النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة (235 & 243)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب النكاح الأول
باب في الترغيب في النكاح وأنه من سنن المرسلين
1
قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ"، وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي 2. وسَأَلَ ثلاثُ نفرٍ عن عَمَلِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، فتقالوه، فقالوا: وأين نحن من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - غَفَرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه وما تَأَخَّرَ؟ ثم قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنّي أَصُومُ وَأفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتْزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" أخرجه البخاري ومسلم 3، فأخبر أنه من
سنته، وذم من رغب عن ذلك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَأَغَضُّ لِلطَّرْفِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فِإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" أخرجه البخاري ومسلم 1. وفي الحديث مجاز، والمعنى: من استطاع ذلك منكم بالمال ليس بالوطء، ولو كان ذلك المراد لم يأمر 2 من عجز عنه بالصوم.
وقد جاء هذا الحديث 3 في النسائي مفسرًا، فقال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ" 4، فأتى بالحديث.
وقال: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ, فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ" 5. وقال: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهَ" 6.
فالنكاحُ يتضمن خمسَ خصالٍ: يُعِفُّ الطرف، ويحصن الفرج، ويكثر
النسل، ويبقي الذِّكْر، والأجر.
فصل [في أقسام النكاح]
النِّكاح على أربعة أقسام: مباح، ومندوب إليه 1، وواجب وجوبًا غير موسع، وواجب وجوبًا موسعًا.
فإن كان الرجل ممن لا إِرْبَ 2 له في النِّسَاءِ ولا يرجو نَسْلًا؛ لأنَّه حَصُوْرٌ 3 لا يأتي النساء، أو خصيٌّ، أو مجبوبٌ 4، أو شيخٌ فانٍ، أو عقيمٌ قد عَلِمَ ذلك من نفسه - كان مباحًا.
وإن كان له إِرْبٌ في النساء، إلا أنه يقدر على التعفف، أو لا إرب له ويصح منه النسل - كان مندوبًا.
وإن كان لا يقدر على التعفف، ويخشى على نفسه الزنى، ولا يقدر على التسري ولا يُذْهِب ذلك عنه الصومُ - كان واجبًا وجوبًا غير موسع؛ لأن حفظ دينه عليه واجب.
فإن كان لا يقدر على حفظه إلا بالتزويج كان ذلك واجبًا.
وإن كان يقدر على التسري كان وجوبه وجوبًا موسعًا، وكان مخيرًا بين
وجهين لابد له من التلبس بأحدهما؛ وهو النكاح أو التسري.
وإن كان يذهبه الصوم ويقدر على التسري كان مخيرًا بين ثلاثة أوجه: النكاح، أو التسري (1)، أو الصوم، وهو مجبور على امتثال أحدهم، والبداية بالنكاح أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ"، الحديث، فيبدأ به، وقد يبدأ بالصوم على النكاح إذا كان لا يقدر على التسري ويذهب ذلك عنه الصوم، ولا يجد طَوْلًا لنكاح حرة؛ لأنّ في تزوُّجه الأمة إرقاقًا لولده.
فصل [في المرأة ليس لها حاجة في الرجال]
وإن كانت امرأة لا إرب لها في الرجال، وهي عقيم قد علمت ذلك من نفسها - كان النكاح لها مباحًا، وإن كان لها رغبة، وهي قادرة على التعفف، وكانت غير عقيم - كان مندوبًا، وإن كانت تخشى على نفسها الزنى، ولا يُذْهِبه الصوم - كان واجبًا وجوبًا غير موسع، وإن كان يُذْهِبه الصوم كان موسعًا، وكانت بالخيار بين النكاح أو الصوم، ولا بد لها 2 من التلبس بأحدهما، كانت ذات مال أم لا؛ لأنه لا يصح منها التسري، وتزويجها الحرَّ والعبد سواء؛ لأن ولدها تبع لها في الحرية وإن كان تزويجها للحرِّ أولى، وندب الله سبحانه السادات إلى إنكاح 3 من في رقهم من العبيد والإماء؛ لأنهم يحتاجون من ذلك إلى مثل ما يحتاج إليه 4 الأحرار، فقال -عز وجل-: {وَأَنْكِحُوا1
الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].
فصل [في شروط النكاح]
النِّكاح يصح بثلاثة شروط: وَلِيٍّ، وصَدَاق، وشاهِدي عدل.
فأما الولي فمن شرطه أن يكون في أصل العقد، فإن عري العقد من ولي، وباشرت العقد بنفسها - كان فاسدًا (1)، ولم يصح بإجازة الولي (2).
وأما الصداق فلا بأس أن يفرض بعد العقد إذا نكحها على تفويض (3)، وإنما يفسد إذا شرط إسقاطه (4).
وأما الشاهدان، فمن شرطهما أن يشهدا قبل الدخول، فإن عقدا بغير بينة، ثم أشهدا بعد ذلك وقبل الدخول -جاز، فإن وقع الدخول قبل الإشهاد، ثم ادعيا لما ظهر عليها (5) أن ذلك عن نكاح- لم يُصدَّقا وفسخ وحُدَّا، إلا أن يأتيا على ذلك بشبهة.
فصل [لزوم الولي للنكاح]
الأصل في الولي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 221] فهذا خطاب12345
للرجال أن لا يزوجوا المسلمات من المشركين، ولم يرد الخطاب للنساء أن لا يتزوجن المشركين، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] نزلت في معقل بن يسار لما منع أخته أن تراجع زوجها (1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: 32] الآية، وقد استدل في هذا بقوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْر إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا ولِيَّ لَهُ".
قال الشيخ -رحمه الله-: هذا ليس بالبين، والظاهر يقتضي أنه إذا أذن السيد أو الولي أن يتزوجن جاز ذلك ليس أن يكونا عاقدين.
[فصل] ذكر صفة الولي
ومن شرط الولي أن يكون ذكرًا، عاقلًا، بالغًا، حرًّا، مسلمًا.
واختلف هل من شرطه أن يكون عدلًا رشيدًا؟ فأجاز القاضي أبو الحسن علي بن القصار أن يكون فاسقًا، وكرهه القاضي أبو محمد عبد الوهاب مع وجود عدل 2 وإن عَقَد جاز 3. وقال أشهب في العتبية: لا 4 يُزَوِّج إذا كان سفيهًا مولًّى عليه 5.
وفي كتاب ابن أشرس عن مالك في المرأة لا يكون لها ولي إلا وليًا مولًّى عليه: ليس له أن يستخلف من يزوجها وإن رضيت؛ لأنه لا نكاح لسفيه.1
وقال أبو مصعب: النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده.
وساوى بينه وبين ما كان العاقد له عبدًا أو امرأة، وقد يحتمل قوله: إنه فاسد إذا كان ذلك 1 بغير رضا من وليه ولا مطالعته؛ لأنه لا ينبغي أن يعقد 2 السفيه من غير 3 وليه، فقد تضع نفسها في دناءة وفيمن تلحق منه مضرة فيكون له رده، فكل نكاح انعقد بغير مطالعته كان على الوقف والاختيار.
باب في تقاسم الأولياء ومنازلهم ومن المقدم منهم قبل
ُ
والولاية تنصرف إلى ثمانية 1 أقسام: ولاية نسب، وولاية إسلام، ومولى أعلى، ومولى أسفل، ووصي، وحاكم، ومن له بالمتزوجة تربية وقيام، والمالك بالرق.
ثم هم على منازل: فولاية النسب مقدمة على جميع من ذكرنا إلا الوصي والمالك.
ثم ولاية النسب هم على منازل 2: فأولاهم الأب، ثم الأخ، وابن الأخ وإن سفل، ثم الجد، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل.
والبِكْر والثيب في هذا سواء إلا أن يكون للثيب ولد أو ولد ولد، فيقدَّم على الأب ولا حق للأخ للأم ولا للعم للأم في ذلك إلا من باب ولاية الإسلام.
واختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب فقال في "الكتاب": هما سواء 3. وقال مالك وابن القاسم وغيرهما في "كتاب ابن حبيب": الشقيق أولى 4. ويجري الجواب في أبنائهما، وفي العمين أحدهما شقيق والآخر للأب، وفي أبنائهما على نحو ذلك، ويختلف فيه كالاختلاف في الأخوين.
وقوله في "كتاب ابن حبيب" أحسن.
والشقيق أحق بأخته؛ لأنه يدلي بزيادة رحم يستحق بها الميراث، والصلاة،
والولاء دون من يشاركه بالأبوة بانفرادها.
وذكر القاضي أبو الحسن علي 1 بن القصار عن مالك، أنه قال: "يجوز للأخ أن يزوج أخته الثيب مع وجود الأب" 2، وهو قول مرغوب عنه.
والمعروف من قول مالك في ذلك أن عقد الأخ يمضي إذا نزل، ليس أنه يجعل له ذلك ابتداء 3.
وإذا لم يكن عمٌّ ولا ابن عم، فالرجل من العصبة، ثم من البطن، ثم من العشيرة، ثم ولاية الإسلام.
والمولى الأعلى مقدَّم على المولى الأسفل، والمولى الأعلى والأسفل مقدمان على ولاية الإسلام، وتُقدَّم عليهما ولاية النسب.
ويستحب للمرأة إذا لم يكن لها ولي نسب أن تُوكِّل من المسلمين رجلًا دَيِّنًا فاضلًا ولا تُوكِّل غير عدل، ويختلف إذا وكَّلت سفيهًا على ما تقدم في ولاية النسب، ورُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "يزوج المرأةَ وليُّها أو ذو 4 الرأي من أهلها أو السلطان" 5.
واختلف في معنى قوله: (ذو 1 الرأي من أهلها).
فقيل: هو الرجل له الصلاح والفضل.
وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور 2. وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد.
واختلف أيضًا في معنى قوله: (من أهلها).
فقال ابن نافع عن مالك: هو الرجل من العَصَبة 3. وقال ابن القاسم عنه: هو الرجل من العشيرة 4.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": هو الرجل من البطن 5. وعصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، ثم البطن، وهو أوسع من العصبة، ثم الفخذ، بإسكان الخاء، ثم القبيل.
واختُلف في الولي ووصي الأب، أيهما أحق بالعقد؟ فقال مالك وابن القاسم: الوصي أحق ويشاور الولي 6.
وقال عبد الملك بن الماجشون في "مختصر ما ليس في المختصر"، ومحمد بن عبد الحكم: لا يزوِّج الوصي إلا أن يكون وليًّا، وقال سحنون في "السليمانية": قال غير ابن القاسم من أصحابنا: الأولياء أولى بالعقد من الوصي 7.
وهذا القول أحسن؛ لأن الوصي أجنبي من الناس، وإنما هو وكيل على النظر في المال.
فإن قيل: إن الأب استخلفه وأقامه مقامه، قيل: ولاية الأب في
البضع قد انقطعت بموته.
وإنما ولايته في ذلك ما كان حيًّا، ولو كان حقه في الولاية باقيًا بعد موته لكان له أن يستخلف من يزوج الثيب من بناته متى أحبت التزويج وإن بعد عشرين سنة، ويستخلف من يزوج المزوجة منهن متى طلقت وأحبت التزويج.
والوصي أولى بالعقد من السلطان؛ لأنهما متساويان في أن لا نسب لهما.
وللوصي مزية لما جعل له من النظر والقيام، إلا أن يكون مقامًا من قبل السلطان فيكون السلطان أولى بذلك منه، إلا أن يكون جعل له الإنكاح فيعقد من غير مطالعة له.
وإن كان ولي نسب وسلطان كان ولي النسب أولى إذا كان قريب النسب، كابن العم والرجل من العصبة، إذا كان ممن يستحق الميراث عند عدم من يحجبه كالقيام (1) بالدم.
واختلف إذا كان بعيد النسب؛ فالظاهر من المذهب: أن ولي النسب أحق.
وقال عبد الملك بن الماجشون: السلطان أولى من الرجل من البطن (2).
فصل [في أولياء المرأة يختلفون في تولي العقد]
وإذا كان للمرأة أولياء، وهم في المنزلة سواء: إخوة أو بنو إخوة أو أعمام أو بنو أعمام، فاختلفوا أيهم يتولى العقد؟ فقال في "الكتاب": ينظر السلطان في ذلك 3. وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإن استووا في الفضل12
فأسنهم، فإن استووا في الفضل والسن فذلك إلى جميعهم يجتمعون على العقد عليها 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو قيل: إن ذلك إلى جميعهم من غير مراعاة الفضل ولا السن لكان حسنًا؛ لأن إدخاله في الجماعة لا يؤدي إلى وصم في النكاح، ولا على من معه ممن ليس مثله في المنزلة معرة.
وفي إخراجه وصم عليه وفساد لنفسه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك.
واخْتُلف إذا اختَلفت منزلتهم فعقده الأبعد، على أربعة أقوال: فقال مالك في "المدونة" 2: النكاح باطل 3، ولا مقال للأقرب فيه 4. قاله إذا زَوَّج الأخ مع وجود الأب وكانت ثيبًا كان جائزًا 5.
وقال ابن القاسم: يجوز تزويج ذي الرأي من أهلها مع وجود الأخ، وابن الأخ والجد 6 وقال سحنون: قال بعض الرواة ينظر السلطان في ذلك، وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد إلا أن يتطاول الأمر أو تلد الأولاد 7. وقال عبد الملك بن حبيب: للأقرب أن يفسخه أو يمضيه ما لم يبنِ بها، فإن بنى بها واطلع على عورتها لم يفسخ.
وجملة هذا الاختلاف راجع إلى قولين: هل تقدمة الأقرب من باب أولى،
أو ذلك حق له كالقيام بالدم؟
ولم يختلفوا: أن النكاح جائز لا يتعلق به فساد، وإنما الاختلاف: هل يتعلق به حق لآدمي أم لا؟ فجعله مالك، وابن القاسم من باب أولى (1). وكذلك من قال: ينظر السلطان في ذلك، فيحمل الجواب على أن الأقرب ادعى أنها (2) وضعت نفسها في دناءة أو فيما يدركها منه معرة أو مضرة، فينظر السلطان فيما يقوله، ولو اعترف (3) أنها لم تضع نفسها في دناءة ولا حيث تدركها منه معرة يمضي النكاح ولم يفتقر فيه (4) إلى نظر السلطان.
ومن قال: له فسخه، جعل التقدمة حفًا له يفسخه وإن كان النكاح سدادًا، ما (5) لم يتعلق بذلك وجه يدركها في الفسخ مضرة، وهو اطلاعه عليها أو كشفه إياها، وقد يجعل له فسخه وإن طال الأمد إذا كان ذلك الزوج ممن تدرك الأولياء منه معرة أو مضرة.
وإن كانت المرأة ممن لا قدر لها مضى النكاح ولم يفسخ (6) العقد قولًا واحدًا.
فصل [في زواج المرأة بولاية الإسلام]
واختلف إذا تزوجت المرأة بولاية الإسلام مع وجود ولاية النسب على خمسة أقوال: فذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه قال: النِّكاح123456
ماضٍ بالعقد 1.
وقال في "الكتاب": الولي بالخيار بين أن يمضيه أو يرده 2. وبه 3 قال ابن القاسم 4. وروي عنه: أنه وقف في إجازته إذا أجازه الولي 5. وقال غير ابن القاسم: يفسخ وإن أجازه الولي 6.
وقال إسماعيل القاضي: يشبه على مذهب 7 مالك أن يصير الدخول فوتًا.
وقال سحنون في "السليمانية": يفسخ أبدًا.
يريد: وإن تطاول وولدت الأولاد.
وجميع هذا الاختلاف راجع إلى ثلاثة أقوال: هل تقدمة ولاية النسب على ولاية الإسلام من باب أولى، أو ذلك حق لآدمي 8، أو حق لله سبحانه؟
فعلى ما ذكره أبو محمد 9 عبد الوهاب، ولي النسب مُقدَّم من باب أولى، فأمضاه له، ومرة رآه حقًّا له، فيقوم بحقه في ذلك، فيفسخه أو يسقط حقه فيمضي النكاح، وهو في هذين القولين بمنزلة الوليين: أحدهما أقرب من الآخر.
ورأى مرة أن ذلك حق لله سبحانه، فإن عقد على غير ذلك كان فاسدًا،
وترجحت عنده الدلائل مرة 1: هل ذلك حق له، أو حق لله سبحانه؟ فوقف عند إجازة الولي إياه.
واختلف عنه في المرأة الدنيئة ليست ذات منصب، والمعتقة، فرأى مرة أن كل الناس لها ولي، 2 ورأى مرة أن ولايتها تختص بمن له نسب مثل غيرها ممن له قدر، وإن كانت المرأة من الموالي وهي ذات شرف كانت بمنزلة غيرها ممن له المنصب من غير الموالي.
فقال في "الكتاب" في امرأة من الموالي ذات شرف تزوجت رجلًا من قريش 3 ذا شرف ودين ومال، واستخلفت رجلًا فزوجها، قال: للولي فسخه إن شاء.
فجعل للولي فسخه، وإن كانت لم تضع نفسها في دناءة 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: لم يختلف المذهب أن ولاية الإسلام في النكاح ولاية صحيحة تطالب بها المرأة عند عدم ولاية النسب.
فيصح النكاح 5 بوجوده ويفسد بعدمه إذا باشرت العقد بنفسها ولم تستخلف رجلًا.
ولم يختلف المذهب أيضًا أن لولي النسب أن يمنع وليته من أن تضع نفسها فيمن تدركه منه معرة أو مضرة، وأن ليس لها أن تزوج نفسها من غير مطالعته؛ لما يتعلق له 6 في ذلك من الحق من هذا الوجه، وإذا كان ذلك بطل أن يقال: إنه نكاح انعقد بغير ولاية، فكان الصحيح: أنه نكاح صحيح انعقد بولاية
وفيه حق لولي آخر، ومما يؤكد (1) ذلك تفرقة مالك على المشهور من قوله بين الدنيئة وغيرها، فثبت بهذا أن ذلك في ذات المنصب من حق الولي لا لحق الله سبحانه، فإن وضعت نفسها فيما يدركه منه ضرر كان له فسخه، وإن دخل بها، وإن وضعت نفسها في كفاية (2) ومن هو كفؤ لمثلها مضى نكاحها (3)، ولو مُكِّن من فسخه لم يجعل ذلك له بعد الدخول.
فصل [فيما للأب في ابنته والسيد في أمته من حق فيما إذا تزوجت بغير وكالة منهما]
وهذا فيما سوى رجلين: الأب في ابنته البكر.
والسيد في أمَتِه.
فإنه لا خلاف أن لهما فسخ ما عقداه بغير وكالة منهما، وإن وقع الدخول وطال الأمد.
واختلف فيه: هل يصح النكاح ويمضي إذا أجازه الأب أو السيد؟ فمنع ذلك في الكتاب ورآه فاسدًا 4. وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه أجاز ذلك في الأَمَة إذا أجازه السيد 5، وعلى هذا يجوز في البكر إذا أجازه الأب.
وقال في "الكتاب": إذا زوَّج الأخ أخته البكر بغير رضى الأب، فأجازه الأب، قال: لا يجوز إلا أن يكون ابنًا قد فوض إليه أبوه جميع 6 أمره فهو123
الناظر له والقائم بأمره في ماله ومصلحته فيجوز إذا رضي الأب (1).
فصل [في غيبة الولي]
واختلف إذا كان الولي غائبًا، هل يقوم السلطان مقامه في النظر في ذلك أم لا؟ فقال في "المدونة" 2: إذا كان الولي بعيد الغيبة، نظر السلطان فيه 3 فيفرق إن كانت الفرقة خيرًا، أو يتركهما إذا كان الترك خيرًا 4.
وعلى قوله هذا إذا كان الولي قريبًا وقف الزوج عنها حتى يكتب إلى الولي.
وقال في "كتاب محمد": لا ينظر في ذلك فيما بعد منه، أو قرب، حتى يقدم الولي.
وإن قدم الولي 5 وخاصم فيه وكانت المرأة ممن لها العشيرة، وأهل البيوت 6 لم يجز ذلك، إلا في شيء قد فاته، وتزوجها كفؤ.
وقال أيضًا: إذا كان الولي غائبًا، أو الولي ضعيفًا، فإنها تأمر رجلًا يزوجها؛ فيجوز 7 ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة، قيل له: ولا ترفع 8 إلى السلطان؟ قال: ليس كل امرأة تقدر أن ترفع إلى 9 السلطان 10.
فرأى في القول الأول أن يقوم السلطان في ذلك للغائب، فإن لم تكن من1
الغائب وكالة على القيام بذلك كان من التعدي عليه، والتعدي والغصوب يقام لأهلها (1) بها (2)، وإن لم يكن من المتعدى عليه في ذلك وكالة.
ولم يرَ ذلك في القول الآخر حتى يقوم لنفسه في ذلك، للاختلاف في الولاية ابتداء، وأن للمرأة أن تزوج نفسها، فكان ذلك أضعف من الحقوق المتفق على أنه متعدٍّ فيها.
وأجاز لها في القول الثالث أن تزوج نفسها ابتداء من غير حاكم؛ لأن ولاية الإسلام (3) ولاية في الحقيقة, ومقال الأقرب من باب أولى، ولئلا تضع نفسها فيما يلحقه منه ضرر، فإذا اجتهدت لنفسها في السلامة من ذلك جاز.
وهذه الرواية تؤيد ما ذكره القاضي (4) أبو محمد عبد الوهاب، إذا تزوجت بولاية الإسلام مع وجود ولاية النسب أنه ماضٍ.
فصل [في المرأة لها وليان أقربهما غائب]
واخْتُلف إذا كان للمرأة وليان حاضر وغائب، والغائب أقرب من الحاضر، فقيل: حق الغائب قائم بخلاف الميت، فينظر السلطان للغائب، وقيل: التزويج للحاضر.
ويختلف إذا تزوجت بولاية الإسلام فأجازه الأبعد الحاضر.
فقال في "الكتاب": ينظر السلطان للغائب فإن كان مما يجيزه الغائب1234
لو كان حاضرًا أجازه وإلا ردَّه (1). والقول الآخر: تكون (2) إجازة الحاضر إجازة ولا ينظر إلى ما سوى ذلك إن شاء الله (3).
فصل [في البكر يغيب عنها أبوها]
للبكر يغيب عنها أبوها أربع حالات:
حالة تمنع معها من النكاح دعت إليه 4 أو لم تدع.
وحالة تجبر فيها على النكاح في الوجهين جميعًا.
وحالة إذا دعت إلى النكاح زُوِّجَت، وإن لم تدع لم تُزَوَّج.
وحالة يختلف في تزويجها إذا دعت إليه.
وكل 5 ذلك راجع إلى صفة الغيبة، وحالتها من الصيانة لنفسها، ووجود 6 النفقة.
فإن كان السفر قريبًا لم تزوج، وكذلك الزوج إذا كان بعيدًا لا تزوج 7، أو كان أسيرًا أو فقيرًا وهي في حال صيانة ولم تدع إلى التزويج - فإنها لا تُزَوَّج.
وإن 8 دعت إليه ولم تكن منه نفقة وهي تحت حاجة زُوِّجت، وإن كانت123
نفقته جارية عليها وكان أسيرًا أو فقيرًا -زُوِّجت.
واختلف إذا عُلِمت حياته ولم يكن أسيرًا، فظاهر قوله في "الكتاب": أنها تزوج (1). وقال في "كتاب محمد": لا تزوج (2).
وإن خشي عليها الفساد زُوِّجت ولم تترك، دعت إلى ذلك أم لا.
والتزويج إذا كانت النفقة جارية عليها وهي في حال الصيانة، إنما يصح بعد البلوغ، وإذا عدمت النفقة وكانت بحال الحاجة، أو خشي عليها الفساد -يصح وإن لم تبلغ.
واختلف لمن يكون العقد عليها؟ فقال في "الكتاب": يرفع أمرها إلى السلطان فينظر لها ويزوجها (3).
وقال في "كتاب محمد": للأخ أن يزوجها برضاها.
فجعل ذلك في القول الأول إلى السلطان؛ لأن ذلك من حقوقه، والسلطان ينظر للغيّب (4) فيما يكون لهم من حقوقهم، ورأى في القول الثاني أن ذلك للأخ؛ لأنه في معنى الميت عند عدم النظر في ذلك.
وهو أولى.
فصل [فيمن للأب إجبارها وعليه استئمارها من النساء]
النساء على ضربين: بكر وثيِّب.
والبِكْر على ثلاثة أوجه: غير بالغ، وبالغ غير معنسة، ومعنسة.
فإن كانت غير بالغ كان للأب أن يجبرها على النكاح من1234
غير مؤامرة 1. واختلف إذا كانت بالغًا غير معنسة، فقال في "الكتاب" أن له أن يجبرها 2. وقال في "كتاب محمد": إن شاورها فذلك أحسن 3.
قال الشيخ -رحمه الله-: وهو أحوط للخروج من الخلاف، ويكون العقد على صفة مجتمع عليها، ولما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وَالبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا" أخرجه مسلم 4.
اختلف عنه في المعنسة هل تجبر، أو لا تجبر 5 وتكون في هذا كحكم الثيِّب 6؟
وأن لا تجبر أحسن؛ لأن المعنسة يخلص إليها من العلم فيما يراد من ذلك مثل ما يخلص إلى الثيِّب 7 تصاب مرة 8 ثم تطلق، بل يتقرر في نفسها أكثر.
وإذا كان كذلك كان الأمر إليها، فإن كرهت التزويج جملة لم تجبر عليه، وإن رغبت في غير من رغب فيه الأب زوجت منه إذا لم تدع إلى غير صواب.
والثيّب على ثلاثة أوجه 9: بالغ تأيمت بعد البلوغ.
وغير بالغ دخل بها قبل البلوغ 1، وأراد أبوها أن يزوجها قبل أن تبلغ.
وغير بالغ ثم بلغت بعد الطلاق.
فإن كانت مدخولًا بها ثم طلقت لم تجبر ولم يزوجها إلا برضاها.
واختلف فيمن دخل بها وطلقت قبل البلوغ على ثلاثة أقوال: فقال سحنون: للأب أن يزوجها 2 بلغت بعد الطلاق أو لم تبلغ 3. وقال أشهب في "كتاب محمد": تجبر قبل البلوغ ولا تجبر بعده 4. قال أبو تمام 5: لا تجبر بحال 6 بلغت أو لم تبلغ.
وقول أشهب في هذا أحسن؛ لأن المرأة قبل البلوغ كارهة في ملاقاة الرجل، وإنما هي 7 تميل إليه بعد البلوغ 8، فهي الآن في معنى من يجهل الرغبة ومعرفة ذلك، فتكون قد اجتمع لها المباشرة قبل البلوغ، وما تجده الآن في نفسها، وكثير من النساء من تكون غير راغبة في الرجل بعد البلوغ، كما يوجد في بعض الرجال من يكون ضعيف الشهوة، ويقيم عزبًا مع وجود
الطَّوْل، وإذا كان ذلك وجب أن يرجع إلى ما تدعو إليه من ذلك ولا تجبر، وإذا كانت الثيوبة بملاقاة (1) بعد البلوغ لم تجبر قولًا واحدًا.
فصل [في الثيوبة التي تسقط الإجبار]
الثيوبة التي تسقط الإجبار ما كانت عن نكاح، صحيحًا كان أو فاسدًا، مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه 2، أو على وجه الملك، كان ذلك الملك 3 على وجه صحيح أو فاسد، إذا أعتقت أو استحقت بحرية أصيبت في طهر أو حيض؛ لأن المعنى الذي يراد منها معرفته في المستقبل قد وصل إليها في الماضي.
واختلف إذا كانت الإصابة عن زنى أو غصب: فقال في "الكتاب": إذا زنت فحُدَّت يزوجها كما يزوج البكر 4. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: الغصْب والتطوع في ذلك سواء- تجبر 5. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: الثيِّب بنكاح أو زنا 6 سواء -لا تجبر 7.
قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن تكون كالثيب 8 بنكاح، وأن يكون إذنها صماتها كالبكر؛ فلا تجبر لوصول العلم إليها بما يراد 9 من ذلك، ولمباشرتها1
فهي من هذا الوجه كالثيب، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وكالبكر في صفة الإذن؛ لأنها تستحي أن تقول: نعم، وعليها من الحياء لما سبق لها (1) ما تعذر به في النطق.
فصل [في حدِّ إجبار الأب]
ويصح ارتفاع الجبر مع 2 الأب مع بقاء البكارة وعدم التعنيس، ووجود الإجبار مع الثيوبة لما كان من الإصابة بعد البلوغ.
فإذا طال بقاء 3 البكر عند الزوج مدة يخلص فيها 4 إليها العلم بحال الرجال مع النساء، ثم وقع الفراق، وهي بحال البكارة- ارتفع الإجبار 5.
واختلف هل لذلك حَدٌّ أم لا؟ فقيل: له حَدٌّ وهو سَنَة.
وقيل: لا حَدَّ له إلا ما يرى أن تلك الإقامة تعلم منها ما تعلمه الثيِّب 6. وهو أحسن.
وتجبر الثيب إذا ظهر منها الفساد، ولم يقدر وليها على صيانتها، أو لم يكن لها ولي يصونها، واستحسن أن يُرفع ذلك مع عدم الأب إلى حاكم فيجتهد فيمن يزوجها منه، فإن زوجها ولي من غير حاكم مضى فعله عليها.
وإن طُلِّقت بالقرب وادعت البكارة، وخالفها الأب، كان القول قوله، ولا تلزمه نفقتها.1
فصل [فيمن له الجبر في الإنكاح]
الجبر يختص بالآباء، وبمن أقامه الأب في حياته، أو بعد وفاته، وإذا عين الأب الزوجَ الذي يزوج ابنته منه.
واختلف إذا لم يعينه الأب، وجعل ذلك إلى اجتهاد من أقامه لذلك، فقيل: للمُقام إجبارها، ويُنكحها ممن يراه حسن نظر لها قبل البلوغ وبعده.
وهذا هو المعروف من قول مالك 1. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ليس له إجبارها، قال: لأن الأب، إنما ملك ذلك لأمر يرجع إليه لا يوجد في غيره 2.
يريد: ما جعل سبحانه في الآباء من الحنان والشفقة والرأفة على الولد، فكان ما خصوا به 3 من ذلك، يبلغ بهم من الاجتهاد لبناتهم ما لا يبلغه غيرهم.
وهو أحسن، وأتبع للحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُزَوَّجُ اليَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ" 4.
وفي "كتاب ابن أشرس" 5 عن مالك أنه إذا عين الأبُّ للوصي، ولم يجعل
التزويج بقرب موته- أنه لا يجبر، فقال: إذا قال الأب: إذا بلغت ابنتي فزوجها من فلان، لم يجز ذلك عليها إذا بلغت فكرهت (1).
فصل [في الوصيِّ والوليِّ ليس له الإجبار]
وليس للأوصياء إذا لم يجعل لهم الإجبار، ولا للأولياء أن يزوجوا الإناث إلا بعد البلوغ والاستئذان.
واختلف في البكر تشارف المحيض: فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليها المواسي أن تزوج برضاها 2. وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ، وإن زوجت قبل ذلك فسخ نكاحها 3. وقال محمد: لا يفسخ إذا زوجت 4.
وقال الشيخ -رحمه الله-: وهذا أبين، وقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة فيمن أنبت بالقتل 5، وأخرجهم بالإنبات من حكم الذرية إلى حكم من بلغ.
وقال مالك في "كتاب محمد" في صبية بنت عشر سنين في حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها.
قال وإن كانت صغيرة لم تنبت 6.1 = أبو سعيد بن يونس.
وقال اسمه عبد الرحمن... انتهى.
وكذلك قال ابن فهر، رجح المالكي اسمه العباس، قال: وهو ثقة فاضل.
سمع من مالك بن أنس ومن ابن القاسم، روى عن مالك، وروى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي جعفر وعمران بن هارون بمصر.
انظر: ترتيب المدارك: 187، 188.
فأباح أن تزوج (1) وإن لم تنبت لمكان ما هي به من الخصاصة والكشفة، وهذا أحسن؛ لتغليب أحد الضررين.
فأجاز ذلك إذا كانت بنت عشر سنين برضاها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُزَوَّجُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" (2). فرأى أن بنت عشر سنيئ (3) عندها من التمييز ما تؤمر له بالصلاة، وتعاقب عليها إن لم تفعل (4) مع الضرورة التي بها، وإن كانت صغيرة لم تعرف ما تستأذن فيه إن استؤذنت، وإن أسقط استئذانها- كان قد خالف الحديث.
فصل [في تزويج الوصي أو الولي للصغيرة]
وإذا زوَّج الوصي أو الولي صغيرةً من غير حاجة تدعو إلى ذلك لم يجزْ وفسخ النكاح الآن 5. واختلف إذا لم ينظر فيه حتى بلغت، فقيل: النكاح فاسد 6، يفرق بينهما وإن رضيت به، وإن أدرك ذلك قبل الدخول طال ذلك أو لم يطل وإن أدرك بعد الدخول ولم يطل جاز إن رضيت 7، وإن طال الأمر بعد الدخول مضى.1234
يريد: وإن كرهت.
وقيل: النكاح جائز يتعلق به حق لآدمي، وهي الزوجة.
فإن رضيت ثبت، وإن كرهت فسخ.
يريد 1 ما لم يطل ذلك بعد الدخول، أو يكون بعد 2 دخوله بها وهي عالمة أن لها الخيار، فيسقط خيارها بنفس الدخول.
قال ابن القاسم في "العتبية": يكره أن يزوج الصغيرة أحدٌ إلا أبوها حتى تبلغ.
قال: ولا أعلم مالكًا كان يبلغ بها أن يقطع الميراث بينهما 3.
وأرى 4 أن يتوارثا، فإنه أمر عليه جل الناس قد أجازوه.
وقد زوَّج عروةُ بن الزبير أخته صغيرة 5 والناس يومئذٍ متوافرون.
ففسخه في القول 6 الأول؛ لأنه نكاح فيه خيار، وأجازه في القول الثاني؛ لأن الولي والزوج دخلا على البنت، والخيار أمر أوجبته الأحكام لا سيما إن كانا يجهلان 7 موجب الحكم في ذلك، فأشبه 8 تزويج العبد بغير إذن سيده، فلا خلاف أن لسيده فسخه، وإجازته 9 بعد ذلك.
وترجح فيه قول (1) ابن القاسم لقوة الخلاف فيه، وأشبه عنده أن يحمل الحديث في الاستئنذان على من يصح إذنه، وهي البالغ ويكون الأمر في غير البالغ مسألة اجتهاد، وكأنه لم يرد فيها حديث.
فصل [في زواج الابن أو البنت الثيب بغير أمرهما]
واختلف إذا زوج الأب ابنه البالغ الرشيد أو ابنته الثيب بغير أمرهما، فأجازا ذلك لمَّا بلغهما، فأجاز مالك ذلك مرة إذا كانت الإجازة بقرب العقد، ومنعه إذا بعد ما بينهما لغيبة، أو لتأخير الإعلام 2.
وقال أصبغ في "كتاب محمد": اختلف قول مالك في ذلك: فقال: لا 3 أحب المقام عليه إذا رضي.
وقال أيضًا: إذا رضي به جاز.
ولم يفرق بين ذلك قرب أو بعد 4. وقال سحنون في القرب مثل ما بين مصر والقلزم، وإن كان مثل مصر والإسكندرية أو أسوان لم يجُز 5.
واختلف بعد القول بمنع الإجازة في صفة الفسخ: فقال ابن القاسم: يفسخ قبل الدخول 6، ويثبت إذا دخل؛ لأن جل الناس على إجازته.
وقال أصبغ: يفسخ قبل الدخول وبعده.
وقال أيضًا: يؤمرون بالترك والفسخ من1
غير حكم؛ لاختلاف العلماء فيه (1).
فأما تفرقته بين القلزم والإسكندرية فمنع؛ لأنه نكاح فيه خيار، إلا أن تكون الإجازة بقرب المجلس، وأجازه في القول الآخر؛ لأن نكاح الخيار ما عقد عليه الزوجان، وهذا بلا عقد؛ إذ لم تكن من الآخر فيه وكالة، ولا عقد على خيار، ولا غيره، ولا أعلم لقول سحنون في تفرقته بين القلزم والإسكندرية وجهًا، إلا أن يقول إن الخيار إلى يوم أو يومين جائز والفسخ بعد الإجازة بطلاق، ولا ميراث (2) بينهما وتقع به الحرمة، وفسخه قبل الإجازة، إذا لم يرض به الغائب، بغير طلاق ولا ميراث بينهما فيه.
واختلف في وقوع الحرمة به، والصواب أن لا تقع به حرمة؛ لأنه غير منعقد وعلى الرد حتى يتم ويرضى به من عقد بغير رضاه.
فصل [في إجبار الولد إذا كان صغيرًا]
وأما الذكر 3 فللأب أن يجبر 4 ولده إذا كان صغيرًا، ويختلف فيه إذا كان بالغًا سفيهًا 5، واختلف في إجبار الوصي من في ولايته من صغير أو كبير، وليس ذلك للولي في صغير أو كبير.
فأجاز في "الكتاب" أن يزوِّج من في ولايته من صغير أو كبير 6. وقال في12
"كتاب محمد": ليس في هذا نظر ولا يعجبني 1. وقال المغيرة في "كتاب المدنيين" إن كانت امرأة ذات شرف ومال أو ابنة عم جاز 2.
وأجاز ابن القاسم إجبار البالغ السفيه، ومنعه عبد الملك بن الماجشون إلا برضاه 3.
وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": أعجب إليَّ أن لا يزوج المغلوب على عقله، وما رأينا أحدًا زوج مثل هذا.
قال في "المختصر": وفي المصابة لا تزوج؛ لأنه لا 4 أمر لها.
قياسًا على هذا، فوجه إجازة تزويج الصغير بخلاف الصغيرة 5؛ لأنه مشترٍ 6 له ما يرى فيه الصلاح، وله أن يحل ذلك عن نفسه إذا بلغ وكره ذلك، وليس للصبية حل ذلك عن نفسها.
ووجه المنع أنه يشتري له شيئًا لا يصح منه قبض المشترى الآن، وإنما يصح منه الانتفاع به بعد البلوغ في وقتٍ الغالب منه إيناس الرشد منه 7؛ لأن الغالب من بني آدم الرشد وحسن النظر في الدنيا والكَلب 8 عليها.
وإذا كان كذلك كان من الصواب أن يؤخر ذلك ليكون هو الناظر لنفسه فيه، وليس
كذلك ما يشترى له من السلع؛ لأن السلع يصح منها الانتفاع بالربح أو بالاغتلال أو باللباس إذا كان ذلك للباسه، ويلزم على هذا الأب ألا يزوج ولده في حال صغره.
وقول المغيرة عدل بين هذه الأقوال 1؛ ألا يزوج إلا أن يرى غبطة، أو ما يخشى فواته، ولا يتيسر في الغالب مثله، وإن كان على غير ذلك لم يزوج.
وإن بلغ رشيدًا نظر حينئذٍ إما أن يتزوج أو يرى غير ذلك، وإن بلغ سفيهًا كان له اجتهاد غير ما يراه الآن.
وأما السفيه فلإجباره وجه؛ لأنه يشتري له ما يصح منه الانتفاع به الآن.
ونكاحه على أربعة أوجه: واجب، وجائز، وممنوع، ومستحسن.
فإن كان يخشى عليه فساد إن لم يزوج، ولا يخاف منه المبادرة إلى الطلاق كان تزويجه واجبًا، دعا إلى ذلك أو لم يدع إذا لم يكن لتسرره 2 عنده وجه.
وإن كان لا يخاف منه فساد ولا مبادرة إلى الطلاق كان واسعًا: إن شاء فعل ذلك 3 وإن شاء ترك ما لم يدع إلى ذلك، فإن دعا إلى ذلك كان عليه أن يزوجه.
وإن كان ممن 4 يخاف منه المبادرة إلى الطلاق لما علمه من خفته وطيشه وقلة تثبته، ولا يخاف منه فسادًا- منع من تزويجه، دعا إلى ذلك أو لم يَدْع إلا أن يكون الصداق تافهًا 5 يسيرًا.
وإن كان لا يُؤمن فساده، وكان يقدر على حفظه من ذلك وصيانته فعل ولم يزوجه، وإن لم يقدر على ذلك زوَّجه بعد التربص.
وأما المجنون فإن كان لا يُفيق لا يصح طلاقه، وسقط اعتبار هذا الوجه 1، فإن كان لا يخشى منه فسادًا لم يزوجه، وإن كان يخشى ذلك منه 2 زوجه؛ لأنه وإن كان لا يتعلق بزناه في نفسه حدٌّ؛ فليس مما يعان عليه؛ ولأن فساده مع من يتعلق بها الحدُّ، فتركه معونة على ما لا يحل.
واختلف في السفيه تكون له الابنة: هل له أن يزوجها 3، أو المشورة دون العقد، أو لا يكون له في ذلك عقد ولا إذن؟
وذلك راجع إلى حال الأب، فإن كان له عقل ومَيْز ودين إلا أنه غير ممسك لماله، فرب سفيه تجوز شهادته- كان هو الناظر لابنته، فمن حسن عنده زوجها منه قبل البلوغ، وكان له أن يجبرها على ذلك.
ويستحسن مطالعة الوصي، وإنما كان التزويج إليه؛ لأن الحاجة التي 4 حجر عليه غير الوجه الذي بطلت 5 منه الآن.
وإن كان ناقص التمييز كان النظر في عين الزوج ومن يحسن لابنته- إلى الوصي، فمن حسن عنده زوج منه وإن لم يرضه الأب، ولا تزوج إلا بعد البلوغ، والاستئذان منها كاليتيمة.
ثم يختلف فيمن يتولى العقد حسب ما تقدم في ولاية الفاسق والسفيه، فمن منع منهم (1) ولايتهم جعل النظر إلى الوصي والعقد إلى الأب، فإن كان الأب فقيد العقد لم يكن له نظر ولا عقد، وقد وقع في "كتاب محمد" في هذه المسألة اضطراب.
والفقه فيها ينحصر إلى هذه الوجوه.
وإن بادر الأب بالعقد في الموضع الذي يمنع منه لنقص تمييزه لم يعجل في ذلك بطلاق حتى يختبر ذلك، فإن كان إمضاؤه من حسن النظر أمضاه، وإلا فرق.
وكذلك إذا كان سفيهًا لم يضرب على يده، وليس في ولائه، فإنه (2) ينظر في عقده ذلك إذا كان عقده بالإجبار، فإن كان فيه حسن النظر أمضاه (3) وإلا رده ولا يمضي فعله، وذلك بخلاف أفعاله في ماله؛ لأن عقد الأب على ابنته فيه معنى الوكالة لغيره، ولا يصح أن يكون وكيلًا لغيره من لا يحسن النظر لنفسه.
فصل [في تزويج الوصي عبيده وإجبارهم]
وللوصي أن يزوج عبيدَ مَنْ في ولايته 4 وإماءَهم، يُزوِّج بعضهم من بعض ومن الأجنبيين.
وللسيد 5 إجبار عبده وأمته على النكاح ما لم يقصد بذلك الضرر فيمنع.
قال مالك في "كتاب محمد": مثل الجارية المرتفعة لها الحال يزوجها من123
عبد له أسود، وعلى غير 1 وجه الصلاح- فهذا لا يجوز وهو ضرر.
قال: وليس ينظر إلى الوغد في المنظرة فرب وغد له المخبرة.
وإنما يرد من ذلك ما كان على وجه الضرر 2.
وليس للسيد إجبار من أعتق بعضه من عبد أو أمة.
واختلف: هل له أن يجبر من فيه عقد حرية من تدبير أو كتابة أو عتق إلى أجل؟ على أربعة أقوال:
فقيل: له إجبارهم؛ لأنهم الآن على الرق ولم يصيروا إلى حرية بعد.
وقيل: ليس له إجبارهم للشبهة التي لهم من الحرية بالعقد الذي عقد لهم.
وقيل: ذلك له في كل من له أن ينتزع ماله دون من ليس له أن ينتزع ماله، فيمنع من إجبار المكاتب والمكاتبة ومن إجبار أم الولد والمدبر والمدبرة إذا مرض السيد، ومن إجبار العتق والمعتقة إلى أجل إذا قرب الأجل؛ لأنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله فأحرى أن لا يعقد عليه فيما يتعلق بالجسم لا بالمال.
وقيل: له إجبار الذكران دون الإناث؛ لأن الذكران بأيديهم الطلاق فيحلوا عن أنفسهم إذا صاروا إلى العتق ما عقد عليهم.
وأصوب من ذلك أن يمنع من إجبار المكاتب والمكاتبة؛ لأنهما اشتريا أنفسهما من السيد، وليس له 3 عليهما اليوم مطالبة إلا بمال إلا أن يعجزوا، ولا يمنع من إجبار المدبر والمعتق إلى أجل؛ لأنهما اليوم على حال الرق، وهو يُدخِل عليهما بذلك منفعةً من غير مضرة.
والطلاق بأيديهما إذا صارا إلى الحرية، إلا أن يمرض السيد، أو يفوت 1 الأجل؛ فيمنع من ذلك لأنهما أشرفا على العتق، أو يجعل عليهما من الصداق ما يضر بهما في المطالبة به بعد العتق.
ويمنع من جبر الإناث كأم الولد والمدَبَّرة والمعتقة إلى أجل؛ لأن حق السيد إنما هو ما لم يصر إلى الحرية، ولا حق له فيما بعد العتق؛ فليس له أن يبيع منافع ليس له فيها حق، وعقد النكاح عليهن بيع منه لما يكون من الاستمتاع الآن وما يكون بعد العتق، والذي بعد العتق لا حق له فيه.
وليس لهن حل ذلك العقد إذا صرن إلى الحرية، وقد يستخف ذلك إذا زوجهن لعبد؛ لأن إليهن حل ذلك بعد تمام العتق فيخترن أنفسهن؛ لما جاء في حديث بَرِيرة، على أنه قد يقع العتق من سيد العبد 2 فيسقط الخيار.
باب إذا كان الزوج وليًّا هل توكله فيزوجها من نفسه؟
اختلف فيه: فأجازه مالك وغيره من أصحابه فيكون زوجًا وليًّا 1. وذكر ابن القصار عن المغيرة وأحمد: أن ذلك جائز إذا وكَّل غيره يزوجها منه.
وكذلك إذا كانت المرأة لا ولي لها وصار الأمر إلى ولاية المسلمين 2، أو كانت دنيئة لا قدر لها، يجوز أن توكل من يزوجها على العقد، فيعقد ذلك من نفسه وإن لم يكن من أوليائها، ويمنع ذلك على قول المغيرة وغيره، إلا أن يوكل 3 غيره بعقدها منه، والأحوط أن توكل غيره، فإن وكلته مضى وجاز.
باب في وكالة الرجل أو المرأة على النكاح
الوكالة على النكاح من أحد الزوجين الرجل أو المرأة جائزة، فيوكل الرجل من يزوجه امرأة معينة، أو غير معينة يجعل ذلك إلى اجتهاده، وكذلك المرأة لا ولي لها 1 توكل من يزوجها من رجل تعينه له.
واختلف إذا لم تعينه له وجعلت ذلك إلى اجتهاده، فألزمها ذلك في "الكتاب" مرة، ومرة لم يلزمها 2، والأول أحسن؛ لأنها وكالة على غير 3 ما يجوز بيعه فأشبه الوكالة على غير ذلك من البياعات، وقياسًا على توكيل الزوج إذا لم يعين المرأة، فإنه لا أعلمهم يختلفون أن ذلك يلزمه، إلا أن يعلم أنه قصر في الاجتهاد لها 4؛ فيكون لها 5 رد ذلك.
واختلف إذا زوَّجها من نفسه فكرهت: فقال في "الكتاب": لها ذلك، ولم يلزمها إياه 6. وذكر أبو الحسن قولًا آخر أن ذلك لازم لها.
وقد اختلف في هذا الأصل: إذا وَكَّل رجلٌ رجلًا 7 على البيع والشراء فباع واشترى من نفسه، فالقول الأول أحسن؛ لأنه معزول عن العقد من نفسه، ومفهوم الوكالة
العقد 1 من غيره، ومعلوم أن المرأة إذا كان لها غرض في رجل جعلت سفيرًا لذلك، ولا توكله ليبصر غيره.
ويختلف على هذا إذا وَكَّل رجل امرأة لتزوجه فزوجته من نفسها وعقد ذلك ولدها 2، وأن لا يلزم أحسن.
ويختلف إذا وكلت المرأة من يزوجها فزوجها من ولده أو من يتيمه، أو وَكَّل الرجل من يزوجه فزوجه من ابنته أو يتيمته، هل يلزم ذلك النكاح أم لا؟ قياسًا إذا وكله على أن يسلم له فأسلم ذلك إلى من هو في ولائه من ولد أو يتيم.
فمنع ذلك ابن القاسم وإن لم تكن فيه محاباة، ورأى 3 أن الوكالة تقتضي أن يتولى المعاملة مع من ليس له عليه حكم، ومعزول عن من له عليه عقد، وأجاز ذلك سحنون.
فكذلك النكاح لا يمضي على قول ابن القاسم، ويمضي 4 على قول سحنون.
ولو كان وصيًّا، فزوج يتيمه من ابنته، أو يتيمته من ابنه، أو نفسه 5 مضى النكاح، ولم يرد على كراهية في ذلك إلا 6 في الابتداء أن لا يفعل، إلا بعد مطالعة السلطان؛ لأن الوصي وكيل مفوض إليه، والأول غير مفوض إليه.
فإذا زوج الوصي وكان بعضهم كفؤًا لبعض، وأسقط في الصداق- جاز ذلك.
وإن كان فعل الوصي على غير صواب من الصداق خاصة- زاد على يتيمه أو