وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أعطاني رسول - صلى الله عليه وسلم - شارفًا من الخمس 1.
وهذا لقول الله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41].
فاقتضت الآية أنَّ أربعة أخماسه للغانمين، فلو نفل أحدا من رأس الغنيمة، انتقص الآخر من سهمه بعد الخمس.
وفي ذلك تبديل للقسمة التي قسمها الله تعالى بينهم، ولهذا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصية للوارث 2؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى أن يرث أحدهم أكثر من النصيب الذي أوجب الله سبحانه له، وكذلك الغنائم إلا على من قال: إنها غير مملوكة لهم حتى تقسم بينهم.
والقول بهذا يؤدي إلى إبطال فائدة الآية؛ لقوله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41].
فيجعل لله تعالى أكثر من الخمس.
والقياس في السلب أنَّه كغيره من الغنيمة، ولا فرق بين سلب القتيل وماله الذي معه؛ لأنه لم ينل ذلك إلا بجميعهم.
باب في سُهمان (1) الخيل ومن لا يسهم له منها
ويُسيم للفارس سهمٌ ولفرسه سهمان؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: جعل رسول الله للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
اجتمع عليه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، وهذا لفظ البخاري 2.
واختُلفَ فيمن معه فرسان: فقال ابن وهب: يُسهم 3 لهما 4. وذكر ابن القصار عن ابن الجهم: أنَّه أَنْكَرَ القولَ أَنْ يسهم لواحد منهما.
وقال: رأيت من انتهى إليَّ قولُه من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين يقولون: يسهم لفرسين، ولأن صاحب الفرس كالراجل؛ لأنه لا تؤمن عليه الحوادث 5. يريد: أنَّه يتكلَّف مؤونة الثَّاني، وإخراج الثمن فيه، والنفقة عليه عدة لما يحدث بالآخر.
والأول أحسنُ؛ لأنَّ القتال على واحد، والموت وغيره من الطوارئ.
ولا يسهم لثلاث: ولا يسهم للبراذين 6 إلا ما قارب منفعة الخيل، ولا للبغال ولا للإبل؛ لأنَّ منفعتَها غيرُ مقاربةٍ لمنفعة الخيل، ولا يسهم لكسير ولا1
حطيم ولا لهرم ولا لصغير لم يبلغ أن يركب.
واختُلفَ في المريض والرهيص 1 والصغير الذي لم يبلغ الركوب: فقال في المدونة: يسهم للمريض والرهيص 2.
وروى عنه أشهب وابن نافع: لا يسهم للمريض 3. وعلى هذا لا يسهم للرهيص، وهو أحسن.
وإذا لم يسهم للبراذين لضعف منفعتها عن الخيل- كان أبن ألا يسهم للمريض إذا كان مرضه من قبل الإدراب 4، وإن كان بعد أن قاتل عليه.
ويُختلف إذا كان مرضه بعد الإدراب وقبل القتال قياسًا على موته حينئذ؛ لأن مرضه قطع الانتفاع به كموته.
وهو أحسن، وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، قال: بخلاف الرجل العليل؛ لأنَّ فيه المشورة إن كان فيه موضع المشورة 5. وعلى قوله إن لم يكن موضعًا للمشورة- لا سهم له.
وقال سحنون في كتاب ابنه، في الصغير لا يقاتل على مثله: هو راجل، ولو كان فيه بعض القوة لذلك لأسهم له 6.
ولا أرى أن يسهم له؛ لأنَّ منفعته أقل من منفعة البراذين.
وإن مات الفرسُ بعدَ القتال ثُمَّ وقع الفتحُ- أسهم له، وإن مات بعد الإدراب وقبل القتال فلا شيء له على قول مالك وابن القاسم 1.
وقال أشهب وعبد الملك: بالإدراب استحق السهمان، وإن مات 2.
وإن باعه أو أعاره أو غُصب منه أو ضَلّ عنه افْتَرَقَ الجوابُ: فإن قاتل عليه، ثُمَّ باعه فقاتل عليه الثَّاني ففتح له كان سُهمانُهُ للأوَّل.
وقال سحنون في كتاب ابنه: ولو قاتل عليه الثاني، ثم باعه فقاتل عليه الثالثُ ففتح لهم كان سُهمانه للأوَّل؛ لأنَّه قتال واحد، كما لو مات الأول، فقاتل عليه ورِثته.
قال: ولو كان قتالًا مبتدأ بعد موته لكان للآخر السهمان أيضًا 3.
ويختلف إذا باعه الأول بعد الإدراب الثَّاني وقبل القتال، ثُم قاتل عليه الثاني: هل يكون سُهمانه للأوَّل أو للثَّاني؟
واختُلف إذا أعاره قبل القتال: فقال مالك في كتاب محمد: سُهمانه للمُعار.
وقاله ابن القاسم مرَّةً.
وقال أيضًا للمعير 4.
وكأنه فرّق بينه وبين لو ضلَّ، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّه يقول: يضرب له بسُهمانه بالإدراب.
أو يقول: إنه يستحق سُهمانه إذا كان موجودًا قائمًا ولم يقاتل عليه، فلا يسقط ذلك قتال غيره عليه.
والأوَّلُ أحسنُ؛ لأنّه إنَّما يستحق سُهمانه وإن كان قائمًا؛ لأنّه عُدّة إن رأى القتال عليه فعل، فإذا أسلمه لغيره لم يكن له شيء، ويصير بمترلة لو باعه قبل أن يقاتل عليه.
ولو أعاره بعد أن قاتل عليه كان السهمان لصاحبه؛ لأنّه استحقَّ ذلك قبل العارية.
واختُلفَ عن ابن القاسم إذا غصب منه قبل أن يقاتل عليه: فقال في كتاب محمد: السهمان لصاحبه 1. وقال أيضًا 2: للمتعدي 3. وهذا يرجع إلى الخلاف في الضالّ: فعلى القول: إن لصاحبه سهمانه وإن ضلّ- يكون سهمان المغصوب لصاحبه؛ لأنه يقول: لو ذهب مني لكان سهمانه في؛ فلا يضرني قتالك عليه.
ولا يصح أن يكون له سهمان أيضًا؛ لأنه لا يضرب لفرس واحد بأربعة أسهم.
ومن لم يَجعل 4 له سهمان إذا ضلَّ جَعل سُهمانَهُ ها هنا للغاصب، وعليه إجارة المثل إلا على من قال فيمن غصب دارًا فأغلقها، أو عبدًا فأوقفه: أنَّه يغرم لصاحبه ما حرمه من غلاته- فيجعل السهمان لصاحبه؛ لأنّه بالغصب حرمه ذلك.
ولو كان معه فَرسان غصبه أحدهما؛ كان سُهْمَان المغصوب للغاصب، وعليه لصاحبه 5 إجارة المثل.
ولو غصب فرسًا من أرض الإسلام كان سهمانه للغاصب، ولصاحبه إجارة المثل.
ولو غنم المسلمون خيلًا، فغصب رجل منهما
فرسًا فقاتل عليه- كان سهمانه للغاصب.
وقال محمد: وعليه إجارة المثل 1. وقال مالك: إذا كانوا في سفن فلقوا العدوَّ فغنموا؛ يضرب للخيل التي معهم في السُّفن 2. والقياس ألا يضرب لها؛ لأنَّها لم تستعد للبحر، ولم تبلغ الموضع الذي يصح القتال بها فيه.
قال ابن القاسم: إذا خرجت سرية من عسكر، وخلّفوا خيلهم فغنموا؛ يُضرب لخيولهم سهمانهم 3.
باب فيمن يسهم له من أهل الجيش ومن لا يسهم له
السهمان يجب لمن يتوجه عليه الخطاب بالجهاد، وذلك بسبعة شروط:
أن يكون ذكرًا، بالغًا، عاقلًا، حرًا، مسلمًا، سالمًا من الزَّمَانة المانعة من القتال، وأن يكون خروجُه للجهاد لا لتجارة ولا بإجارة.
ولا يُسهم لمن لم يحتلم ولم يطلق القتال.
واختُلفَ إذا راهق وأطاق القتال، قد قاتل أو لم يقاتل، وفي المرأة إذا قاتلتْ، وفي الأجير والتاجر والمريض.
ويُختلف في الزمن: كالأعمى والأقطع والأعرج والمقعد والأشلّ.
ولا يسهم للمفلوج اليابس الشقّ 1، ولا المجنون المطبق، ويسهم للأهوج العقل 2.
قال في المدوّنة: لا يسهم للصبيان ولا للنساء ولا للعبيد وإن قاتلوا 3. وقال مالك في كتاب محمد: يسهم لمن راهق، وبلغ مبلغ القتال إذا حضر القتال 4.
وقال محمد: لا يسهم له حتَّى يقاتل 1. وقال ابن حبيب: إذا أنبت وبلغ خمس عشرة سنة فسبيله سبيل الرجل، يسهم له قاتل أو لم يقاتل 2.
وأرى أَنْ يسهم له إذا رُئيَ فيه قوة على القتال، وحضر الصفَّ، وأخذ أُهْبَة 3 الحرب، وإن لم يقاتل.
وقال ابن حبيب في المرأة إن قاتلت كقتال الرجال؛ أُسهم لها 4. وهذا أحسن.
وأرى أن يسهم لها إذا كان فيها شدةٌ، ونصبت للحرب، وإن لم تقاتل.
وأمَّا العبيد وأهل الذمَّة: فإن خرجوا من أرض الإسلام متلصصين فغنموا- كانت تلك الغنائم لهم، ولا يخمس ما ينوب الكافر.
واختُلفَ فيما ينوب العبد، فقال ابن القاسم: يخمَّس 5. وقال سحنون: لا يخمَّس 6. ورأى أنَّ الخطاب في الخمس إنما ورد فيمن خوطب بالجهاد.
ويلزم على قوله ألا يخمس سهم الصبي والمرأة؛ لأنهما ممن لم يخاطب بالجهاد 7.
وقال ابن القاسم في العتبيّة: إذا خرج حرٌ وعبدٌ متلصصين فَغَنمَا، خُمِّسَ ما أصابا، ثُمَّ يقسم ما بَقيَ بينهما 8.
واختُلِف: هل يسهم لهما 1 إذا كانوا في جملة الجيش؟ فقال مالك وابن القاسم في العبيد وأهل الذمَّة إذا كانوا في جملة الجيش: لا يسهم لهم 2.
قال ابن القاسم في العتبية: لأنَّ المسلمين لا يستعينون بالعبيد، ولا بالنَّصارى في عسكرهم 3.
وقال ابن حبيب: إذا نَفَرَ أهلُ الذمّة مع طوائفنا فما صار إليهم ترك ولم يخمس 4. فجعل لهم نصيبًا مع الجيش.
وقال سحنون: إن كثروا، ولو انفرد المسلمون قدروا على تلك الغنيمة لم يكن لأهل الذمة شيء، وإلا قسمت بين جميعهم.
وهذا أعدلها وكذلك العبيد إذا كان لا يقدر الأحرار إلا بهم؛ قسمت بين جميعهم.
وقال أشهب في كتاب محمد: في عبيد وذمين خرجوا من العسكر فغنموا، فالغنيمة للجيش دونهم 5.
وعلى قول سحنون يكون لهم سهمهم بمنزلة لو كانوا في جملتهم، وقووا بهم.
وأما الأجير فإن كان في رحله؛ لم يسهم له.
واختُلفَ فيه إذا قام 6 في الصفّ أو قاتل: فقال مالك في المدونة: إن شهد القتال وقاتل- أسهم له، وإن لم يقاتل فلا شيء له 7.
وقال في كتاب محمد: إن شهد القتال أو كان مع الناس عند القتال- أسهم له،، وإلَّا فلا 1.
وقال في مدونة أشهب: لا شيءَ له وإنْ قاتل 2.
وقال ابن القاسم في المدوّنة في التاجر: إنَّه مثل الأجير 3. يريد: أن لا شيء له إلا أن يُقاتل.
وقال في كتاب محمد: إنْ شَهدَ القتالَ أُسهم 4 له وإنْ لم يُقاتل 5.
وقال أبو الحسن ابن القصار في الأجير: إذا خَرَجَ للجهاد والإجارة لغير خدمة كالخياطة- فله سهمُه حَضَرَ القتال أم لا، وإنْ استُؤجر في الخدمة فلا شيء له، قال: والتَّاجر مثل ذلك.
يريد: له سهمُه إن خرج للجهاد والتجارة، وإن لم يشهد القتال.
وإنْ خَرَجَ للتّجارة خاصةً لم يسهم له إن لم يشهد القتال.
قال سحنون في كتاب ابنه، في الأجير قد أَخَذَ مالًا فباع به خدمته: فلا يسهم له، إلا أَنْ يترك تلك الخدمةَ ويقاتل فله سهمُهُ، ويبطل من أجرته بقدر ما اشْتَغَلَ عن الخدمة، وكذلك أهل سوق العسكر لا سهم لهم، إلا أن يقاتلوا 6.
وحكم النواتية 7 في البحر كحكم الأُجراء في البرّ: لا شيءَ لهم، إلا أن
يقاتلوا، أو يَشهدوا القتال، وإن لم يقاتلوا على القول الآخر.
ورَوَى أشهب عن مالك: أن لا شيءَ لهم وإنْ قاتلوا 1. وأَجْرَاهُم على حكم العبيدة لمَّا لم يكن لهم الخروجُ بهم ليقاتلوا.
واختُلفَ في المريض إذا خَرَجَ مريضًا 2.
وأرى أن لا شيء له، إلا أن يُقتدى برأيه، فربَّ رأي أنفعُ من قتالٍ.
وإن مرض بعد القتال أسهم له، ويُختلف إذا مَرضَ بعد الإدْراب وقبل القتال.
ولا أرى للزَّمِن 3 شيئًا إذا كان لا يقدر بتلك الزَّمانة على القتال، وإنما معونته بالخدمة قياسًا على الخديم إذا لم يقاتل.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يسهم للأعمى وأقطع اليدين والأعرج والمقعد والأشلّ، قال: لأنَّ الأعمى يبري النبلَ، ويكثّر الجيشَ ويزيد، وقد يُقاتل المقعدُ والمجذومُ فارسًا 4.
والصواب في الأعمى: أن لا شيءَ له، فإن كان يبري النبل دخل بذلك في جملة الخَدمة الذين لا يُقاتلون.
وكذلك أقطع اليدين لا شيء له، وإن كان أقطع اليسرى أُسهم له.
ويسهم للأعرج إن حَضَرَ القتال، وإن كان ممن يجبن عن القتال لأجل عرجه- لم يسهم له، إلا أن يقاتل فارسًا.
ولا شيء للمقعد إذا كان راجلًا، وإن كان فارسًا يقدر على الكرّ والفرّ أُسهم له.
وكلَّ مَنْ تقدَّم ذكرُه، أن لا سهم 1 له- يجوز أن يُحذى 2 من الغنيمة، وقد اختُلف في ذلك: فقال في المدونة في النساء والصبيان والعبيد: لا يرضخ لهم 3. وقال ابن حبيب: يرضخ لهم 4. وهو أحسن.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لم يكن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يسهم للعبد والمرأة إلا أن يُحذيا من الغنائم.
أخرجه مسلم 5.
وكذلك كل من للجيش فيه منفعة يجوز أن يُحذى.
واختُلفَ فيمن ضلَّ عن الجيش: فقال ابن القاسم في المدونة: إن ضلَّ بأرض العدوّ فغنموا بعده فله سهمه 6.
وقال مالك في الذين يغزون في البحر فتردُّ الريحُ بعضَهم إلى بلاد الإسلام: فلهم سُهمانهم 7.
وقال: إذا وقعتْ 8 المراكبُ في أرض الرُّوم، ثُمَّ انكسرتْ، أو مَرضَ أهلُها؛ فرجعوا إلى الشَّام، ثُمَّ غنموا الذين مضوا: فللآخرين سهمانُهم إذا
رجعوا خوفًا على أنفسهم 1.
وروى ابن نافع عنه في كتاب ابن سحنون 2 فيمن ضلَّ عن الجيش حتَّى غنموا: أن لا سهم له 3.
وقال سحنون فيمن ردتْه الريحُ أو رجع لمرض: لا سهم له 4. وهذا أحسن، ولا أرى أن يستحقَّ السهمان إلا بشهود القتال، فمن لم يشهده لمرضٍ، أو موتٍ, أو لأنَّه ضلّ, أو ردته الريح، أو غير ذلك- فلا شيء له.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن ظُفرَ بالعدوّ وفيهم مسلمون أسارى أُسهم لهم وإن كانوا في الحديد 5.
وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: قال ابن شهاب: لم يقسم النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لغائبٍ إلا يومَ خيبر قسّم لأهل الحديبية 6؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: 20].
ويوم بدر لعثمان وكان خلَّفه على ابنته 7، وقسم لطلحة وسعيد بن زيد
يوم بدر وهما غائبان 1.
قال ابن حبيب: قال أهل العلم هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واجتمع المسلمون بعده على ألا يقسم لغائبٍ 2. وقد يُحمل فعلُه إِنَّه كان من الخُمس.
وقال محمد بن الموَّاز: لو بعث الإمامُ قومًا من الجيش قبل أن يصلَ لبلد العدوّ في مصلحة الجيش، أو لإقامة سوق؛ فاشتغلوا في ذلك حتَّى غنم الجيشُ- فلهم سهمُهم معهم.
واحتجَّ بعثمان 3.
ورَوَى ذلك ابن وهب وابن نافع عن مالك 4. ورُوي أيضًا عن مالك أنَّه لا شيءَ له 5.
والأوَّل أحسن؛ لأنَّ هذا كان قادرًا على الكون معهم في القتال والغنيمة معهم، فاحتُبسَ عن ذلك لهم، بخلاف من لم يشتغل بهم.
باب في الطعام يكون في المغانم وما لا يُستطاع نقله من الأمتعة والطعام والحيوان والناس
ولمن غَنمَ طعامًا أن يختصَّ بمنفعته؛ لحديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنهم -، قال: "أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ 1، وَقُلْتُ: لاَ أُعْطِي مِنْهُ شَيْئًا، فَالتَفَتُّ فَإِذَا بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَبْتَسِمُ" أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ 2.
وحديث ابنُ عمر - رضي الله عنهما -، قال: كنَّا نصيب في مغازينا العسلَ والعنبَ فنأكله ولا نرفعه.
أخرجه البخاري 3. والحكم فيما يأكله ويعلفه سواء.
وكذلك الجواب عند مالك فيما أصاب غيرُه من الطعام وجمع في المقاسم: ينتفع به من احتاج إليه من غير استئذانٍ.
قال مالك: وكذلك البقرُ والغنمُ هي لمن أخذها يأكل وينتفع 4.
وكذلك إن أصابها غيرُه وجمعها الإمامُ، ثُم احتاج بعضُهم الأكل؛ فيأخذه
من غير استئذانٍ، وكذلك ما قلَّ قدرُه من غير الطَّعام.
فقال في جلود البقر والغنم تكون في المغانم: لا بأس أن يتّخذ منها نعالًا وخفافًا، أو حُزُمًا إن احتاجوا إليها 1.
وقال في كتاب محمد: إنَّ الذي يردُّ مثل الكُبَّة 2، والخيط، وما ثمنُهُ قليلٌ- أخاف أن يرائي بهذا، وليس يضيق على النَّاس 3.
والأحاديث في هذين: الغنم والقليل من غيرها- على خلاف الطعام، فقال رافع بن خديج - رضي الله عنه -: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوع، وَأَصَبْنَا إبلًا وَغَنَمًا، فَعَجِلَ القَوْمُ فَأَغْلَوا مِنْهَا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأُكْفِئَتْ 4، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ..." الحديث 5.
وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلولَ، فجاء رجلٌ بشراك أو شراكين، فقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: شراك أو شراكان من نار 6.
والقَدْرُ الذي يجوز له إمساكُهُ من الطَّعام: ما يأكله في مقامه، وفي رجعته إلى بلده، أو يفضل ما لا قدر له.
فإن كان له قدرٌ- ردَّه وكان مغنمًا، وإن افترق الجيش تصدَّق به.
وإن كان قدرُ حاجته فباعه وآثر الثمنَ على حاجته- كان مغنمًا، ولا يردَّ الثمنَ على المشتري إن كان المشتري من غير الجيش أو من الجيش 1 واشتراه للتّجارة، وأن اشتراه لأكله ردّ عليه الثمن.
وقال ابن القاسم في العتبية: من باع طعامًا بأرض الحرب ممَّن 2 يأكلُه ردَّ الثمن في المغنم لا على المبتاع 3.
وهذا إذا كان المشتري من غير الجيش أو ممَّن خرج لغير الجهاد أجيرًا أو تاجرًا.
وقال ابن القاسم: إن استقرض طعامًا لم يلزمه ردّهُ على المقرض؛ لأنَّ عليه أن يعطيَ ما استغنى عنه 4.
فإذا لم يكن على المستقرض غرم المثل، لم يكن على المشتري ثمن، ولو كان الطَّعام قدرَ حاجته أيامًا، فأقرضه بعضه ليأخذه وقتَ حاجته كان ذلك له.
وأجاز سحنون بدل القمح بالشعير متفاضلًا 5. ومنعه ابن أبي الغمر 6،
إلا مثلًا بمثل.
والأوَّلُ أقيسُ؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما إنَّما يعطي ما استغنى عنه، فللآخر أَنْ يأخذه بغير عوضٍ.
واختُلفَ فيمن باع طعامًا فاشترى بثمنه طعامًا آخر: فكَرهَه ابنُ حبيب، ورأى الثمن مغنمًا خلاف المبادلة 1.
وقال سحنون: قال بعضُ أصحابنا: إنْ 2 باعَه لحاجته؛ ليصرف ثمنَه في كسوةٍ أو سلاحٍ ولا شيء عنده لا بأس به، كما لو أَخَذَهُ من المغنم، فإن بلغ بلاده تصدَّق به.
وإن كان ليتأثَّل 3 ثمن وكان له قدره كان مغنمًا 4.
واختُلفَ عن مالك فيمن احتاج إلى فرسٍ من المغنم: فقال مرةً: له أن يأخذها ويقاتل عليها ويركبها 5، حتَّى يَقْفُل إلى أهله، ثُمَّ يردُّها إلى الغنيمة 6.
وأجاز ابن القاسم مثل ذلك في السَّيف والثوب يأخذه من الغنيمة فينتفع به حتَّى يقْدَم أهْله 7. = وروح بن الفرج، وابن المواز وأبو إسحاق البرقي ويحيى بن عمر، وله كتب مؤلفة في مختصر الأسدية، وله سماع من ابن القاسم.
توفي سنة (234). انظر: الديباج المذهب، ص: 243، وشجرة النور الزكية: 1/ 67.
وروى ابنُ وهب وابنُ زياد عن مالكٍ أنَّه لا يُنتفع بدابةٍ ولا بسلاحٍ ولا بثوبٍ 1.
قال: ولو جاز ذلك لجاز أَنْ يأخذَ دنانيرَ يشتري بها 2.
وأرى أنْ يُنتفع بالفرس والسَّيف ليقاتل عليه وبه؛ لأنَّ هذا من باب الذبّ عن المسلمين، فإذا انقضى القتالُ ردَّه ولم يَقْفُلْ به.
وإذا كان قسمُ الغنيمة قبلَ القفول أبين ألَّا يؤخّرَ قسم ما أخذ.
وسهمان الفرس له، وعليه إجارةُ المثل، ولا يُنتفع بالثَّوب على حال، إلَّا أن يقومَ عليه ليحاسب به.
واختُلفَ إذا صاد طيرًا أو حيتانًا لها قدر: فقال محمد: إن باعَ ذلك جَعَلَ الثَّمنَ في المقاسم 3. وقال مالك وغيرُه في كتاب ابن حبيب: الثَّمنُ له 4.
وقال مالك: إن اتخذ سرجا أو صنع مشجبا- فهو له ولا يخمّس 5.
وقال ابن الماجشون: إن كان شيئًا له قدرٌ كانت له إجارتُهُ وكان مغنمًا.
وقال مالك: لا بأس أن يأخذ من أشجار الدَّواء وإن أخذه للبيع وكَثُرَ ثمنُهُ في بلاد الإسلام 6.
وهو أقيس، ولا شيءَ عليه في جميع ما تقدَّم ذكرُهُ؛ لأنَّها ليست من أموال العدوّ، ولا يقصدها النَّاسُ ليغنموها، وهي ممَّا يرحل الجيشُ عنها ويتركونها،
والحوت والطير والشعاري في ذلك سواءٌ.
فصل [فيما عجز الجيش عن نقله من غنائم الحرب]
وما عَجَزَ الجيشُ عن نقله من الأمتعة والطعام حُرقَ؛ لئلَّا ينتفعوا به.
واختُلفَ في الخيل والبقر والغنم، فقال مالك: تعرقب 1 أو تذبح 2.
فقال ابن القاسم: وما سمعت أنَّها تحرق بعد ذلك.
وقال سحنون وابن عبد الحكم: الذَّبحُ أحسن وهو أصوبُ؟ لقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ اللهَ كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ, وَلْيرح ذَبِيحَتهُ".
أخرجه مسلم 3.
فمن عَرْقَبَها لم يرحْها، وإذا ذُبحَتْ لم تُحْرَقْ، إلا أَنْ يُخشى أَنْ يُدركوها قبل أن تفسد وتنتن؛ فتحرق وتصير حينئذ كالمتاع.
وأمَّا بنو آدم إذا عجزوا عن نقلهم: فما كان من صغير أو امرأة أو شيخ فإنَّه يُترك، وما كان من الرجال قُتلَ، إلا أن يكون مُنّ عليه بألَّا يقتلَ وأُبقيَ رقيقًا، فلا يُقتل.
واختُلفَ فيما تَرَكَ من المتاع وغيره إذا أخذه أحدٌ وخَرَجَ به: فقال أشهب في كتاب محمَّد: مَن اشترى من السبي شيئًا، فعَجَزَ عنه وتَرَكَهُ، فدخلتْ خيلٌ
أخرى فأخذتْه- فهو لصاحبه الأوَّل 1. وقال ابن حبيب: إن تُركَ في حوز المسلمين 2 كان للأوَّل، ولمن جاء به أجرة مؤونته، وما كان فيهم من عجوزٍ، أو شيخٍ فانٍ فهم أحرار؛ لأنَّ ترك مثلهم كالتحرير لهم، وإن تركهم في حَوز العدوّ فهم لمن أخذهم، ولا عتقَ للشيوخ منهم؛ لأنّه لم يخلهم وهو يملكهم ملكًا تامًا، وهو كالمغلوب عليهم، ولا خمس فيهم.
باب في الاستعانة بالمشركين في القتال وغيره
الاستعانةُ بالكفَّار في قتال العدوّ ممنوعةٌ؛ لقول الله -عز وجل- ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)﴾ [النساء: 89].
فمنع الانتصارَ بهم، وقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لمن استعان به: "إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ " 1.
وأجاز مالكٌ أَنْ يُستعان بهم في الخدمة أو صنعة 2. وأجاز ابنُ حبيب أَنْ يُستعان بهم في هدم الحصن، ورمي المنجنيق، وأَنْ يُستعان بهم في القتال إذا كانوا ناحية، قال: ولا بأس أن يقوم بمن 3 سالمه من الحربيين على من لم يسالمه بالسِّلاح، ويأمرهم بنكايتهم، وأن يكون من سالمه بحذاء عسكره، وقربه ومسايرين له، يقوون بطلبه على مَنْ حاربه, ما لم يكونوا في داخل عسكره 4.
وكل هذا انتصار بالكافرين 5 والقرآن والحديث يرده.
باب في أمان المسلمين لأهل الحرب
لا يخلو الأَمَانُ من سبعة أوجهٍ:
إما أن يكونَ من أمير الجيش، أو من رجل من الجيش وهو حرٌّ مسلمٌ، أو ممَّن لم يتوجّه عليه الجهاد: كالمرأة والعبد والصبي، أو من كافرٍ في الجيش، أو من سريَّةٍ خرجت من الجيش، أو من سريَّةٍ من أرض الإسلام بأمر الأمير، أو من غير إذن الأمير.
فأمَّا الجيشُ فالأمان فيه إلى أمير الجيش دون من معه من الجُنْد والعرائف وغيرهم 1، وهو النَّاظر للمسلمين فيما يراه صوابًا بعد الاجتهاد ومشاورة مَنْ مَعَهُ من ذوي الرَّأي، فما عَقَدَهُ جَازَ ولَزمَ 2 الوفاءُ به.
فإن جَعَلَ لهم الأمانَ على أن يرحلَ عنهم، أو على أنَّهم آمنون إلى مدة معلومة، وكان ذلك بمال أو بغير مال، أو على أَنْ يخرجوا إليه على أنهم آمنون من القتل خاصة ويسترقّهم، أو على أن يَضرب عليهم الجزيةَ ولا يسترقهم، أو على أن يأخذ أموالهَم خاصة ولا يعرض في غير ذلك من أنفسهم أو يأخذ أموالهم وأبناءَهم أو بعض ذلك فهو عقد جائز لازم.
وأجاز محمدٌ إذا وَقَعَ ذلك من غير أمير الجيش فيكون أمانًا لهم من ذلك الجيش، ولا يكون أمانًا على ألَّا يغزوهم أحدٌ.
والأوَّلُ أحسنُ، وليس لواحدٍ أن يعقدَ على الأمير وعلى الجيش أَنْ يرحلوا عنهم، وكذلك إن أمَّن واحدٌ من الجيش واحدًا من أهْل الحصن، فعلى قول
محمد يَمْضي عقدُهُ.
وقال ابنُ حبيب: لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجيش أن يُؤمّنَ أحدًا غيرَ الإمام وحدَه، ولذلك قُدّمَ، وينبغي أن يتقدَّم إلى النَّاس في ذلك، ثُمَّ إن أمَّن أحدٌ أحدًا قبلَ نهيه أو بعدَه فالإمامُ مخيَّرٌ: إمَّا أمَّنه، أو ردَّه إلى مَأْمَنه 1.
وقال في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " 2: إن الدني من حرٍّ أو عبدٍ أو امرأةٍ أو صبيٍّ يعقل 3 الأمان يجوز أمانُهم، وليس للإمام ولا غيره أَنْ يغدرَ به، ولكن يوفّي له ذلك، أو يردَّه إلى مأمَنه 4.
قال ابنُ سحنون: إذا أمَّن المسلمُ قومًا من أهل الحرب فهم آمنون، ولكنْ يَنظر الإمامُ: فإمَّا أتمَّ ذلك، وإمَّا يَنبذ إليهم 5.
واتَّفق ابنُ حبيب وابنُ سحنون أنَّ عقدَه على الإمام وعلى النَّاس لا يلزمُهُ، وإنَّما هو آمنٌ حتَّى يُنظر في ذلك 6.
واختُلفَ في أمان المرأة والعبد والصبيّ إذا كان يعقل الأمان: فقال ابن القاسم: ذلك جائزٌ وهو آمنٌ 7. وقد تقدَّم قولُ ابن حبيب أنَّه آمنٌ حتَّى يرى
الإمامُ رأيَه.
وذكر أبو الفرج عن عبد الملك أنَّه قال: ليس إجارةُ المرأة إجارة، ولا يكون أمنًا.
وروى معنٌ عن مالكٍ أنَّه قال في الرَّجل من الجيش يؤمّن الرَّجلَ والرجلين بغير أمر 1 الإمام: فذلك جائز.
قيل: فالعبد؟ قال: لا 2.
وقال سحنون: ليس أمانُ الصبي بأمانٍ، إلَّا أَنْ يجيزه للقتال، ويصير له سهمٌ، فالإمامُ مخيَّرٌ: إمَّا أجاز أمانَه، أو ردَّه، فأمَّا إن لم يجزه للقتال فأمانه باطلٌ 3.
وأرى أن 4 أمانَ كلّ هؤلاء أمانٌ؛ فلا يقتلُ من أمَّنوه، ولا يُسترقُّ، والنَّظرُ فيه للإمام، فإن رأى أن يجيزَ له ما عَقَدَهُ، وإلا ردَّه إلى مأمنه.
واختُلفَ في الأمان بعد الفتح وبعد أن توجه الأسر والقتل، فقال ابن المواز فيمن أعطى أسيرا أمانا: سَقَطَ عنه القتلُ.
يريد: ولا يسقط الاسترقاق
وقال ابنُ سحنون عن أبيه: لا يحلّ لمن أمَّنه قتله، والإمام يتعقب ذلك: فإن رأى ذلك نظرًا أمضاه وصار فيئًا، وإن رأى قَتْلَهُ أصلح قَتَلَهُ؛ لأنَّه أُمّنَ بعد أن صار أسيرًا وفيئًا 5. وهذا أحسن.
وفي مثل هذا جاء أَنَّ أُمَّ هانئ - رضي الله عنها - أمَّنتْ بعدَ الفتح؛ فلم يكن أمانُها أمانًا
إلا بإجازة النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتَ يَا أُمَّ هَانِئٍ" 1. ولو كان إجارتُها لازمةً لم يقل: أجرْنَا.
ولكان الجوارُ منها وحدَها دون غيرها.
قال ابنُ الماجشون وسحنون: إنَّما تمَّ أمانُها بإجازة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - 2.
قال سحنون: وإنْ أمضاه كان فيئًا 3.
وأرى 4 أنَّ مضمونَ الأمان في النَّفس ألَّا يقتلَ، ولو كان أمانًا لمن حصن لكان ألَّا يباح بقتل ولا بغيره، إلا أن يبين 5 أنَّ ذلك في النَّفس دون المال أو غير ذلك.
وإن بعث أميرُ الجيش سريةً إلى موضع وجَعَلَ لهم أَنْ يَعْقدُوا ما رأوه صوابًا من هدنةٍ أو غيرها جاز، وإن جعل لهم القتالَ والسبيَ إن لم يسلموا لم يكن لهم أن يعقدوا 6 ذلك، فإنْ فَعَلوا كان النَّظرُ لأمير الجيش: فإن رأى إمضاءَ ذلك، وإلَّا أعلمهم أنَّه لا عقد لهم، ويستأنف الأمر معهم.
وإن جَعَلَ لهم أن يَعقدوا ما رأوه من هدنةٍ أو مالٍ أو سبى ففعلوا، ثُمَّ جاءت سريةٌ أخرى: فإن كانت من الجيش الذي كانت منه السريَّةُ الأولى لم
يكن لهم نقضُ شيءٍ ممَّا عقدتْه الأولى 1، وكذلك إن لم يكونوا من ذلك الجيش، ولكنَّهم من ذلك 2 البلد الذي خَرَجَتْ منه الأولى، وإن كانت من بلد آخر وأمير آخر، ولا يرجعان إلى أمير واحد فوقهما كان لهم أن يقاتلوهم، وعلى أصل سحنون: ليس ذلك لهم.
وإن كانت السريَّةُ من أرض الإسلام وبأمر أمير البلد الذي خرجت منه الأولى كان حكمُها بمنزلة ما لو خَرَجَتْ من الجيش.
وإن خَرَجَتْ بغير إذن الإمام لم يلزمه ما عقدت.
فصل [في أمان الذّمّي]
والخُلْفُ في أمان الذمّي: فقال مالكٌ في كتاب محمد: لا أمانَ لهم، وهم فيءٌ.
قال محمد: فإنْ قالوا: ظننَّا أَنَّ لهم جوارًا لمكان ذمتهم (1) فلا أمان لهم وقد صاروا فيئًا (2).
والخُلْفُ بعد القول أنَّ لا أمان لهم- إن قالوا: ظننّا أنَّ الذي أعطانا الأمانَ مسلمًا، فقال ابن القاسم مرَّةً: لا يقبل عذرُهم.
وقال مرَّةً: ذلك لهم ويردُّون إلى مأمنهم (3).
وأرى إذا كان عالمًا أنَّه نصرانيٌّ وقال: ظننتُ أن جواره جائزٌ أن يُردَّ إلى مأمنه؛ لأنَّ ذلك مشكلٌ، ولم يأت بما لم يشبه؛ فلا يُستباح بالشك.
وإن قال: علمتُ أن عقدَ النصرانيّ غيرُ لازمٍ، ولم أعلم أنَّه نصرانيٌ لم يصدق؛ لأنَّهم أهلُ دين واحد، ولا يكتمه ذلك، بل يخبره ويبدأ بالشفقة عليه والنّصح له، ومن ادَّعى أنَّه لم يُعلمه فقد أَتَى بما لا يشبه.
فصل [فيمن أُسر مسلمًا وأُمّن]
وإن أسر العدو مسلمًا، ثُمَّ أمَّنوه على ألا يهربَ لم يكن له أَنْ يهرب، وكذلك إن أعطاهم عهدًا ألا يهرب، وتركوه يتصرف لم يكن له أن يهرب؛ لأنّه وان كان مُكْرهًا على العهد، فإن ذلك يؤدّي إلى الضَّرر بالمسلمين، والتضييق123
على مَن في أيديهم من الأسارى، ويرون أن المسلمين لا يوفون بعهد.
وإن حملوه على أن حَلَفَ بالطَّلاق أو بالعتق على ألا يهرب جاز له الهربُ، بخلاف الأُولى؛ لأنّه في مسألة العهد لم يجعلوا له الهربَ بوجهٍ، وهذا جعلوا ذلك له، ويقع عليه الطَّلاق والعتقُ، وإنَّما يرون أنَّه آثرَ طلاقَ زوجته وعتقَ عبيده على المُقام، ثُم لا يلزمه ذلك لأنّه مُكرةٌ.
باب في الديوان والجعائل
وُيستحبُّ لمن أراد الغزو ألا يأخذَ عليه أجرًا، ويجعله لله خالصًا.
وإنْ أحبَّ أَنْ يَكْتَتبَ في ديوان الجُنْد والعطاء لم يُمنع إذا كان العطاء من حيث يجوز.
وإذا كتب الأميُر بعثًا ليخرج فيه جندًا معلومًا أو أهل ثغر، فأراد أحدٌ ممَّن أُمرَ بالخروج أَنْ يجعلَ جعلًا لمن يخرج مكانَه فلا بأس به إذا كان الثَّاني من أهل الديوان، وإن لم يكن كُره أن يسفكَ دمَه لمال يأخذه، فإن فعل وخرج كان له ذلك المالُ 1.
ولا يخرج أحدٌ مكانَ أحدٍ إلاّ بعد علم الأمير بالخروج وإذنه، فقد يكون الأوَّلِ أَنْجد، وإن كان الثَّاني أنجد وهو من أهل الديوان فيستأذنه أيضًا؛ فقد يرى الباعث إبقاءه أَوْلى لأمر يحتاجه له، وإن لم يكن من أهل الديو ان أعلمه حمايةً؛ لئلا يخرجَ أمرُ الجيش عن تدبيره ورأيه.
وإن أراد رجلان أن يتطاويا وهما من ماحوزين 2، فيرجع كلُّ واحدٍ منهما إلى ماحوز الآخر فلا بأس بذلك إذا رأى ذلك عرفاؤهما.
وإن تنازعَ رجلان من أهل الديوان في اسم، وأشكل أمرهما لاتّفاقهما في الأسماء والآباء، وقال كلُّ واحد: أنا ذلك الرجل فإنه لا يخلو اختلافُهما أن
يكون رأس الحول عند العطاء أو قبله، أو عند بعث ذلك الجيش.
فإن كان عند رأس الحول تحالفا واقتسما ذلك العطاء، وإن نكل أحدُهما كان للحالف، ثُمَّ يَنظر الأميرُ، فإن رأى أن يثبتهما أَثبتهما، وفرَّق بينهما بزيادة حليةٍ، أو صناعةٍ، أو جَدّ.
وإن رأى أن يثبت أحدهما فعل ذلك به، وكذلك إنْ تَنَازَعَا عند خروج بعث تلك العرافة، وأخرج لهم حينئذٍ العطاء، إلا أن يرى الأمير أن يبعث أحدهما، وإن لم يكن الثَّاني من تلك العرافة أخرجه، وجعل العطاء للآخر، إلا أن يرى أن خروج الثاني أولى، وأمَّا إن قال: يخرج بعثُ الثغر الفلاني أو الجيش الفلاني- فينَّهما يتحالفان ويقتسمان ذلك العطاء، ويخرجان أو يقترعان، على أيّهما وقعت القرعة خرج، ولم يردَّ القاعدُ على الخارج شيئًا؛ لأن الأميرَ أعطى عطاءً واحدًا، وحقَّه في خروج واحد، فلا مقال له على القَاعد، وهو فيما بينهما على أنَّهما قد استحقَّاه بعد أيمانهما واقتراعهما، إنما هو تخفيف لأحدهما على الآخر، ليس ليرد له شيئًا.
وإن كان اختلافهما بعد أخذ العطاء رأس الحول، أو بعد رجوعهما وفي حين ليس فيه عطاءٌ كان الأمرُ إلى الإمام في أن يثبتهما، أو أحدَهما حسب ما تقدَّم.
باب في الجزيه, ومن لا يصحُّ أن تقبل منه، ومن لا يخاطب بقتال، ولا بجزية
الكفَّارُ في قتالهم وقبول الجزية منهم على ثلاثة أصناف: صنفٌ يتوجه خطابهم بثلاثة أشياء: بالدخول في الإسلام، أو الجزية عن يدٍ، أو القتال، وهم أهل الكتاب عربًا كانوا أو غيرهم.
وصنف يتوجه خطابهم بوجهين: بالإسلام أو القتال.
واختُلف في قبول الجزية منهم، وهم: المشركون وعبدة الأوثان والمجوس ما سوى الحبش والترك 1.
وصنف يدعون إلى الإسلام.
واختُلفَ إذا عاندوا، هل يتركون أو يقاتلون؟ وهم الحبش والترك 2.
والأصل في أهل الكتاب قول الله -عز وجل-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)﴾ [التوبة: 29].
وفي قتال عبدة الأوثان والمجوس قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73].
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5].
وفي قبول الجزية منهم ثلاثة أقوال:
فقال مالك: تقبل عربًا كانوا أو غيرهم 1.
وقال ابن القاسم: الأمم كلُّها إذا رضوا بالجزية قُبلَتْ منهم 2.
وقال ابن الماجشون: لا تقبل.
قال ابن وهب: لا تقبل من مجوس العرب، وتقبل من غيرهم، قال: وقد قبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - من مجوس هجر، ولم يقبلها من غيرهم 3.
ورأى ابن الماجشون أن قول الله -عز وجل-: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29].
أنه شرط، وأنَّ ما عدا الشرط بخلافه.
وقول مالك أحسن؛ لورود الأخبار الصحاح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها من العرب وغيرهم، وفعله الصحابة بعده.
فأخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها من مجوس هجر 4.
وعن المغيرة - رضي الله عنه - أنَّه قال في قتالهم لكسرى: إن نبينا أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدّوا الجزية 5.
وفي كتاب مسلم عن بريدة، قال: كان النَّبي - صلي الله عليه وسلم - إذا أمّر أميرًا على سريَّة أو جيش قال: "إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ، فَأَيَّتُهَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَبوْا فَاسْأَلهُمُ الجِزْيَة, فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، وَادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ..." الحديث 1. فدخل في هذا العرب؛ لأنَّهم المشركون، وهم أكثر من كان يقاتل.
وفي الموطأ قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - لعمر - رضي الله عنه - في المجوس: سمعت رسول الله قي يقول: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" 2.
وفيه دليلٌ: أنَّ قولَه هذا كان بعد نزول آية الجزية، وأنَّهم علموا الحكم في أهل الكتاب، فأمرهم أن يمضوا في هؤلاء على سُنة أولئك.
وأخذها عثمان - رضي الله عنه - من مجوس البربر 3.
وقد اختُلفَ في استرقاق العرب، فأجازه ابنُ القاسم، ويجوز على قول مالك؛ لأنَّهما يريان أخذَ الجزية منهم 4.
ومن أجاز أن يبقى على الكفر مع الجزية جاز أن يُسترق مع الكفر، وعلى قول ابن وهب: لا يسترقون إن أسلموا، وإلا قتلوا 5.
وهو قول مالك والشافعي 1، وأبي حنيفة 2.
وقال مالك: الفرازنة -وهم جنس من الحبشة- لا يقاتلون حتى يدعوا 3.
وقال ابن القاسم في الترك مثل ذلك، فأباح قتالهما إذا دعوا فأبوا 4.
وقال مالك في كتاب ابن شعبان: لا تقاتل الحبشة، إلا أن يخرجوا من غير ظلم.
وكذلك الترك 5.
وقال ابن القاسم: وأخبرني من أثق به من أهل المدينة عن حرملة بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "اْترُكُوا الحَبَشَةَ مَا ترَكُوكُمْ" 6.
وقال أبو إسحاق ابن شعبان: اتركوا الرابضين ما تركوكم؛ الحبشة والترك.
وقال سحنون: قيل لمالك: أبلغك أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "ذروا الحبشة ما وذروكم؟ ". قال: أمّا عن النَّبي - صلي الله عليه وسلم - فلا، ولكن لم أزل أسمع أنَّ ذلك يقال، ولم يزل الناس يغزون الروم وغيرهم، وتركوا هؤلاء، فما أُراهم تركوا قتالهم إلا لأمر 7.
فصل [فيمن تؤخد منه الجزية]
والجزيةُ تقبل ممَّن كان تحت قهر المسلمين.
إمَّا معهم في بلدٍ أو بالقرب، ولا تُقبل ممَّن بَعُدَ إلا أن ينتقلوا إلى قرب المسلمين، بحيث لا يخاف أن يعودوا إلى الامتناع، وإن خُشي ذلك منهم مع قرب مدينتهم لم يُقبل، إلا أن يهدم سورهم، أو ما يرى أنهم لا يمتنعون بعده.
والجزيةُ على الرجال 1 الأحرار البالغين العقلاء، وساقطةٌ عن: النّساء، والصبيان، والمجانين، والعبيد.
والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29].
ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
فإنَّما خُوطب بها من توجّه عليه القتال، ومن لم يخاطب بالقتال لم يدخل في الآية، وهم: النساء، والصبيان، والمجانين؛ لنهي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان 2.
ولم يدخل في ذلك العبيد؛ لأن الخطاب تضمَّن من يبقى على حاله من الحرّية 3، فلا يباح بقتالٍ ولا غيره، ولا يجتمع الرَّقُّ والجزية.
قال مالك: في كتاب ابن حبيب: لا تؤخذ من الرُّهْبان المنهي عن قتلهم، من اعتزل في الصوامع والديارات 4.
قال مطرف وابن الماجشون (1): وهذا في مبتدأ حملها، فأما من ترهب بعد أن ضربت عليه؛ فلا تزول عنه (2). قال مالك: وأما رهبان الكنائس؛ فلم ينه عن قتلهم, ولا توضع الجزية عنهم (3).
فصل [في مقدار ما يفرض من الجزية]
وأما قدرها، فقال مالك في كتاب محمد: جزية الجماجم على ما فرض عمر - رضي الله عنه - على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورق: أربعون درهما، ولا يزاد، وإن كثر يسرهم 4.
واختلف هل ينقص الفقير، فقال محمد: روى أصبغ عن ابن القاسم، أنه قال: لا ينقص.
وأباه أصبغ إذا كان منهم من لا يحمل ذلك لإقلاله، قال: وكتب عمر - رضي الله عنه - أن خففوا عن محتاجهم، ثم إن احتاجوا فاطرحوها عنهم، ثم إن 5 احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال 6.
وقال 7 ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا تؤخذ الجزية من الفقير 8.123
وهو أحسنُ للحديث أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذا - رضي الله عنه - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا.
يريد: محتلمًا 1.
وأمر عمر - رضي الله عنه - بأربعة دنانير، فثبت أنّها تختلف باختلاف حالهم من الغنى والفقر.
وإنَّما لم يَرَ مالك أَنْ يزاد على ما فعل عمر - رضي الله عنه -، أنَّه فرض مع الدنانير أرزاق المسلمين مُدَّين من الحنطة على كل نفس في الشهر، مع ثلاثة أقساط زيتٍ ممن كان بالشام 2 والجزيرة.
وعلى من كان من أهل مصر إردب من حنطة في كلّ شهر، قال: ولا أدري كم من الوَدَك 3 والعسل، وعليهم من الكسوة التي كان عمر يكسو النَّاس، وعليهم 4 أن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام.
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا 5 كلَّ شهر على كلّ رجل مع كسوة معروفة، ولا أدري كم كان قدرها، كان عمر يكسوها النَّاس، وأربعة دنانير يسدُّ به 6 فيما كان عليهم من الطعام والإدام والكسوة والضيافة 7.
فإن زيد اليوم عليهم من الذهب والورق ما بينهم وبين ما كان عليهم من سوى العين؛ لم يخرج فاعله من قضاء عمر.
وقال مالك: أرى أن يوضع اليوم عنهم من الضيافة والأرزاق لما أحدث عليهم من الجور 1.
ولا أرى أن يوضع عنهم اليوم بالمغرب؛ لأنه لا جور عليهم.
وكل 2 هذا فيمن استحيى من أهل العنوة أو حربي قدم ليقيم، ويكون ذمة.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أقبل من العدو إلى بلاد الإسلام فسكنها: تُضرب عليه الجزيةُ، وهو بالخيار: إن شاء أقام على الجزية، وإن شاء رجع إلى بلده، قال ابن القاسم خيره 3: وأنا أستحسن ذلك.
قال محمد: إنما يكون بالخيار قبل أن يلتزم الجزية، فأما إن اختار الجزية، وألزم نفسه ذمة الإسلام- لم يمكَّن من الرجوع 4.
قال 5: وكذلك العبد النَّصراني يعتقه النَّصراني، فتلزمه الجزيةُ كما تلزم مولاه.
وليس له الخروج من ذلك، كما ليس ذلك للذي أعتقه، وإن أعتقه مسلم لم تكن عليه جزيةٌ، وليس له الرُّجوعُ إلى دار الكفر 6. يريد: خوفًا من أن يخبر بثغرة تكون في بلاد الإسلام.
ولو أراد الذمّي أن ينتقل بعد ضرب الجزية إلى بلد آخر من بلاد المسلمين، تكون له ذمة بالبلد الآخر، وتضرب عليه الجزية لم يمنع.
[باب] (1) في فداء الأسارى وفي وجوبه، وعلى من يجب، وما يجوز الفداء به
2
قال مالك في العتبية: يجب على المسلمين فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون- فذلك عليهم 3.
يريد أن القتال لاستنقاذهم واجب؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
فإذا رضوا بالفداء وأخذ المال كان واجبًا؛ لأنَّ بذل النفوس في القتال لاستنقاذهم أعظم من بذل المال.
وأرى أن يبتدأ بمال الأسير، فإن لم يكن فبيت المال، فإن لم يكن، أو كان لا يتوصل إلى الفداء منها فمن الزكوات على المستحسن من المذهب، فإن لم تكن فعلى جميع المسلمين على قدر الأموال إذا كان ما يفدى به لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدوا بجميعها.
واختلف إذا لم يقبلوا في الفداء إلا الخيل والسّلاح أو الخمر والخنزير والميتة: فقال أشهب: يفدى بالخيل والسّلاح، ولا يفدى بالخمر ولا الخنزير1