باب فيمن أوصي بوصيةٍ وقال: أخبرت بها فلانًا فصدقوه, أو قال: جعلت له أن يجعلها حيث رأى, أو قال: من ادعي عليَّ بدين كذا وكذا, فصدقوه
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال عند موته: وصيتي عند فلان، واشهدوا عليَّ بذلك فأخرج فلان وصيته بعد موته وفيها عتق وغيره: فهي جائزة، وإن كتب نسختين وجعلهما عند رجلين كان أبين، وقال أيضًا: إن أخرجها ولا بينة فيها، وإنما البينة على قوله، فإن كان الذي هي بيده عدلًا جازت، قال سحنون: وكذلك إن كان غير عدل 1. وهو أحسن؛ لأن الميت أمر أن يصدق مع علمه بحاله، ولأنا على يقين أنه مات عن وصية وأمر أن تنفذ، فإذا لم يقبل قوله إذا كان غير عدل بطلت وصيته، وإن قال: وصيت بثلثي لرجل وأعلمت به فلانًا فصدقوه صدق فلان فيما يقول إنه أوصى له به، إلا أن يكون لمن يتهم عليه مثل أن يقول: أوصى به لولدي أو ما أشبه ذلك، فقال مالك: لا يصدق إلا أن يرى لذلك وجه يعرف به صواب قوله 2. وقال أشهب: يقبل قوله، وإن قال: يجعله حيث يرى، فجعله لنفسه أو لابنه لم يجز.
قال في كتاب محمد: ولو أعطى ابنه أو أقاربه 3 كما يعطي الناس 4 حسب
الاستحقاق جاز، ولا بأس أن يعطي أقارب الميت كما يعطي الناس، قال: وإن كان المتولي محتاجًا، فلا يأخذ منه، قال أشهب: فإن فعل وأخذ حسب استحقاقه لم آخذه منه، وقاله ابن القاسم، والأول أحسن 1، وحماية ذلك أولى وإن جعل إنفاذ ثلثه لرجل يجعله حيث أراه الله -عز وجل- فهلك قبل أن ينفذ ذلك فليأمر القاضي من يرضاه فيضعه حيث يرى.
وقال ابن القاسم فيمن قال: كنت أعامل فلانًا وفلانًا فما ادعوا عليَّ فصدقوهم، فليعطوا ما ادعوا بغير يمين ما لم يدعوا ما لا يشبه.
وقال في العتبية فيمن قال عند موته: ما شهد به عليَّ أبي من دين فهو مصدق إنَّه كالشاهد إن كان عدلًا 2، وإن لم يكن عدلًا أو نكل المشهود له عن اليمين فلا شيء له إلا قدر نصيبه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يصدق وإن لم يكن عدلًا، وقال مالك فيمن قال: من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه بغير بينة، فذلك جائز، فإن ادعى جماعة كل واحد بأقل من عشرين تحاصوا في عشرين فقط 3.
قال ابن القاسم: لأن مخرج قوله على وجه التفرقة من ادعى من ها هنا وها هنا، وإن ادعى واحد أكثر من عشرين لم يكن له شيء 4.
واختلف إذا ادعى واحد عشرين، فقال مالك: يحاص، وقال ذلك ابن القاسم مرة: يحاص، وقال أيضًا: لا يحاص من ادعى عشرين، ولا يعجل في
ذلك وليكتم ولا يفش وتخرج العشرين من رأس المال، وأمَّا إن قال: من ادعى عليَّ دينًا فحلفوه وأعطوه فهذا يكون من الثلث بخلاف الذي وقت العشرين فكأنه أقرَّ بعشرين لا يدري لمن هي، وإن قال: كل من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه مع يمينه بغير بينة, فهذا من الثلث بخلاف المسألة الأولى 1؛ لأنَّ ذلك وقت عشرين واحدة لا يدري لمن هي، وهذا لم يؤقت، فإن استغرقوا ثلثه بمثل هذه الدعوة أخذوه.
باب فيمن أوصى لأم ولده أو لزوجته بمال على ألا تتزوج
وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأمِّ ولده بدنانير على ألا تتزوج: فلا بأس به، فإن تزوجت انتزعت منها (1)، وكذلك لو كانت حرة فأوصى لها زوجها بمال على ألا تتزوج فتزوجت فأجاز ذلك (2)، وإن كانت معاوضة فيها غرر؛ لأنها تأخذ المال ثم هي بالخيار بين ألا تتزوج ويبقي لها المال أو تتزوج فترد المال، فهو تارة بيع وتارة سلف، وقد تمسك نفسها عن الأزواج عشر سنين ثم تتزوج فَيُرَدُّ جَمِيعُ المال ولا يحط عنها لوقوفها عن الأزواج تلك السنين شيء.
وقال في السليمانية في امرأةٍ وضعت عن زوجها بعض صداقها على ألا يطلقها: فإن طلقها فلها ما وضعت، لم يجز قال: لأنها اشترت شيئًا لا يشترى مثله فإن شاء طلق وإن شاء أمسك وعليه أن يرد ما وضعت (3)، فمضى في هذه المسألة على الأصل في معاوضات الغرر، فعلى قوله لا يجوز أيضًا وصية أم الولد.
فصل [في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه]
وقال ابن القاسم في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه123
فالقول قول اليتيم لقول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النساء آية: 6] 1. وقال عبد الملك في هذا الأصل، إذا أمر المودع أن يدفع لغير من دفع إليه: فالقول قول المودع 2. فكذلك الوصي القول قوله، ومحمل قول الله -عز وجل- في الإشهاد أن ذلك لدفع التنازع والأيمان ليس لأنه إن لم يشهد لم يقبل قوله كما أمر الله -عز وجل- في المداينة بالإشهاد لدفع الأيمان والتنازع.
وقيل: المعنى في الآية في الإشهاد عند دفع ما أكل الوصي بالمعروف وصار في ذمته فإنه يأكل على وجه السلف، ولا أرى أن يقبل اليوم قول أحد من الأوصياء؛ لأنَّ الغالب ممن يلي اليوم 3 مال اليتيم أنه يتسلفه ويصير 4 في ذمته إلا أن تطول المدة بعد الرشد وهو لا يطلب، وإن قال الوصي: أنفقت عليهم ذلك، كان القول قوله إن كانوا عنده ما لم يأت بما لا يشبه فيسقط الزائد، وإن كانوا في كفالة أمهم أو غيرها فأنكروا أن تكون النفقة من عنده كان القول قولها إلا أن يعلم أنها كانت تأخذ النفقة منه، وإن خفي عن البينة تتابع الأخذ إلا أن تدعي الأم أجر شهر وما يشبه أن يتأخر قبضه لما يعلم من لدده أو مطله فتصدق هي فيما يشبه من ذلك أو يُعلم من فقرها وضعفها ما يدل على أن النفقة ليست من عندها، مع ما يرى من تهمة 5 الصبي والقيام به.
فصل [فيما إذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان]
وإذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان، فإن كان عدلًا حلف المقر له واستحقه إذا لم يخلف سوى ذلك العبد أو خلف غيره، ولا ينقسم جميعهم على سهامهم، أو كانوا ينقسمون إن دخل في القسم فرضي الورثة ألا يُدْخّلّ 1 في القسم، فإن دعوا إلى دخوله في القسم؛ لأنه إن خرج لم تعتدل سهامهم كان ذلك لهم، فإن صار ذلك العبد لمن أنكر أخذ المقر له من المقر ما زاد في قسمه لمكان ذلك العبد.
قال محمد: وإن صار للمقر أخذه المقر له بغير شيء، ولم يره كالفداء 2؛ لأن الفداء 3 ما دخل فيه المفتدي 4 بالطوع، وهذا دخل فيه بالجبر من أخيه فأشبه من غصب عبدًا ثم وضع عليه يد آخر وأخذ عبده بغير رضاه، وقال: يكون ما تركت عندك عوضًا من هذا، فليس هذا بافتداء، ولصاحب العبد الأول أن يأخذ عبده بغير شيءٍ قولًا واحدًا.
باب فيمن أوصى لعبده أو لعبد وارثه
وصية الميت لعبده على أربعة أوجه: إمَّا أن يوصي له بجزء من ماله، أو بدنانير، أو بعرض، أو يجمع الوصية بجزء وغيره، أو بمنافع سكنى دار أو خدمة عبد.
فإن أوصى له فقال: له ثلث مالي كان ثلث العبد عتيقًا؛ لأن مقتضى الوصية أن له الثلث من كل شيءٍ من العبد وغيره فيعتق ثلثه بالوصية.
واختلف في عتق الثلثين، فقال مالك: يستكمل عتق العبد في بقية الثلث 1، وجعل الاستكمال على العبد لا على السيد، فقال: لأنَّ العبد بين الرجلين إذا أعتق أحدهما نصيبه استكمل عليه 2 فالعبد في نفسه أحرى أن يستكمل ما بقي منه على نفسه 3.
قال ابن القاسم بها كتاب ابن سحنون: وإن كان معه وصية لأجنبي بالثلث تحاصا 4، قال: ولا يبدأ بالعبد لأنه إنما أُعْتِقَ على نفسه 5. وقال المغيرة وعبد الملك 6 ابن الماجشون: يعتق ثلث العبد ولا يستكمل.
ورأيا أن العتق من الميت ولا يستكمل على ميت، وقال المغيرة: فإن كانت معه وصية بمال بدئ بثلث العبد، فإن فضل عن ثلثه شيء حاص به أهل الوصايا، وقال ابن
الماجشون: يبدأ إلى منتهى عتقه ثم يكون مع الوصايا حصاصًا 1.
واختلف بعد القول بالاستكمال في ماذا يستكمل؟ فقال مالك: يستكمل في بقية الثلث ولا يستكمل في ما في يديه من غير الوصية، وقال ابن القاسم: يستكمل في ما في يديه، قال: ولو لم يستكمل في ما في يديه لم 2 يستكمل في بقية الثلث 3، وعلى هذا يجري الجواب إذا أوصى له بسدس ماله، يعتق سدس العبد، ثم يختلف هل يستكمل خمسة أسداسه؟
فأمَّا من قال: إنه يستكمل على العبد فلا يصح إلا أن يقول العبد بالخيار بين القبول والترك، وإن قبل كان الورثة بالخيار بين أن يعتقوا أو يقوموا، وعلى هذا يصح قول ابن القاسم إنَّه لا يبدى، وقول مالك ألا يستكمل فيما في يديه أبين؛ لأن ثلثي ما في يديه للورثة، وإنما يصح الاستكمال أن يدفع إليهم القيمة من غير ماله ولهذا فرق في القول الآخر، ورأى أن يستكمل فيما وصى له به؛ لأنه لم يتقدم لهم فيها شرك، وإن أوصى له بدنانير أو بثوب أو بعبد والثلث يحمله جاز وأخذ وصيته ولم يعتق منه شيء، ويختلف إذا لم يحمله الثلث ولم يجز الورثة، فعلى القول إنَّه يقطع بالثلث في عين الموصى به لا يعتق منه شيء.
وعلى القول إنَّه يقطع بالثلث 4 شائعا يعود الجواب إلى الأول.
ولو وصى 5 له بثلثه، وأوصى بجزء وبثوب أو عبد وحمل ذلك ثلثه مثل أن يوصي له بسدس ماله وبعبد هو تمام ثلثه، فإنه يعتق سدسه بوصية الميت ثم
يختلف في الاستكمال، وفي ماذا يستكمل؟ هل في جميع ما في يديه وفيما وصى له به أو فيما وصى له به فقط؟
وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز في الخامس من العتق فيمن أوصى لعبده بمال: لم يكن ذلك عتقًا ودفع إليه ذلك إن خرج من الثلث أو ما خرج منه، وإن أوصى له بشيءٍ معين يستوعب ثلث الميت سوى ثمن العبد، فكذلك لا يعتق منه شيء، وإن كان مما لا يقطع له فيه بعينه مثل السكنى فلا تخرج الدار من الثلث ولم يسلموا كما أوصى الميت، قطع للعبد بالثلث من كل شيء فحينئذ يملك العبدمن نفسه جزءًا فيعتق كله من الثلث.
ومن أوصى لعبده بربع نفسه وثلث ما بقي سوى 1 العبد أعتق من العبد ربعه وأعطى وصيته مالًا، ولو قال: وثلث ما بقي ولم يقل مما سوى العبد، أعتق كله في الثلث.
وقال مالك فيمن أوصى لعبده بخمسين دينارًا ولا مال له غيره، فقال الورثة: نبيعك ونعطيك ثلث ثمنك، فقال: يعتق من العبد قدر الخمسن أو ما خرج منها 2.
وقال ابن القاسم فيمن قال: بيعوا عبدي وأعطوه ثمن نفسه أو من ثمنه فعلى ما قال، ولا يعتق منه شيء 3. قال: ومن أوصى لعبده بثلث ماله وترك دينًا ليس فيه إلا شاهد كان للعبد أن يحلف مع الشاهد ولو لم يوص للعبد بالثلث، وإنما قال: عبدي حرٌّ لم يحلف مع الشاهد 4. وقال ربيعة في رجلٍ
أوصى لعبده ولامرأة له حرة ولأولاد له منها أحرار بثلث ماله، قال: يعتق العبد؛ لأنَّ لولده نصيبًا من أبيهم وقد ملكوا بعضه فهو حر، وما ملك العبد من نفسه حر 1. يريد أنه يعتق نصيب العبد ونصيب الأولاد ويرق الباقي، وهذا الذي يقتضيه آخر جوابه، وهو مثل 2 قول المغيرة، وعلى قول مالك وابن القاسم 3 يستكمل على العبد.
وإن كان الأولاد أربعة أعتق نصيبهم وهو أربعة أسداس، ثلث الميت فإن كانت قيمته ثمانية عشر دينارًا وللميت 4 سواه ستة وثلاثون دينارًا، أعتق منه بالوصية دينار، وهو نصيب العبد من نفسه وبالاستكمال ديناران فيكمل بذلك عتق سدسه.
وعلى قول ابن القاسم يستكمل منه ما رقَّ منه في الدينار وفيما بين يديه من غير وصية، وأمَّا نصيب الولد فإن كانوا قبلوا الوصية أعتق عليهم نصيبهم منه وهو ثلثا 5 ثلثه، ثم يختلف فيما بقي منه بعد ذلك رقيقًا هل يستكمل عليهم إذا كان لهم مال؟ لأنهم فيه بمنزلة من أعتق شركًا له في عبد وقد أعتق بعضه، وقد تقدَّم في كتاب العتق الأول ذكرُ الاختلاف.
وهل زيادة العتق زيادة فساد؟ لأنهم إنما قبلوا ما بعضه حر فلا يستكمل على قول ابن القاسم.
ويختلف إذا لم يقبل الأولاد هل يسقط نصيبه من الوصية؟ فعلى القول إنَّه لا يستكمل عليهم إن قبلوه لا تسقط وصيتهم، وعلى القول إنَّه يستكمل عليهم تسقط؛ لأنهم يردون خوف الاستكمال.
والزوجة في
نصيبها بالخيار بين أن تقبل ويفسخ النكاح، أو لا تقبل وتبقى زوجة.
فصل [في وصية الرجل لعبده ولعبد وارثه]
وصيةُ الرجل لعبده ولعبد وارثه جائزة إذا لم يكن معه وارث سواه وإن كثرت، فإن كان معه وصايا حاص بوصيته، فإن كانت الوصية لعبد وارثه ومعه ورثة جازت فيما قلَّ مثل الثوب والشيء الخفيف، ويجوز بأكثر من ذلك إذا كان لقضاء دين عليه، وكان القضاء يزيد في ثمنه الشيء اليسير ووصيته لمدبر ولده وأم ولده تجوز في الشيء اليسير وتجوز للمكاتب بالكثير إذا كان يقدر على أداء كتابته من غير الوصية.
قال أشهب: فإن كان لا يقدر إلا بالوصية وكان الأداء أفضل للسيد لم يجز، وإن كان العجز أفضل، جازت.
وأرى أن تجوز وإن كان الأداء أفضل للسيد؛ لأنَّ القصد بالوصية للمكاتب ليخرج بها من الرق.
وقد اختلف فيمن زوَّج ابنته في مرضه وضمن الصداق، فقيل: الضمان جائز وهي وصية للزوج، وإن كانت المنفعة تصير للابنة.
وقيل: لا يجوز الضمان.
والأول أحسن، فإذا أوصى لعبده أو لعبد وارثه بوصية لم يكن للورثة ولا لسيد العبد الوارث أن ينتزعها.
قال ابن القاسم: ولو انتزعها لكانت وصية الميت غير نافذة، وإن باعوه باعوه مسألة، وإذا بيع بمالة كان للمشتري أن ينتزع ذلك إن شاء 1. وقال أشهب: يقر ذلك بيد العبد حتى ينتفع به ويطول زمان ذلك ولا ينتزعوه إن باعوه قبل أن يطول زمانه.
قال: واستحسنت في الكثير ما ذكرت لك، قال: لأن القياس إمَّا أن ينتزعوه مكانه
أو لا ينتزعوه أبدًا؛ لأنَّ الميت نزعه منهم 1. والأول أحسن ألا ينتزع بحال؛ لأنَّ الميت كما قال انتزعه منهم 2، وكذلك أرى في المشتري ألا ينتزعه؛ لأن البيع على أن ينتزعه المشتري بمنزلة انتزاع الوارث فقد يكون ثمن العبد خمسين دينارًا وفي يديه خمسون، فإن بيع بماله على أن للمشتري أن ينتزع ماله كان ثمنه مائة دينار 3 أو ما قاربها، فكان البائع هو المنتزع إذْ سلطه على ذلك، وأخذ له ثمنًا، ولو بيع على أنه في يديه كالحبس لم يزد في ثمنه كبير شيء.
وأجاز ابنُ القاسم إذا كانت الوصية لعبدٍ 4 أجنبيٍّ للسيد أن ينتزعها، والقياس أيضًا ألا ينتزع كعبد الموصي؛ لأن القصد بالوصية انتفاع العبد ولو لم يرد ذلك لوصى بها لسيد ذلك العبد 5.
باب فيمن أوصى بخدمة عبد، أو سكنى دار, أو عتق ما في بطن أمته وما تعلق بذلك
وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده سنة، أو بسكنى داره سنة 1: يجعل في الثلث قيمة الرقبة ولا تقوم الخدمة ولا السكنى؛ لأني إذا قومت الخدمة والسكنى كنت حبست الدار والعبد عن أربابه، وهم يحتاجون إلى بيعه 2. واحتجاجه بالبيع لا يصح في الدار؛ لأنه يجوز أن تباع ويستثنى سكناها سنة.
والمعروف من قول مالك وابن القاسم أن يجعل في الثلث الرقاب وإن كانوا قادرين على البيع بالاستثناء وأن لهم حقًا في تعجيل الانتفاع بالرقاب، إلا ما وقع في كتاب محمد فيمن ترك مدبرين وأوصى بوصايا في مرضه، فيقول الورثة: يقوم ما ترك الميت ولا يبيع، ويقول أهل الوصايا والمدبرون: بل نبيع؛ لأن البيع أزيد لنا في ثلثنا من القيمة، فقال ابن القاسم: القول قول أهل الوصايا والمدبرين إذا طلبوا البيع، قال: وكذلك إن طلب الورثة البيع فكذلك الذي لا شك فيه، أنَّ دعا إلى البيع كان أولى ممن دعا إلى التقويم، قال: وأمَّا الورثةُ فيما بينهم فإن كان مما ينقسم فالقسمة أولى 3، وقال أصبغ: القيمة في الوصايا والعتق على الورثة.
وعليهم أحب إليَّ، وليس على الوصي أن يبيع ذلك في السوق ولا على
الورثة 1. وقال ابن وهب: قال مالك فيمن أوصى لرجلٍ بعبدٍ أو ببيتٍ: أخرج ذلك بالقيمة ولا ينظر إلى ما يعطى به 2. وقول مالك وأصبغ في هذا أحسن، وليس على الورثة أن يبيعوا ذلك.
وقال فيمن أوصى بخدمة عبده فقد أوصى بالغلة، وإن أوصى بالغلة فقد أوصى بالخدمة 3، وليس بالبين، وإن كان عبد خدمة وأوصى بخدمة، لم يكن للموصى له أن يجعله في صنعة، وان كان عبد صناعة فوصى له بغلته لم يكن له أن يعطله عنها ويختدمه.
وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده 4 لرجل سنة ثم هو حر، فمات ونظر في الموصى له فكان غائبًا ببلد ثان، قال: أرى للسلطان أن يؤاجره للغائب ثم هو حر إذا وقت السنة، وإن كان عبد حضانة انتظر به وكتب إلى الرجل وأخرج العبد إليه، فإذا وفت السنة من يوم مات السيد فهو حر 5. ومحمل قوله على أن الميت كان يرى أن الموصى له حاضر، وأمَّا إن كان عالمًا بغيبته فالسنة من يوم 6 وصول العبد إليه، وسواء كان من عبيد الإجارة أو الحضانة وخدمة العبد ما بينه وبين وصوله لورثة الموصي ونفقته عليهم وعلى قول أشهب، يكون للسلطان أن يؤاجر العبد إذا كان من عبيد الحضانة في مثل ما كان وصى به إذا كان يظن أنه حاضر.
وقال ابن القاسم فيمن أوصى بأمة تخدم فلانًا حياته وجعل رقبتها بعد خدمتها لفلان فولدت الأمة أولادًا في حال الخدمة فولدها بمنزلتها يخدمون إلى ذلك الأجل، وكذلك لو أخدم عبدًا فولد له من أمته ولد فإنه يخدم معه، وهذا لأن الوصية كانت بالخدمة حياة المخدم (1)، وكذلك إذا كان إلى أجل بعيد، فأمَّا السنتان والثلاث وما لا يكون للعبد فيه خدمة فإنه يسقط حق المخدم فيه، فإن كان مرجع العبد أو الأمة إلى حرية كان الولد معتقًا الآن؛ لأنه لا فائدة في وقفه، وكذلك إن جعل الموصي المرجع إلى رجل كان له ذلك الولد ملكًا من الآن.
فصل [فيمن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فولد له من أمته ولدًا وأوصى بهما لرجل]
ومن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فوُلد له من أمته وَلَدٌ أو أوصى بهما لرجل، فإن كانت الولادة في حياة الموصي كانت الوصية والعتق في الآباء خاصة وكان الأولاد ميراثًا.
وإن كان الحمل والولادة بعد موت الموصي وقبل العتق وقبل أن يقبض الموصى له بهما، كانت الوصية والعتق في الآباء والأولاد.
وإن كان الحمل في حياته والولادة بعد موته، افترق الجواب فيعتق ولد الأمة بعتق أمه؛ لأن عتق الحامل عتق لما في بطنها، ويرق ولد العبد ويكون للورثة ولا يدخل في وصيته؛ لأن السيد لو أعتق العبد لم يعتق بعتقه حمل أمته، وكذلك إن أوصى بهما كان للموصى له الأمة وولدها والعبد دون ولده.1
فصل [فيمن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان]
ومن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان، جعل في الثلث قيمة الأم؛ لأن الورثة ممنوعون من التصرف فيها بالبيع، فإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، فإن كانت الوصية بعتقه جعل في الثلث الأمة وأعتق منها ومن ولدها ما حمل الثلث، وإن كانت الوصية لرجلٍ قطع له ثلث الميت شائعًا؛ لأن الوصية له معاوضة من الميت أخذ منهم أقل من الثلث، وهو الجنين، ووقف عنهم التصرف في الأم ولم يفعل مثل ذلك إذا أوصى بعتقه فتجعل وصية الميت في الثلث شائعًا؛ لأن من شرط الوصية بالعتق أن يحمل 1 ثلث الميت في عين المعتق؛ لأنه الموصى له، فلما لم 2 يقدر أن يجعل في الجنين خاصة، جمع الثلث في الأم والولد لينال من العتق أكثر مما يكون لو كان شائعًا، وهذا قول محمد، وهو صحيح على قوله إنَّ الأمة لا تباع، ويستثنى ما في بطنها 3. وأجاز الليث بن سعد بيع الأمة 4 واستثناء الولد للعتق 5، فعلى هذا يجعل في الثلث ما ينقص بيعها مستثناةَ الولدِ على بيعها بولدها وإن أوصى بها لرجل وبولدها لآخر جعل في الثلث قيمة الأم على حالها، فإن حملها الثلث كان لكل واحد
منهما وصيته، وإن حمل نصفها كان لهذا نصف الأم، ولهذا نصف 1 الولد، وإن أوصى بعتق ما في بطنها وبالأم لآخر، فحمل الثلث نصفها أعتق من الولد نصفه، وكان للآخر نصف الأم، وهذا على القول إنَّ العتق يلحق ما في البطن، وعلى القول ألا يلحقه العتق يعتق ما ينوبه من الأم، لينال الولد العتق، وتسقط وصية الآخر.
واختلف إن أوصى بالولد لرجل، وبالأم لآخر وأعتق الأمَّ الموصى له بها، فقال في المدونة: يمضى عتق الأم ويسقط حق الموصى له بالولد 2. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يوقف عتق الأم حتى تضع فيقوم الولد على معتق الأم فيمضي حينئذ عتق جميعها، وقال أيضًا: يوقف عتقها حتى تضع فيأخذ الموصى له بالولد الولد، ويمضي عتق الأم بالعقد الأول 3. وهو أحسن للإجماع على أن عتق الولد لا يسري إلى عتق الأم، وأنهما في ذلك نفسان، وليس بمنزلة من أعتق بعض الأم، وكذلك إذا أعتق الأم لا يعتق الولد بعتقها.
وكذلك لو أوصى بالولد لرجل وأبقى الرقبة 4 للورثة فأعتقها الورثة، فعلى الخلاف المتقدم.
وإن وهب الولد في الصحة ثم أعتق السيد الأمة قبل أن تحاز عنه، مضى عتق السيد وسقط حق الآخر في الولد، وإن كان الموهوب له الولد حاز الأم لم يصح عتق السيد في الأم حتى تضع.
ومن أخدم عبده في مرضه رجلًا سنة ثم هو حر فلم يقبل الموصى له
بالخدمة، رجعت الخدمة للورثة ولم يعتق حتى تتم السنة، وإن قبلها ثم وهبها العبد أو باعها منه، كان حرًا مكانه، وقيل: لا يعجل عتقه؛ لأن رقبته للورثة حتى تتم السنة، وإن قبل كانت قيمته رقيقًا لهم.
وقال ابن كنانة فيمن أخدم عبده رجلًا حياته ثم هو حر، فمات المخدم فأراد ورثته أن يتبايعوا الخدمة: لم يجز إلا أن يشتروها ليعجلوا عتقه فأما ليخدمهم فلا، وهذا صحيح لما لم يكن له إليهم مرجع؛ لأن مرجعه إلى الحرية.
باب في وصية المحجور عليه (1) والصبي
وصية السفيه المحجور عليه جائزة إذا أصاب وجه الوصية، وكذلك الصبي.
واختلف في السن الذي تجوز فيه وصيته، فقال مالك: تجوز إذا كان ابن عشر سنين أو أقل باليسير وأصاب وجه الوصية 2. وقال في كتاب محمد: ابن تسع سنين، وقال ابن شهاب وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تجوز إذا عقل الصلاة 3. وقال مالك في العتبية: إذا أثغر أُمر بالصلاة وأُدِّب عليها 4. وهذا أقل ما قيل.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا كان يفاعًا مراهقًا جازت وصيته، وذلك إذا بلغ إبصاره والرغبة في حظه وفيما يقدم لنفسه، وهذا أكثر ما قيل، والصبيان يختلف إدراكهم وتمييزهم 5، فمن علم أن عنده تمييزًا 6 جازت وصيته إذا أصاب وجه الوصية فيوصي بما هو قربة لله تعالى أو صلة رحم، فأما أن يجعلها لمن يستعين بها في ما لا يحل من شرب خمرٍ أو غيره، فلا تمضي.
وقال أشهب: إذا أوصى الصبي بوصية وجعل إنفاذها إلى غير الوصي فذلك إلى وصيه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى إلى بكرٍ بمائة دينار ولا وليَّ1
لها فدفع الورثة ذلك إليها بغير أمر الإمام: فقد برءوا 1. وأرى إن كان لها وصي أن تدفع الوصية إلى وصيها، إلا أن تكون ممن يعلم أن الميت أراد دفع ذلك إليها لتتسع به في مطعم وملبس فيدفع إليها.
باب في وصية المقتول للقاتل وما يتعلق بذلك
وصيةُ المقتول للقاتل على خمسة أوجه:
إمَّا أن يوصي له قبل القتل ثم يموت بفور الضرب، أو بعد حياة ولم يعلم أنه قاتله، أو علم، أو كانت الوصية بعد الضرب وعلم أنه قاتله، أو لم يعلم، والقتل في جميع ذلك خطأ أو عمدًا، فإن وصى له قبل الضرب ثم قتله خطأ، فقال مالك: الوصية من ماله دون الدية، قال: بمنزلة الميراث إذا قتل موروثه خطأ، فله الميراث في المال دون الدية، قال محمد: لأنَّ الدية أديت عنه، وهو أيضًا يؤدي فيها فلا يؤدي عن نفسه لنفسه.
قال ابن القاسم: إن أوصى له بعد أن ضربه خطأ، فإن علم كانت الوصية في المال والدية 1. وفي كتاب محمد: ذلك سواءٌ علم أو لم يعلم الوصيةُ في المال والدية، وإن أوصى له ثم قتله عمدًا ومات بفور ذلك أو بعد حياته ولم يعلم أنه ضاربه سقطت وصيته ولا شيء له في مال ولا دية، وكذلك إن علم ولم تكن الوصية بكتاب.
واختلف إذا كانت بكتاب، فقال محمد: إن علم فأقر الوصية على حالها فهي جائزة من ماله بمنزلة ما أوصى له بعد الجناية 2، وإن أوصى له بعد الجناية 3 ولم يعلم أنه قاتله فلا شيء له.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد علم أنه قتله عمدًا فأوصى له بعد علمه،
وقال محمد: إذا أوصى له بعد أن جنى عليه وهو يعلم أو لا يعلم فالوصية له نافدة 1. وقوله في الخطأ إنه بمنزلة الميراث فليس بالبين وليس الأصلان سواء؛ لأن منع الميراث من الدية شرع، ولو أوصى بأن يورث منها ما جاز، وإن أوصى لغير وارث أن يعطى ثلث الدية جاز والاعتراض ألا يأخذ مما يؤدي غير صحيح، فلو أوصى لغريمه بثلث ماله كان للغريم من الدين الذي عليه ثلثه, ولو جنى على عبدٍ مريض كان للموصى له ثلث قيمة ذلك العبد.
باب في الموصى له يموت قبل الموصي أو بعده, ومن وصى لوارث فصار غير وارث، أو لغير وارث فصار وارثًا، وما يتعلق بذلكـ من نكاح أو هبة
وإذا مات الموصى له في حياة الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعده وقبل العلم بالوصية أو علم ولم يقبل ولم يرد حتى مات، كان ورثته مكانه، وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن الأبهري أنه قال: الأشبه أنها لورثة الموصي، قال: لأنها على ملك أبيهم حتى يخرج عنهم بقبول الموصى له (1).
فصل [فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد]
وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد، فالوصية جائزة؛ لأنه قد تركها بعد ما ولد له فصار مجيزًا لها، قال غيره: الوصية جائزة وإن لم يعلم بالولد 2. وهذا صواب؛ لأن الميت قد كان راغبًا أن تكون له الوصية مع الميراث، فإذا سقط الميراث كان أبين في أنه يمضيها له، وإن ولد له بعد موته وكان عالمًا بالحمل مضت الوصية.
ويختلف إذا لم يعلم، وإن أوصى له وله ولد يحجبه فمات الولد قبل أبيه 3 سقطت الوصية؛ لأنه صار وارثًا ولا وصية لوارث.
ولو أوصى في صحته1
لامرأة بوصية ثم تزوجها في صحته بطلت الوصية؛ لأنها وارثة، وإن تزوجها في مرضه لم تبطل الوصية.
وكذلك إن أوصى لها في المرض ثم تزوجها في المرض؛ لأن النكاح فاسد وهي غير وارثة.
وإن تزوجها في الصحة ثم طلقها في المرض ثم وصى لها كانت الوصية باطلة؛ لأن الطلاق في المرض لا يبطل الميراث، وإذا كانت وارثة لم تصح الوصية وسواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها.
وأرى إذا كان الطلاق بسؤال منها ألا ميراث لها، ولها الوصية إذا كانت مثل ميراثها فأقل، فإن كانت أكثر لم تعط الزائد؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك.
قال محمد: ولو وهب أخاه هبةً وبتلها له في مرضه وقبضها الأخ ثم مات الولد وصار الأخ وارثًا بطلت الهبة؛ لأنها إنما تخرج من ثلثه 1.
باب فيمن عال في وصيته (1) على ثلثه, وفي وصية من لا وارث له، وفي دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي
وقال مالك فيمن عال في وصيته على ثلثه: يمضي الثلث ويرد الزائد 2. والأصل في قصر الوصية على الثلث حديث سعد بن أبي وقاص قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، لا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لي أَفَأُوصِي بِمَالي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا" 3 الحديث، وحديث عمران ابن حصين قال: "أَعْتَقَ رَجُلٌ ستَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَسْهَمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُم" 4. وهذا الحديث أصل في الوصية إذا زادت على الثلث أنها تقصر على الثلث، ولا يبطل جميعها.
واختلف إذا كانت الزيادة يسيرة فقيل فيمن أوصى بعتق عبده إن وسعه الثلث فزادت قيمته على الثلث الشيءَ اليسيرَ: يعتق ولا يتبع بشيء.
وقيل: يتبع بذلك القدر.
وقيل: يكون ذلك القدر رقيقًا.
وقيل: يرق جميعه1
لقول الميت: إن وسعه الثلث فيعتق، والمراد من المسألة في هذا الموضع القول إنه يعتق ولا يتبع بشيء.
واختلف إذا أوصى مسألة كله ولا وارث له، فقيل: ليس ذلك له لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 33]، فلكل ميت وارث، وإن لم يعرف تصدق به عن الوارث، وقيل: وصيته ماضية.
وحكم من بعُد ولم يعرف حكم العلم.
أو يبقى المال على حكم الميت يصرفه لمن أحب قياسًا على الولاء إذا كان العبد المعتق من العرب إنَّه يورث بالولاء، ولو حمل 1 على أنه هناك وارث لا يعرف لتصدق به عنه، ولم يورث بالولاء، وهذا إذا أوصى به للأغنياء أو في وجه لو تولاه الإمام صرفه في غيره.
وأمَّا إن جعله في الفقراء أو فيما لو رفع إلى الإمام لفعل 2 به مثل ذلك أو يراه سدادًا 3 لم تغير وصيته؛ لأنه فعل صوابًا، وللاختلاف في ذلك إذا مات عن غير وصية، هل يجري مجرى الفيء ويحل للأغنياء أو يكون مقصورًا على الفقراء؟ واستشهد من أجازه للأغنياء بمسألة الولاء، ولا يصح أن يسوغ للأغنياء بعد القول إنَّ هناك وارثًا لم يعرف على اللقطة.
وقال ابن نافع وغيره فيمن اشترى أخاه في مرضه ولا يحمله ثلثه: لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، إلا ألا يكون له وارث فيعتق من ماله كله، ويأخذ الفضل وأباه ابن القاسم، ورأى أنه لا يرث إذا لم يحمله الثلث، وإن لم يكن له وارث 4، والأول أبين للخلاف في ذلك.
فصل [في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي]
اختلف في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي، وأرى أن يكون ذلك على ثلاثة أقسام 1: فإن كانت الوصية بالثلث لم يكن لأهل الوصايا سوى ثلث 2 ما علم به كان لواحد أو لجماعة، معينين أو مجهولين؛ لأنه هو الذي أعطاهم الميت فلا يزادون فوق ما أعطاهم.
وإن كانت الوصية بغير الثلث لواجبات عليه من زكاة, أو عتق عن ظهار، أو قتل نفس، أو كفارات، أو هدي، وضاق الثلث أتمت مما لم يعلم به؛ لأن الميت قد قصد أن ينفذ ذلك عنه، وأنه كالدين عليه ورغب في إبراء ذمته ومراعاة لقول ابن شهاب إنَّه لا يتهم في ذلك، وإنَّه يخرج من رأس المال.
وإن كانت الوصية بتطوع، وقال لفلان عشرة، ولفلان عشرون وأعتقوا عبدي فلانًا، وللمساكين كذا، فضاق الثلث، فذلك أشكل فقد قيل: إن قصد الميت إنفاذ جميع ذلك وإتمامه من ثلثي الورثة, ولهذا يقال لهم: أجيزوا وصية ميتكم، فإن لم يجيزوا رجع إلى الثلث وإلى المحاصة أو إلى التبدية بما هو أوكد، فعلى هذا تنفذ الوصية مما لا يعلم به؛ لأنه إذا رغب في إتمام ذلك من غير ماله، وهم الورثة كان أحرى أن ينفذوه من مال نفسه.
وقيل: محمل الوصية على ثلثه لا غير ذلك، فعلى هذا لا يقال للورثة أجيزوا وصية ميتكم؛ لأن الميت لم يعلق الوصية بشيء من الثلثين ولا تدخل الوصايا فيما لم يعلم به 3؛ لأنه إنما قصد
المحاصة في الثلث.
واختلف عن مالك في المدبر في الصحة والذي ثبت عليه أنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم.
واختلف في المدبر في المرض، والذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل إلا فيما علم 1.
والفرق بين المدبرين أن الصحيح قصد إلى عتقه من محصول 2 ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته العشرون سنة وأكثر.
والمدبر في المرض يتوقع الموت من مرضه ذلك، وهو عالم بمالة وإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه، وهذا إذا مات من مرضه ذلك، فأمَّا إن صح ثم مات من مرض آخر أو من غير مرض صار كالمدبر في الصحة.
ويختلف في المبتل في المرض، هل يدخل فيما لم يعلم؟ وأن يعتق فيه أحسن؛ لأن الميت أعتق وهو يرجو أن يجيز له الورثة ذلك من ثلثهم، فهو في إجازة ذلك من ماله لو علم به أرغب، وكل مال مات عنه وهو لا يقدر على التصرف فيه لما تعلق به من حق الغير من خدمة، أو إسكان أو حبس على معين فراجعٌ ذلك مما علم به يدخل فيه الوصايا، وكذلك ما ذهب منه ولم يقطع سقوط ملكه عنه، وفي كتاب محمد: في الآبق إذا عَادَ غاب تدخل فيه الوصايا، وإن كان يئس منه 3.
واختلف إذا قيل له: غرقت سفينتك فأيس منها ثم جاءت سالمة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يدخل فيها الوصايا، وقال: يدخل فيها ولا
يشبه ما لم يعلم، ولو قتل عمدًا فقبل أولياؤه الدية، كان مما 1 لا يعلم به، قال ابن القاسم: ولو قال: إن قبل أوليائي 2 الدية فوصيتي فيها لم تدخل فيها الوصايا 3.
قال محمد: ولكن إن عفا هو قبل موته على مال أو أوصى أن يعفى عنه على الدية دخلت فيها الوصايا 4، وإن قتل خطأ ولم يكن له حياة بعد الضرب، كان كمال لم يعلم به يختلف فيه، وإن كانت له حياة كان كمال قد علم به فتدخل فيه الوصايا.
قال: فإن أقر بدين لمن 5 يتهم عليه أو لغير ذلك ليخرج من رأس المال ولم يجز الورثة لم تدخل فيه الوصايا 6، وعلى القول الآخر تدخل فيه، وهذا إذا كان الموصي 7 ممن يجهل ويظن أن إقراره جائز، وإن كان ممن يعلم أن لورثته ألا يجيزوا دخلت فيه الوصايا؛ لأنه كان شاكًا في خروج ذلك للمقر له كالذي يشك في الخبر عن سفينته.
باب في التبدئة والحصاص في الوصايا
المأخوذ من تركة الميت من غير دين ولا ميراث، واجب ومتطوع به.
والواجب ثلاثة:
أحدها: ما يخرج من رأس المال بغير وصية.
والثاني: مختلف فيه هل يخرج من رأس المال بغير وصية؟
والثالث: يخرج من الثلث إن أوصى به، وقد تجتمع هذه الأقسام في الزكاة فإن كانت مما لم يفرط فيها وهي زكاة حب أو ثمار، أخرجت من رأس المال بغير وصية، وكذلك زكاة الماشية إن لم يكن ساع.
واختلف في زكاة العين إذا علم وجوبها ولم يفرط.
فقال ابن القاسم: إن أوصى بها أخرجت من رأس المال، وإلا فلا تخرج من ثلث، ولا رأس مال 1.
وقال أشهب: تخرج من رأس المال، وإن لم يوص 2، وهو أحسن لاجتماعهما على زكاة الحب والثمار أنها تخرج من رأس المال وإن لم يوص ولا فرق بينهما، ويقول ابن القاسم إنها بعد الوصية من رأس المال، وإن وصى بزكاة فرط فيها أخرجت من الثلث.
وقال ابن شهاب: من رأس المال.
وقال محمد فيمن علم منه أنه لا يخرج زكاته، ولعله قيل له: في مرضه أخرج زكاة مالك، فقال: لا فإذا برئت أخرجتها: فلا تخرج عنه إن لم يوص بها.
يريد: فتخرج من ثلثه، والقياس أن
تخرج من رأس المال.
وقال محمد في كتاب العتق الأول فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ثم مات عند انقضاء حجه ونفره ولم يهد عن تمتعه: يؤدى ذلك عنه من رأس المال، وإن فرط لم يؤد من ثلث ولا رأس مال، وعلى هذا من وجب عليه عتق رقبة من ظهار فإن لم يفرط أعتق عنه من رأس المال، وإن كان فرط لم يعتق عنه.
والموصى به أربعة أوجه 1:
أحدها: ما جاء به القرآن.
والثاني: ما جاءت به السُّنة.
والثالث: ما أوجبه الموصي عن نفسه.
والرابع: ما أوصى به ولم يوجبه، فإن اجتمع ذلك في وصيته وضاق الثلث ابتدئ بما جاء به القرآن، فإن فضل شيء ابتدئ فيه بما جاءت به السنة، فإن فضل شيء صرف فيما تطوع به وقد يبتدأ بما جاء في السنة قبل ما جاء في القرآن في بعض المسائل، والذي أوجبه الله -عز وجل- في أموال عباده: الزكاة، والعتق عن القتل، والعتق عن الظهار، والإطعام والنسك، والإطعام عن إماطة الأذى، والهدي، والإطعام عن التمتع والهدي، والإطعام عن جزاء الصيد والعتق، والإطعام والكسوة عن اليمين بالله -عز وجل-، فإن اجتمع ذلك في وصية بدئ بالآكد فالآكد 2، فتبدى زكاة الأموال، ثم زكاة الفطر، ثم الهدي، ثم الكفارة عن إفطار رمضان؛ لأن الزكاة لا مدخل له في وجوبها، وما دخل من وصم في الحج والصوم، فهو أدخله على نفسه، ويبدى هدي التمتع على الفدية؛
لأن المفهوم من القرآن أنه 1 آكد لعموم 2 التخيير فيه، ولأن الصوم عنه عشرة، وعن الفدية ثلاثة.
وتبدى الفدية على هدي الفساد؛ لأنها بالقرآن، ولأنها عن وصم 3 في حج صحيح فكان جبر ما دخل فيه أولى من الهدي عن الفساد؛ 4 لأنَّ الفاسد أتى ببدله صحيحًا، وإنما الهدي عن الحج المتقدم الذي لم يعتد به وصار في حكم الساقط، وكذلك إن كان هدي عن حج صحيح، وكفارة عن تعمد في رمضان بدئ بما كان في الحج؛ لأنه يجبر به ما انثلم من حجة الإسلام والإفطار قد قضاه وأتى به صحيحًا، وإنما الكفارة عن الفاسد الذي سقط حكمه, وإن كان الهدي عن فساد والكفارة عن إفطار لم يقدم أحدهما على الآخر وهما مقدمان على العتق في 5 القتل والظهار؛ لأن الأوليين عن انتهاك القرب التي هي دعائم الإسلام، وعن وصم في فرض فرضه الله -عز وجل-، والآخران عن شيءٍ أدخل نفسه فيه لم يكن أصله فرضًا 6.
واختلف في الكفارة عن القتل والظهار، فقيل: تبدى الكفارة عن القتل، وقيل: هما سواء، والأول أحسن؛ لأنه قد فهم أنه آكد لما لم ينقل منه إلى إطعام.
قال ابن القاسم في العتبية: ولأن الظهار مختلف فيه، فقد قال بعض الناس: إن وطئ قبل أن يكفر ثم طلقها فالكفارة ليست بواجبة.
قال: وهو
قول أهل المشرق، وبعض من أرضى من أهل المدينة (1). وأرى أن يبتدأ بالعتق عن القتل، فإن فضل شيء أطعم عن الظهار.
واختلف بعد القول إنههما سواء، فقيل:] (2) بقرع بينهما، وقيل: ذلك للورثة يعتقون عن أيهما شاءوا ثم كفارة الأيمان (3).
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا أوصى بزكاة فرط فيها وبزكاة فطر وكفارة ظهار وقتل وجزاء صيد وكفارة أيمان، فهذه الواجبات كلها لا يبدى بعضها على بعض (4)، وهذا خارج عن المعروف من المذهب.
فصل [في حكم الوصية إذا كانت بأشياء متعددة ليس بعضها أولى من بعض]
وإن لم يكن في الوصايا شيء مما تضمنه القرآن أو جاءت به السنة وكانت كلها وصية ولم يوجب شيئًا، تحاصوا إلا العتق، فإنه يبدى.
قال مالك: السُّنة المعمول بها أن العتق مبدى على الوصايا إذا كان بعينه 5. وقال أشهب 6: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر قضوا بذلك وإن كانت وصايا وبتل بدي البتل على الوصايا إلا أن تكون الوصية بشيء مما تضمنه القرآن ويعلم أنه أراد به براءة ذمته كالزكاة والعتق عن القتل والظهار فيبدى إذا أوصى بذلك1234
قبل البتل 1 وإن أوصى به بعده يدي ما بتله 2 قبل 3. قال في المدونة: الزكاة تبدى على المدبر في المرض والمبتل 4، فإن بتل عتق عبدين في كلمة، تحاصا.
وقيل: يقترعان، وإن أعتق واحدًا بعد واحد يدي الأول؛ لأنه ليس له أن يحدث ما ينقص عتق الأول، بن اختلفت صفة التبتيل يدي الآكد ومن يرى أن الميت آثره على الآخر.
والتبتيل على خمسة أوجه: وهو أن يقول للعبد: هو حر الآن.
والثاني: هو حر بعد موتي مت أو عشت وأوجبت أَلَّا أُغَيِّرَ ذلك.
والثالث: هو حر بعد موتي وأوجبت له ألا أغير وصيتي 5، وإن عشت فهو رقيق.
والرابع: هو حر ما لم أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر، فبتل له العتق وإن عاش.
والخامس: هو حر بعد موتي ولا أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر متى مت، وهذا في المدبر في المرض.
وهذا كله تبتيل؛ لأن البتل: القطع، والإنجاز، ورفع الخيار، إما جملة أو في إحدى الحالات إلا أن أحكامه مختلفة.
وقال مالك في المدونة: في المبتل والمدبر في المرض يتحاصان 1. وقال في المجموعة: إلا أن تكون لهم أموال مأمونة فيبدى المبتل 2، وكذا على أصله مبتلان: أحدهما: عجل 3 له العتق في المرض، وأخر الآخر لبعد الموت يتحاصان 4، ورأى أن الأمر الذي 5 بينهما يسير فكان بمنزلة موصى بعتقه إذا مات، والآخر إلى أجل قريب أنهما يتحاصان.
وقال مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب: إنَّ المبتل يبدى.
وهو أحسن، وهو أن يبدى من عجل له العتق في المرض على المدبر وعلى المبتل بعد الموت؛ لأن الميت وكل أولئك للفاضل بعد الموت، ثم المدبر في المرض والمبتل لبعد الموت عاش أو مات لا يبدى أحدهما على الآخر على ظاهر المذهب، وقال ابن أبي 6 أويس في المبسوط: يبدى المبتل وهو أحسن 7؛ لأنه آثره إن عاش كان حرًا وأخر الآخر لبعد الموت، ثم من جعل لنفسه فيه الخيار إن عاش، ثم من جعل فيه الخيار ما لم يمت، وكل هؤلاء مبدون على من وصى بعتقه ولم يوجب له العتق في حالة من الأحوال.
وقال محمد: اختلف قول مالك في عتق المبتل في المرض مع عتق الوصية.
يريد: إذا أوصى بعتقه وأوجب ألا تغير وصيته ولم يرد أنه أوصى به وجعل
لنفسه الخيار.
وقال أشهب: يتحاصان، وكأنه قال: أنتما حران إن مت وإن عشت فأنت يا فلان حر 1. أي أوصى بعتقهما، وله أن يغير وصيته فيهما ما لم يمت فإن مات كانا حرين، كان عاش كان هذا حرًا والآخر رقيقًا فسوى بينهما في المرض ما لم يمت أنه يرجع عنهما إن شاء، وإنما فرق بينهما إذا عاش فالبتل وقع ها هنا لبعد الموت ولم يرد أنه عجل عتقه فيحاص به الموصى بعتقه، وكل هذا إذا كان العتق في كلام واحد بكتاب أو بغير كتاب، وإن كانا مفترقين يدي الأول فالأول إذا كان إيجابًا لا خيار فيه، وإن جعل لنفسه الخيار في واحد ما لم يمت، وإن عاش فهو حر ثم بتل عتق آخر فإن مات بدئ المبتل، وإن عاش أعتقا جميعًا، وإن كان عليه دين بدئ الأول الذي أوجب عتقه؛ لأنه لم يكن له أن يحدث ما يمنع ما أوجب للأول إن عاش، قال محمد فيمن بتل عتق عبده في مرضه ثم استدان دينًا يحيط بمالة فإن صحَّ نفذ عتقه، وإن مات من مرضه بيع للغرماء 2، فإن قال في عبد هو حر بعد موتي وفي آخر هو حر بعد سنة بدئ بالمعجل.
واختلف إذا قال في الآخر: هو حر بعد شهر، فقال مالك وابن القاسم: يتحاصان والشهر قريب 3. وقال أشهب في كتاب محمد: يبدى المعجل إلا أن يكون الأجل اليوم واليومين والثلاثة 4. وقال محمد: وإن كانا مؤجلين بعيدين وأحدهما أبعد تحاصا.
وقال ابن القاسم: إن كان أحدهما إلى سنة والآخر إلى عشر سنين أو عشرين سنة تحاصا 5. والقياس أن يبدى الأقرب؛ لأن المفهوم
من الميت أنه آثره على صاحبه بتعجيل العتق، ولا فرق بين أن يكون أحدهما عتيقًا من غير أجل والآخر إلى سنة والآخر إلى عشر؛ لأن الميت سوى بينهم في أن جعل في كل واحد عتقا وخالف في التعجيل، وإن عجل عتق أحدهما بغير مال والآخر على مال أو أوصى بأن يكاتب بجعل 1 بدئ بالذي لم يجعل عليه مالًا ولا كتابة.
واختلف إذا عجل المال، فقال ابن القاسم: يتحاصان 2. وقال غيره: التبدية 3 على حالها، وهو أحسن؛ لأن المراعى قصد الميت فيما جعل لهما ليس ما تطوع به الآخر بعد الموت، وإن عجل الميت العتق لأحدهما وأخر الآخر إلى سنة فأسقطت الورثة عنه الخدمة، أو جعل الخدمة لرجل سماه وأسقطها عنه لم يتحاصا، فكذلك تعجيل المال، وإن قال: أعتقوا هذا وضعوا عن هذا كتابته، يتحاصا، وإن قال: ضعوا عن هذا كتابته 4 وكاتبوا هذا، يدي من وضعت كتابته على من يكاتب.
واختلف إذا قال: كاتبوا هذا وأعتقوا الآخر إلى سنة, فقيل: يتحاصان ثم يعتق من كل واحد منهما في الحصاص بتلا 5، وقيل: يبدى المعتق إلى أجل لأن المكاتب يرقب فيه العجز فإن لم يحمله الثلث خُيِّر الورثة بين أن يعتقوه إلى الأجل، أو 6 تكون لهم الخدمة، أو يعتقوا ما حمل الثلث منه بتلًا.
واختلف إذا حمله الثلث، فقيل: يعتق إلى الأجل؛ لأن الميت لم يجعل له من المعتق أكثر من ذلك فلا يزاد على ما جعل له الميت بخلاف إذا لم يحمله الثلث، وقيل: يعتق بتلًا؛ لأنَّ الوصايا إذا عالت على الثلث ولم يجز الورثة خرجوا من ثلث الميت، فإن أعتق هذا إلى الأجل بقيت لهم الخدمة وهي بقية الثلث فيكونون لم ينفذوا وصية الميت ولا خرجوا من جميع الثلث، وهذا الجواب فيما كان في ملكه، وإن كانا في غير ملكه فقال: اشتروا عبد فلان وعبد فلان ثم أعتقوهما، والثلث قدر أحدهما ورضي السيدان بالبيع تحاصا، وإن لم يرض أحدهما أعتق جميع الآخر لأن الميت كان يترقب ألا يرضي أحدهما، وقيل في هذا الأصل: إنَّ للورثة أن يتحاصوا بما ينوب الآخر، قاله مالك فيمن أوصى لرجلين لكل واحد منهما بعشرة فلم يرض أحدهما هل يحاص بنصيبه ويكون الذي ينوبه كمال لم يعلم به؟
واختلف إذا كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال مالك: يبدأ بالمعين 1. وقال الليث وابن أبي حازم في كتاب محمد: يتحاصان.
والأول أحسن، وإنما الحصاص للمعينين؛ لأن كل واحد منهما يقوم بحقه ويقول: ليس هو أحق به 2 مني ولا مقال لغير معين، ولأن السلامة من عيب الشرك أولى؛ لأن عتق البعض ضرر عليه في الموارثة والخراج وكثير من أموره على أحكام العبدية 3.
واختلف إذا كان أحدهما في ملكه والآخر معين في غير ملكه، فقال
مالك: يتحاصان، وقال في كتاب (1) محمد: يبدأ بالذي في ملكه، وهو أبين لأن الميت مترقب في الذي في غير ملكه هل يباع أم لا؟ وليس يقصد أن يؤخر عتق من في ملكه، حتى ينظر هل يباع الآخر؟ وإن كان الذي في غير ملكه غير معين بدئ بمن هو في يديه قولًا واحدًا.
فصل [فيما إذا كانت هبات وبتلها معًا، وما إذا كانت مفترقة]
وإن كانت هبات وبتلها معًا تحاصا، وإن كانت مفترقة بدئ بالأول فالأول.
ويختلف إذا حوز 2 الثاني هل ينقض ويبدى الأول لأنه بمنزلة صحيح وهب هبة ثم وهبها لآخر وقبضها الثاني ثم تنازعاها ولم يقع فلس ولا موت، فاختلف هل يكون الأول أولى أو الحائز؟ وكذلك حوز الثاني لا ينقض ليتم حوز الأول 3؛ لأنه لو وهب في المرض هبة لرجل ثم وهبها لآخر وحازها الثاني ثم تنازعها من وهبت لهما لكانت على الخلاف؛ لأنه وإن كان هبة المرض لا تحتاج إلى حوز لما كانت في الثلث، فإنها بمنزلة الصحيح إذا حاز الثاني ولم يقع فلس ولا موت فلا يكون حوز الثاني في الهبة الثانية أدنى رتبة من الهبة الواحدة إذا حازها الثاني.
وإلى هذا ذهب ابن الماجشون إلى أنه يراعى الحوز في مثل هذا وإن كانت الهبة في المرض، وخالفه أصبغ 4. وإن بتل1
هبة في المرض ووصى بأخرى يدي المبتل منها على الموصى له.
ويختلف إذا بتل واحدة في المرض وأخرى لبعد الموت هل يبدى ما بتله في المرض أو يتحاصا حسبما تقدم في المعتقين؟ وإن كان عتقًا وعطية وبتلهما معًا بدئ العتق.
قال ابن الماجشون لحرمته، وكذلك إن لم يكونا معًا وبدي العتق، وإن بتل الهبة ثم أعتق في مجلس آخر فإن كان قد حوز الهبة قبل العتق بديت.
ويختلف إذا لم يحوز الهبة، فقال أشهب وعبد الملك: تبدى الهبة على العتق، وعلى القول الآخر يبدى العتق؛ لأن العبد حائز لنفسه، وإن لم يحرم 1، وعلى القول الآخر إنَّ حوز الثاني فوت يمضي العتق، وعلى القول الآخر ينقض العتق لتتم الهبة، وإن باع في المرض وحابى كان حكم المحاباة حكم هبة التبتيل، فإن كان معه وصية بمال بديت المحاباة، وإن كان معه عتق بتل قارن 2 البيع يدي العتق، وكذلك إن بتل العتق قبل، ويختلف إذا كان العتق بعد المال 3.
تمَّ كِتَابُ الوصايا الأول مِن التبصرة, والحمدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ