنَّ العبد يذكر ما نزل به من الضمان 2 فسكوته دليل على السلامة، والدابة ينزل بها ما يهلكها فلا يعلم حتى تهلك، وقد يقال 3: لا شيء عليه حتى يُعلم أنها هلكت منه.
وأرى أن يغرم نصف قيمتها ولا يلزم الجميع لإمكان سلامتها ولا 4 يسقط الجميع، لإمكان أن يكون هلاكها من سبب التعدي، وإن علم أن هلاكها من التعدي وكان حمل 5 الحادي عشر بعد انقضاء العشرة- كان له 6 المسمى في العشرة وقيمتها، وإن كان قسم الحادي عشر على العشرة بعضه 7 في كل نقلة- كان لصاحبها أن يغرمه قيمتها 8 في أول نقله ولا كراء له 9، أو 10 يأخذ المسمى وكراء الزائد، ولا قيمة له، ولو قيل إن لصاحبها أن يأخذ قيمتها من الوقت الذي صار يخشى التمادي عليها، وله فيما تقدم من النقلات ما ينوبه من المسمى وكراء 11 الزائد لكان 12 وجهًا.

باب في اختلاف المتكاريين وكيف (1) إذا اكترى رجلان (2) دابة ثم اختلفا في الموضع الذي اكتريا (3) إليه؟

لا يخلو اختلاف المتكاريين من أربعة أوجه: إما أن يكون في المسافة، أو في الثمن، أو في المسافة والثمن، أو في دفع الثمن.
فإن اختلفا في المسافة فقال المكري 4 إلى برقة 5، وقال المكتري إلى إفريقية، واتفقا أن الثمن مائة وأتيا بما يشبه، كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان إذا كان قبل الركوب، أو كان ركوبًا قريبًا لا ضرر 6 عليهما في رجوعهما 7. وقال غيره: القبض فوت، والقول قول المكري 8، قال: ألا ترى أنه 9 لو قال: بعتك بهذه المائة التي قبضت منك مائة إردب إلى سنة، وقال المبتاع123

بل اشتريت بها منك مائتي أردب إلى سنة 1 - أن القول قوله؟ فجعل القول قول المكري 2 بنفس القبض، وإن لم يبن بها، وهذا الذي يقتضيه قوله: بهذه 3 المائة 4. وعلى أحد قولي مالك لا يقبل قوله فيها 5 حتى يَبِينَ 6 بها كما 7 قال: إذا اختلفا 8 في ثمن السلعة فالقول قول المشتري في العوض إذا بان 9 بها، وكذلك هذا، أن القول قول المكري 10 في العوض عما قبضه من الثمن؛ لأنهما متفقان أنه استحق جميع الثمن 11 واختلفا في العوض عنهما 12. وإن اختلفا بعد أن بلغا إلى برقة وأتيا بما يشبه ولم ينقد، تحالفا وتفاسخا ويسقط عن المكري 13 الدعوى في بقية المسافة، ويغرم المكتري ما 14 ينوب

برقة على أن الكراء إلى إفريقية، وعلى المكري 1 أن يحلف 2 أن الكراء لم يكن إلا 3 إلى برقة، ويحلف الآخر أنَّه اكترى 4 إلى إفريقية، وليس عليهما أن يذكرا الثمن لاتفاقهما عليه.
وإن كان نقد المائة كان القول قول المكري 5 مع يمينه أنَّه لم يكر 6 إلا إلى برقة، ويستحق المائة، ويسقط عنه بقية المسافة.
فإن نكل المكري 7 وحلف المكتري، كان له أن يتمادى إلى إفريقية.
وإن حلف المكري 8 ونكل المكتري كان له أن يقبض المائة، ويسقط عنه 9 بقية المسافة.
ويستوي الجواب إذا حلف أحدهما ونكل الآخر، إذا اختلفا قبل الركوب أو بعد الوصول إلى برقة نَقَد أو لم ينقد، وإنما يفترق الجواب إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر 10 بما لا يشبه.
فإن كان المكري أتى بما يشبه دون الآخر، حلف واستحق 11 المائة وتسقط عنه بقية المسافة كالنكول، وإن كان المكتري هو الذي أتى بما يشبه دون

الآخر تحالفا وتفاسخا وفضت المائة، على أن الكراء كان 1 إلى إفريقية، بخلاف النكول؛ لأنَّ كثرة الثمن دليل على أن هناك مبيعًا 2 آخر غير الوصول إلى برقة، وليس فيه دليل على أن الزائد بقية طريق إفريقية، وهو 3 بمنزلة قوله: بعتك هذا العبد بمائة وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: اشتريت هذا العبد وهذا الآخر بمائة، وإن 4 أتى بما يشبه 5 أن تكون المائة ثمن العبدين، وقد فات الذي تقاررا على بيعه- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وتفض المائة على قدر العبدين.
وفرق بين هذه وبين المختلفين في السَّلَم إذا قال المُسْلَم إليه: في خمسة أرادب وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: في عشرة وأتى بما يشبه 6، أنَّه يحلف ويأخذ العشرة لأنَّ الطعام صفة واحدة في الذمة فأشبه من قال: بعت 7 بمائة دينار وأتى بما يشبه.
وقال الآخر بخمسين، وأتى بما لا يشبه والطريق كالسلع المعينات 8، فالقول قول صاحب الدابة أنَّه لم يبع منافعها إلى تلك الطريق.
وكذلك السَّلَم لو 9 قال: أسلمت إليَّ 10 في خمسة أرادب قمحًا وخمسة

تمرًا 1، وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: في خمسة قمحًا وخمسة تمرًا وأتى بما يشبه أن يكون رأس المال ثمنًا لتلك العشرة وقد حلَّ الأجل- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان 2، ويكون للمُسْلِم القمح بما ينوبه من الثمن ويرتجع بقية رأس المال، وهذا وجه تفرقة 3 ابن القاسم بين السؤالين.
ولو قيل 4: إن القول قول المكتري أن الكراء إلى إفريقية ويبلغ 5 بها إلى إفريقية.
وقول المسلم: إنه أسلم في القمح والتمر ويأخذهما لكان وجهًا؛ لأنَّ كثرة الثمن دليل على أن الكراء والبيع انعقد على شيء آخر غير ما تقاررا عليه، وقد كتمه الكري والبائع 6، فكان القول قول المكتري والمشتري في تعيينه 7. قال محمَّد: وقال مالك: إلا أن يكون ذلك في زمن الحج، فإن الحاج إنما يكري إلى مكة فعليه أن يبلغه إلى مكة 8. قال محمَّد 9: بما انتقد وإن لم ينتقد فبالكراء الذي يقر به المكتري 10. وهذا أحسن بخلاف المسألة الأولى؛ لأنَّ العادة أن الكراء حينئذ إلى مكة، وليس العادة أن يكتري 11 إلى المدينة 12، ثمَّ يستأنف

كراء آخر إلى مكة، فكان في ذلك دليلٌ للمكتري على عين 1 المبيع، وهو كشاهد على غير 2 المبيع 3، والأول كشاهد أن هناك مبيعًا 4 لا يدرى ما هو.
وإن نقد خمسين، ثمَّ اختلفا بعد أن بلغا برقة، كان القول قول المكري 5 أنَّه استحقها على 6 نصف الحمل إلى برقة، والقول قول المكتري 7 في الخمسين التي لم ينقد؛ أن المائة كانت عن جميع الطريق إلى إفريقية ويغرم 8 خمسة وعشرين إذا كانت برقة 9 نصف طريق إفريقية.
وإن اختلفا في نصف طريق برقة، وكان الكراء على الأحمال- تحالفا، وكان للمكري 10 من الخمسن خمسة وعشرين 11 عن نصف الماضي، ويحمل له نصف الأحمال في المستقبل.
ولو كان الكراء على ركوبه لفسخ 12 الباقي؛ لأنه لا يتبعض ويغرم المكتري عن نصف الماضي اثني عشر ونصفًا؛ لأنَّ القول

قوله فيما لم ينقد أنَّه من حساب مائة إلى إفريقية.

فصل [فيما إذا اختلفا في المسافة والكراء]

وإن اختلفا في المسافة والكراء فقال المكري: أكريتك إلى المدينة بمائتين.
وقال الآخر: بمائة إلى مكة، وبلغ إلى 1 المدينة وكان نقد مائة وأتيا بما يشبه كان القول قول المكري في المائة التي قبض وفي إسقاط بقية المسافة، والقول قول المكتري في المائة التي لم 2 ينقد، والمكري بالخيار بين: أن يحلف على تكذيب صاحبه فيحلف أنَّه لم يكر إلى مكة بمائة، أو على إثبات دعواه فيحلف لقد أكرى إلى المدينة بمائتين.
وكذلك المكتري له أن يحلف على تكذيب صاحبه أنَّه لم يكر إلى المدينة بمائتين، أو على إثبات دعواه فيحلف لقد أكرى إلى مكة بمائة.
فمن حلف على 3 إثبات دعوى نفسه ثمَّ نكل الآخر، كان الحكم على 4 ما حلف عليه الحالف.
وإن كانت يمينه على تكذيب صاحبه ثمَّ نكل الآخر، حلف يمينًا آخر 5 على إثبات دعواه.
وإن اختلفا في من يبدأ باليمين اقترعا؛ لأنه لا مزية لأحدهما في التبدية على الآخر، فالمكتري 6 يكره أن يبتدئ باليمين؛ لأنه يقول: إن بديت فحلفت على

تكذيب دعوى صاحبي 1، ثمَّ نكل صاحبي 2 حلفت 3 يمينًا أخرى على إثبات دعواي، وإن بديت فحلفت على إثبات دعواي ثمَّ حلف المكري، لم تفدني 4 يميني 5 على إثبات دعواي.
وكذلك المكري 6 يكره أن يبتدأ باليمين؛ لأنه يقول: إن حلفت على تكذيب 7 صاحبي ثمَّ نكل حلفت 8 يمينًا أخرى، وإن حلفت على إثبات دعواي فحلف 9 لم تفدني يميني إلا في إسقاط دعواه، وإن هو بدأ فحلف حلفت على تكذيبه خاصة، وإن نكل حلفت على إثبات دعواي، فأفدت 10 الوجهين جميعًا.
وإن نقد الخمسين 11 كان القول قول المكري 12 أنَّه استحقها عن 13 الوصول إلى المدينة، ثمَّ هما مختلفان بعد ذلك عن ما 14 استحقت؟ فالمكري يقول: عن ريع الماضي.
والمكتري 15 يقول: عن نصفه وأن الباقي في ذمتي

خمسون 1 على أن الكراء مائة إلى مكة، ويغرم خمسة وعشرين إذا كانت المدينة نصف طريق مكة، والمكتري يقول عن نصفه 2. وإن اختلفا في نصف طريق المدينة في غير 3 مستعتب وكان نقَد مائة، فالقول 4 قول المكري أنَّه استحق منهما خمسين، ثمَّ هما أيضًا مختلفان عمَّ استحقت؟ فالمكري يقول: عن نصف الماضي لأنَّ الكراء مائتان وقد مضى نصف المسافة ويحمل 5 في المستقبل نصف الأحمال.
والقول قول المكتري أنَّه لم يبق في ذمته عن الماضي شيء؛ لأنه يقول: الكراء مائة وقد دفعت جميعها.
وإن كان نقده 6 خمسين كان القول قول المكري أنه استحق منها خمسة وعشرين.
والقول قول المكتري أن الباقي في ذمته اثنا عشر 7 ونصف، وهذا الجواب عن الماضي.
وأما في 8 المستقبل فالقول قول المكري مع يمينه أنَّه 9 ليس عليه أن يحمل مع 10 المنقود إلا على حساب ما أقر به وهو ربع 11 الأحمال يقول: عن ريع الماضي.
والمكتري) ساقط من (ر).

ويتحالفان ويتفاسخان فيما لم ينقد (1). وإن كان الكراء على ركوبه تحالفا وتفاسخا في جميع الباقي، ويرد المكري (2) خمسة وعشرين؛ لأنَّ الركوب لا يتبعض فيرد بعيب (3) الشركة فيه.

فصل [في حكم ما إذا اختلفا في الثمن وتصادقا في المسافة]

واختلف إذا اختلفا في الثمن وتصادقا في المسافة فقال ابن القاسم: إذا قال أكريتك بمائة وقال 4 الآخر بخمسين، وكان الكراء من مصر إلى مكة واختلفا بأيلة- فالقول قول 5 المكتري 6 مع يمينه، وسواء كان الكراء في راحلة بعينها أو مضمونًا، قال: لأنَّ مالكًا قال: إذا حمله على بعير من أيلة فليس له أن ينتزعه منه إلا أن يشاء المكتري، وإن فلس الجمال كان 7 كل واحد أحق بما تحته 8. قال محمَّد وهو أحق وإن كان يدير الإبل تحته 9. وقال غيره: ليس الراحلة بعينها كالمضمون.123

قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- 1: أما الماضي فالقول قول المكتري فيه 2 مع يمينه، وكذلك المستقبل إذا كان في غير مستعتب، أو في مستعتب والكراء به 3 غير موجود.
ويختلف إذا كان موجودًا هل يتحالفان ويتفاسخان؛ لأنَّ الباقي كالشيء القائم، أو يكون القول قول المكتري؛ لأنَّ تسليم الراحلة 4 إليه كتسليم السلعة إذا بيعت وبان بها المشتري؟ واختلف أيضًا إذا كان الركوب مضمونًا فقول 5 ابن القاسم 6: إنه كالمعين.
وقال غيره: ليس كالمعين 7. وهو أبين إذا كان يدير الإبل تحتهم؛ لأنَّ ذلك كلا تسليم، فلا يقبل قوله إن اختلفا في الكراء، ولا يكون أحق في الفلس، وإن كان تسليم ذلك ليستوفي 8 ركوبه منه ولا يبدل 9 ذلك، إلا أن تموت الدابة أو يحدث ما يمنع ركوبها- كان أحق في الفلس والقول قوله 10 في الاختلاف.

فصل [في حكم ما إذا اختلفا في دفع الثمن قبل الركوب]

فإن اختلفا في دفع الثمن 1 قبْل الركوب كان القول 2 قول المكري 3، وكذلك إذا اختلفا بفور 4 الوصول وإن مضى بعد ذلك ما الغالب أنَّه لا 5 يتأخر الدفع إليه- كان القول قول المكتري، وهذا في الركوب، وكذلك الأحمال إذا كانت العادة تسليمها ثمَّ يطلب الكراء.
وإن كانت العادة أن لا يُسَلِّم 6 حتى يقبض الكراء فسلمت، كان القول قول المكتري إلا أن تكون لقوم عادة فيحملوا عليها، والعادة في كراء البحر 7 إلى الإسكندرية أن يقدم 8 النصف، فالقول قول المكتري أنَّه قدمه إذا اختلفا بعد الوصول أو ليلة المبيت.
وكذلك كراء البر إن كانت لهم عادة لا يبرزون إلا بعد دفع الكراء، كان القول قول المكتري أنَّه لم يخرج إلا بعد دفعه.
وقال في الخياط والصباغ 9 يُسَلِّم ما صنعه 10، ثمَّ يختلفان في دفع الأجرة، فالقول قول الصانع فيما قرب، والعادة اليوم أنهم لا يسلمون حتى

يقبضوا، فمن ادعى اليوم أنَّه سَلَّم قبل أن يقبض لم يصدق إلا لخواص (1) من العارف.

فصل [في حكم اختلاف رجلين تكاريا دابة يتعاقبان عليها]

وقال محمَّد بن سحنون: قال بعض أصحابنا في رجلين تكاريا دابة يتعاقبان عليها في ذهابهما ومجيئهما 2، فلما بلغا قابس قال أحدهما: كان الكراء إلى قابس 3. وقال الآخر: إلى طرابلس: فالقول قول من قال إلى قابس، ويرجع راكبًا، فإن رجع معه صاحبه وإلا أكرى الذي قال إلى قابس مكان صاحبه 4. فإن قال صاحب الدابة 5: كان الكراء إلى طرابلس ذاهبين وراجعين وصدقه الذي قال إلى قابس وقال: كنت 6 كذبت أو نسيت- أعطى 7 صاحبه المدعي 8 إلى طرابلس قيمة الكراء من قابس إلى طرابلس 9.1

وإن قال: لم أكر إلا إلى قابس أعطى صاحبه قيمة كراء من قابس إلى طرابلس 1، ولم يكن للآخر شيء.
وأرى إذا قال المكتري 2: إن الكراء كان 3 إلى طرابلس، أن يسقط عن الذي قال إلى طرابلس من المسمى قدر 4 ما ينوب ما بعد قابس إلى طرابلس، وكان للمكري أن يرجع بذلك على من قال إلى قابس ثمَّ رجع عن قوله؛ لأنه بتعديه في ردِّها من قابس أتلف عليه باقي الكراء إلى طرابلس 5، ويرجع عليه بتمام المسمى الذي عقد عليه 6 به منه؛ لأنه كان مكنه منها فردَّها اختيارًا وأقر أنَّه كذب في قوله إلى قابس، ولا يصدق في قوله: نسيت.
فإن قدر على أن يستعملها في البلد أو في 7 مواضع مأمونة، مثل القدر الذي كان يسافر 8 بها من قابس إلى = أطرابلس: أقم البينة وتركب إلى أطرابلس، وإن لم نجد البينة حلف مدعي الكراء إلى قابس أنه إليها كان كراؤهما وقيل لصاحبك: أكرِ نصفها الذي لك في الركوب إلى القيروان، أو اركب إن شئت، فإذا لقيت رب الدابة فأقر بما تدعي- رجع عليه بما يصير له من القصاص في الكراء من قابس إلى أطرابلس ذاهبًا وجائيًا إليها، وإن قال رب الدابة: الكراء إلى قابس فهو مصدق مع يمينه إذا انتقد، وإن أراد مدعي قابس أن يأخذ مثل ما أصاب صاحبه قصاص الكراء، الذي أقر لهما به فيما بين البلدين، فذلك له إن شاء إلا أن يثبت على قوله الأول فلا يأخذ شيئًا".

طرابلس- كان ذلك له، وإلا فلا شيء له.
وإن قال صاحبها: بل كان 1 الكراء إلى قابس؛ أخذ من الذي كان قال مثل ذلك جميع المسمى، وسواء بقي على قوله أو رجع عنه، ثمَّ ينظر فيما بينه وبن الآخر: فإن كان لم ينتقد منه الكراء، كان القول قول المكتري: إن الكراء كان 2 إلى طرابلس، ويسقط عنه من 3 المسمى ما بعد قابس إلى طرابلس، وإن كان نقد كان القول قول المكتري 4 أن الكراء كان إلى قابس.
ومحمل القول في أول المسألة أن القول قول من قال إلى قابس ويرجع 5 بها، فإن كان 6 ذلك بعد يمينه، فإن نكل حلف الآخر ومضى بها إلى طرابلس.
فإذا قدم فقال صاحبها: كان الكراء إلى طرابلس، ورجع الآخر إلى قوله، لم يسقط عن الذي قال إلى قابس ما بعد قابس إلى طرابلس؛ لأنه كان ممكنًا منها فتركها اختيارًا، وإن قال صاحبها: كان الكراء إلى قابس.
وقال ابن القاسم في من دفع كتابًا 7 لمن يبلغه من مصر إلى إفريقية بكذا وكذا ثمَّ أتى بعد ذلك، وقال: بلَّغته، وكذَّبه الآخر.
قال: قد ائتمنه على أداء الكتاب.
فإذا قال: قد أديته فيما يعلم أنَّه يصل ويرجع- كان له 8 الكراء.

قال 1: وكذلك الكراء على الطعام والبَزِّ.
وقال غيره: عليه البينة أنَّه بلغه 2. والأول أحسن، إذا كان على الإجارة؛ لأنه 3 كلما مضى يوم استحق أجره 4، ومعلوم أنَّه لا يكلف بينة تصحبه كل يوم أنَّه مشاه.
وإن كان على البلاغ حسن 5 أن يكلف البينة؛ لأنَّ الأجرة إنما تستحق عن وقت تسليمه إلا أن العادة اليوم أن لا بينة في ذلك.

باب (1) القضاء في النقد، و (2) في صفته، وفي (3) الموضع الذي يقبض فيه

ومن 4 اكترى لينقد في موضع عقد، كان عليه سكة الموضع الذي عقد 5 فيه الكراء 6، وإن تراخى النقد إلى الموضع الذي اكترى إليه، إلا أن تكون العادة النقد من سكة البلد الآخر، والعادة اليوم في من يكتري 7 إلى الإسكندرية على الأحمال أن يعجل 8 النصف من سكة موضع العقد، ويؤخر النصف فيدفعه من سكة ما يتبايع 9 به أهل 10 الإسكندرية.
وقال ابن المواز فيمن استأجر صانعًا 11 إجارة فاسدة: له نقد يوم 12 الحكم، وهذا غير صحيح، وإنما له على أصل 13 قول ابن القاسم نقد يوم قبض123

الشيء المصنوع.
وهو الأصل في كل من اشترى سلعة شراء فاسدًا، فإن القيمة يوم القبض، وعلى أصل محمَّد بن المواز (1) له نقد يوم وضع الصنعة؛ لأنه قال: إذا ضاع بعد الصنعة ببينة كان له الأجر، وإن كان الكراء إلى البلد الآخر على وجه الجعالة، كان له سكة البلد الذي وصل إليه؛ لأنه لا يستحق شيئًا إلا بعد الوصول إليه (2).

فصل [في من اكترى من جمَّال إلى مكَّة وقال: اخرج بي الآن، وقال الجمال: في الزمان بقية]

وقال ابن القاسم في من اكترى 3 من جمَّال إلى مكَّة وقال: اخرج بي الآن، وقال الجمال: في الزمان بقية.
فللجمَّال أن يتأخر إلى خروج الناس.
وهذا يحسن إذا كان الكراء من المدينة؛ لأنَّ السير يتيسر كل وقت.
والعادة أن الجمَّال يقف بالمكتري ولو كان الكراء في غير إبان الحج، أو في إبان الحج؛ وليس العادةَ أن يقف به 4، وكان سير 5 الناس من ذلك الموضع متيسرًا متى أحبوا كان عليه أن يخرج به 6 الآن.
وإن دعا إلى ذلك الجمال أو المكتري، كان القول قوله إلا أن تكون عادة فيحملا 7 عليها.12

وقال ابن القاسم في من تكارى إلى الفسطاط، فليس عليه أن ينزل إذا بلغ أوله، وعليه أن يوصله إلى منزله 1 وإن كان منزله 2 أقصى الفسطاط، وهذا وجه ما يعرف 3 من الذي يتكارى عليه الناس: يجوز الكراء على ذلك وإن لم يعلم الجمّال هل منزله في أول الفسطاط أو وسطه 4 أو آخره؟ وليس بغرر؛ لأنه يسير في جنب المسافة 5. ولو استأجر من يحمل له شيئًا من المدينة لم يجز إلا أن يسمى موضع داره منها؛ لأنه غرر بخلاف الأوّل.
وقال محمَّد بن عبد الحكم فيمن اكترى من جمَّال على حمل بَزٍّ إلى بلد وبينهما أودية، فربما تخاض، وربما لا يستطاع خوضها، وهناك قوارب تحمل الإبل والمتاع حتى يجاز، فلما أتوا الوادي، قال صاحب الإبل: حمله عليك.
قال: إن لم تكن لهم 6 عادة كان حمل البَزِّ على صاحبه، وحمل الإبل على صاحبها.

باب (1) في تضمين الأكرياء ما هلك من سببهم

وقال مالك في من اكترى على حمل دُهن أو متاع فعثرت الدابة 2 فانكسرت القوارير أو انقطعت الحبال 3 ففسد المتاع، قال مالك: لا شيء على المكري 4 إن لم يغر من عثار أو ضعف حبل 5. ولا يخلو هلاك المكترى عليه من أن يكون من غير سبب المكري.
أو 6 من سببه عمدًا أو خطأ من الوجه المأذون له 7 فيه أو من غيره 8، أو لأنه غُرَّ بفعل أو قول، فإن لم يكن من سببه لم يضمن، وإن كان من سببه عمدًا ضمن، وكذلك إذا 9 كان خطأ من غير الوجه المأذون فيه، وإن كان من 10 الوجه المأذون فيه، كان فيه قولان: هل يضمن أم لا؟ وإن كان من غرور بفعل ضمن.
وإن كان غرورًا بقول كان فيه قولان: هل يضمن أم لا؟ 11 وهذا عقد هذا الأصل.1

فإن لم يغر من عثار لم يضمن للحديث: "جَرْح العَجْماءِ جُبارٌ" 1. وكذلك ما أتى من ضعف الحبال 2، أو خفي ذلك على الجمال كالعفن بحدث، فإن علم وربط بها وسيرها 3 ضمن؛ لأنه وإن كان ربها حاضرًا معاينًا فهو غرور بفعل 4. وإن سلَّم الحِبال للمكتري فربط بها 5، وكان المكتري هو الذي شدها 6 - كان غرورًا بقول، وإن سيرها الكري 7 بعد ربط المكتري كان تعديًا، وإن ربطها الكري 8 وسيَّرها 9 المكتري، كان الأصل فيه 10 تعديًا بفعل، والهلاك فيه 11 غرور بقول.
وأرى أن يضمن في جميع هذه الوجوه، وإن كان بعضها أقوى وأبين من بعض، ولصاحب الأحمال أن يغرمه ذلك بالموضع الذي حمل منه، أو

بالموضع 1 الذي هلك فيه فيأخذه بأول تعديه أو بآخره.
وقال ابن القاسم فيمن حمل دهنًا من مصر إلى فلسطين فانكسر بالعريش، وكان قد غرَّ من الدواب 2 وقيمته بالعريش ضعف قيمته بالفسطاط: فله أن يضمنه قيمته بالعريش.
وقال غيره: قيمته بالفسطاط إن أراد 3. والجوابان يرجعان إلى أنه بالخيار.
فقوله: (إن أراد) تخيير منه، وقول ابن القاسم بالعريش؛ لأنه قال: قيمته هناك ضعف قيمته بالفسطاط.
والشأن أن الإنسان يختار الأكثر ليس أنه يمنع من قيمته 4 بالفسطاط، ثمَّ لا يخلو أن يكونا دخلا على البلاغ أو على الإجارة، فإن كان على البلاغ كان له أن يغرمه بالفسطاط؛ لأن جميع المسافة الماضية فيه 5 والمستقبل كشيء واحد، لا يستحق شيئًا إلا بالوصول إلى فلسطين، فكأنه لم يسلم شيئًا مما كوري عليه، وله أن يغرمه قيمته بالعريش.
بخلاف من غصب شيئًا ونقله؛ لأنَّ الغاصب نقله لنفسه، وهذا نقله لصاحبه 6، وهو يسقط التعدي إلى آخر وقت هلك فيه.
وإن كان على الإجارة كان له أن يغرمه بالعريش؛ لأنه يقول: أنا أرضى أن يكون كل يوم مضى كالتسليم الصحيح 7 فيدفع عنه الأجرة، ويأخذه بآخر

التعدي، وله أن يقول: لا يستحق عن (1) تلك الأيام أجرة؛ لأنه ليس بتسليم صحيح؛ لأنَّ كل يوم مضى يدك باقية بالتعدي ليتمادى (2) به إلى منهل آخر، فله أن يغرمه قيمته بالفسطاط، فإن كانت قيمته بالموضعين سواء غرمه قيمته بالفسطاط ليسقط عنه الكراء.

فصل [فى ادعاء المكري ضياع ما حمله]

وإن ادَّعى 3 المكري ضياع ما حمله بنفسه أو على دابته أو في سفينته قبل قوله فيما 4 سوى الطعام من المتاع وغيره 5، إلا أن يتبين كذبه أو يذكر أن ذهابه كان على صفة أتى فيها بما لا يشبه، وهذا إذا 6 ادَّعى ضياعه في الطريق، أو بعد الوصول، أو قبل أن يغيب عليه ويحوزه عن صاحبه؛ لأنه إذا ادَّعى ضياعه قبل أن يحوزه عن صاحبه 7 بعد وصوله على حكم الإجارة، فإذا حازه 8 عنه وغاب عليه كان على حكم الرهن، وهو في الطعام على خمسة أوجه:- يصدق في وجه، ولا يصدق في آخر، واختلف في ثلاثة: فإن كان صاحبه معه والحمل في المدينة أو في السفر في البَرِّ- صُدِّق.
وقال أصبغ في كتاب محمَّد: ولو فارقه في بعض الطريق لم يضمن.
قال محمَّد: لأن12

أصل حمله على غير التسليم لمن حمله 1. وإن لم يكن صاحبه معه وحمله في غير البلد الذي يسافر له في 2 بَرٍّ أو بحر، والطعام مما تدعو الضرورة إليه في الغالب 3 - لم يصدق.
واختلف إذا حمله بالمدينة ولم يصحبه صاحبه، أو في السفر في البحر وصاحبه معه، أو لم يكن معه صاحبه، وليس الطعام مما تدعو إليه الضرورة 4 في الغالب، والمعروف من المذهب أنه غير مصدق إذا غاب عليه وإن حمله في المدينة 5. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: لا ضمان عليه.
يريد: لأنه في المدينة قادر على أن يصحبه من غير ضرر 6 عليه، فإن لم يفعل كان قاصدًا إلى الائتمان.
وأرى أن يضمن الذي يحمل القمح والشعير والقطاني وما أشبه ذلك وإن صحبه صاحبه إذا نقص؛ لأنه قد علم منهم السرقة فأخفى ذلك عنهم مع كون صاحبه معه، وإن ادَّعى ذهاب جميع ما حمله وصاحبه معه صدق وليس العادة جحود جميعه ولا الهروب 7 إذا كان الجمّال واحدًا، وإن كانوا عددًا فتأخر بعضهم لم يقبل قوله إنه 8 غصب عليه وقد عهد من الجماعة أن يتأخر أحدهم تعمدًا ليذهب به، وإن صحبه صاحبه في البحر ثمَّ نقص أو

ذهب 1 بعضه- صُدِّق عند مالك.
وفي كتاب كرية السفن أنه 2 غير مصدق.
وقال: لأنه حازه وإنما يدخل التأخير 3 وقت إقلاعه.
وهو أحسن؛ لأنَّ الطعام والزيت وما أشبه ذلك يوسق ويغيب عنه صاحبه إلى ليلة المبيت، ولا يدرى ما حدث فيه، وقد عُهِد 4 منهم الخيانة فيه.
وكذلك لو لم يفارقه صاحبه من حين أوسقه 5، فإنهم يخونون فيه بالليل وبعد 6 الوصول وقبل 7 التفريغ؛ لأنَّ صاحبه ينزل عنه 8. وأما الجنس الذي يضمن فقال مالك وابن القاسم: يضمن الطعام 9 جملة -ولم يفرقا- وقال ابن حبيب: يضمن ما يتقوّته الناس: القمح والشعير والسُّلْت والدقيق والعلس والذرة والدخن 10 دون الأرز لأنه يفكه 11، ويضمن القطاني إلا الترمس 12. ومن الإدام أربعة: الزيت، والخل، والعسل، والسمن دون الرُبِّ 13

والمرَيِّ (1) والجبن واللبن والشِّيراز (2). ولا يضمن رطب الفواكه ولا يابسها إلا ثلاثة: التمر، والزبيب، والزيتون؛ لأنها (3) لاحقة بالأقوات.
ولا يضمن اللحمان والحيتان، ولا الفلفل، ولا الخضر، ولا الإبزار، ولا البيض، ويضمن الملح؛ لأنه لا غنى عنه.
والقول الأول أحسن، وقد علم من حامل الطعام الخيانة وسرعة اليد (4) على اختلاف أنواعه، ولا يقفون (5) عن هذه التي قال دون غيرها.

فصل [فى حكم ادعاء المكري ضياع المحمول بعد الوصول]

وإن ادَّعى ضياع ذلك بعد الوصول أغرمه في الموضع الذي وصل إليه، وحمل على أنَّه وصل به 6 ثمَّ غيبه.
ويختلف إذا ادَّعى ضياعه في بعض الطريق وعلم كيله، هل يغرم 7 مثل تلك المكيلة الآن أو في الموضع الذي اكترى إليه؟ لأنه إن كلِّف غرمه الآن كان في ضمانه، ولم يصدق في تلفه، فلا فائدة في أن يغرمه الآن.12345

وقال ابن حبيب: لا يضمنه إلا بالموضع الذي اكترى إليه، وسواء كان تلفه بذلك الموضع مجهولًا أو معلومًا بسبب 1 عثار دوابه، أو 2 ضعف حباله، أو كان هو مستهلكه 3. وقال الشيخ 4: وأرى إذا كانت المنازعة فيه في الموضع الذي هلك فيه أو أهلكه- أن يغرم المثل الآن؛ لأنه 5 يقول: هناك 6 أهلكته وهنا أغرمه.
والأصل أن الغُرم في موضع الذي يهلك 7 فيه الشيء، فقد يكون ها هنا أرخص ولا يضمن 8 إذا وجد 9 بينة على ضياعه.
وإن لم يحاكم فيه، حتى 10 وصل و 11 لم يكن صاحبه معه، فلما وصل حاكمه وعلم أنَّه أهلكه ببعض الطريق أو ادَّعى ضياعه، حسن أن يغرمه في الموضع الذي اكترى إليه، بخلاف لو كان المتعدي غير المكري 12؛ لأنَّ هذا دخل على أن يوصله فألزم ذلك، ولأن في الصبر حتى يعود إلى الموضع الذي تعدى فيه 13 ضررًا، والظالم أحق

من أن يحمل عليه، وهذا إذا أتى من عثار الدابة وكان الكراء مضمونًا وهو في مستعتب يقدر على خلف دابة أخرى.
فأما إن كانت معينة لم يلزم أن يغرم المثل في الموضع الذي أكري إليه؛ لأنه إذا تبين أنها عثور كان الحكم الفسخ، ولم يلزم المكري (1) أن يحمله على غيرها ولا عليها، فقد تهلكه مرة أخرى.
وكذلك إذا عثرت (2) به ولم يكن ذلك شأنها, فليس على المكري خلف مثل ذلك الطعام؛ لأنه عيب يتقى (3) مثله (4) إن أعيد عليها.
وكذلك إن كان الكراء (5) مضمونًا فهلك في غير (6) مستعتب من سبب الدابة وهي عثور- لم يلزم صاحب الدابة أن يخلف أخرى وليس عليه إلا مثل الطعام.

فصل [فى ذهاب الأحمال بسرقة أو غصب]

فإذا ذهبت الأحمال بسرقة أو غصب كان على المكتري خلفها ولم يتعيّن.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك.
واختلف إذا هلكت 7 من قبل الدابة فقال ابن القاسم: ليس عليه123456

جارٍ التحميل