التبصرة للخميصفحات 645-685

كتاب الجنائز

صفحات 645-685

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (ش) (2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الجنائز

باب في الصلاة على الميت, وصفتها ومقام الإِمام من الميت

من حق المسلم على المسلم 1 إذا مات أربعة: غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ومواراته، ولا خلاف في هذه الجملة، واختلف في منازل بعضها من الوجوب، فأما تكفينه ومواراته - صلى الله عليه وسلم - فواجبان قولًا واحدًا، واختلف في غسله والصلاة عليه، هل ذلك واجب؟ أو سنة؟ فقال الشيخ أبو 2 محمَّد بن أبي زيد: غسله 3 سنة، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب غسله 4 واجب 5، واحتج من نصر هذا القول يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته: "اغْسِلْنَهَا..." الحديث 6، وبقوله

في المحرم: "اغْسِلُوهُ..." 1 قال: وهذا أمر، وأمره على الوجوب، وليس في كلا الحديثين أمر بيِّن، فأما الأول فإنما خرج مخرج التعليم لصفة الغسل، وكذلك في المحرم خرج مخرج البيان لصفة ما يجوز أن يعمل بالمحرم وما يجنب 2 من الطيب، وتغطية الرأس، وقد كان غسل الموتى قبل هاتين النازلتين أمرأ معروفًا ومعمولًا به.
وأما الصلاة فقال ابن عبد الحكم في كتاب محمَّد: هي فرض 3 وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84].
وقال 4 أبو محمَّد عبد الوهاب: إنها فرضٌ 5، وقال أصبغ: هي سُنَّةٌ 6، فأمَّا ما ذهب إليه ابنُ عبد الحكم من 7 أنها فرضٌ بالآية فليس بحسن؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بضده إذا كان له ضدٌّ واحد، كالنهي عن الفطر أمر بالصوم، والأمر بالصوم نهيٌ عن الفطر، وليس كذلك إذا كان له أضداد فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب، والوجوب، فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف = خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئًا من كافور فهذا فرغتن فآذننى فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه فقال أشعرنها إياه".

الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم، وأنهم لا يسعهم ترك ذلك واختلف بعد القول إنها فرض في العبارة عنه، فقيل: فرض على الكفاية، وقيل: على الأعيان حتى يقوم به بعضهم، والمعنى في ذلك واحد فهو من فروض الكفاية؛ لأنه يكتفى فيه بقيام بعضهم، وفرض على أعيان تلك الجماعة التي بذلك الموضع حتى يقوم به بعضهم، فيسقط عن الباقين.
والسنة أيضًا 1 أن تصلى جماعة بإمام، وإن 2 صلى واحدٌ أجزأه, ويستحب أن تعاد الصلاة لفضل الجماعة، وقد مُرَّ بجنازة عبد الرحمن بن عوف على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّينَ عليه بعد أن صُلي عليه 3. وذكر ابن القصار عن مالك أنه أجاز أن يصلى على الميت في القبر 4، وإن كان قد صُلِّي عليه فهو في هذا أخف.
وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى 5 الاستكثار من الجماعة فقال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّة مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ فِيهِ، إِلاَّ شُفِّعُوا فِيه" 6، وقال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَربَعُونَ رَجُلًا.. إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، أخرج هذين الحديثين مسلم 7.

وهذا تنبيهٌ منه - صلى الله عليه وسلم - وحضٌّ على هذه العدة، وأرى أن يجتهد في المائة ولا يقصر (1) عن (2) الأربعين.

فصل أركان الصلاة على الميت

الصلاة على الميت تشتمل على ثلاثة: تكبير، ودعاء، وسلام.
فالتكبير أربع، وإن كبر دون ذلك لم تجزئ 3 الصلاة، وزاد تكبيرة وسلم إن لم يبعد، وإن بعد استأنف الصلاة، وإن كبر خمسًا أجزأت الصلاة ولم تفسد.
والأصل في الأربع، صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي فكبر عليه أربع تكبيرات 4، وعلى هذا العمل، وأجزأت إذا كبر خمسًا، لحديث زيد بن أرقم أنه 5 كبر على جنازة خمسًا فقيل له: فقال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُهَا" أخرجه مسلم 6. واختلف في المأموم إذا كان الإِمام يُكبّر خمسًا، فقال مالك: إذا كبر الرابعة سلم من وراءه ولم ينتظر تسليمه، وقال ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك: يثبتون12

بغير تكبير حتى يسلموا بتسليمه 1، وهو أبين 2، لحديث زيد بن أرقم 3. واختلف فيمن فاتته تكبيرة والإمام ممن 4 يكبر خمسًا، فقال أشهب: لا يكبرها معه وإن فعل لم يعتد بها مما فاته 5، وقال أصبغ 6: يكبر معه الخامسة, ويحتسب بها من الأربع 7، وعلى أصل مالك لا ينتظر تسليمه, يكبر لنفسه وينصرف.
وقال مالك في المدونة فيمن أتى وقد سبقه الإِمام ببعض التكبير لا يكبر حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره 8، وقال في العتبية: يكبر تكبيرة واحدة؛ لأن الأولى بمنزلة تكبيرة الإحرام، ولا يقض ما سبقه به الإِمام 9. يريد: إذا فاته أكثر من واحدة.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: يدخل في الصلاة بالنية بغير تكبير، فإذا كبر كبر معه 10، وقال الشيخ أبو الحسن 11 ابن القابسي: إن مضى أيسر الدعاء كبر، وإن مضى أكثره أمهل.
وليس يجري 12 هذا على أصل المدونة؛ لأنه يقول: وإن فاته بعض التكبير يقضيه بعد سلام الإِمام متواليًا من غير دعاء 13.

وإذا كان كذلك (1)، كان كالتكبير (2) الآن، وإن لم (3) يدرك شيئًا من الدعاء فيكبر الآن أدرك شيئًا من الدعاء أم لا (4)، وأما على القول أنه يصلى على الغائب- فإنه يصح أن يمهل حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره، وإذا (5) سلم الإِمام قضى ما فاته به (6)، ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة عنه.

فصل يرفع الأيدي في التكبيرة الأولى

وقال مالك في المدونة: ترفع الأيدي في التكبيرة الأولى وحدها 7، وروى عنه ابن وهب: أنه يرفع 8 في الأربع 9، وقال ابن القاسم 10 في مختصر ما ليس في المختصر: حضرت مالكًا غيرَ مرةٍ فكان 11 لا يرفع يديه لا في الأولى ولا في الأخيرة 12. وذكر ابن شعبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يرفع في التكبيرات الأربع 13.123456

فصل الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة

الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة، واختلف في الثناء على الله -عز وجل- 1، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقيل لابن القاسم: هل وقَّت مالكٌ ثناءً على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين؟ فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط 2، وروي عن مالك أنه استحسن قول أبي هريرة - رضي الله عنه - 3، وفيه الثناء على الله -عز وجل- والحمد لله، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم الدعاء، والأحاديث وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء خاصة.
وأخرج مسلم 4 حديث عوف بن مالك، ومضمونه: الدعاء خاصة 5، غير أن الشأن أن يبتدأ كل أمر ذي بالٍ بحمد الله سبحانه والثناء عليه.
وفي الترمذي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من يريد الدعاء أن يبدأ بالحمد لله -عز وجل- والثناء عليه, ثم يصلي على = عُمَر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في كل تكبيرة, وإذا انصرف سلم): يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختُلِفَ عنه؛ فرواه عمر بن شبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمَر، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وخالفه جماعة رووه عن يزيد بن هارون مَوقوفًا، ورواه عمر بن شبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى ابن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمَر، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك رواه عبد الرحمن بن اليمان- شيخ يروي عنه الأوزاعي، وأبو شهاب الحناط, وغيرهما، عن نافع، عن ابن عُمَر مَوقوفًا.
وهو الصواب.
وانظر: الزاهي، لابن شعبان، لوحة رقم: [53 / ب].

النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو 1، ومنه: قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 2. قال ابن سحنون: يدعو ثم يسلم.
قال ابن حبيب: كل 3 ذلك واسع أن يبتدئ بالحمد والثناء بعد كل تكبيرة، أو بعد التكبيرة الأولى فقط.
واختلف إذا كبّر الرابعة هل يدعو؟ فقال سحنون: يدعو ثم يسلم 4، وقال ابن حبيب: يسلم عقب 5 التكبير من غير دعاء 6، والأول أبين، ومحمل التكبيرة الأخيرة محمل ما قبلها، أن عقبها الدعاء، ويستحب إذا كبّر الرابعة أن يقول: اللهم اغفر لنا, ولوالدينا, ولسلفنا الصالحين، والمؤمنين والمؤمنات، ممن كان، ومن هو آت، إلى يوم الميقات 7، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، واجعل في الموت راحتنا، وقرة أعيننا، وأسعدنا بلقائك.
وقال مالك في المجموعة في الصلاة على الطفل: يُسأل له الجنة ويُستعاذ له من النار، وقال ابن حبيب: يقال بعد حمد الله -عز وجل- والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: اللهم إنه عبدك، وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك، وأنت أعلم بما كان

عاملًا وصائرًا إليه، اللهم جاف الأرض عن جنبيه, وأفسح له في قبره, وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدل له دارًا خيرًا من داره، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار، وصيره إلى جنتك برحمتك، وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، واجعله لنا ولأبويه سلفًا وذخرًا وفَرَطًا وأجرًا، وثَقِّل به موازينهما (1)، وأعظم به أجورهما (2)، ولا تحرمنا وإياهما (3) أجره، ولا تفتنا وإياهما (4) بعده، يقول ذلك بإثر كل تكبيرة.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد قيل: لا يعذب، لقوله (5) الله -عز وجل-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، ولا يعذب إلا من عصى وخالف بعد توجه الخطاب عليه (6)، وإذا كان ذلك لم يستعذ له من النار.

فصل [في وقوف الإِمام على الجنازة]

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه قام في امرأة عند وسطها 7، قال أبو هريرة: لأنه يسترها عن الناس 8، وروى ابن غانم عن مالك مثل ذلك 9، وكان123456

ابن مسعود يقوم عند وسط الرجل ومنكبي المرأة 1. وقال أشهب في المجموعة: عند وسط الميت أحب إليَّ وذلك واسع 2، يريد: حيث شاء منه، قال: وإن تيامن إلى صدره فحسن، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، وقال ابن شعبان: وحيث وقف الإِمام من الجنازة في الرجل والمرأة فواسع 3. والذي أستحسنه للأئمة 4 اليوم التيامن 5 إلى الصدر في الرجل وفي المرأة إذا كان على نعشها قبة 6، أو كان كفنها 7 بالقطن، فإن لم يكن فوسطها؛ لأن الكفن إذا لم يكن فيه قطن يصفها، والإمام يسترها، وأول من جعل على النعش قبة للنساء عمر - رضي الله عنه - جعله 8 على زينب بنت جحش سترها 9، وأول من ضرب فسطاطًا على قبر هو 10 ضربه على قبرها 11.

باب في حمل الجنازة، والمشي معها

ومن المدونة قال مالك في حمل سرير الميت: ليس في ذلك شيء مؤقت به، احمل 1 إن شئت بعض الجوانب ودع بعضها 2، وإن شئت فاحمل، وإن شئت فدع 3. وقال أشهب في مدونته: أحب إليَّ أن يُحمل من الجوانب الأربع يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر، يريد: الأيمن، قال ثم المقدم الأيسر ثم المؤخر الأيسر، وقال ابن مسعود في المدونة: "احْمِلُوا الجَنَازة مِنْ جَوَانِبِهَا الأرْبَعِ فَإِنَّهَا السُّنَّةُ" 4، وإنما تكلم على ما كانت عليه الصحابة أنهم يحملون موتاهم بأنفسهم تواضعًا، وابتغاءً للأجر 5، وإكرامًا للقريب، والحميم، وقد حمل سعد بن أبي وقاص جنازة عبد الرحمن بن عوف 6، وعمر = برقم (11751) دون التنصيص على أنه أول من ضربه.

ابن الخطاب جنازة أُسيد بن الحُضَير (1)، وابن عمر جنازة أبي هريرة (2)، وكان الرجل منهم يرغب أن يكون له أجر (3) العمل، ثم لا يقنع بذلك حتى يريد أن يحرز الأجر بالجوانب الأربع، ثم أجر الصلاة، ثم أجر المواراة.
قال أبو مصعب: أحبُّ إليّ أن يحفن الرجل (4) ثلاث حفنات بيده في قبر الميت عند دفنه، يريد ليكون له أجر المواراة.

فصل في صفة المشي خلف الجنازة

الذين يصحبون الميت ثلاثة 5: رجال مشاة، وركبان، ونساء، فأما الرجال فقيل: يكونون أمامها، وقال مالك في المجموعة: أمامها أفضل 6، وقال أشهب في مدونته هو السنة، والمشي خلفها واسع، وقال أبو مصعب: المشي أمامها ووراءها واسع وكل ذلك فَعَلَه الصالحون، ولم يقدم أحدهما 7 على الآخر وهذا الذي يقتضيه قول مالك في المدونة؛ لأنه 8 قال: لا بأس1234 = المقدمين، من كتاب الجنائز، برقم (6626) من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائما بين العمودين المقدمين واضعًا السرير على كاهله.

بالمشي أمام الجنازة 1. وقوله: لا بأس، لا يفهم منه أنه أفضل، ولا أنه أولى، وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: المشي خلفها أفضل 2. واحتج من قال أمامها 3 أفضل؛ لأنه شافع، والشفيع يكون أمام من يشفع 4 له، وهذا غير صحيح، وليس من الأدب فيمن مشى مع من 5 يشفع (6) له أن يجعله وراءه، وأيضًا فإن الشفاعة حين الصلاة ولم يأت ذلك بعد، ولا خلاف أنه لا يجوز حين الشفاعة وهو وقت الصلاة أن يجعل الميت خلفه ويتقدم ليستشفع له 6، وفي النسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "... في المَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا.." 7. واختلف في الركبان، فقال أشهب في مدونته: أحب إلى أن يتقدموها، وقال غيره: يكونون 8 خلفها مع النساء 9، يريد: أمام النساء 10، وأما النساء فخلف الرجال، وخلف حملة الجنازة؛ لأنهم رجال.

باب في الصلاة على الميت في المسجد

واختلف في الصلاة على الميت في المسجد بالكراهة والجواز والمنع، فكره مالك ذلك في المدونة 1، وقال ابن حبيب: لو صُلِّي عليها في المسجد ما كان ضيقًا، لما روي من الصلاة على سُهَيل 2 وعمر فيه 3، وقال ابن 4 سحنون: ترك ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج في النجاشي إلى المصلى 5، وقال ابن شعبان: لا توضع الجنازة في المسجد لأنها ميتة 6. وهذا يقتضي أن يكون ممنوعًا، لحرمة المسجد؛ لأنه نجس, وإليه يرجع قول ابن القاسم في كتاب الرضاع في قوله: إن لبن المرأة إذا ماتت نجس لا يحل شربه، فجعله نجسًا لنجاسة الوعاء 7.

وذهبت عائشة - رضي الله عنها - وغيرها من أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم - إلى جواز الصلاة عليه في المسجد، وأمرت أن يدخل عليها إلى المسجد 1 سعد بن أبي وقاص لتصلي عليه في المسجد 2، وفي كتاب مسلم: أرسل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمروا عليهن بجنازة سعد في المسجد فيصلين عليه, ففعلوا فوقفوا 3 به على حُجَرِهِنّ يصلين عليه، فأنكر ذلك بعض الناس، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: "مَا أَسْرَعَ مَا نَسِىَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءِ إِلَّا فِي جَوْفِ المَسْجِدِ" 4، وهذا أحسن، ولو كان نجسًا ما أدخله النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد، وفي البخاري: قال ابن عباس: "لا يَنْجَسُ المُسْلِمُ حَيًّا وَلاَ ميتًا" 5، وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته 6، وقيل لعائشة - رضي الله عنها -: يغتسل غاسل الميت؟ فقالت: أو أنجاس موتاكم؟ 7 وليس عدم الحياة يوجب = في دواء, فكيف تقع الحرمه بالحرام؟! قال: اللبن يحرم علي كل حال ألا ترى لو أن رجلا حلف أن لا يأكل لبنا فأكل لبنا قد وقعت فيه فأرة فماتت أنه حانث).

كون الميت نجسًا، ألا ترى أن الشاة تعدم منها 1 الحياة بالذكاة ولا 2 تكون نجسة؛ لأنها حلال، وتموت حتف أنفها فيكون حكمها أنها نجسة 3 لما كانت محرمة الأكل، فلم يكن عدم الحياة ما 4 يوجب كون الحيوان 5 نجسًا، إلا أن يكون عدمه 6 على صفة تمنع أكل، ويكون رجسًا، وتحريم لحوم بني آدم إكرام لهم وتشريف، فكانت حرمته حيًا وميتًا سواء؛ لأن حرمة لحمه بعد موته كحرمته قبل، وكذلك النبيذ قبل الشدة طاهر؛ لأنه حلال، وفي حال الشدة نجس؛ لأنه حرام، وتزول الشدة فيكون حلالًا طاهرًا.
= فاغتسلوا).
قال ابن التركماني في الجوهر النقي (1/ 300): وقد صح عن عائشة إنكار الغسل عن غسل الميت.
اهـ

باب في الصلاة على قاتل نفسه، وعلى من قتل في حَدِّ أو كان حكمه (1) القتل فمات قبل القتل (2)، أو كان حدُّه الجلد فمات منه، وفي الصلاة على اللصوص، وولد الزنا، وعلى (3) أهل الأهواء

وقال مالك: يُصَلَّى على من قتل نفسه، وقال في امرأة خنقت نفسها: يُصلَّى عليها 4. فالصلاة جائزة على كل مسلم أتى كبيرةً، قتلًا كانت أو غيره؛ لأن ذلك لا يخرجه من الإِسلام، وإنما يفترق الجواب في صلاة الإِمام وأهل الفضل، فقال مالك: كل من قتله الإِمام في قصاص أو في حد، وفي المرجوم لا 5 يصلِّي عليه الإِمام، ولا على اللصوص 6، وسواء كان هو القاتل لهم، أو كابروا 7 قومًا فقتلوهم.
قال ابن القاسم: وأما من 8 ضربه السلطان 9 فمات من ذلك الضرب فإن الإِمام يصلي عليه؛ لأن حدّه الجلد ولم يكن القتل 10. وروى ابن وهب عن مالك في الميت يكون معروفًا بالفسق والشر، قال:123

لا تصل عليه، واتركه لغيرك 1. قال: وإنما يرغب في الصلاة على الرجل الصالح و 2 الذي يذكر عنه الخير 3. وعلى هذا يكره للإمام أن يصلي على من هذه صفته، وعلى من مات من الضرب، وغير ذلك من عقوبات الكبائر.
ولمحمد بن عبد الحكم في ذلك قول ثالث، قال: يصلي الإِمام على المرجوم إن شاء، واستشهد بالحديث: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالغَامِدِيَّةِ" 4، وعلى هذا يصلى على من قتله في قود أو حرابة.
وأرى 5 فيمن حكمه الأدب بالضرب أو القتل أو غير ذلك فمات قبل أن يؤدب بذلك، اجتناب الإِمام وأهل الخير والفضل الصلاة عليه، ليكون ذلك ردعًا لغيره من الأحياء, ولا يجتنب الصلاة على من امتثل فيه الحد والأدب بالضرب 6 فمات منه أو القتل؛ لأن فيما فعل به من ذلك كفاية في الردع للأحياء, ولا يجمع على الميت مع ذلك أن لا 7 يجتهد له في المغفرة وحطّ الوزر، وقد "ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على ماعز، وعلى الغامدية, بعد أن رجما 8 في الزنى".

وقال ابن القاسم في الصلاة على أولاد الزنا: هم في ذلك كأولاد الرشدة 1. أي: لا يجتنب أهل الخير الصلاة عليهم، وقد قيل: إنه خير الثلاثة؛ لأنه لا وزر عليه من ذلك، والوزر على أبويه.
وقال مالك في المدونة، في القدرية والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا يعاد مرضاهم 2. وقال سحنون: أدبًا لهم، فإن خيف عليهم أن يضيعوا غسلوا وصلي عليهم 3. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول القرآن مخلوق: هو كافر فاقتلوه 4. وقال في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا يزوجه 5، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، فعلى هذا يوارى ولا يصلى عليه، وقد قال أيضًا فيمن قال بخلق القرآن: يضرب ويسجن حتى يتوب 6.

باب في الصلاة على ولد النصراني يكون مِلْكًا لمسلم فيموت قبل أن يسلم (1)، أو بعده

2 واختلف في الصغير من ولد أهل الكتاب يموت قبل أن يسلم، وهو ممن لا ذمة له، فقيل: هو على حكم الكافر لا يصلى عليه إلا أن يسلم، ويعرف ما أجاب إليه، وسواء كان معه أبواه أو 3 لم يكونا، صار في سهمانه، أو اشتراه من حربي قدم به 4، أو توالد في ملك مسلم من عبديه النصرانين كان من نية صاحبه أن يدخله في الإِسلام أم لا، وهذا قول مالك وابن القاسم 5. وقال معن: إن اشتراه ومن نيته أن يدخله في الإِسلام صلي عليه 6، وقال ابن الماجشون: إن لم يكن معه أبواه في حين الابتياع ولم ينته إلى أن يتدين أو يدعى، وملكه مسلم فله حكم المسلمين، في الصلاة والمواراة 7، والقود، والمعاقلة والعتق 8. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إن مات بحدثان ملكه وفوره لم يصل عليه، ولم يجزئ عن رقبة واجبة، وإن لم يكن بحدثان ملكه وقد تشرع بشريعة الإِسلام، وزياه بزينة الإِسلام، فله حكم الإِسلام في الصلاة والمواراة 9 والقود1

والعتق عن الواجب 1. قال ابن حبيب: فأما من ولد من الكتابين في ملك مسلم فلا يجبر.
يريد: بخلاف الأول إذا 2 توالد في ملك كافر 3، وعكس أبو مصعب الجواب، فقال: من ولد من النصارى أو اليهود في ملك مسلم فهو على فطرة الإِسلام.
يريد: بخلاف من توالد في ملك كافر، فوجه القول الأول، أنه لما كان على أحكام النصرانية إذا كان لأبويه ذمة 4، أو قبل أن يملكه المسلم 5، فلا ينتقل 6 عنها إلا بالمعرفة بالله سبحانه فحينئذ يكون له حكم الإِسلام، ووجه القول أنه على 7 حكم الإِسلام إذا لم يكن معه أبواه, قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولد عَلَى الفِطْرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ..." الحديث 8، أي: على 9 السلامة من الكفر حتى يهود أو ينصر، وقيل: على الإِسلام، لقول الله سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] أي ذلك كان 10 فإنه ليس بكافر قطعًا ولا مؤمن؛ لأنه من يوم توالد إلى أن 11 يعقل، كالبهيمة لا ينسب إلى معرفة ولا إلى جحود، وهو غير عارف بالله -عز وجل-،

وغير عارف بوجوه الجحود وإذا كان كذلك 1 كان ولد الذمي إذا كان صغيرًا لا يعقل على أحكام من كفر 2، للعهد والذمة التي لأبيه, وأنه لا يعارض في ولده بدين ينقل إليه، ليس لأنه كافر، فإذا كان مسبيًا وحده, أو مع أبويه، أو توالد في ملك مسلم، لم يكن على أحكام الكفر 3؛ لعدم الذمة وعدم العهد في الآباء، وإذا كان الأب عبدًا وتوالد 4 له ولد في ملك مسلم لم يكن له حق إلا في نفسه إلا أن 5 يجبر على الإِسلام؛ لأنه قد اختار في حين القتال الرق 6 على الإِسلام، فأما ولده فلا مقال له في دينه, وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "... اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا بِهِ 7 عَامِلِينَ" 8 فإنما أخبر أن الله -عز وجل- يعلم الشيء أن لو كان كيف كان 9 يكون، وذلك مثل قول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28]، ولم يرد أنهم يكونون 10 في الآخرة على حكم، ما لو عاشوا لفعلوه 11 من إسلام أو كفر؛ لأن الإنسان لا يجازى بما لم يعمل، ولا يثاب ولا يعاقب على ما لم يعمله من خير أو 12 شر، ولا خلاف أنه لو نوى إنسان أن يشرب خمرًا أو يقتل رجلًا ثم لم يفعل أنه لا يقام عليه

حكم من فعل ذلك، والصغير أبين؛ لأنه لم تكن منه نية لفعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين إذا ماتوا صغارًا، الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا، هل يعملون بعمل أهل السعادة؟ أو أهل الشقاوة؟ وهل يكون مسلمًا أو كافرًا؟ إلا أنه يكون على حكم من لم يعمل شيئًا من ذلك.

فصل لا يصلى على السقط ولا يُغسَّل ولا يحنط

ومن المدونة قال مالك: لا يصلى على الصبي، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يورث حتى يستهل صارخًا 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: للسقط حالتان لا خلاف فيهما، إحداهما: أن تسقطه ميتًا لا حراك به فالحكم فيه كما قال مالك: لا يغسل ولا يحنط ولا يصلى عليه ولا يورث وإن كان قبل ذلك في البطن يتحرك، والثانية: أن يستهل صارخًا فهذا لا خلاف فيه أن له حكم الحياة في جميع أموره وإن مات بالفور وتبين أنه لم يكن ممن له بقاء.
واختلف في الحركة والرضاع والعطاس فقال مالك مرة 2: لا يكون بذلك حكم الحياة 3. قال ابن حبيب: وإن أقام يومًا يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك لم يكن حكمه حكم الحي 4 حتى يسمع له صوت وإن كان خفيًا 5 6. وقال إسماعيل

القاضي في الحركة: هي بمنزلة الحركة التي كانت وهو في البطن فلا يحكم له فيها بحياة.
وقيل: 1 إذا تحرك حركة بينة، أو ارتضع، أو عطس، فله بذلك حكم الحي، وهو في الرضاع حسنٌ؛ لأن الرضاع لا يكون إلا من حياة محققة، وأما الحركة فإن لم تكن بينة فلا، وقد يضطرب بعض لحم 2 الشاة بفور السلخ، وأما الحركة البينة وما يرى أنها لا تكون إلا مع تحقق الحياة أو لطول بقائه فله حكم الحي؛ لأنه ليس في الصراخ أكثر من البيان على وجود الحياة، فلا فرق بين أن يكون ذلك من صوت أو غيره، والعطاس 3 أضعفها, لما قيل يمكن أن يكون ريحًا.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: أمارة الحياة الصراخ أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طالت به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيًا لم يبق إليها, ولا معتبر بالحركة؛ لأنها لا تدل على الحياة، قال: لأن المقتول يتحرك وليس بحي 4. يريد: الحركة التي يمكن وجود مثلها بعد خروج النفس، ولا يختلف في ذلك، وإنما الكلام في الحركة البينة التي لا تكون إلا مع وجود الحياة، وكذلك طول المكث، فإن لم تكن حركة بينة أو عدمت ومضى من المدة ما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، ولو لم يشهد ولادته من يوثق بقوله، واختلف ورثته في حياته فقال من ينتفع بحياته: كان صرخ، وقال الآخرون: لم يصرخ، وطالت المدة لما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، لكان 5 ذلك دليلًا لمن قال إنه صرّح، وأنه كان حيًا، ويصلى عليه ويورث.

فصل واختلف في الصلاة على ولد المسلم مرتدٌّ قبل البلوغ

اختلف في ولد المسلم 1 يرتد قبل أن يحتلم، فقال ابن القاسم في المدونة: لا تؤكل ذبيحته، وإن مات لم يصل عليه 2. وقال سحنون: يصلى عليه؛ لأنه يكره على الإِسلام بغير قتل ويورث ولو كانت له زوجة ورثته، قال: ومن رأى أنه لا يصلى عليه يجعل ردته فرقة لزوجته 3. وعكسه أن يسلم ابن الكافر قبل البلوغ فاختلف فيه نحو الاختلاف الأول، فقال ابن القاسم مرة: هو إسلام، وإن كانت مجوسية أو مشركة جاز وطؤها، فعلى قوله هذا 4 إذا ماتت يصلى عليها ويرثها ورثتها 5 المسلمون، وتحرم في حال الحياة على زوجها إن كان لها زوج كافر.
وقال أيضًا: ليس ذلك بإسلام، وإن مات له قريب مسلم لم يرثه، وإن كان كافرًا ولم يتماد هو على إسلامه ورثه، والقول الأول أحسن، أن لمن ارتد حكم الكافر، ولمن أسلم حكم المسلم، وقد كان إسلام عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قبل البلوغ، وكان محملهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعند أصحابه على أنهما مسلمان، ولأنه لا يستحيل وجود المعرفة بالله -عز وجل- ممن لم يبلغ، ولا يمتنع أن

يخلق الله -عز وجل- في قلبه المعرفة به، وإذا جاز ذلك لم يكن للمنع وجه، ولأنا نحمل أولاد المسلمين قبل البلوغ على الإِسلام، وعلى المعرفة بالله تعالى، وإن ذلك قد لزم قلوبهم لما نشأوا عليه ولما 1 ربوا عليه من تعلم القرآن وغير ذلك، ولا نقول إنهم لم يسلموا ولا إنهم على غير الإِسلام، وإذا كان إسلام هؤلاء إسلامًا صح أن يكون ارتداد الآخر ارتدادًا، ولأنه لا يستحيل أن يسلبه الله -عز وجل- المعرفة، وإذا جاز ذلك كان ارتداده الآن 2 ارتدادًا، فلم تؤكل ذبيحته ولم يورث ولم يصل عليه، ويفرق بينه وبن زوجته في حال الحياة إلا أن يكون من الصِّغر بحيث لا تمييز عنده.

باب في الصلاة على الغائب والغريق، ومن أكله السبع والمصلوب، ومن دفن بغير صلاة وهل تعاد الصلاة على من صلي عليه؟

اختلف في الصلاة على الغائب، فمنعها 1 مالك في المدونة، وقال: لا يصلى على يد ولا على رجل ولا على رأس، ويصلى على البدن 2، قال ابن القاسم: إذا بقي أكثر البدن، فإن اجتمع الرأس والرجلان بغير بدن فهو قليل 3. وقال أشهب في مدونته: إن وجد نصف بدنه ومعه الرأس لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه حتى يوجد أكثر بدنه 4، وقال مالك في العتبية: إذا وجد أكثره متقطعًا يصلى عليه 5، وقال في الواضحة: لا يصلى عليه 6، والأول أحسن، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه كان رأسًا أو يدًا أو رجلًا، وينوي بالصلاة عليه الميت لا الحي 7. يريد: في اليد والرجل ينوي إن كان ميتًا، لإمكان أن يكونا من حي، وقال عيسى بن دينار في شرح ابن مزين: بلغني أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رؤوس بالشام 8.

ويختلف على هذا في الصلاة على الغريق وغيره ممن هو غائب، فعلى قول مالك لا يصلى عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على الغريق ومن أكله السبع كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في النجاشي 1، وقال ابن حبيب: قال غيره: هذا من خواص النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصل أحد على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما ووري 2، وقيل يمكن أن يكون رفع النجاشي للنبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الشيخ - رضي الله عنه -: القول بجواز الصلاة على الغائب أحسن، للحديث في النجاشي، ولو كان ممنوعًا لم يفعله 3 النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان جائزًا له 4 خاصة لأبانه لأمته؛ لأنه عالم أن أمته تقتدي بأفعاله، ولم يكن ليتركهم على فعل ما لا يجوز، فتركه إياهم مع ظاهر فعله دليل على أنه أجاز فعل 5 ذلك لهم، ولا يعترض هذا بأنه رفع له؛ لأنه لم يأت بذلك حديث، وإنما قيل: يجوز ذلك، ومحمله على أنه لم يرفع حتى يعلم أنه رفع 6، ولو كان الجواز لأنه رفع له لَأَبَانه، ولا يعترض أيضًا بترك الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ووري؛ لأن ذلك داعية إلى ما حذر منه عند موته في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَخذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" 7. = على العظام وعلى الرءوس، من كتاب الجنائز، برقم (11901، 11900).

وإذا كان الغريق ومن أكله السبع في غير القبلة، استقبل في حين الصلاة عليه القبلة، وإن استدبروا موضع الميت، وهذا الظاهر من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي أنه استقبل بالناس القبلة والحبش (1) عن يمين من المدينة إذا استقبلوا (2) القبلة، وكذلك من أكله السبع وذهب لغير القبلة، وأما المصلوب فيستقبل قبلة خشبته (3).

فصل [واختلف فيمن دُفِنَ من غير صلاة]

اختلف فيمن دفن من غير صلاة على أربعة أقوال: فقال مالك في المبسوط: لا ينبش ولا يصلى على قبره ولكن يدعون.
وقاله سحنون، قال: ولا أجعل ذلك ذريعة إلى الصلاة على القبور 4. وقال أيضًا: إن لم يكن في إخراجه ضرر ولا طول ولا تغير أخرج، وإلا لم يخرج ولم يصل على قبره 5. وقال ابن وهب 6 ويحيى بن يحيى 7: لا يخرج كان قرب ويصلى على قبره.
قال ابن وهب: بأربع تكبيرات وإمام 8، وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان عندما دفن أخرج وصلي عليه، وإن خافوا تغيره صلوا عليه وهو في القبر 9، وقول123 = كتاب الجنائز، برقم (1265)، ومسلم: 1/ 376، في باب النهي عن بناء المساجد على القبور، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (529).

ابن وهب في هذا أحسن، فلا يخرج وإن قرب لإمكان أن يكون حدث عليه أمر من الله سبحانه فلا ينبغي أن يكشف، فإنه قد ذكر أن بعض الناس وجد قد حول وجهه عن القبلة، وبعضهم قد أزيل عنه كفنه، وعلى صفات مختلفة، ويصلى على القبر كما روي في الصحيحين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الذي كان يخدم المسجد بعد ما دفن وهو في قبره 1. ومن دفن ولم يغسل وقد صلي عليه لم يخرج.
ولمالك في العتبية في الإِمام يتابع التكبير من غير دعاء: أنه تعاد الصلاة ما لم يدفن، قال: كالذي يترك القراءة في الصلاة، قال: ولو ترك بعض التكبير أنزل وأتم ما بقي من التكبير ما لم يدفن 2. واختلف أيضًا فيمن دفن بعد أن صلي عليه، فالمشهور من المذهب أن لا تعاد الصلاة عليه 3، وذكر ابن القصار عن مالك: أنه أجاز ذلك، ورأى ما وارى اللَّحد منه بمنزلة ما وارى الكفن 4، فيصير بمنزلة من أعيدت عليه الصلاة قبل الدفن، وقد فعل ذلك أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - صلين على سعد بن أبي وقاص 5، وعبد الرحمن بن عوف 6 بعد صلاة الناس عليهما، وإنما يتقى ذلك بعد الدفن حماية أن تتخذ مساجد، لما في الحديث 7.

باب في اجتماع الجنائز ومنازل الأولياء

ومن المدونة: قال مالك في الجنازتين تجتمعان للصلاة فقدم 1 إحداهما للصلاة: ليس بحسن 2، وإن صُلِّي على جنازة ثم أتي بأخرى فنحيت الأولى ووضعت حتى يُصلَّى على الأخرى 3، قال: هذا خفيف، وإن أتي بالثانية قبل 4 أن يسلم من الأولى لم تدخل في صلاة الأولى، فإن نوى ذلك أجزأت عن الأولى وأعادوا الصلاة على الثانية 5. وفي المبسوط قيل لمالك: فإن صلوا 6 على الأولى ثم أتي بأخرى فأرادوا أن يصلوا على الأخيرة؟ قال: إن بقي مع الأولى من يكتفى به حتى لا يحتاج إلى من انصرف عنها فلا بأس.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا لم تكن إحدى الجنازتين جارًا أو قريبًا كان بالخيار بين أن يمضي مع الأولى، أو يصلي على التي جيء بها, للحديث أن الأجر 7 في الصلاة والدفن سواء، وإن كانت الأولى لقريب أو جار والثانية لأجنبي مضى مع الأولى، وإن كانت الأولى لأجنبي والثانية لقريب أو جار صلى على الثانية ومضى معها، وإن كانتا لجارين أو قريبين لم يمض مع الأولى وصلى على الثانية ومضى معها, ليكون قد قام بما يجب لهما.

وقال مالك في الجنائز تجتمع: إن كانوا رجالًا كلهم جعلوا صفًا 1 واحدًا خلف واحد، ويقوم الإِمام ويبدأ بأهل السِّنِّ والفضل، ثم قال: ذلك واسع إن شاؤوا جعلوهم صفًا واحدًا، ويقوم الإِمام عند وسط الأوسط منهم 2، وإن (ب) شاؤوا واحدًا خلف واحد، قال: وإن كن نساء فكذلك يصنع بهن كما يصنع بالرجال بعضهن خلف بعض، أو صفًا واحدًا 3، وهو في النساء أحسن ليبعد بهن عن الجماعة.
وكذلك الرجال إذا لم يكثر الكفن ولم يكن قطن.
وإن كانوا رجالًا ونساءً أو صبيانًا وعبيدًا وجعل بعضهم خلف بعض قدم 4 الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد، ثم الخناثى، ثم النساء، ثم الصبايات، ثم الإماء، ويجعل أفضل الرجال مما يلي الإِمام، وإن لم يكن فضل أو لم يعلم 5 فالأسن، ويراعى مثل ذلك في العبيد والنساء يكون الأفضل مما يلي الإِمام 6، فإن لم يكن فضل أو لم يعلم فالأسن.
واستحب إذا كان فيهم خصي وهو حر أن يقدم على الصبيان؛ لأن الذي نزل به لم ينقله عن الذكورية، وقد قيل: إنه يكون إمامًا راتبًا في الفرائض لمن 7 هو غير خصي، فهو في الجنازة أبين ألا يقدم الصبي عليه.

فصل في اختلاف الأولياء

واختلف إذا اختلف 1 أولياء الجنائز فقيل: يقدم 2 أفضل الأولياء، وإن كان ميته مؤخرًا، وقيل: يقدم 3 ولي أفضل الميتين؛ لأنه هو الذي يلي الإِمام، ومثله إذا كان رجلًا وامرأة, وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة 4، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل؛ لأنه يقول هذا وليي 5، فأنا أتقدم عليه 6، وغيره تبع، وأرى إن تشاحا أن يتقدم كل واحد على وليّه ولا يجمعون 7 في صلاة واحدة, ويقرع بينهم في أيهم يبتدئ إلا أن يتراضيا أن يبدأ بأحدهما.

باب في منازل الأولياء في المتقدم (1) على الميت الواحد (2) والوصيّ (3)، والسلطان

الصلاة على الميت إلى الأولياء، وأولاهم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم ابنه وهو الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم ابنه وهو العم، ثم ابن العم وإن سفل، ثم المولى الأعلى، وكل هؤلاء أول من الزوج، والزوج أولى منهم بغسلها وإنزالها في قبرها، وهذا قول مالك وأصحابه 4، وأنزلوا 5 هذا منزلة التعصيب والقيام بالدم، وأرى أن يندب ابن الميت أن يقدم أبا الميت؛ لأنه جده, واستحب لأخي الميت أن يقدم جده, ولا ينبغي أن يتقدم ولد 6 الوليّ 7 جده؛ لأنه أب كما لا يتقدمه في صلاة الفريضة، إلا أن يكون الابن أو 8 الأخ ممن له الفضل والصلاح، وليس كذلك الجد.
وإن اجتمع وليّ ومن أوصاه الميت بالصلاة عليه كان الموصى إليه بالصلاة 9 أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو أعلم بمن يستشفع له، قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك كان من الميت لعداوة بينه وبين ولده، وإنما أراد أن يغيظه, فلا تجوز وصيته، يريد: إذا كان الوليّ ممن له دين وفضل، وإلا كان الموصى إليه أولي؛ لأن الولي إذا لم يكن معروفًا بالخير، وكانت العداوة؛ اتهم في123

التقصير له في الدعاء، وإذا لم يكن له ولد وكان ابن عم مع العداوة كان ذلك ابن، وأرى إذا كان الوليّ معروفًا بالدين والفضل أن يقدم على الموصى له وان لم تكن عداوة؛ لأن في تقدمة الأجنبيّ وصما 1 على الوليّ.
وإن كان موصى إليه على الصلاة وسلطان كان الموصى إليه أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو الناظر لنفسه.
وإن كان ولي وسلطان كان السلطان أولى إذا كان الأمير الأعلى.
واختلف فيمن سواه على ثلاثة أقوال: فقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: الولي أولى، وإنما ذلك للأمير الذي تؤدى إليه الطاعة دون من إليه الصلاة من قاضٍ أو صاحب شرطة أو خليفة الوالي الأكبر 2. وقال مالك في المدونة: ذلك إلى أمير المصر إذا حضر، وكذلك القاضي وصاحب الشرطة إذا كانت إليهما 3 الصلاة 4. قال في المجموعة: فإن كان القاضي لا يصلي فليس بأحق, قال 5 سحنون: وكذلك أمير الجند إذا كانت له الخطبة, والقاضي إذا لم تكن له الصلاة كغيره من الناس، وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر 6 أحق من الأولياء، إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء، أو شرطة، وإلا فهو كسائر الناس 7. فلم يجعل ذلك إليه إلا باجتماع

شيئين 1: أن تكون بيده أسباب السلطنة وهو القضاء أو الشرطة، والآخر: أن يكون الأمير الأعلى جعل ذلك إليه وهذا راجع إلى الاختلاف في الولي الأقرب يجعل ما بيده من الصلاة للأجنبي، فقيل: ذلك له وإن كره الأبعد.
وقيل: ليس ذلك له، والأبعد أحق, وكذلك السلطان هو بنفسه أحق, فإن جعل ذلك إلى غيره كان الولي أولى على أحد القولين، وإذا كان الابن أو الأخ أو غيرهما من الأولياء غير بالغ كان كالعدم، ليس إليه صلاة ولا استخلاف، وذلك إلى من بعده من ولي لو لم يكن هو، فإن لم يكن ولي فأحد صالحي المؤمنين.

باب في الشهيد هل يغسل، أو يكفن أو يصلى عليه

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بقتلى أُحدٍ فدفنوا على هيئتهم ولم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يُصلَّ عليهم 1. وقال مالك في الشهيد في المعترك: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه 2. ولا خلاف في المذهب في ذلك إذا مات بحضرة القتل بأرض الحرب 3. واختلف إذا لم يمت بفور القتل، وإذا قتله العدو بأرض الإِسلام، وهل يزاد على ما عليه؟ وفيما ينزع عنه؟ فأما حياته بعد القتال 4، فقال مالك: إن عاش فأكل أو شرب، أو عاش حياة بينة غسل وكفن وصُلي عليه, وإن كان إنما هو رمق وهو 5 في غمرات الموت فلا يغسل ولا يصلى عليه 6، وقال أشهب: إنما ذلك فيمن مات في المعترك فقضى، فأما من حمل إلى داره فمات، أو مات في أيدي الرجال، أو بقي في المعترك حتى مات، فإنه يُغسّل ويصلى عليه 7، وقال سحنون: إذا بقي في المعترك وكانت له حياة بينة حتى لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه 8، وقال

ابن القصار: إذا عاش يومًا أو أكثر فأكل أو شرب 1 غُسل وصُلي عليه، فأما قول أشهب فليس بالبين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون 2. والغالب أن موتهم مختلف فلم يفرق.
وقد قيل: إن ترك الصلاة عليهم؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فعلى هذا يكون قول سحنون حسنًا؛ لأنه مات بقتل العدو فدخل 3 بذلك في عموم الآية بخلاف من لم تنفذ مقاتله، لإمكان أن يكون مات من غير ذلك، ولأنه لو كان ذلك القتل من مسلم لم يقتل قاتله إلا بقسامة.
وقال ابن القاسم: إذا أغار أهل الحرب على قرية من قرى المسلمين فدفع المسلمون عن أنفسهم أنه يصنع بهم ما يصنع بالشهداء 4. وقال في العتبية: إن قتلوهم 5 في منازلهم في غير معترك ولا ملاقاة فإنهم 6 يغسلون 7 ويصلى عليهم، بخلاف من قتل في المعترك 8، وقال ابن وهب: هم بمنزلة من قتل في المعترك 9، وقاله أصبغ قال 10: وكذلك إن غافصوهم أو قتلوهم وهم نيام،

وكذلك إذا كانت فيهم 1 امرأة أو صبي صغير قتلوا بسلاح أو غيره، يفعل بهم ما يفعل بالشهيد 2، وقال ابن شعبان: الشهيد من قتل بأرض الحرب خاصة، من الرجال والنساء والصبيان 3. فحمل ابن وهب الأمر على عمومه فيمن قتله العدو، وحمل ابن القاسم ذلك فيمن نزل به ما نزل بمن لم يصلَّ 4 عليهم، وأنهم كانوا في ملاقاة، فما خرج عن ذلك بقي على الأصل في الموتى أنهم 5 يغسلون ويصلى عليهم، ولم يفرق بين أن تكون الملاقاة بأرض الحرب أو بأرض الإِسلام، وقد كان قتلى أحد بأرض الإِسلام وكان العدو 6 هو الزاحف إليهم، وقد صُلي على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكان القاتل له كافرًا، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه قتل في غير معترك، أو يكون ذلك؛ لأنه عاش وأكل وشرب وإن كان قد أنفذت مقاتله، أو يكون لأنهم رأوا أن ترك الصلاة على الشهيد منسوخ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج إلى قتلى أحد قبل موته فصلى عليهم صلاته على الميت.
7 أخرجه البخاري ومسلم 8. وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد فقال: قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه، وكان شهيدًا 9.

جارٍ التحميل