النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243)
[وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] (1)
كتاب النذور
باب في وجوب النذور وما يجوز فيه
2
أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر، وذم تاركه وأخبر بعقوبته، فقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو نحر ما نذر 3 وقال مجاهد: هو أمر بالوفاء لكل ما نذر في الحج 4. وقيل: رمي الجمار.
والأول أحسن، وليس الرمي نذرًا.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)﴾ [التوبة: 75، 76]. فذم على ترك الوفاء، ثم قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77].
فعاقبهم على ذلك.
وقد قيل: إن الآية نزلت في مانع الذكاة.
وهذا غير مانع للاحتجاج بما قلناه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لم يذمهم ويعاقبهم لمخالفة أمره وأن ذلك لمخالفة1
الوعد فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، وعليه عاقب فقال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وجاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك؛ أمر بالوفاء، وذم على الترك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" 1. وقال: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ..." الحديث 2. فقد ذم على الترك، وقال: "لاَ تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ وَالْبَخِيلِ" 3. فندبنا إلى فعل ما أحب الإنسان أن ينذره بطواعية 4 فيه من نفسه بغير نذر؛ لأن الغالب من الناذر أنه لا يفعله بطيب نفس، وإنما يفعله لمكان ما أوجبه، وكثيرًا ما يدركه الندم.
ثم أخبر بوجوبه بقوله: "إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ" فلو كان غير واجب لم يستخرج به.
وقالت امرأة: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا.
قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَه، اقْضُوا الله، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" أخرجه البخاري 5. فشبهه بالدين، وذلك دليل على وجوبه.
فصل [في أنواع النذر]
النذور ستة: طاعة، ومعصية، وطاعة تضمنت معصية، وطاعة ناقصة عن الوجه الذي يجوز الإتيان بها، وما ليس بطاعة ولا معصية، ونذر مبهم.
فالأول: أن ينذر صلاة أو صيامًا أو حجًا أو عتقًا أو صدقة، فيلزم الوفاء بذلك للآي والأحاديث التي تقدمت.
والثاني: أن ينذر ألا يصل رحمًا، وأن يشرب خمرًا، أو لا يتقرب إلى الله بقربة.
فهذه معصية لا يجوز الوفاء بنذرها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلاَ يَعْصِهِ" 1. ولأن النذر لا ينقل الشيء عن أصله، فيبيح الحرام ولا يحرم الحلال، إلا أنه له أن يأتي بقربة من جنس نذر المعصية، لتكون كفارة عن تلك العصية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَمَنْ قَالَ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيتَصَدَّقْ" 2. ولهذا قيل فيمن قال: لله علي أن أنحر ولدي فليهدِ؛ لأنه نذر هدي معصية، فيؤمر أن يأتي به على وجه يكون طاعة، وإن لم يكن له مثلٌ، فليتقرب إلى الله سبحانه بما رآه من الخير.
والثالث: أن ينذر صوم يوم الفطر أو يوم النحر وأن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فهذه طاعة تضمنت معصية من ناحية الوقت، وقد سئل ابن عمر - رضي الله عنه - عمن نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم النحر؟ فقال ابن
عمر - رضي الله عنه - أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم هذا اليوم 1.
فوقف في ذلك فلم يأمر به، ولم ينه عنه.
والناذر في هذا على ثلاثة أوجه:
فإن كان عالمًا بتحريم ذلك وبالنهي؛ لم يجب عليه الوفاء، ويستحب له أن يأتي بطاعة من جنسه، فيصوم رجاء أن تكون كفارة لنذره.
وإن كان جاهلًا بتحريم ذلك، وظن أن في صومه ذلك فضلًا على غيره؛ فقد يظن من لم 2 يعلم بالحديث أنه لما منع نفسه من لذاتها في ذلك اليوم؛ أن له من الأجر أكثر من غيره، فهذا لا يجب عليه قضاء، ولا يُستحب له.
وإن كان يظن أنه في جواز الصوم كغيره، ولا فضل له؛ كان في القضاء قولان: فقيل: لا شيء عليه، والغلبة عليه كالغلبة بالمرض.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يقضيه؛ لأنه لم يرد صومًا له فضل على غيره، وإنما أراد صومًا 3.
والرابع: أن ينذر أن يصلي ركعة، أو يصوم بعض يوم، أو يعتكف الليل دون النهار، أو يطوف شوطًا، أو يقف بعرفة، ولا يزيد على ذلك، واختلف في هذا الأصل: فقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يأتي بمثل تلك الطاعة تامة على ما يجوز أن يؤتى به عليها.
فقال ابن القاسم: إذا نذر اعتكاف ليلة أنه يعتكف يومًا وليلة 1.
وقال سحنون: لا شيء عليه 2. وعلى هذا يجري الجواب في الصلاة والصوم والطواف والوقوف بعرفة، فعلى قول ابن القاسم يأتي بتلك الطاعة تامة، وعلى قول سحنون لا شيء عليه.
وهو أحسن؛ لأنه ألزم نفسه صفة وقدرًا؛ فلا يلزمه أكثر منه، إلا أن يكون عالمًا بمنع ذلك، فيستحب له أن يأتي ذلك 3 كاملًا؛ رجاءَ أن يكون كفارة لتلك المعصية.
والخامس: أن ينذر أن يمشي إلى الشام، أو يشتري عبد فلان، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية، ورده مالك في الموطأ إلى النذر في معصية، فقال: من نذر المعصية مثل أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو مصر 4. وتحقيق ذلك أن يقال: إن النذر معصية، وهو قوله، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية؛ لأنه لا يختلف أن ذلك (مما) 5 لا يجوز أن ينذر، وهذا من التلاعب؛ فيستحب له أن يمشي في طاعة، أو يأتي عن تلك بطاعة وإن لم يكن مشيًا أن يتصدق.
والسادس 6: أن ينذر نذرًا مبهمًا لم يسم له مخرجًا، فقال: علي نذر؛ أجزأه عن ذلك كفارة يمين بالله تعالى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" أخرجه مسلم 7. فعلق الحكم بأدنى الكفارات؛ لأن الزائد على ذلك مشكوك
فيه، فلا تعمر الذمة بشك، و"آلَى رَسُولُ اللهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" 1 فاحتسب بأقل الشهور.
وقال محمد بن عبد الحكم فيمن نذر صوم شهر: يجزئه أدنى الشهور؛ تسعة وعشرون يومًا 2. وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أعتقت عن يمينها 3 بالنذر أربعين رقبة 4. فأخذت بأعلى ما يراد من ذلك، ليس لأن 5 ما دون ذلك غير جائز.
باب فيمن حلف بالمشي إلى مكة
ومن المدونة قال مالك فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن كلمت فلانًا، فكلمه: إن عليه أن يمشي إلى مكة، ويجعلها إن شاء حجة وإن شاء عمرة، فإن جعلها عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة، فإن ركب بعد السعي وقبل الحلاق؛ لم يكن عليه شيء، فإن جعلها في حجة مشى حتى يطوف طواف الإفاضة، وله أن يرجع إلى منى راكبًا، وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى؛ لم يركب في رمي الجمار.
ولا بأس أن يركب في حوائجه.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى بأسًا 1.
يريد: أنه يركب في مضيه لرمي الجمار، وإن لم يكن أفاض.
وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار، وإن كان قد أفاض.
قال الشيخ - رضي الله عنه - فيمن 2 قال: عليَّ المشي إلى مكة فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة أو طوافًا أو سعيًا بانفراده أو صلاة فريضة أو نفلًا.
والثاني: أن ينوي الوصول ويعود، لا أكثر من ذلك.
والثالث: ألا تكون له نية؛ فإن نوى حجًا أو عمرة أو طوافًا لزمه الوفاء به، وأن يمشي لذلك، وأن يدخل محرمًا إذا نوى حجًا أو عمرة.
ويختلف إذا نوى طوافًا بانفراده، فعلى القول إنه يجوز له 1 دخول مكة حلالًا؛ يدخل هذا مكة حلالًا، فيطوف ويجزئه.
وعلى القول ألا يدخل مكة إلا محرمًا؛ يدخل هذا بعمرة، ويجزئه عن نذره.
ويختلف إذا نذر سعيًا بانفراده، هل يسقط نذره، أو يأتي بعمرة وقد تقدم ذلك.
وإن نذر صلاة فريضة أو نافلة، أتى مكة ووفى بنذره، وهذا قول مالك.
وقد ذهب بعض أهل العلم أنه لا يأتي للنفل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلاَتُكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَة" 2. فدخل في عموم الحديث مسجده والمسجد الحرام وغيرهما من المساجد.
وإن نوى الوصول خاصة، وهو يرى أن في ذلك فضيلة أو قربة؛ لم يكن عليه شيء.
وإن كان عالمًا أنه لا قربة فيه؛ كان نذره معصية فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في عمرة أو حجة أو طواف؛ ليكفر بها ذلك النذر.
وإن لم تكن له نية، وكان من أهل المدينة؛ مشى في حج أو عمرة؛ لأن تلك عادة لهم، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - للعمرة بافرادها، وإن كان من أهل المغرب أتى بالحج لوجهين:
أحدهما: أن المشهور عندهم الحج، ولا يعرف العمرة إلا أهل العلم أو من تقدم له حج؛ فينبغي أن يحمل الناذر على ما يعرف.
والثاني: أن من يعرف العمرة لا يقصد أن يخرج للعمرة بانفرادها، ولا يقصد أهل الغرب أن يخرجوا إلا إلى الحج، وكل هذا فعلى القول أنه يحمل 3
الحالف عند عدم النية على العادة، وعلى أحد قولي مالك وابن القاسم أنه يحمل على ما يوجبه مجرد اللفظ دون العادة، لا يكون عليه أن يأتي بحج ولا عمرة؛ لأن مجرد النذر المشي خاصة.
واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج فقال مالك مرة 1: يمشي المناسك 2.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، وترجح مالك مرة لمثل ذلك فقال في كتاب محمد: إن جهل فركب المناسك، ومشى ذلك قابلًا فلا هدي عليه 3.
قال محمد: ولم يره بمنزلة من عجز في الطريق، قال ابن القاسم وذلك فيما ظننت لأن بعض أهل العلم رأى أن 4 مشيه الأول يجزئه 5، وأرخص في الركوب إلى عرفة.
قال الشيخ -رحمه الله-: وهذا هو الأصل؛ لأن الناذر إنما قال: علي المشيء إلى مكة، فجعل غاية مشيه إلى مكة؛ فلم يلزمه أكثر من ذلك وإن كانت نيته للحج، ولو قال رجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه إلا أن يمشي إلى مصر ثم يركب ويحج، فكذلك قوله: عليَّ المشي إلى مكة في حج؛ يمشي إلى مكة، ويركب ما سواها، إلا أن ينوي مشي المناسك، وقول ابن حبيب يمشي لرمي الجمار، وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب 6.
فصل [فيمن ركب في بعض ما وجب عليه من المشي]
ومن المدونة: قال مالك فيمن دخل مكة حاجًا في مشي وجب عليه، فلما فرغ من سعيه بين الصفا والروة خرج إلى عرفات راكبًا، وشهد المناسك وأفاض راكبا قال يحج الثانية راكبًا فإذا سعى وطاف خرج إلى عرفات ماشيًا حتى يفيض 1.
وظاهر قوله: إن فعل ذلك اختيارًا لا عن عجز.
وأرى أن ينظر في ذلك هل ركب اختيارًا أو عن ضرورة؛ عجز أو مرض؟ وهل كان مشيه ذلك تطوعًا، أو منذورًا في الذمة، أو في عام بعينه؟ وهل سمى بالحج في حين نذره أو أطلق ذلك ولم يسمه؟
فإن ركب اختيارًا؛ كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي الناسك على أي وجه كان مشيه، ولا يفسد الماضي.
فإن ركب عن عجز أو مرض نظرتَ؛ فإن كان نذره مضمونًا، وسمى الحج، وقال: لله عليّ أن أمشي إلى مكة في حج؛ أتى مكة قابلًا راكبًا، وقضى المناسك ماشيًا، ولا خلاف في ذلك.
وإن كان النذر في عام بعينه، وسمى الحج أو لم يسمه، أو مضمونًا ولم يسم حجًا؛ أجزأه حجه، ولم يكن عليه شيء عند مالك، وكذلك من تطوع بالمشي من غير نذر تقدم، ثم جعله في حج، فعلى قول ابن القاسم عليه أن يقضي الحج قابلًا، ويمشي المناسك.
وقال مالك في المدونة فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث، فمشى في حج ففاته الحج: أن المشي يجزئه.
ويجعلها عمرة، ويمشي حتى يسعى من الصفا والمروة، ويقضي عامًا قابلًا راكبًا، ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يمشي المناسك قابلًا فأجرى مالك المشي إذا غلب عليه على الأصل في الصلاة والصوم إذا دخل فيه تطوعًا، ثم غلب عليه، أو نذر عين يومٍ يصليه أو يصومه، ثم مرضه: أنه لا شيء عليه وكذلك المشي.
وفرق بين الغلبة على الشي والغلبة على الحج، فجعل عليه قضاء الحج دون المشي؛ لأنَّ الحج عنده أصل قائم بنفسه يقضى مع الغلبة عليه.
وأبقى المشي على الأصل في الصلاة والصوم.
وأجرى ابن القاسم المشي على حكم الحج لما كان معلقًا به.
وقول مالك 1 أقيس.
فإن غلب على مشي المناسك، ولم يفته الحج؛ شهدها راكبًا وأجزأه.
وإن فاته الحج كان قد غلب على الوجهين 2 جميعًا، فقضى الحج، ولم يقض الشي 3. وعلى أصل ابن القاسم إن غلب على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا؛ قضى قابلًا الحج 4 ليمشي المناسك.
فإن غلب على الوجهين جميعًا- الحج والمشي- حتى فاته الحج بمرض أو أخطأ عددًا؛ قضى الحج والمشي 5.
باب في الموضع الذي يلزم الحالف بالمشي منه يمشي منه
ومن المدونة: قال مالك فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام فحنث: يمشي من حيث حلف، إلا أن تكون له نية، فيمشي من حيث نوى 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وسواء كان في يمينه على برٍّ، أو على حنث؛ لأن قوله: المشي، يحتمل أن يريد به الجنس أو معهودًا من المشي؛ فإن أراد الجنس أجزأه المشي من حيث شاء 2، ويكون بمنزلة من قال: "علي مشي" فإنه يجزئه ذلك وإن قل، أو يحمل على أنه أراد معهودًا من المشي، وأن الألف واللام للعهد، وهو أن يمشي من الموضع الذي هو فيه 3، فسواء كان على برٍّ أو على حنث؛ لأنه إنما حلف على معين بمنزلة من حلف بعتق عبد بعينه، فالبر والحنث في ذلك سواء.
وإن انتقل إلى بلد آخر وهو مثله في المسافة؛ مشى منه، ولم يكن عليه أن يرجع إلى الأول؛ لأن الأمر في ذلك راجع إلى قدر البعد والقرب وكثرة الخطى، ولا مزية 4 في هذا للأراضي.
ولأنه لو خرج من البلد الذي حلف عليه ونواه، فمضى على غير ذلك الطريق، وهو مثله في المسافة لأجزأه.
ولأن القصد 5 أن يتقرب إلى الله تعالى بالمشي من ذلك القدر 6.
واختلف إن انتقل إلى ما هو 1 أقرب منه بالمشي القريب 2، فقيل: لا يجزئه.
وقال أبو الفرج: يهدي هديًا ويجزئه، وإن بعد ما بين الموضعين، لم يجزئه، وإن كان ممن لا يستطيع أن يمشي جميع الطريق، مشى من موضعه، وأهدى 3.
وقال أصبغ في كتاب محمد: إنما يرجع إلى موضعه إن كان يقدر على أن يمشي 4 جميع المنذور.
وقال ابن القاسم: إذا قال: علي المشي إلى مكة وهو بها 5، خرج إلى الحل فيأتي بعمرة 6؛ لأن مفهوم قوله أن يأتي إليها من غيرها، وأقل ذلك أوائل الحل 7.
وإن قال: عليَّ المشي إلى المسجد وهو بمكة؛ مضى إلى المسجد من موضعه، ولم يكن عليه أن يخرج إلى الحل.
وقال مرة: يخرج إلى الحل، ثم يدخل بعمرة 8 كالأول.
وإن قال وهو في المسجد: عليَّ المشي إلى مكة أو إلى المسجد؛ خرج إلى الحل، ثم يدخل بعمرة.
باب فيمن نذر إحرامًا بحج أو بعمرة وما حكمه
ومن المدونة: قال مالك فيمن قال: إن كلّمتُ فلانًا فأنا محرم بحج، فحنث قبل أشهر الحج: لم يلزمه حتى تأتي أشهر الحج فيحرم 1، إلا أن يكون نوى أنا محرم من حين حنث؛ فذلك عليه وإن كان في غير أشهر الحج.
وإن قال: فأنا محرم بعمرة؛ فأرى أن يجب عليه الإحرام حين يحنث، إلا ألا يجد من يخرج معه، ويخاف على نفسه؛ فلا أرى عليه شيئًا حتى يجد من يصحبه، ولا يؤخر في شيء من ذلك إلى الميقات 2.
وقال سحنون: إذا قال؛ فأنا محرم؛ فهو محرم بنفس الحنث، وسواء في ذلك الحج أو العمرة.
وإن قال: فأنا أحرم بحج أو بعمرة فحنث؛ لم ينعقد عليه إحرام بنفس الحنث حتى يحرم، وهو بمنزلة من قال: فأنا أصلي أو أصوم أو أعتق أو أطلق امرأتي، فإنه لا يكون ممتثلًا بنفس الحنث.
وأما قوله: "محرم" ففيه إشكال؛ فيصح أن يريد: فقد صرت محرمًا، كقوله: فامرأتي طالق؛ أي: فقد صارت ذات طلاق، ولأن طالقًا صفة 3 لها، وللحالة التي هي بها.
ويصح أن يريد: فأنا أحرم؛ لأن "محرمًا" اسم فاعل يكون للماضي وللحال وللاستقبال، والإحرام ينعقد بالقلب من غير فعل الجارحة كالطلاق، إلا أنه يعترض 4 من وجه آخر، وهو: أن الإحرام عبادة تفتقر إلى نية، ومن شرط
العبادات الصلاة والصيام أن تكون النية مقارنة للفعل أو مقاربة له، وهذا غير موجود في الحالف، وقد يمضي ليمينه السنون ثم يحنث.
وفرق مالك بين حنثه للحج 1 والعمرة، وأمره أن يؤخر الإحرام بالحج حتى يدخل أشهر الحج احتياطًا للخلاف، ولقول من قال: إنه لا يجوز أن يحرم للحج قبل أشهر الحج.
فإن لم يفعل وأحرم قبل ذلك أو كانت تلك نيته؛ لزمه وأمره بتعجيل الإحرام للعمرة؛ لأن كل أيام السنة لها وقت، فأمر بالمبادرة لامتثال الطاعة، وهو فيمن قال: إن الأمر 2 على الفور أبين، إلا أن لا يجد صحبة 3.
وقال سحنون: عليه أن يحرم، وإن لم يجد صحبة 4 5.
والقول الأول أحسن؛ للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كَانَ يُحْرِمُ حَيْثُ تَنْبَعِثُ بِهِ رَاحِلَتُهُ" 6 ويتوجه للذهاب، وليس من السنة أن يحرم ويقيم في أهله.
ولأن عقد اليمين لم يتضمن الإحرام بالفور، وإنما 7 ذلك مما يستحسن تعجيله؛ لأن
من حلف ليفعلن لا يجب عليه فعل ذلك عقيب يمينه 1.
وقد قال أبو محمد عبد الوهاب: إنما لزمه ذلك حين حنث؛ لأن النذور المطلقة محمولة على الفور، أو عقيب 2 السبب الذي علق النذر به.
قال: ألا ترى لو 3 حلف ألا يكلم فلانًا، ولا فعل كذا، فإنه يلزمه ذلك عقب يمينه بلا فصل، فكذلك هذا 4.
وهذا غير صحيح؛ لأن من حلف ألاّ يكلم فلانًا تضمنت يمينه نفي الكلام، فمتى وجد منه الكلام حنث؛ لأنه ضد ما حلف عليه.
ومن حلف ليفعلن لا يحنث بمضي وقت لم يوجد منه فيه الفعل، وإن قال: إن كلّمتُ فلانًا فأنا أحرم يوم أكلمه فكلمه؛ لم يكن محرمًا بمضي ذلك اليوم، وهو بمنزلة من قال: فأنا أصلي أو أصوم أو أطلق زوجتي يوم أكلمه، فإن مضى ذلك اليوم؛ لم يجب عليه طلاق، ويؤمر بقضاء الصلاة.
فإن قال: فأنا محرم يوم أكلمه؛ جرى الخلاف المتقدم على قول مالك وسحنون.
باب فيمن نذر المشي إلى مكة هل يأتي به متفرقًا، وإذا ركب بعض الطريق عن عجز أو اختيار، أو كان (1) الناذر شيخًا كبيرًا أو مريضًا أو امرأة
ومن نذر أن يمشي 2 إلى مكة؛ جاز له أن يأتي به متفرقًا إذا كان يحج من عامه.
قال مالك في كتاب محمد: إذا مشى من الأسكندرية، فلما بلغ مصر أقام شهرًا، ثم مشى فلما بلغ المدينة أقام شهرًا، ثم خرج بها عمرته ماشيًا حتى قدم مكة فطاف وسعى؛ فقد فرغ منه 3 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو مشى في حج، وكان نذر مشي عام بعينه 5، فمشى شهرًا ثم أقام ثم مشى ثم حج من عامه، أو كان النذر مضمونًا ليس في عام بعينه فمشى شهرًا، ثم أقام حولًا، ثم مشى شهرًا، ثم أقام حولًا، ثم مشى شهرًا 6 حتى بلغ مكة فحج 7؛ أجزأه على قول مالك وابن القاسم في1
المدونة، فيمن نذر صوم سنة أن له أن يأتي بها غير متتابع 1. وعند ابن حبيب أنه يأتي بالمشي متتابعًا 2، قال: وهو بمنزلة من عليه صوم شهرين متتابعين.
ومرَّ في ذلك على أصله فيمن نذر صوم سنة: أنه يأتي بها متتابعًا.
وقال مالك في المدونة، فيمن عجز، ثم عاد فمشى ما ركب: إنه يهدي؛ لأنه فرّق مشيه 3. وهذا نحو قول ابن حبيب؛ لأن المشي قد وفِّيَ به 4، فلا يؤمر بالهدي إلا على القول أن عليه أن يأتي به متتابعًا، إلا أن يعلم أنه إن عاد لم يوفِ بما عجز عنه، فيكون عليه الهدي لأنه لم يوفِ.
والقول الأول أبين؛ لأن النذر إنما يتضمن مشيًا بعقبه حج أو عمرة، فهو إذا أتى به في أعوام موفٍّ بنذره، إلا أن ينوي تكلف ذلك في عام، وإن ركب بعض الطريق عن عجز أو مرض، فإنه لا يخلو أن يكون يسيرًا؛ الأميال ونحوها أو الأيام، إلا أنه أقل 5 الطريق أو النصف فأكثر 6، وكان نذره في المواضع القريبة كالمدينة ونحوها، أو البعيدة كمصر والإسكندرية، أو أبعد من ذلك مثل إفريقية أو الأندلس؛ فإن كان ذلك الشيء 7 اليسير الأميال أو البريد أو اليوم؛ أهدى وأجزأ عنه مشيه.
وإن كان النصف فأكثرة رجع ومشى الطريق كله، وهو قول عبد الملك في المبسوط، قال: لو كثير ركوبه، يعجز
فيركب 1، ثم يمشي ثم يركب، قال: أبطله مالك أجمع، قال: ولو ابتدأ فمشى مثل ميل 2 أو ميلين، ثم اعتل فركب فبلغ إلى 3 الروحاء، ثم صح فمشى حتى بلغ مكة، فإنه يعيد ذلك كله، وهو كمن ابتدأ مشيه بركوب، فهو وأن قل مشيه بعد ذلك أو كثر فهو منتقض 4.
وقال مالك في كتاب محمد: إن كان عليه مشي فعجز، فكان يمشي عقبة، ويركب عقبة حتى بلغ: أرى له 5 أن يعود، ويعيد المشي كله من أوله 6.
ومحمل قوله 7 على أنه كان قادرًا على الصبر في موضع عجزه، فيأتى من المشي بأكثر من ذلك، وأما إذا كانت تلك قدرته فهو في العام الثاني على مثل ذلك، فلا يكلف غير مشي ما ركب.
ومثله إذا كان لا يقدر على 8 الصبر عن 9 أصحابه، وكل هذا إذا كان نذره من المواضع القريبة كالمدينة ونحوها.
واختلف إذا كان بعيدًا مثل مصر ونحوها، فقال مالك في كتاب محمد: يرجع لما عجز 10.
وقال في شرح ابن مزين فيمن عجز، وكان نذره من مصر: إن موضعك
لبعيد، وقد أجزأ عنك مشيك، ولا عودة عليك.
وهذا أحسن؛ لأنه لو كان نذره من المدينة فعاد، فلم يوفِ بنذره، لم يعد الثالثة 1 لمشقة ذلك 2، ولا شك أن مشقة الرجوع أول مرة على من كان نذره من مصر أعظم مشقة.
وأما من كان نذره من أبعد من ذلك كإفريقية والأندلس؛ فلا يكلف العودة بحال، وكل هذا إذا كان النذر مضمونًا، فأما من نذر المشي في عام 3 بعينه فمرض فيه؛ لم يكن عليه أن يقضي ما مرض فيه، وكذلك لو مرضه كله لم يكن عليه شيء.
وإذا حضر خروج الحاج وهو مريض، وكان إن تأخر فاته الحج؛ خرج على حاله- إذا كان نذره في عام بعينه- راكبًا إذا كان لا يضر به السفر، فإن صح في بعض الطريق مشى.
وإن لم يصح أجزأ عنه وأهدى.
وإن كان مضمونًا أمهل لعام آخر، ولم يكن عليه أن 4 يخرج الآن.
فإن خرج راكبًا لم يجزئه، وكان بمنزلة من ركب اختيارًا؛ لأنه كان غير مخاطب بالخروج الآن.
قال ابن القاسم في المدونة: إذا حنث وهو مريض، فإن كان مرضًا لا يُرجى برؤه؛ كان كالشيخ الكبير، وإن كان يطمع بالبرء؛ ينتظر حتى يصح، إلا أن يعلم أنه لا يقدر على المشي وإن صح، فليمش ما أطاق وهذا استحسان، والقياس إذا كان لا يقدر الآن إلا على مشي الأميال واليوم وما أشبهه 5، وإن
صح قدر أن يمشي ما له قدر وبال: أن يؤخر حتى يصح فيمشي، ثم يكون العجز والهدي 1.
وقال في الشيخ الكبير: يمشي ما أطاق ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي 2.
يريد: لأن محمل نذره على مشي جميع الطريق.
ولو نوى أن يمشي ما أطاق ثم يركب؛ لم يكن عليه هدي، فكذلك الشاب الصحيح الضعيف البنية والمرأة يمشيان ما أطاقا، ثم يهديان، إلا أن يكونا نويا من ذلك ما يطيقان خاصة، فلا يكون عليهما هدي.
ولو نذرت المرأة مشي جميع الطريق ثم عجزت، وكان إن عادت وفت بجميع المشي؛ لعادت.
قاله محمد.
وإذا كانت المرأة شابة قوية، وكان مشي مثلها عورة وكشفة عليها؛ لرأيت أن تمشي الأميال محتجزة عن الناس، ثم تركب وتهدي.
وفي كتاب مسلم: قال عقبة بن عامر: إن أختي نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" 3. وجوابه هذا محتمل أن يكون لأنها شابة ومشيها عورة، أو يكون عند العجز.
وقال محمد فيمن مشى في الطريق ثم عجز فأتى لعام قابل فمشى الطريق كله لا هدي عليه لأنه لم يفرق مشيه 4.
قال الشيخ رحمه الله: أما إذا كان النذر الأول مضمونًا فكلام محمد صحيح، وإن كان في عام بعينه فيختلف في القضاء؛ لأنه مغلوب، فمن قال: لا قضاء عليه، قال: لا دم عليه (1)، ومن قال عليه القضاء يكون عليه الدم بتفرقة المشي.
فصل [فيمن عجز في نذره]
ومن عجز في نذره وركب فمشى 2 في قابل، وكان قد جعل الأول في عمرة، وأحب أن يجعل الثاني في حج أو كان الأول في حج فأحب أن يجعل الثاني في عمرة 3 فإنَّ 4 ذلك له إذا كان النذر الأول مطلقًا لم ينوه في حج ولا عمرة.
وحكى أحمد بن المعذل عن عبد الملك، أنه قال: لو مشى في حج فعجز، ثم قضى فأراد أن يجعل الثاني في عمرة؛ كان ذلك له، إلا أن يكون العجز في مثل عرفة ومنى.
وهذا يصح على مذهب ابن القاسم، وليس ذلك عليه على مذهب مالك، وقد تقدم وجه ذلك، فإن نوى النذر الأول أن يكون في حج؛ لم يكن له أن يجعل الثاني في عمرة 5 وكذلك إن نذره في عمرة؛ لم يكن له أن يجعله في حج.1
وقال عبد الملك بن حبيب: لا بأس أن يجعل الثاني في حج، وإن كان قد نوى الأول في عمرة.
قال: لأنه لو مشى أولًا في حج -وقد كان نواه في عمرة- 1 لأجزأه؛ لأنَّ عمل الحج يأتي على عمل العمرة ويزيد 2.
قال 3 وكذلك قال في من أرضاه 4 من أصحاب مالك.
وذكره في موضع آخر عن مالك.
ومن 5 نذر مشيًا ولم ينو حجًا، جاز له أن يدخل بعمرة، ثم يحج حجة الإسلام.
وإن هو أحرم حين أتى الميقات بحج، ينوى 6 حجة الإسلام 7 أجزأه، وكان عليه أن يأتي عن نذره بعمرة أو حجة من حيث أحرم بحجة الإسلام، ثم يمشي من هناك.
واختلف إذا قرن الحج والعمرة ينوي بالحج حجة الإسلام والعمرة عن نذره، أو أحرم بحجة ينوي بها حجة الإسلام ونذره 8، فقال مالك: يجزئ عن نذرِه، ويقضي حجة الإسلام 9. وقال أيضًا: لا يجزئ عن واحد منهما 10.
وقال المغيرة: يجزئ عن فرضه، ويأتي بنذره (1).
وأرى إذا قرن أن تجزئ عن حجة الإسلام وعن نذره، قياسًا على من أتى بحجة الإسلام قارنًا؛ فإنه يجزئه عن حجة الإسلام، ويكون قارنًا.
وقد (2) فرض الله تعالى على من أتى بحجة الإسلام قارنًا حجه (3)، فأشرك في عملها (4) عمرة متطوعًا، وأجزأه ذلك عن حجة الإسلام وعمرته.
وأما إذا أتى بحجة ونوى بها فرضه ونذره لم يبطل حجه؛ قياسًا على من أشرك في القِرَانِ؛ لأن الإشراك (5) لا يبطل أن يكون في ذلك متقربًا لله تعالى.
فصل [فيمن نذر أن يُحجَّ غيره]
ومن قال: أنا أُحِج فلانًا في يمينٍ، فحنث؛ لزمه أن يحجه من ماله، إلا أن يأبى ذلك الرجل، ولا حج على القائل.
وإن قال: أنا أحج بفلانٍ، حجَّا جميعًا، فيحج القائلُ راكبًا ويحج بالرجل، إلا أن يأبى فيلزمه الحج بقوله: أنا أحج، ولزمه أن يحج الرجل لقوله بفلان.
وإن قال: أنا أحملُ فلانًا إلى بيت الله في يمين، فحنث 6، كان الجواب فيه على ثلاثة أوجه: فتارة يحج القائلُ وحده، وتارة يحج المقولُ له 7 وحده، وتارة يحجان جميعًا.12345
فقال مالك: إن نوى حمله على عنقه؛ حج القائلُ ماشيًا ويهدي، ولا شيء عليه في الرجل.
وإن نوى أن يحجه من ماله؛ فعل ذلك، إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه.
وإن لم تكن له نيةٌ؛ حج راكبًا، وحج بالرجل معه 1، ولا هدي عليه 2.
وليس هذا الوجه بالبين؛ لأنه لا يخلو أن يحمل قوله على حمله بنفسه، فيكون عليه أن يحج ماشيًا، ولا شيء عليه في الرجل.
أو يحمل على حمله من ماله، فيحجه إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه 3 أو يقال: إن ذلك محتمل الوجهين جميعًا، ويؤخذ فيه بالأحوط، فيحج هو ماشيًا، ويحج الرجل من ماله راكبًا.
وأرى أن يحمل قوله عليَّ حمله من ماله؛ لأنه ليس العادة أن يقصد حمله على عنقه، ويقصدون الحمل من المال، وقد قال عمر: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سبِيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَأَضَاعَهُ الذي كان عنده، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ..." 4 الحديث 5. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَالله لاَ أَحْمِلُكُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ الله حَمَلَكُمْ..." الحديث 6. ولو قال: أنا أحج فلانًا، أو أحج به، أو أحمله في غير يمين، لكانت عدات فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
وقال مالك في الرجل يقول: أنا أحمل هذا العمود إلى بيت الله، أو هذه الطنفسة: إنه يحج ماشيًا، ويهدي 1.
وقال محمد: إن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ خرج راكبًا حاجًّا أو معتمرًا، ولا شيء عليه فيما ترك من حمل ذلك.
وحمل قوله ذلك: أنه يريد أن يحمله وهو راكب.
وقول مالك: أنه يخرج ماشيًا استحسان؛ لأنه نذر معصية، ولا يجوز أن ينذر لله شيئًا من ذلك.
ولو كان ممن يجهل ويظن أن في ذلك طاعة، لم يلزمه شيء.
وقد قال ابن القاسم فيمن قال: عليَّ السير 2 إلى مكة: لا شيء عليه.
وفي البخاري قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، فليتكلم، ويقعد ويستظل ويَصُم" 3 فأمره أن يوفي بما كان طاعة، ولم يجعل عليه فيما 4 سوى ذلك شيئًا؛ لأنه كان يظن أن لله في ذلك طاعة، ولو علم لكان نذرًا في معصية، ويؤمر أن يتقرب إلى الله بطاعة.
باب فيمن قال: عليَّ المشي أو الركوب أو الذهاب أو السير إلى مكة، أو الكعبة، أو المسجد الحرام، أو الصفا، أو المروة، أو منىً، أو عرفة، أو إلى المسجد ولم يسمِّ مسجدًا، أو قال: عليَّ المشي ولم يزد على ذلك، أو إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بيت المقدس، أو الإسكندرية، أو غيرها من مواضع الرباط
وقال ابن القاسم في المدونة: إن قال: عليّ المشي إلى مكة لزمه 1.
واختَلَف قوله 2 إذا قال: عليَّ الركوب إلى مكة، فألزمه ذلك مرة 3، ومرة لم يلزمه 4.
وإن قال: عليّ الذهاب إلى مكة أو السير أو الانطلاق أو آتي مكة لم يلزمه.
وقال أشهب: يلزمه في ذلك كله أن يأتي مكة حاجًا أو معتمرًا.
وقال أيضًا في كتاب محمد، فيمن قال عليّ المشي إلى مكة: أن لا شيء عليه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا فرق بين جميع هذه الألفاظ؛ لأن مجرد اللفظ في جميع ذلك لا يوجب أكثر من الوصول إلى مكة.
والوصول لا يجب إلا لما يتعلق به بعد ذلك من طاعة حج أو عمرة أو طواف أو صلاة.
فإن حمل قوله على العادة في ناذر الوصول أنه يريد الحج أو العمرة؛ لزمه
في جميع هذه الوجوه المشي والركوب والذهاب والانطلاق، وإن لم يحمل قوله على العادة لم يلزمه شيء وإن سمّى المشي.
فصل [فيما يلزمه من المشي وما لا يلزمه]
قال ابن القاسم: إذا قال: عليّ المشي إلى مكة أو المسجد أو البيت أو الكعبة أو الركن أو الحجر، لزمه.
وإن قال: إلى الصفا والمروة أو المقام أو زمزم أو منى أو عرفات، لم يلزمه 1.
وقال أصبغ: يلزمه كل ما يسمّى مما هو داخل في القرية؛ الصفا والمروة والحطيم والأبطح والحجون وأجياد وقعيقُعان وأبي قبيس 2.
وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه إذا سمى ما هو خارج منه ما عدا عرفات، فإنه وإن كان من الحل من مشاعر الحج، فإذا نذر عرفات؛ فقد نذر الحج 3.
فألزمه ابن القاسم إذا قال: مكة، وهي القرية، وأسقط ذلك عنه 4 إذا سمى الصفا والمروة، وهما داخلان فيها ومن مشاعر الحج.
وألزمه إذا قال: المسجد، وأسقط عنه إذا قال: المقام، وهو داخل في المسجد.
ولا وجه لهذه التفرقة، والجواب على وجهين: فإما أن يعلق اليمين بما يقتضيه مجرد اللفظ؛ فلا يكون عليه شيء في جميع ذلك.
أو يحمل على أنه أراد
ما العادة أن يؤتى لهذه المواضع له؛ فيجب عليه الحج أو العمرة، إلا أن يسمي منيً أو عرفة أو المشعر أو المزدلفة، فيجب عليه الحج، ولا تجزئه العمرة؛ لأن هذه المواضع مناسك للحج دون العمرة.
ومن نذر المشي لم يجزئه الركوب، ومن نذر الركوب لم يجزه المشي إذا كان قصده نفقة ماله في مؤن الركوب، وإن كان قصده الوصول وليس إنفاق ماله في الركوب أجزأه المشي.
وإن قال: عليّ الذهاب أو السير أو الانطلاق؛ كان مخيرًا بين المشي أو الركوب.
وقال ابن القاسم: إن قال: أنا أضرب بمالي الحطيم أو الركن؛ يحج أو يعتمر، ولا شيء عليه في ماله 1.
وقال ابن حبيب: يتصدق بماله 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: مجرد هذا النذر لا يوجب شيئًا؛ لأن ضرب الحطيم أو الركن بالمال ليس بطاعة، والنذر به معصية، ويستحب أن يأتي في طاعة لذلك الموضع؛ حج أو عمرة.
ورأى ابن حبيب أنه عاص في النذر من الوجهين؛ إتيانه لمثل ذلك، وأن يضرب بالمال، واستحب أن يتصدق بذلك المال كما جاء في الحديث فيمن قال: "تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَصَدَّقْ" 3.
وإن أراد بقوله: اضرب به في الأرض، أي: أنفقه حتى أصل به إلى ذلك؛
لزمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: 101].
فصل [في الركوب والمشي في المساجد الثلاثة]
وقال مالك فيمن قال: عليّ المشي إلى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إلى مسجد 1 بيت المقدس: فليأتهما راكبًا، ومن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله؛ فهذا الذي يمشي، ومن قال: عليّ المشي إلى غير هذه الثلاثة المساجد؛ لم يكن عليه أن يأتيها لا ماشيًا ولا راكبًا، وليصل في بيته إن كان أراد الصلاة فيها 2.
وقال ابن القاسم: وإن قال عليَّ المشي إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لم يأتهما، إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما راكبًا، ومن قال من أهل مكة أو المدينة أو بيت المقدس: لله عليَّ أن أصوم بعسقلان أو بالإسكندرية أو موضع يراد فيه الرباط؛ فعليه أن يأتيه 3. فألزم مالك الوفاء بالصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس.
وقال ابن وهب: عليه أن يأتي ماشيًا 4.
وقال ابن المواز: وقد قيل: إن كان قريبا الأميال اليسيرة 5 أتى ماشيًا 6.
وقال إسماعيل القاضي: من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة ليس
للحج؛ لم يكن عليه أن يمشي، وركب 1 إن شاء، ولا يدخل إلا محرمًا.
فلم يلزمه المشي، وإن سمى مكة لما أوجبه في الصلاة.
والقول أنه يمشي في جميع ذلك أحسن؛ لاتفاقهم أن المشي للصلاة تتعلق به قربة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو بِهِ الله الخَطَايَا؛ كَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ" 2. وقال: "أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِى الصَّلاَةِ أَبْعَدُهُمْ مَمْشىً" 3. وإن كان ذلك 4 يتعلق بالمشي طاعة دخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" 5.
وإن نذر 6 مكي أو مدني الصلاة في مسجد 7 بيت المقدس، صلى في مسجد موضعه، في المسجد الحرام أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأجزأه، وإن نذر مقدسي الصلاة في أحد هذين المسجدين، أتاهما 8. وإن نذر مدني الصلاة في المسجد الحرام، أو مكي الصلاة بمسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ أتاه 9، وذلك أحوط؛ ليخرج من الخلاف.
وقياد قول مالك يأتي المكي المدينة، ولا يأتي المدني مكة، وأوجب مالك
على المكي والمدني والمقدسي أن يأتوا الإسكندرية وعسقلان للرباط، ولم ير ذلك داخلًا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُشَدُّ المَطَايَا إِلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ..." 1 الحديث؛ لأن هذه المواضع تختص بمعنى لا يوجد في المساجد الثلاثة، ومحمل الحديث على من نذر صلاة، فلا يشد لها المطي 2؛ لأن الصلاة بموضعه أفضل، ولو نذر مكي أو مدني أن يأتي أحد هذين الموضعين لصلاة واحدة ويعود من فوره ليس للرباط، لصلى 3 بموضعه، ولم يأتهما.
ومن قال: عليّ المشي إلى بيت الله، ونوى مسجدًا 4؛ كانت له نية، وإن لم تكن له نية؛ كان عليه أن يمشي إلى البيت الحرام.
واختُلف إذا قال: عليَّ المشي، ولم يذكر مسجدًا، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه 5. وقال أشهب: عليه أن يمشي إلى مكة.
والأول أبين، ولا نجد من يقف على ذكر مكة في مثل هذا، إلا لأنه أراد الهروب من التزام المشي إلى مكة، أو الإلغاز لمن حلف له 6.
باب في الهدايا وما يمنع منها
وقال مالك فيمن قال "عليَّ هدي": يهدي بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة فشاة، وإن قال: لله 1 عليّ بدنة؛ كانت من الإبل.
فإن لم يجد وقصرت النفقة؛ فبقرة، فإن لم يجد؛ فسبع من الغنم 2.
وقد 3 اختلف في هذين السؤالين، فقال في كتاب الحج، فيمن قال "عليّ هديّ": الشاة تجزئ 4. وقد اختلف في هذا الأصل: هل تبرأ الذمة بأعلى ذلك المنذور، أو بأقله؟
فقال فيمن نذر صوم شهر، فصامه لغير الهلال: إنه يصومه ثلاثين يومًا 5. وهذا مثل قوله في الهدي: أنه يهدي بدنة، ولا يهدي الشاة، إلا عند عدم القدرة للبدنة وللبقرة 6. وقال محمد بن عبد الحكم: تجزئه تسعة وعشرون يومًا، وهذا مثل أحد قولي مالك أنه تجزئه الشاة ابتداءً، وقد تقدم وجه ذلك في كتاب الصوم.
واختُلف إذا قال: لله عليّ بدنة، فقصرت النفقة؛ فقال ابن نافع: لا تجزئه البقرة ولا تجزئه إلا بدنة من الإبل ولا يجزئه إلا ما نذر.
وقال الخليل: البقر من البدن 7.
وقول ابن نافع أحسن؛ لأن الناس لا يعرفون البدن إلا من الإبل، وهي التي يقصد الناذر.
وقول مالك استحسان، لحديث جابر، قال: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" 1. وجعل أحدهما يسد مسد الآخر.
وكذلك قوله: إذا عدمت البقرة، أو قصرت النفقة: إنه يهدي سبعًا من الغنم؛ لأن الهدي شاة، وهو أقل ما ينوب أحد التمتعين.
قال ابن القاسم: وإن أحب أن يصوم؛ فعشرة أيام 2، فإن أيسر؛ كان عليه ما نذر 3.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إذا أعسر، وقال: عليَّ هدي؛ صام عشرة أيام، فإن قال: بدنة؛ صام سبعين يومًا 4.
قال أشهب: إن أحب صام سبعين يومًا أو أطعم سبعين مسكينًا 5.
وظاهر قوليهما ألا شيء عليه بعد ذلك، وهذا أيضًا استحسان؛ لأن الله تعالى أوجب في القتل والظهار عتق رقبة، ثم جعل الصوم عند عدم العتق؛ فكان صيام هذين عند عدم القدرة على الهدي براءة 6 لهما.
فصل [في اختلاف قول الناذر وما يجب عليه فيه]
وإن قال: "لله عليّ أن أنحر بدنة" كان كالأول إذا قال: "لله علي بدنة".
وإن قال: "لله علي أن أنحر جزورًا" نحره بموضعه.
وليس بهدي، وسواء كان بعينه أو بغير عينه.
قال ابن حبيب: وإن كان معينًا، وقال: لله عليّ أن أنحره بمكة بعثه ونحره بها، ولم يكن عليه أن يقلده، ولا أن يشعره 1.
وقال مالك فيمن قال: لله عليّ أن أنحر جزورًا، ونذره لمساكن البصرة أو مصر؛ نحره 2 بموضعه، وتصدق به على المساكين إن كان بعينه، أو نذر أن يشتريه من موضعه، ثم يسوقه إلى مصر، قال: وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال 3.
وقال مالك في كتاب محمد: لينحره حيث نوى 4. ولأشهب في مدونته مثله 5. وهذا أحسن إذا قصد رفق مساكين أهل 6 ذلك الموضع.
وإن قصد أن يهديه لذلك البلد؛ كان نذرًا في معصية، ويستحب له أن يوفي بنذره ذلك بمكة، ويجعله هديًا، وإن تمسك به لم يكن عليه شيء.
قال ابن حبيب: من حلف بصدفة ماله على مساكين بلد فحنث، فليفرق ذلك على مساكين بلده، ولا يبعث به.
وكذلك، إذا قال في بعير (1) أراد به مساكين بلد آخر، فإنه ينحره بموضعه.
فصل [في نذر المعين وما يلزمه منه]
ومن نذر هديًا معينًا لزمه الوفاء به إذا كان من موضع يبلغ سالمًا من العيوب، وفي سن ما يهدى، فإن كان من الإبل؛ بعث به وإن بعد موضعه، وإن كان من البقر أو من الغنم وقرب موضعه وأمن عليه؛ بعث به.
وإن لم يبلغ؛ بِيعَ واشتُرِيَ بثمنه من الإبل إن بلغ الثمن لذلك، وإن لم يبلغ فمن البقر، وإن لم يبلغ، فمن الغنم، وإن لم يبلغ؛ تصدق بالثمن عند ابن القاسم حيث شاء 2. وقال مالك: يجعل فيما تحتاج إليه الكعبة 3.
وأرى أن يتصدق بثمنه بمكة؛ لأنه لو بلغ تصدق بلحمه عليهم، وأكل منه، ولا يدفع إلى الحجبة؛ لأنهم ليسوا من الجنس الذي جعله فيه، ولأنهم لا يوفون بما يجعل إليهم، ولو أشرك به في هدي لكان وجهًا.
وقد اختلف في الشرك في التطوع، وأن يشتري من موضع يرى أنه يبلغه أصلح، ولا يؤخر إلى موضع أعلى، إلا ألا يجد من يسوقه من هناك؛ فلا بأس أن يؤخر الشراء إلى مكة، ثم يخرجه إلى الحل.
وإن وجد أن يشتري مثل الأول ببعض الطريق، وإن أخّر إلى مكة اشترى1
أفضل؛ اشترى الآن، وساقه إلى مكة، ولم يؤخره.
وإن كان الهدي الأول خمسًا من الغنم أو ستًا، ووجد بثمنهم بدنة؛ اشتراها.
وإن كانت الغنم الأُوَل ثمانيًا فما فوق؛ لم يستحسن له أن يشتري بدنة إذا كان يجد بالثمن مثل العدد الأول؛ لأن البُدن جعِلت عوضًا عن سبعة، فكان الإتيان بثمان أو بتسع أفضلَ.
وإن نذر عبدًا أو دارًا؛ بِيعَ وبعث بالثمن، فيشتري به من موضع يرى أنه أصلح، ويبلغ حسب ما تقدم، وإن كان يبلغ ثمن ذلك بدنة (1)، وهو ببلده أصلح؛ اشتراه الآن وبعثه (2).
فصل [في نذر المعيبة]
وقال أشهب في كتاب محمد، فيمن نذر بدنة بعينها عوراء أو عرجاء: فعليه أن يهديها كما نذر 3، وإن لم تكن معينة أهدى سليمة، وكذلك إن نوى جذعة من المعز 4، قال: ألا ترى أن من نذر أن يهدي ابنه: أهدى مكانه ما يجوز أن يهدى 5. وقال محمد في العتبية: يهدي قيمتها، أو بعيرًا 6 مما يجوز.12
وأرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن 1 أن ذلك يجوز؛ لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين، ويخرج قيمة ما في الذمة على أنه معيب، فيشتري بذلك سالمًا إن بلغ، أو يشارك به، وإن كان عالمًا أن ذلك لا يجوز؛ كان نذرًا في معصية.
وهو كما قال بمنزلة من نذر نحر ولده، فلا شيء عليه، معينًا كان 2، أو مضمونًا، ويستحب له أن يأتي بسليم ليكون كفارة عن نذره، ويتقرب إلى الله سبحانه بذلك.
ومن قال: أنا أنحر ولدي -بمعنى: أقتله- فلا شيء عليه، وإن أراد بذلك أن يجعله هديًا أو قال 3 ما يدل على ذلك، فقال: أنا 4 أنحره عند مقام إبراهيم أو الصفا أو المروة، أو قال أنا: أهديه، أو أنحره لله؛ كان عليه عند مالك هدي.
وقال مرة: كفارة يمين.
والأول أبين، وهذا نذر في معصية؛ فلا يجوز الوفاء به، ويستحب أن يأتي بطاعة كفارةً عن قوله ذلك، إلا أن يكون ممن يجهل ويظن أن ذلك جائز، فلا شيء عليه.
باب فيمن حلف بصدقة ماله أو بعضه
واختُلف فيمن تصدّق بجميع ماله أو بعضه 1 أو عَيَّنَ شيئًا منه أو عَيَّنَ جميعه على ثلاثة أقوال: فقال مالك: إن لم يعين، وقال: مالي أو جميعه؛ أجزأه الثلث، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ما سمى 2.
قال محمد: وكذلك إن قال: مالي إلا درهم؛ أخرج جميع ذلك 3.
قال مالك: وإن عَيَّنَ، فقال: عبدي أو داري، وذلك جميع ماله أو نصفه أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ما سمى 4.
وذكر عنه ابن وهب في النوادر، فيمن لم يعين، وسمى أكثر من الثلث؛ اقتصر على الثلث 5.
وذكر ابن الجلاب عنه في المعين إذا كان أكثر من الثلث روايتين؛ إحداهما: ألا يلزمه أكثر من الثلث، والأخرى: أنه يلزمه ما عين وإن كان أكثر من الثلثين 6.
وقال سحنون في جميع ذلك عين أو لم يعين: يخرج ما لا يضر به إخراجه.
وهذا أحسن؛ لقوله: "لا صدَقَةَ إلا عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".