التبصرة للخميصفحات 124-163

كتاب الطهارة

صفحات 124-163

فصل [في التدليكـ للمغتسل والمتوضئ]

وعلى المغتسل والمتوضئ أن يمر اليد مع الماء في حين غسله ووضوئه، فإن انغمس في الماء في حين غسله، أو صبّ الماء على مواضع الوضوء، أو غمسها في الماء، ولم يمر اليد مع ذلك، لم يجز الغسل ولا الوضوء عند مالك (1). وقال أبو الفرج: إنما يُخرّج ذلك عندي -والله أعلم- أنه لما (2) كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابّه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المبالغة المأمور به وجب لذلك عليهما أن يمرا أيديهما، فأما إن طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبِّه عليه من غير أن يمر يده على بدنه (3)، فإنه ينوب له عن إمرار اليد.
وإلى هذا المعنى ذهب مالك، والله أعلم.
وذكر الطبري في "جامع البيان" في موضع غسل الرجلين أن الغسل يقع على ما لم تمر عليه اليدُ (4).

فصل [أحكام الغسل وعلى من يجب]

الغسل ثلاثة: فرض، وسنة، وفضيلة.
فالفرض: غُسل الجنب، والحائض، والنفساء، والكافر يُسلم.1234

والسنة: غسل الجمعة، والعيدين، وقيل في غسل العيدين: إنه مستحب.
والفضيلة: الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة.
والأصل في الغسل للجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]، وفي الحائض قوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وتدخل النفساء 1 في ذلك؛ لأن دم النفاس حيض، وإن كانت الولادة ولم تر دمًا لم يكن عليها غسل، واستحب مالك الغسل وقال: لا يأتي من الغسل إلا خير.
وأما الكافر يسلم بعد البلوغ فيغتسل لأنه جنب 2، وفي الجمعة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ جَاءَ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" 3، وفي العيدين قوله في الجمعة: "هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا" 4، فإذا جُعل الغسل للجمعة لأنه عيد، كان

الغسل للعيد مثله.
والغسل للعمرة والحج مذكور في كتاب الحج.
والغسل يجب على الرجل بوجهين: بالوطء إذا غابت الحشفة وإن لم يكن إنزال، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، في يقظة كان أو نوم، ويجب على المرأة بأربع: بمغيب الحشفة من الرجل وإن لم ينزل، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، وبالحيض والنفاس 1. واختلف في أربع مسائل: أحدها: إذا وطئ ولم ينزل، فاغتسل فأنزل بعد ذلك.
والثاني: إذا لاعب أو قبّل أو تذكر ولم ينزل، ثم أنزل بعد ذلك لغير لذة.
والثالث: إذا أنزل من إِبْرِدّة أو ضرب أو لدغ عقرب.
والرابع: إذا أنزل عن حكةٍ أو ماء سخن.
فاختلف في هؤلاء على أربعة أقوال: فقيل: يجب الغسل وقيل: لا غسل عليهم.
وقيل: يجب على من لامس أو لاعب؛ لأنه مني لم يغتسل منه، ويسقط عمن جامع.
قال محمد: لأنها جنابة قد اغتسل منها 2. بخلاف من تذكر ثم أنزل فإنه يغتسل لأنها جنابة لم يغتسل منها.
واختلف -بعد القول أن لا غسل في ذلك- في وجوب الوضوء، وفي إعادة الصلاة، فقال مالك في "المجموعة" في سماع ابن القاسم: ليس في ذلك إلا الوضوء ويعيد الصلاة.

وقال ابن القاسم عند محمد: إذا وطئ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل- أنه يتوضأ ولا غسل عليه 1. وقاله سحنون، ثم قال: يغتسل ثانية، قال: وقال بعض أصحابنا: يعيد الغسل والصلاة، وقال آخرون: يعيد الغسل ولا يعيد الصلاة 2. وقال مالك في "المجموعة" فيمن لاعب فوجد اللذة ثم صلى ثم أنزل: يغتسل ويعيد الصلاة.
وقاله ابن كنانة 3. وقال ابن القاسم: لا يغتسل، وليس بالقوي.
ثم قال: يغتسل.
وقال أصبغ عند محمد: يغتسل ويعيد الصلاة؛ لأنه لم ينزل إلا وقد خرج وصار إلى قناة الذكر وما والاها.
وفي كتاب "التفريع": الوضوء استحباب 4. وقال ابن سحنون فيمن لُدغ أو ضرب أسواطًا فأنزل: لا غسل عليه.
قال: وإنما يكون الغسل في الماء الذي يخرج باللذة.
وذكر ابن شعبان في ذلك قولين، واختار الغسل 5. قال: واختلف إذا كانت به حكّة في بدنه فحكها، أو نزل في الماء السخن فأنزل، وليس هذا بحسن؛ لأنه عن لذة أنزل، وأما مع عدم اللذة فيحسن الخلاف.

فوجه القول بوجوب الغسل على جميع من تقدم ذكره حمل الآية على عمومها في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، ووجه القول بسقوط الغسل حمل الآية على الإنزال المعتاد، والمعتاد مقارنة اللذة، وغير ذلك نادر، وليس الشأن نزول القرآن على ما يكون نادرًا، ولم يلحقه بحكمه؛ لأنه أنقص رتبة، وأما تفرقة محمد بين من اغتسل ومن لم يغتسل فلا وجه لها؛ لأن المخالطة بانفرادها توجب الغسل، والإنزال بانفراده مع عدم الوطء يوجب الغسل، فاغتسل أولًا للمخالطة ويغتسل الآن للإنزال.
وأرى إذا سقط الغسل ألا يسقط الوضوء، ويكون له حكم المذْي، وإنما لم يوجب الوضوء عليه في القول الآخر؛ لأنه رآه بمنزلة المذي يخرج سَلَسًا.
ومغيب الحَشَفَة يوجب الغسل، وقد عُبّر عن ذلك بـ "التقاء الختانين" 1 والمراد المقابلة، كقوله: التقى الرجلان والفارسان، وليس يصح اجتماعهما إلا عند الإصابة, وإذا تقابل الختانان جاوزت الحشفة موضع افتضاض المرأة، فإن غاب بعض الحشفة لم يجب الغسل.
والدبر والقبل في ذلك سواء يجب الغسل عليه وعليها، وهذا إذا كانا بالغين.
واختلف في غسلها إذا كانت غير بالغ والآخر بالغًا، فقال محمد بن سحنون: تغتسل، وإن كانت صلت بغير غسل أعادت، قاله أشهب.
وفي مختصر الوقار 2: لا غسل عليها.
وهذا هو الأصل لأنها غير مخاطبة إلا بالبلوغ، والأول أحسن لتتعلم

وجه ذلك، ولئلا تتهاون بمثل ذلك بعد البلوغ.
واختُلف أيضًا في غسلهما إذا كانت بالغة وهو غير بالغ، فأما الصبي فالخلاف فيه على ما تقدم فيها إذا كانت غير بالغة، وأما المرأة فقال في كتاب "العدة" من "المدونة": لا غسل عليها من وطئه إلا أن تلتذ (1)؛ لأن التذاذ المرأة بعض إنزالها، وقال أصبغ، عند ابن حبيب: تغتسل (2). وهذا أيضًا على وجه الاحتياط والحماية؛ لئلا تعتاد ترك الاغتسال.

فصل الشكـ في الجنابة

ومن شكّ، هل أجنب أو لا؟ اغتسل.
ويختلف: هل ذلك واجب، أو استحباب؟ حسبما تقدم إذا أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فإن اغتسل ثم تذكر أنّه كان جنبًا أجزأه غسله، وذلك أنه بمنزلة من شكّ هل أحدث أم لا فتوضأ ثم ذكر أنه كان محدثًا، وبمنزلة من شكّ في الظهر فصلاها ثم تذى أنه لم يكن صلاها، فإن صلاته تلك تجزئه، فإن قال: أنا أتخوف أن أكون أجنبت، وليس بشك عنده، إلا أنه يقول: يمكن أن يكون ونسيت- لم يكن عليه غسل، فإن 3 اغتسل ثم تذكر أنه كان أجنب اغتسل، ولم يجزئه الغسل الأول فإن وجد بللًا فقال: لا أدري هل ذلك مني أو مذي 4، وأيقن أنه ليس بعرق، فوقف مالك فيه في "المجموعة" وقال: لا أدري.
وقال ابن نافع: يغتسل 5،12

وعلى قول ابن حبيب لا يغتسل، وهو بمنزلة من وجد حسًا وقال: لا أدري هل هو ريح أم لا، والغسل أحوط.
وإن 1 أيقن أنه مني، وشك متى حدث فإنه يغتسل، ويختلف فيما يعيده من الصلوات، فقال مالك في "الموطأ": يعيد من أحدث نوم نام فيه.
وقال في كتاب ابن حبيب: إلا أن يكون يلبسه ولا ينزعه فإنه يعيد من أول نوم نام فيه 2. وقال ابن القاسم في المرأة تجد في ثوبها دم حيضة ولا تدري متى أصابها ولا هل أصابها أم لا -فإنه إن كان لا يفارقها ليلًا ولا نهارًا تبيت فيه ويلي جسدها- فتغتسل وتعيد كل صلاة صلتها من يوم لبسته، وتعيد الصيام الواجب إن كانت صامت فيه، وإن كانت تلبسه وتنزعه وتلبسه المرة بعد المرة أو تنزعه بالليل فلا تنام فيه وتلبسه بالنهار، فتنظر إلى أحدث لبسة لبستها فتغتسل 3، وتعيد ما صلت فيه، وهي بمنزلة الذي يجد في ثوبه احتلامًا لا يدري متى أصابه 4. وقال ابن حبيب: إنما تعيد صوم يوم واحد؛ لأنه دم حيضة انقطع مكانه، فصارت كالجنب 5. قال الشيخ -رحمه الله-: أما التفرقة بين من ينزع ذلك في النهار وبين من لا

ينزعه، فلا وجه له 1؛ لأنه إنما يشك هل أصابه في الليل أو النهار 2 وفي كل تلك الليالي هو لابسه بل الذي لا ينزعه عنه 3 أولى بألا يعيد إلا لأحدث نومة؛ لأنه لو كان متقدمًا لم يخف عنه في تلك الأيام ويخفى عنه مثل ذلك إذا كانت تغيب 4 رؤيته له بالنهار، وهو في الحيض أبين إذا كانت لا تنزعه، لأن الدم لا يخفى إذا كان في الثوب.
وأرى أن يؤمر بإعادة الصلاه من أول نوم وليس بواجب، وأما الصوم فلا قضاء عليها إذا كانت تبيت فيه ثم تنزعه قبل طلوع الفجر، وإن كانت تنزعه بعد طلوع الفجر أو كان يكون عليها بالنهار فأرى أن تنظر إلى الدم، فإن كان نقطة أو موضعًا واحدًا ولا يشبه أن تكون إلا عن دفعة واحدة، لم تقض إلا صوم يوم، وإن كانت نقطًا أو مواضع وأمكن أن تكون تلك النقط والمواضع عن أيام- قضت بعدد ذلك ما لم يجاوز عددُها عادتَها في الحيض، ولا أرى أن تزيد على عادتها لأنه يمكن أن يكون جميع ذلك عن يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك.
وليست بمنزلة من زادت عادتها حقيقة.
ولو كان يكون عليها في النهار، وتتفقده ثم وجدته في موضع لو كان متقدمًا لم يخف عليها، لم تقض من الصلوات ولا من الصوم إلا من آخر نوم 5.

وقال مالك في النصرانية تحت المسلم: تجبر على الاغتسال من الحيضة؛ لأنه لا يجوز له أن يصيبها حتى تغتسل 1. وروى عنه أشهب أنها لا تجبر 2، فأما الجبر فلعموم قوله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]. وأما نفيه فحمل 3 الآية على الغالب من نساء المؤمنين وهن المسلمات؛ ولأن الاغتسال لا يصح إلا بنية ولا نية للنصرانية، ولقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾ [البقرة: 222]، والنصرانية غير داخلة فيمن يحبه الله، وليست من التوابين ولا من المتطهرين.

باب في وضوء الجنب والوضوء لقراءة القرآن، مس المصحف, والنية في الوضوء والجنابة, ومن اغتسل للجمعة هل يجزئه من الجنابة؟

ومن "المدونة" قال ابن القاسم: كان مالك يأمر الجنب ألا ينام حتى يتوضأ جميع وضوئه، غسل رجليه وغير ذلك 1. والأصل في ذلك حديث عمر - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" 2. واختلف في الحديث هل هو على الوجوب أو على الندب؟ واختلف في تعليله، فقال مالك في "المجموعة": هو شيء ألزمه الجنب ليس على وجه الخوف عليه، وجعله واجبًا.
وقال ابن الجهم: المعنى أنه كان حقه ألا ينام حتى يغتسل، فرخص له - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يصير إلى أخف الطهارتين خوف أن يدركه الموت وهو جنبٌ لم ينل شيئًا من الطهارة.
وقيل: إن 3 ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل.
فعلى القول: إن الوضوء ليبيت على إحدى الطهارتين إن أحدث قبل أن ينام أعاد الوضوء، ويتيمم عند عدم الماء، وهو قول ابن حبيب إنه يتيمم، وعلى القول أن ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل لا يعيد الوضوء 4. وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب، وعلى هذا إن عدم الماء لا يتيمم، فإن كان معه من الماء ما لا

يكفيه للغسل لم يتوضأ، ويحمل الحديث على الندب، ولا يجب الوضوء إلا للصلاة وما أشبهها مما يتعلق به قربة لله تعالى.
وفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَبِيتُ جُنُبًا لاَ يَمَسُّ مَاءً" 1. وفي البخاري ومسلم "أنَهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ" 2، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنها لم تكن هي تتوضأ لأنها لم تذكر أنها كانت تتوضأ، ولا أمرها بذلك، والجنابة تكون بينهما جميعًا.
وحديث البراء - رضي الله عنه - "أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يستحب ألا ينام الإنسان إلا على طهارة" 3، فاستحب للجنب ما يخف من ذلك وهو أدنى 4 الطهارتين.

فصل في أحكام الوضوء

والوضوء خمسة: فرض، وفضيلة، ومختلف فيه، هل هو واجب أو فضيلة، ومباح، وممنوع.
فالفرض: الوضوء للصلاة فرضها وسننها ونوافلها، ولسجود القرآن؛ لأن السجود بعض أركان الصلاة.
والفضيلة: ما زاد على الواحدة إلى الثلاث، وتجديد الطهارة لكل صلاة، والوضوء للنوم، ولقراءة القرآن، ولرد السلام، وللدعاء.
والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للبراء: "إِذَا آديْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوعَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ..." 1 الحديث.
وقال أبو الجهم: "أَقْبَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ".
أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 2. فالوضوء لتلاوة القرآن أولى منه لرد السلام، وفي كتاب مسلم أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - "سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَدْعُوَ لِعَمِّهِ أِبِي عَامِرٍ، فَدَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ وَدَعَا لَهُ" (1). والثالث، واختلف فيه هل هو واجب أو فضيلة، وقد تقدّم.
واختلف أيضًا في الوضوء لمس المصحف هل هو واجب أو مندوب إليه.
والمباح: الوضوء للدخول على الأمير، أو ليكون على طهارة لا يريد به صلاة (2). والممنوع: ما زاد على الثلاث، إلا أن يصلي به ثم يريد صلاة أخرى وهو على طهارة، فيجوز له أن يجدد طهارته أيضًا.

فصل [فيمن له مس المصحف]

ولا يمس المصحف إلا طاهر؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ [الواقعة: 79]، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: "لاَ يَمَسُّ القُرْآنَ إِلاَّ طَاهِر" 3. واختلف في معنى الآية فقيل: هو خبر عن مس الملائكة كقوله سبحانه: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)﴾ [عبس: 13 - 16]، وقيل: يصح حمل الآية على النهي لنا وإن كان لفظه لفظ الخبر، كقوله سبحانه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، والحكم في كتابة المصحف كالحكم في مسّه.12

فصل [في اختلاف نية الوضوء بين الفضيلة ورفع الحديث]

واختلف فيمن توضأ للفضيلة ثم تبين أنه على غير وضوء هل يستبيح به الصلاة؟.
فمنع من ذلك سحنون ومحمد بن عبد الحكم، ولمالك في مثله أنه يصلي به.
ورأى أشهب أنه إن فعل وصلى به أجزأه ولا يصلي به فيما يستقبل.
وقيل فيمن توضأ للصبح 1 ونسي أن يمسح بوأسه ثم توضأ للظهر 2 للفضيلة وصلى الظهر ثم ذكر أنه نسي مسح رأسه: يعيد الصلاتين جميعًا ولا يجزئه الوضوء في 3 الثاني.
وقيل: يجزئه وله أن يصلى به الصبح.
وقال أشهب: يجزئه للظهر ويتوضأ للصبح.
فأمضى الظهر؛ لأنها طهارة على قول، مراعاة للخلاف، وأمره أن يمسح رأسه لما لم يصل ليأتي بها على وجهٍ مجمع عليه.
واختلف أيضًا إذا توضأ للنوم، وللدخول على الأمير- هل يرتفع حكم الحدث فيصلي به، فقال مالك في كتاب 4 أشهب فيمن توضأ يريد الطهر ولا يريد به الصلاة: إنه يصلي به.
قال: وربما أرسل إليّ الأمير فأتوضأ أريد به الطهر ثم أصلي به 5.

وقال ابن حبيب: إذا توضأ للنوم فله أن يصلي به (1). وخالف أبو محمد عبد الوهاب في جميع ذلك ورأى أن من تطهر لما يصح فعله بغير وضوء لا يصلي به، ولا يرفع حكم الحدث (2). وقول مالك أحسن؛ للحديث المتقدم أنه تيمم لرد السلام وتوضأ لدعاء (3)، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك إلا لينتقل عن الحكم قبل التيمم وقبل الوضوء، وكذلك الوضوء للنوم لو كان لا تأثير له لم يأمر به، ولا أرى أن يجزئه إذا اغتسل للجمعة عن الجنابة؛ لأن القصد به التنظف، ولا إذا توضأ للفضيلة؛ لأنه لم ينو به رفع (4) الحدث.

فصل [في نية الطهارة لصلاة هل تجزئ عن غيرها؟]

قال الشيخ 5 أبو الحسن ابن القصار: من نوى الطهارة لصلاة هل يصلي بها غيرها؟ قال: يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: إنه لا ترتفع الطهارة فإنه يصلي بها التي نوى وغيرها؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء ولا ترتفع.
وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بذلك الوضوء الصلاة التي نواها وبطل ما بعد ذلك، فلا يصلي به صلاة أخرى؛ لأنه لا يصلي وقد رفع من1234

صلاته النية (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ويلزم على هذا إذا اغتسل من الجنابة ينوي استباحة صلاة واحدة، فإنه لا يصلي به إلا تلك الصلاة على أحد القولين.

فصل النية في الوضوء والغسل

الوضوء والغسل عبادتان يفتقران إلى نية، كالصلاة والصيام، ومن فعل ذلك لتبرُّدٍ أو لسباحة لم تجزئه؛ لأنه لم يتقرب إلى الله سبحانه؛ ولأن امتثال أوامره يتعلق بها الثواب والمخالفة يتعلق بها الإثم والعقاب إن شاء، ولا يكون ممتثلًا منقادًا لأمر الله -عز وجل- إلا بنية لذلك الفعل، فيثاب لامتثال أمره وانقياده له، ويكون قد أطاعه في أمره.
وأجاز ابن القاسم إذا لم تكن النية مقارنة للوضوء والغسل وقرب ما بينهما، فقال فيمن دخل الحمام ليغتسل من الجنابة فخرج للطهور فتطهر وهو ناسٍ- يجزئه 2. قال: وكذلك الذي يأتي النهر ليغتسل فيه فاغتسل وهو ناسٍ للجنابة، وقال سحنون: يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام 3. وهو أبن، إلا أن يكون دخل قاصدًا للطهور ولم يشتغل بغيره.
وإذا أقام في الحمام حسب العادة، ثم اغتسل ناسيًا لم يجزئه، لبعد ما بين النية والفعل؛ ولأن العادة في مثل ذلك الاغتسال عند الخروج لو لم يكن جنبًا،1

وعلى قوله: تجزئه الصلاة إذا لم تكن النية مقارنة للفعل 1. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا تجزئه الصلاة إلا أن تكون مقارنة للدخول فيها 2، وعلى قوله: لا يجزئه الاغتسال إلا أن تكون النية مقارنة للفعل.
فصل 3 والنية في الوضوء تجزئ عن الغسل، وفي الغسل تجزئ عن الوضوء؛ لأن كليهما فرض.
ولو توضأ ثم تذكر أنه جنب، أجزأه أن يبني على المغسول من وضوئه.
ومن اغتسل ثم تذكر أنه غير جنب أجزأه من الوضوء.
وإن أجنبت امرأة، ثم حاضت ثم طهرت اغتسلت غسلًا واحدًا تنويهما جميعًا، وإن نوت الحيضة أجزأها عن الجنابة 4. واختلف إذا نوت الجنابة، فقال ابن القاسم في سماعه: إنه يجزئها، وقال ابن سحنون عن أبيه: إنه لا يجزئها.
وأرى أن حكم الجنابة سقط بدخول الحيض 5. والقول الأول أحسن، وهي جنب حائض ويستحب لها أن تنوي الغسل عنهما جميعًا، وقد قال الحسن وعطاء والنخعي: عليها غسلان.
واختلف في الغسلين جنابة وجمعة هل يجزئ أحدهما عن الآخر فقال في "المدونة" 6: لا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة 7.

وقال ابن حبيب: أجمع مالك وأصحابه على 1 أن غسل الجنابة لا يجزئ عن غسل الجمعة، وإن نوى الجمعة ونسي الجنابة أجزأه 2. وروى ذلك مطرّف وابن الماجشون وابن كنانة وابن نافع وابن وهب وأشهب عن مالك وأفتوا به.
وروى ابن القاسم: أنه لا يجزئه 3. ولمالك في "المبسوط" فيمن اغتسل للجنابة أنه يجزئه عن غسل الجمعة.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه غسل الجنابة عن الجمعة ولا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة؛ لأنه تطوع وللتنظف.
وهو أحسن، والوجه فيه كما قال.
واختلف إذا اغتسل غسلًا واحدًا ينوي به الجنابة والجمعة، فقال مالك في "كتاب الصلاة الثاني" لا بأس بذلك.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: لا يجزئه عن واحد منهما 4. قال: ويحتمل أن يجزئه عن جمعته ولا يجزئه عن جنابته.
وقال مالك فيمن اغتسل للعيد والجمعة: لم يجزئ عن الجمعة 5. وهذا صحيح على أصله؛ لأن شرط غسل، الجمعة عنده أن يكون متصلًا بالرواح.
ويجوز على قول ابن وهب 6.

باب في إمامة الجنب ومن هو على غير وضوء

وقال مالك في الجنب يؤم وهو ناس لجنابته: فصلاة من ائتم به جائزة 1. وقال ابن الجهم: إن قرءوا خلفه أجزأتهم صلاتهم، وإن لم يقرءوا لم تجزئهم.
ويجري فيه قول ثالث: إنها لا تجزئهم، وإن قرءوا قياسًا على أحد قولي ابن القاسم: إذا أمّ وعليه صلاة ثم ذكرها وهو في الصلاة أنهم يعيدون.
قال: وإنما هم بمنزلته يجب عليهم ما يجب عليه 2. فجعل صلاتهم متعلقة بصلاته وإن لم يتعمد، ففي الجنب أحرى أن تجب عليهم الإعادة؛ لأنه لا يحتسب بها بحال.
والآخر: تجزئه إذا ذهب الوقت.
وقال مالك فيمن ذكر أنه جنب بعد أن صلى بهم ركعة: يستخلف من يتم بهم 3. وعلى قول ابن الجهم: إن قرءوا صح أن يبنوا على ما صلى بهم، وإن لم يقرؤوا قطعوا.
وعلى القول في الناسي لصلاة: يقطعون؛ لأنهم كانوا مأمورين بالإعادة بعد الفراغ، وأنها لا تجزئهم فيقطعون الآن 4.

وإذا كان ذاكرًا أو هم عالمون وهو ناس لم تجزئهم.
وقال مالك في الإمام ينسى تكبيرة الإحرام: إن صلاة من ائتم به غير جائزة 1. وهذا موافق لقول ابن القاسم 2: إنه يجب عليهم ما يجب عليه، وعلى قوله في الجنب: يجزئ هؤلاء الآخرين 3 صلاتهم وإن لم يكبر إمامهم 4. وكل هذا يقضي بالخلاف في صلاة المأموم هل تفسد بفساد صلاة الإمام إذا لم يتعمد؟ وإن تعمد لم تجز بلا خلاف.
واختلف إذا كانت صلاته صحيحة ثم قطعها متعمدًا و 5 خرج، فقال ابن القاسم: أفسد على من خلفه 6. وقال أشهب: لا يفسد عليهم إلا أن يعلمهم بعد ذلك.
ويختلف في صلاة الجنب بهم الجمعة 7 وهو غير ذاكر، فقال مالك: تجزئهم الجمعة 8. وعلى قول ابن الجهم لا تجزئهم وإن قرءوا خلفه؛ لأن من شرطها الإمام، فكأنهم صلوا أفذاذًا.
وإذا كان في ثوبه نجاسة فلم يذكر حتى سلم أعاد في الوقت 9، ويختلف في إعادتهم حسب ما تقدم.

وإن ذكر بعد ركعة كان حكم الإمام على حكم الفذ، فقيل: يقطع، وقيل: إن خف نَزْعُهُ نَزَعَه وأتم، وإن كان لا يخف نزعه قطع 1. وقيل: يتمادى إذا لم يخف نزعه، فإذا كان حكمه التمادي أتم من خلفه أيضًا.
وعلى القول إنه يقطع يختلف فيهم، فيصح أن يقال: إنهم يقطعون؛ لوجهين: أحدهما: أنهم 2 بمنزلته يفسد عليهم ما يفسد عليه.
والثاني: أن قطع الإمام فيه ضرب من العمد لما كان تماديه يجزئه على أحد القولين.
ويصح أن يقال: يتمون كالجنب.
وإن لم يذكر الإمام ورأى ذلك من خلفه، فإن كان قريبًا منه سبح به وأراه إياه 3. قال ابن حبيب: وله أن يدنو منه ويخبره متكلمًا، فإن استخلف بنى الذي كلمه لأنه كلمه لإصلاح الصلاة.
وقال سحنون: إذا كان بينه وبين الإمام صفوف فلا بأس أن يخبره متكلمًا، ويبتدئ الذي أخبره، وإن أخبره بإشارة بنى المخبر إذا لم يعمل خلفه عملًا بعد علمه بالنجاسة، يريد يخرج من إمامته ويتم على حكم صلاته 4.

باب في الصلاة بالثوب النجس عند عدم الطاهر أو بثوب حرير

ٍ وقال مالك فيمن معه ثوب نجس، وليس معه غيره: يصلي به، ويعيد إن وجد غيره في الوقت 1. قال محمد: والوقت: في الظهر والعصر إلى غروب الشمس.
وهذا على أحد قوليه فيمن صلى به ناسيًا أنه يعيد إلى الوقت الضروري وهو غروب الشمس، وعلى القول الآخر يعيد ما لم تصفرّ الشمس.
والعادم أعذر من الواجد الناسي.
وإن لم يجد إلا ثوب حرير صلى به ولم يصل بالثوب النجس 2. وقال ابن القاسم: إن كان معه ثوبان نجس وحرير طاهر صلى في الحرير وأعاد في الوقت 3. وقال أصبغ في كتاب محمد: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة عليه 4. واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال أشهب في كتاب محمد: يصلي عريانًا أحب إلي 5. وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، وهذا خلاف قوله في "المدونة" في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان

غيره نجسًا.
وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر، والنهي لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أَبَاحَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِبَاسَهُ لِمَنْ بِهِ حِكَّةٌ 1، فهو في ستر العورة في الصلاة أعذر.
واختلف أيضًا فيمق صلى به مختارًا، فقال أشهب: يعيد ما دام في الوقت 2؛ لأنه بمنزلة من صلى عريانًا.
وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا 3. واتفقا إذا كان عليه ما يستره ألا إعادة عليه 4. وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه وإن كان متعمدًا ولا شيء عليه غيره، وليس كالعريان؛ لأن المرأة تصلي في ثوب حرير فيجزئها، وإنما هو عاصٍ بمنزلة المصلي في ثوب غصب، فإن صلاته تجزئ 5.

باب في صلاة الحقن (1) ومن به قرقرة أو غثيان (2) أو دهمه هم

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" أخرجه مسلم 3. يريد في الطعام إذا كان جائعًا تتعلق 4 نفسه به، فإن لم يكن كذلك جاز له البداية بالصلاة؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضّأ 5. وصلاة من حضره الطعام على أربعة أوجه: فإن لم يكن متعلق النفس به جاز أن يبدأ بالصلاة.
وإن كان متعلق النفس به ولا يعجله عن الصلاة استحب له البداية بالطعام 6، وإن لم يفعل فلا بأس، وإن كان يعجله فيستحب له الإعادة ما لم يذهب الوقت، وإذا شَغَل خواطره 7 ولم يدر كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت 8.12

وكذلك من به حقن أو قرقرة 1 أو غثيان أو نزل به ما يهمه 2، فإن كان ذلك بالشيء الخفيف استحب له البداية بما يذهب ذلك، فإن لم يفعل وصلى به مضت صلاته، وإن أعجله ذلك، وهو يقيم حدودها ويشغل قلبه بالأمر الخفيف، إلا أنه زائد على المعتاد له، استحب له الإعادة ما دام في الوقت، وإن شغل ذلك نفسه حتى لا يعرف كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت، وإن أم 3 من نزل به ذلك أعاد وأعادوا 4 وإن ذهب الوقت؛ لأنه بمنزلة من أفسد صلاته متعمدًا 5.

باب الصلاة في ثوب الكافر ومن لا يتوقى النجاسة من المسلمين، ومن ابتاع ثوبًا لبيسًا هل يصلي فيه قبل غسله؟

قال مالك في المدونة 1: ولا يصلَّى بثياب أهل الذمة التي لبسوها، ولا بأس بما نسجوا، مضى الصالحون على ذلك، ولا يصلَّى بخفي النصراني اللذين لبسهما 2. فمنع ما لبسوه لأنهم لا يتوقون النجاسة، وقد كان القياس فيما صنعوه مثل ذلك لأنهم يستعملونه في مياههم؛ وهو يقول: لا يتوضأ بسؤر يده 3. وقد قال في "العتبية" نسجوه: أنهم يبلون الخمر ويحركونه 4 بأيديهم فيسقون الثياب قبل أن تنسج، وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس به؛ لم يزل الناس على ذلك 5. فسلم ذلك العمل.
وأما ما يلبسه المسلم فإن علم بائعه أنه ممن يصلي، فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كان ممن لا يصلي لم يصل به حتى يغسله، وإن لم يعلم بائعه فينظر إلى الأشبه ممن يلبس مثل ذلك، وإن شك فيه فالاحتياط بالغسل أفضل.
وهذا في القمص وما أشبهها، وأما ما يستعمل للرأس من منديل أو عمامة فالأمر فيه أخف؛ لأن الغالب سلامته من النجاسة، كان البائع له ممن يصلي أم

لا، إلا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلي فيه حتى يغسله، وأما ما يلبس في الوسط فلا أرى أن يصلي فيه حتى يغسله، كان البائع له ممن يصلي أو لا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يحسن الاستبراء من البول، وإن كان لا يتعمد الصلاة بالنجاسة.
وأما ما ينام فيه فلا يصلي فيه حتى يغسله، كان بائعه من كان؛ لأن الشأن قلة التحفظ لوصول النجاسة إليه.
ومحمل قُمُص النساء على غير الطهارة؛ لأن الكثير منهن لا يصلين، إلا أن يعلم أنه كان لمن تصلِّي منهن.
ومن باع ثوبًا جديدًا وفيه نجاسة ولم يبين كان ذلك عيبًا فيه؛ لأن المشتري يجب أن يستمتع به جديدًا قبل غسله.

باب في اغتسال النصراني يسلم

قال مالك: وعلى النصراني إذا أسلم أن يغتسل.
قال ابن القاسم: لأنه جنب فإذا أسلم اغتسل، وإن لم يجد الماء تيمم، وإن أدرك الماء اغتسل 1. وقال إسماعيل القاضي: لا غسل عليه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
وليس بحسن؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله من السيئات، ولو كان الأمر على ما قال لوجب ألا يتوضأ حتى يحدث بعد الإسلام؛ لأن الطهارة تجب للصلاة؛ فالغسل لمن أجنب والوضوء لمن أحدث.
فإذا لم يحتسب بالجنابة المتقدمة لم يحتسب بالحدث، ومن لم تتقدم له جنابة قبل الإسلام اغتسل للتنظف مما يكون بجسده من النجاسة، وإن لم يجد الماء تيمّم 2، فإن كان حديث عهد بالاغتسال أو التنظف لم يكن عليه شيء وإن كان الماء موجودًا.
وما روي في الحديث من اغتسال ثمامة 3 فإن محمله أنه كان للجنابة؛ لأنها

الغالب من الرجل المتزوج وغيره.
وقال ابن القاسم: إن اغتسل قبل أن يسلم وكان قد أجمع على الإسلام فإنه يجزئه 1. يريد أنه وقع في قلبه المعرفة فإذا عرف الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان مسلمًا كان لم ينطق بذلك إذا كانت نيته أنه ينطق به، ليس أن يجحد الإقرار به.
ولو اغتسل للإسلام ولم ينو به جنابة وإنما يعتقد التنظف وزوال الأوساخ 2 لم يجزه من غسل الجنابة.
ولو أسلمت امرأة ولم يتقدم لها احتلام ولا أصابها زوج ولا حاضت لم يجب عليها اغتسال، إلا أن يكون بجسدها نجاسة فتزيلها، وإن كانت جنبًا من احتلام أو زوج اغتسلت، وكذلك إذا أسلمت وهي حائض فإذا طهرت اغتسلت.
= والسير، برقم (1764). والرواية الثانية أخرجها أحمد في مسنده، برقم (8024)، وابن خزيمة في صحيحه: 1/ 125، في باب الأمر بالاغتسال إذا أسلم الكافر، من كتاب الوضوء، برقم (253) ولفظ أحمد: (عن أبي هريرة أن ثمامة بن أثال أو أثالة أسلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل".

باب في الرعاف

الرعاف 1 أربعة: يسير يذهبه الفتل 2، وكثير لا يذهبه الفتل، ولا يرجو صاحبه انقطاعه متى خرج يغسله لعادة علمها من نفسه.
فهذان لا يخرج 3 من الصلاة لهما، يفتل هذا ويكف الآخر ما استطاع ويمضي في صلاته.
وكثير يرجو انقطاعه متى غسله، فهذا يخرج لغسله ويعود.
وكثير يذهبه الفتل لثخانته 4، واختلف فيه هل يفتله ويمضى في صلاته أو يخرج لغسله؟ فقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب، فيغمس أصابعه في حصى 5 المسجد ويردها ثم يمضِي في صلاته.
وقال مالك في "المبسوط": إذا خرج من أنف المصلي دم ففتله، فإذا كان يسيرًا فلا بأس به، وإن كان كثيرًا فلا أحب ذلك حتى يغسل أثر الدم.
فراعى عبد الملك قدر النجاسة ولم يراع قدر الموضع وأنه لا يبقى إلا اليسير، وراعى مالك موضع النجاسة الذي حلت فيه وهو كثير.
وقال سعيد بن المسيب 6 في رجل رعف فلم ينقطع عنه الدم:

يوميء إيماءً 1. قال محمد بن مسلمة: هذا إذا كان الرعاف يضر به إذا سجد، مثل الأرمد ومثل 2 من يضر به السجود تضرب عليه 3 عيناه أو رأسه.
وقال عبد الملك بن حبيب: إذا كان يتلطخ بالدم إذا ركع أو سجد فإنه يوميء، وليس عليه أن يركع ولا يسجد 4 ولا يقوم ولا يقعد 5. وإذا خرج الراعف لغسل الدم جاز له أن يبني على ما كان صلى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم - أنهم خرجوا في الرعاف لغسل الدم، ثم بنوا على ما صلوا 6. وقال مالك: لو لم يكن في الرعاف إلا الرأي لرأيت أن يتكلم ويغسل الدم ثم يبتدئ؛ ولكن قد 7 جاء في ذلك عمن يقتدى به ما قد جاء 8. وقال أيضًا: أحب إلي أن يبتدئ.
= مخزوم بن يقظقع القرشي المخزومي، الإمام العلم المتوفى سنة 94 هـ، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين، رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدًا، وعائشة وأبا هريرة وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم.
انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5/ 119، وتاريخ البخاري: 3/ 510، والمعارف، لابن قتيبة، ص: 437، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 4/ 217.

ويجوز البناء للراعف إذا كان مأمومًا أو إمامًا 1، واختلف في الفذ، فأجاز مالك ومحمد بن مسلمة أن يبني 2. ومنعه عبد الملك بن حبيب 3، والأول أبين، وليس البناء لأجل فضل الجماعة.
واختلف أيضًا في الموضع الذي إذا عقده من الصلاة جاز له أن يخرج وهو في حكم الصلاة، وإذا رجع فيما يكون له أن يبني عليه من تلك الركعة، فقال مالك فيمن رعف في أول ركعة أو الثانية أو الثالثة: إما أن يخرج لغسل الدم، وهو في حكم الصلاة، ويلغي كل ركعة لم تتم بسجدتيها، فإن رعف في أول ركعة بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، فإنه يلغي ذلك ويحتسب بالإحرام.
وإن رعف في الثانية بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، ألغى جميع ذلك واحتسب بالركعة الأولى.
وقال أيضًا: فإن رعف في أول ركعة قطع، فإن رعف في الثانية لم يقطع 4. وقال ابن الماجشون مثل ذلك: إن رعف في الأولى قطع، وإن رعف في الثانية بنى على ما صلى منها.

وقال ابن حبيب: له أن يبني على صلاته، وإن رعف وهو مع الإمام في الأولى أو في الثانية وقد فرغ من قراءة تلك الركعة، فإذا رجع ركع، وإن لم يكن فرغ من القراءة قرأ من الموضع الذي كان انتهوا 1 إليه فأتمه 2 ثم ركع، وإن رعف وهو راكع ثم رفع تمت له تلك الركعة، ولا يرجع حين يرجع إلى الركوع ولكنه يبدأ فيخر ساجدًا 3. وكذلك لو رعف وهو ساجد و 4 رفع رأسه من سجوده برعافه، فهو تمام لها، فإذا رجع للبناء لم يعد لسجودها.
وإن رعف وقد تم تشهده ثم قام لرعافه فهو قيام من جلسته تلك، وإنما يرجع للقراءة.
وإن رعف في مبتدأ جلسته قبل أن يتشهد رجع إلى الجلوس والتشهد.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إن رعف في الأولى بعد الركوع أو بعد سجدة 5، فليأتنف 6. قال: وقال قبل ذلك: لو بنى على ما بقي منها لأجزأه 7. وهذا مثل قول ابن حبيب، وهو أبين.
واختلف إذا رعف في الأولى 8 من الجمعة قبل أن يكملها ثم أتى بعد أن

فرغ الإمام، فقال في "المدونة": يبتدئ الظهر أربعًا 1. وقال سحنون: يبني على إحرامه ظهرًا.
وقال أشهب: استحب له أن يتكلم ويبتدئ الظهر أربعًا، وإن بنى على إحرامه أجزأه.
وإن كان قد سجد سجدة فسجد أخرى وصلى ثلاثًا أجزأه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن فاتته الأولى من الجمعة وأدرك الثانية ثم ذكر بعد سلام الإمام سجدة: فإنه يسجدها ويأتي بركعة وتجزئه جمعته 2. فعلى هذا تجزئ الراعف الجمعة إذا رعف في الأولى وقد بقي منها سجدة، فيأتي بسجدة وركعة وتجزئه.
وإن عقد الأولى ورعف في الثانية وأتى بعد سلام الإمام، لم يحتسب بما كان عمله من قراءة أو ركوع على قوله في "المدونة"، وعلى القول الآخر له أن يحتسب به وتجزئه تلك الركعة.
وإن رعف في الأولى قبل أن يستكملها، ثم أتى والإمام في الثانية وهو قادر على أن يأتي بما بقي من الأولى قبل أن يركع الإمام، احتسب بالإحرام خاصة ودخل مع الإمام في الثانية.
وعلى القول الآخر يحتسب بما كان عمله ويأتي بما بقي منها ثم يركع مع الإمام ويكون مدركًا للجمعة 3. وإذا كان للمأموم أن يحتسب بما كان عمل مع الإمام من قراءة أو ركوع أو سجود كان لم يكملها، فإن ذلك له في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يدرك الإمام قائمًا في التي رعف فيها.
والثاني: أن يدركه في الثالثة أو الرابعة وهو قادر على أن يأتي بما سبقه به

الإمام من ركعة قبل أن يركع التي وجده فيها.
والثالث: أن يجده فرغ من صلاته وقد سلم.
وأي ذلك كان فإنه لا يحول بينه وبين إتمام ركعته ما عمله إمامه بعد خروجه؛ لأنه لم يكن حينئذٍ مأمورًا باتباعه، ولا يحتسب الراعف بما عمله بعد رعافه وقبل خروجه لغسل الدم، وأجاز ذلك ابن حبيب في ثلاث 1: إذا رعف وهو راكع أو ساجد فرفع، أو جالس فقام، ورأى أن ركعته أو سجدته تتم بذلك، وإن كان جالسًا لم يرجع للجلوس 2. وهذا يصح على القول أن الرفع ليس بفرض، وكذلك القيام؛ لأن الحركة له ليست بفرض، وأنه متى وجد قائمًا سهوًا أو غيره لم يعد إلى الجلوس ليأتي به.
وقال في "المدونه": إذا رعف بعد سلام الإمام سلم وأجزأته صلاته 3، وإن رعف قبل سلام الإمام انصرف لغسل الدم.
يريد إذا لم يسلم الإمام بالحضرة، فإن سلم الإمام 4 قبل أن ينصرف لغسل الدم سلم وأجزأ عنه، على أصله.
فاستخف سلامه بالنجاسة لوجوه: أحدها: أن السلام مختلف فيه هل هو فرض أم لا؟ والثاني: أنها كلمة واحدة من أسماء الله عز وجل، فكان قوله إياها بالنجاسة أخف من زيادته في صلاته وخروجه.
والثالث: أن السلام دعاء يريد به تارة من عن يمينه أو الملائكة، إن لم يكن عن يمينه أحد، فلم يكن بمنزلة غيره مما تختص به القربة لله سبحانه.

فصل [في المصلي يصيبه الرعاف فيغسل الدم]

وإذا غسل الراعف الدم أتمّ في موضعه إذا كان فذًا أو مأمومًا، وكان إن رجع لم يدرك شيئًا من صلاة إمامه، فإن تبين له أنه أخطأ في التقدير، وأنه كان يدركه لو رجع، أجزأته صلاته.
وهو قول ابن القاسم في "المبسوط".
وإن رجا أن يدركه رجع، فإن وجده قد أتم، أتم هو ولم تفسد عليه صلاته.
واختلف في الجمعة إذا علم أنه لا يدركه على ثلاثة أقوال: فقال مالك 1 في "المدونة": يرجع إلى الجامع 2. وقال المغيرة: إن حال بينه وبين الرجوع واد، فليضف إليها أخرى ثم يصلي أربعًا 3. وقال ابن شعبان: الاختيار أن يرجع إلى أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإمام فيتم هناك؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد، فإن أتم في موضعه لم أر عليه إعادة 4. فرأى أن الرجوع إلى الجامع مع القدرة على ذلك 5 مختلف فيه.
وهذا أحسن، وإنما يجب الرجوع إلى الجامع إذا كان يأتي بشروط الجمعة، فأما إذا كان يصليها فذًا، أو 6 لا يأتي بها على شروطها كانت صلاته

في موضعه أحسن.

فصل [في الرعاف يعرض للمأموم]

وقال مالك فيمن رعف مع الإمام في الظهر بعدما صلى معه ركعة فخرج فغسل الدم عنه، ثم جاء وقد صلى الإمام ركعتين- إنه يتبع الإمام فيما يصلي ولا يصلي ما فاته به الإمام حتى يفرغ، فإذا فرغ قام فقضى صلاة الإمام وهو غائب عنه 1. فجعله قاضيًا، فيقرأ في الأولى بأم القرآن وسورة، وفي الثانية بأم القرآن وحدها.
وقد يجتمع في صلاة الراعف قضاء وبناء وذلك في ثلاث مسائل:

  • وهو أن تفوته الأولى ويدرك الوسطيين ويرعف في الرابعة.
  • أو يدرك الثانية ويرعف في باقي الصلاة
  • أو يدرك الثالثة ويرعف في الرابعة.
    فهو فيما سبقه به الإمام قاضٍ، وفيما رعف فيه بأن.
    واختلف بأي ذلك يبتدئ، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يبني ثم يقضي 2، وقاله ابن حبيب.
    وقال سحنون: يبتدئ بالقضاء 3. فعلى القول الأول يقرأ فيما يبني بأم القرآن وحدها، وسواء كان الباقي 4 ركعة أو ركعتين؛ لأنه إنما يكون بانيًا في الثالثة والرابعة أو في واحدة منهما لا غيرهما.

وإنما يفترق الجواب في الجلوس، فإن أدرك الوسطين ثم أتى بالتي رعف فيها قرأ بأم القرآن وحدها.
ثم اختلف في الجلوس، فقال ابن القاسم: يجلس لأنها رابعة إمامه، وقال ابن حبيب: لا يجلس لأنها ثالثته.
وهو أحسن، وليس ذلك بموضع جلوس له، وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، فإن أدرك الثانية وحدها كان بانيًا في ركعتين يجلس في الأولى منهما لأنها ثانية له، ويختلف في الأخرى حسبما تقدم، وإن أدرك الثالثة وحدها كان بانيًا في ركعة، فإذا أتى بها جلس لأنها ثانية له ورابعة إمامه، فاتفق فيها الجلوس بالوجهين جميعًا.
فإذا فرغ مما رعف فيه أتى بما سبقه به الإمام وقرأ فيه بأم القرآن وسورة، وإن سبقه بركعتين أتى في كل واحدة منهما بأم القرآن وسورة.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" فيمن أدرك الثانية من الظهر: يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانية له ثم يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة 1. وعلى قول سحنون يبتدئ بالقضاء، فإن أدرك الوسطيين كان القضاء ركعة يبتدئ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم لأنها ثالثة في الهيئة، وإن أدرك الثانية وحدها، كان القضاء ركعة أيضًا إلا أنه يجلس إذا أتى بها لأنها ثانية له، فإن أدرك الثالثة وحدها كان القضاء ركعتين، يجلس في الأولى منهما وحدها، وإذا فرغ من القضاء أتى بما رعف فيه.

وقال سحنون في "المجموعة" فيمن فاتته الأولى وأدرك الثانية ورعف في الثالثة وأدرك الرابعة: أنه يبتدئ بالتي سبقه بها الإمام ثم بالتي رعف فيها (1).

فصل [في استدبار القبلة للراعف وكلامه حين طلب الماء]

وإن استدبر الراعف القبلة لطلب الماء لم تبطل صلاته، ويطلب الماء ما لم يبعد جدًا.
كان تكلم في ذهابه أو رجوعه عمدًا بطلت صلاته.
واختلف إذا كان سهوًا؛ فقال ابن حبيب: إن تكلم في ذهابه أبطل صلاته، كان تكلم في رجوعه لم تفسد 2. وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم قبل أن يفرغ الإمام حمل ذلك الإمام عنه 3. وقال سحنون: إن أبطل الإمام صلاته بعد أن خرج الراعف عنه لم تبطل عليه 4، وإن سها الإمام لم يكن عليه هو من سهوه شيء إلا أن يرجع فيدركه في الصلاة 5.1

باب في المسح على الخفين

المسح على الخفين جائز في السفر، واختلف عن مالك فيه في الحضر، فمنعه ثم رجع إلى إجازته، وقال في "المجموعة": إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط في ملأ من الناس: قد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم - رضي الله عنهم -، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، وإنما جاءت الأحاديث بالقول 1، وكتاب الله -عز وجل- أحق أن يتبع ويعمل به.
قال ابن وهب: فرأيته يكره المسح في الحضر والسفر، قال: وسمعته يقول: أما أنا فلا أمسح على الخفين 2. وقال مالك في كتاب آخر: لم يكن ربيعة ولا محمد بن أبي الرجال يمسحان.
واختلف بعد القول بالمسح على الخفين 3 هل لذلك حد؟ قال مالك في "المدونة": ليس لذلك حد 4. وذكر عنه أنه قال في التوقيت: للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسْحِ فِي السَّفَرِ عَلَى الخُفَّيْنِ 5، وروي عنه في

جارٍ التحميل