باب في عقل الأسنان
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فِى السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" 1. والأسنان اثنا عشر: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب، وفي كل واحدة من هؤلاء خمس من الإبل.
واختلف في الأضراس، فقضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيها ببعير بعير.
وقال ابن عباس ومعاوية: فيها خمس كالأسنان، وقيل لابن عباس: أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ فقال: لو لم تعتبر إلا بالأصابع منفعتها مختلفة وعقلها سواء.
وقال سعيد بن المسيب: والدية تنقص في قضاء عمر، وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء.
والأضراس عشرون: أربع ضواحك، واثنا عشر رحا، ثم أربع نواجذ، وهي سن الحلم التي يخرج أقصاها بعد الكبر.
وقال ابن شعبان: للرجل الملتحي اثنان وثلاثون سِنًّا وللكَوْسَج 2 ثمانٍ وعشرون سِنًّا.
يريد: أنه لا نواجذ له، وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب أن الأسنان اثنا عشر والأضراس عشرون بالنواجذ، فيها عشرون بعيرًا عند عمر وعند سعيد بن المسيب أربعون فتتم الدية مائة من الإبل.
فصل [فيما تجب به دية السن]
تجب دية السن بأربعة وجوه: إذا سقطت، وإذا ضربت فاسودت وإن كانت باقية لم تسقط، وإذا سقطت بعد أن اسودت كان اسودادها من فعل إنسان أو لعلة حدثت فيها، وتجب إذا ضربت فتحركت تَحرُكًا بيِّنًا وإن لم تسقط، فإن أسقطها إنسان بعد ذلك كانت فيها حكومة.
وإن ضربت أولًا فتحركت وبقيت فيها قوة كان على الضارب بحساب ما ذهب من قوتها، فإن أسقطها الآخر بعد ذلك كان عليه بحساب ما بقي.
وإن ضربت فتغير لونها خاصة بصفرة أو حمرة أو خضرة كان عليه بقدر ما أذهب من جمالها، وهذا قول أشهب في كتاب محمد، وقال ابن القاسم في المدونة 1: إن كان ذلك مثل الاسوداد فقد تم عقلها وإلا فعلى حساب ما نقص 2. والأول أحسن إلا في الخضرة فإنه سواد أو مقارب له 3 وقد أذهب جمالها جملة.
وإن كسر رجل بعضها كان عليه بقدر ما أذهب منها، فإن أسقطها آخر كان عليه بقدر ما بقي.
وإن كسر رجل نصفها 4 وتحرك الباقي وهو قدر نصف قوتها كان عليه ثلاثة أرباع ديتها: النصف عن ما أذهب منها، ونصف النصف عن تحريك
الباقي.
ومثله إذا أذهب نصفها واحمر الباقي وكان ذلك عند أهل المعرفة نصف جمالها، فإن عليه ثلاثة أرباع ديتها: النصف عن الذاهب، ونصف النصف عن جمال الباقي.
ولو ضربها رجل فاحمرت فأذهب نصف جمالها وأخذ نصف ديتها، ثم ضربها رجل آخر فتحركت فأذهب نصف قوتها، أخذ منه نصف دية صحيحة 1؛ لأنه لو أسقطها بعد أن اسودت لغرم ديتها كاملة.
ولو ضربت ضربة واحدة فاحمرت وتحركت وذلك 2 نصف قوتها كان عليه دية نصف واحد، وإن كان أحدهما النصف والآخر أكثر من النصف -الجمال أو القوة- عقل له على أكثرهما وسقط الآخر.
وإن نقص الكلام لذهاب الأسنان عقل له على الأكثر من دية الأسنان أو ما نقص من الكلام، ومحمل الحديث "فِى السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" 3 أن ذلك في السن الواحدة؛ لأن الغالب أن الكلام لا يتغير لذلك، وأما إذا أفسد بعض الكلام أو عطل الكلام بنقص 4 الحروف لم تسقط دية ذلك، وقد يفسد من الكلام ما تكون ديته أكثر من دية السن.
باب في تنجيم الدية
قال: وتنجم الدية في ثلاث سنين، والثلث في سنة، والثلثان في سنتين.
واختلف قوله في النصف فقال: في سنتين، وقال: في سنة ونصف 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لم يختلف في الدية أنها تنجم في ثلاث سنين، واختلف فيما دون الدية في ثلاثة مواضع: أحدها: هل تحمل العاقلة الثلث؟ والثاني: هل ينجم ما دون الدية؟ والثالث: كيفية التنجيم في النصف والثلاثة الأرباع؟
فقال مالك: تحمل العاقلة ثلث الدية 2. وذكر ابن القصار عن ابن شهاب أنه قال: إنما تحمل ما زاد على الثلث.
وقد اختلف في هذا الأصل في الثلث 3 هل هو في حيز الكثير أم لا؟ فجعل في عطية الزوجة وفي الوصية أنه في حيز اليسير ولا مقال للزوج فيه ولا للورثة فيه.
وقال مالك فيما حملته العاقلة ولم تكمل فيه الدية أنه ينجم.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن مالك رواية أنه قال: لا تنجم إلا الدية الكاملة 4. وفي مختصر ما ليس في المختصر لمالك مثله.
وذكر ابن القصار عن بعض شيوخه أن الدية الكاملة تكون 1 على العاقلة.
وقال أشهب عند محمد في نصف الدية: يؤخذ الثلث إذا مضت سنة والسدس إذا مضت سنة أخرى 2.
باب في معاقلة المرأة الرجل
وقال مالك في المرأة تُجرح خطأ: أنها تأخذ في ذلك إذا كانت دون الثلث على عقل الرجل، فإن بلغ الثلث أخذت على عقل المرأة، قال: فلها في ثلاثة أصابع ونصف 1 أنملة أحد وثلاثون بعيرًا وثلثا بعير كعقل الرجل، وإن كانت ثلاثة أصابع وأنملة رجعت إلى عقل نفسها فكان لها ستة عشر بعيرًا وثلثا بعير.
وإن قطع من اليد الأخرى استؤنف العقل فيه مثل الأولى تأخذ على عقل الرجل إلى أن تبلغ ثلاثة أصابع وأنملة فترجع إلى عقل نفسها.
وإن قطع من الأول من اليدين معًا ثلاثة أصابع أخذت ثلاثين بعيرًا فإن قطع بعد ذلك إصبع من التي قطع منها اثنين أخذت عشرًا بمنزلة لو كان القطع فيها منفردًا، وإن قطع من الأخرى إصبعان أخذت عشرين.
وإن قطع من اليدين أربعًا أخذت خمسًا خمسًا، ثم إن قطع منها إصبعًا إصبعًا أخذت عشرًا عشرًا؛ لأن المقطوع حينئذ من كل يد ثلاث، فإن قطع منها بعد ذلك إصبعان أخذت خمسًا خمسًا، وهذا قول ابن القاسم، وجعلها في ذلك بمنزلة من أخذ من الأول عشرًا 2.
وقال ابن نافع عند ابن مزين وابن الماجشون 3 في المبسوط: كلُّ ما أصيبت به منفردًا من الأصابع فلها فيه عشرٌ، ولا تضاف مصيبة حدثت إلى مصيبة تقدمت إلا أن يكون القطع فيهما معًا ما يكون عقله ثلث دية الرجل
فترجع إلى عقل نفسها.
وهذا أبين من القول أنها تأخذ في الأول خمسًا خمسًا، ثم إن أصيبت في شيء من تلك اليد بعد ذلك يضاف إلى الأول ويحسب كأنها أخذت من الأول عشرًا.
وإذا أصيبت إصبعان منها بأمر الله ثم أصابها إنسان في الثلاث الباقية أخذت لها عشرًا عشرًا لكل إصبع.
وإن أصيبت في الاثنين عمدًا فاقتصت ثم أصيبت في الثلاثة خطأ فكذلك تأخذ لكل إصبع في الخطأ عشرًا، ولا يضاف الخطأ إلى العمد.
وكذلك إذا عفت ولم تقتص أو صالحت فيها في كل إصبع بأقل من خمس، وإن صالحت عن كل إصبع بخمس 1 إلى عشر عاد الخلاف المتقدم من قول مالك وابن نافع وعبد الملك.
وأما المواضح والمنقلات وغيرها من الجراحات فإن المراعى منها ما كان في ضربة واحدة، فإن بلغت الثلث أخذت على عقل نفسها، وإن كانت في أمر مفترق لم يضم الآخِر إلى الأول واستؤنف الحكم في الثاني والثالث، وأخذت فيه 2 على عقل الرجل إذا كان دون الثلث.
واختلف في الأسنان فقال ابن القاسم في كتاب محمد مرةً: هي كالأصابع يحسب الآخِر مع الأول، ثم ينظر هل يبلغ ثلث ديتها أم لا، وجعلها مرة كالمواضح لا يضم الآخر إلى الأول 3. وهو أقيس، ولا يصح ضم بعض ذلك إلى البعض إلا على قول ابن المسيب أن في جميع الأسنان الدية فتكون كالأصابع
في جميعها، وأما على قول مالك أنها لا تقصر على دية وأن في كل واحدة 1 خمسًا، فلا يحسن، وتكون كالمواضح.
وما أصيبت به في العين والأنف والسمع واليدين وما أشبه ذلك مما فيه دية فإنه يضم الآخر إلى الأول كالأصابع 2. ثم إذا قلع السن أو قطع الأذن عمدا أو خطأ ثم أعادها أو عادت السن أو أخذ ديته فعاد ضوؤها
باب في القصاص من العَظْمِ يكسر
ولا قصاص فيما كان من العظام مخوفًا وإن كان قد سلم الأول منه كعظام العنق والظهر؛ لأنه مخوف إذا انقطع النخاع هلك صاحبه، وكذلك الهاشمة في الرأس والمنقلة لا يستقاد منها.
وقال ابن القاسم: لا يستقاد من الفخذ لأنه مخوف.
وقال في الصدر والأضلاع: يسأل عنه أهل المعرفة فإن قالوا: لا يخاف، اقتص منه، وإن كان يحأف لم يقتص.
وأجاز القصاص من الترقوة وقال: أمرها أيسر.
قال: (1) وكذلك العضدان والذراعان والكفان والأصابع والساقان والقدمان له أن يقتص (2).
وقال أبو محمد عبد الوهاب: في المنقلة روايتان، إحداهما وجوب القود (3). وقال أشهب عند محمد في الهاشمة: القصاص (4).
فصل (5) [في الدية في سن الصغير الذي لم يثغر]
وقال مالك في الصبي تُنزَع سِنُّه قبل أن يُثْغِر خطأً أو عمدًا 6: إنه لا12345
يعجل الآن بالقصاص ولا بالعقل ويوقف العقل 1. وقال سحنون: يوقف من العقل في العمد بقدر ما إن عاد منها شيء لم يقتص وأخذ الباقي 2. وهذا إذا كان الجاني غير مأمون فإن كان مأمونًا لم يوقف.
ثم لا تخلو أن تعود لهيئتها أو لا تعود أو تعود دون ذلك، أو يموت الصبي أو الجاني قبل ذلك، فإن عادت سالمة أخذ الجاني العقل الموقوف، ولا شيء عليه في خطأ ولا عمد، والصبي في هذا بخلاف الكبير؛ لأنه لم يكن بُدٌّ من سقوطها.
وإن لم تعد أخذت الدية في الخطأ واقتص في العمد.
وإن عادت على غير هيئتها افترق الجواب، فإن كان خطأ كان له من العقل بقدر ما نقص، وإن كان عمدًا وعاد قدر ما ينتفع به سقط القصاص وكان له من العقل بقدر ما بقي.
وإن مات الصبي قبل أن تعود كان لورثته الدية في الخطأ والقصاص 3 في العمد.
ولو مات الجاني وقف الأمر حتى ينظر هل يعود أم لا؟ فإن لم يعد أخذت الدية في الخطأ، ولا شيء له في العمد؛ لأن المقتص منه ذهب بمنزلة القصاص في النفس فيموت القاتل.
ولو عاد بعض السن قدر ما ينتفع به كان من الدية بقدر ما بقي.
تم كتاب الجراح بحمد الله وحسن عونه،
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم