باب في بيع الذهب والفضة جزافًا
بيع الذهب والفضة جزافًا جائز إذا كان تبرًا أو نقارًا أو حليًا مصوغًا، ولا يجوز إذا كان دنانير أو دراهم يتبايع عددًا بغير وزن 1.
واختلف إذا كانت تباع على الوزن بالمنع والكراهية:
فقال أبو الحسن ابن القصَّار: كره مالك بيع الدنانير والدراهم جزافًا 2.
وقال في موضع آخر: قول مالك على طريق الكراهية.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا بيعت جزافًا لم أرَ أحدًا من أصحابنا يجترئ على فسخ البيع فيها.
وهذا هو الصحيح، أن لا فرق بين التبر والنقار والمسكوك، فإن لم تكن العادة في بيع شيء من ذلك جزافًا- لم يجز، وإن كانت لهم عادة حتى صاروا يعرفون حَزْر ذلك ولا يخطئوا الحزْر فيه عن الوزن إلا يسيرًا جاز، وإن كان يتفاوت لم يجز في تبر ولا مسكوك.
فأجاز محمد أن يباع الحلي المحشو جزافًا ما لم يعلم البائع وزنه فيكتمه 3.
يريد: إذا كان هناك دليل يدلُّ على ما فيه، إما لأنهم قطعوا طرفًا منه ليستدل به على كثافته من رقته أو بغير ذلك وإلا لم يجز؛ لأن الغرر فيه يعظم، وقد يستخف ذلك في الخاتم إذا كان ذهبه أو فضته تبعًا للفص؛ لأن
الغرر فيه يخف.
وهذا في بيع أحد الذهبين بغير جنسه، الذهب بالفضة، أو أحدهما بعرض، فإن كان جنسًا واحدًا -ذهبين أو فضتين- لم يجز أن يباع أحدهما بالآخر جزافين 1 ولا جزافًا بوزن.
باب [فيمن استقرض دنانير أو دراهم أفضل أو أوزن أو أكثر]
ويجوز لمن استقرض دراهم أن يقضي أفضل عينًا وأفضل فضة إذا كان الوزن سواء، وإن كان الفضل في الوزن أو العدد كان على ثلاثة أوجه:
فإن كان القرض مائة درهم عدد، أو وزن كل درهم نصف درهم فقضي مائة وازنة- جاز.
وإن كان زاده في العدد فقضى مائة درهم ودرهمًا أو أكثر من ذلك كره، وإن كانت الأولى بميزان جاز الرجحان إذا كان يسيرًا، ويكره ما أكثر من ذلك، وهذا قوله في المدونة 1.
وأجاز عيسى بن دينار عند ابن مزين ذلك في العدد والوزن من غير مراعاة لقلة ولا غيرها.
قال: وأخبرني ابن وهب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في السلف أكثر عددًا.
وأجاز أبو محمد عبد الوهاب مثل ذلك أن يقضي أفضل صفة 2 وأكثر عددًا 3.
وهذا هو الصحيح 4، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا، فقضي جملًا خيارًا رَبَاعِيًّا، ثم قال: "إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً" 5، فبان
بهذا أن النهي عن سلف جر منفعة فيما كان بشرط، وأنه لا بأس به إذا لم يشترط على أي وجه كان، قياسًا على فعله، ولعموم قوله: "فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" فمن زاد في العدد أو في الوزن فيما كان أخذه على الوزن فقد أحسن القضاء.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا قضى أكثر عددًا فلا خير فيه وإن صح؛ لأنه ذريعة للحرام (1).
فأخبر أن ذلك ليس بحرام إنما هو حماية، والحماية في العدد والوزن واحد إذا كان القرض مائة ووزن كل درهم منها نصف، فقضى كل درهم وازنًا.
فصل [في اختلاف القرض والقضاء]
وإذا اختلف القرض والقضاء، وكان الفضل من أحدهما من المقرض أو المستقرض- جاز ذلك، وإن كان من 2 كل واحد منهما فضل واختلف الوزن لم يجز، وإن اتفق الوزن كان على القولين في القضاء، هل هو كالمراطلة؟
مثال ذلك: أن يستقرض مائة وزنها نصف نصف 3، ويقضيه مائة وازنة، فإن كانت الفضة والسكة سواء، أو كانت الفضة 4 أجود أو السكة- جاز ذلك.1
= برقم (2182)، ومسلم: 3/ 1224، في باب من استلف شيئًا فقضى خيرًا منه، من كتاب المساقاة، برقم (18/ 1600)، واللفظ لمسلم.
وإن كانت إحداهما أدنى -الفضة أو السَّكَّة- والأخرى أجود لم يجز، ودخله الرِّبا والتفاضل في الوزن؛ لأن المقرض حينئذٍ ترك فضل فضته أو سكَّته لمكان فضل وزن دراهم 1 الآخر.
وإن قضاه خمسين درهمًا وازنة وهي أجود فضة أو سكة جاز على أحد القولين؛ لأن الوزن واحد، فصار كالمراطلة.
وإن كانت الخمسون منها 2 وزن كل درهم منها نصف أو ربع جاز ذلك؛ لأن المقرض يأخذ دون حقه، والتفاضل من ناحيةٍ واحدة، إلا أن تكون هذه الخمسون أطيب فضة وأنفق سكة فلا يجوز، ويدخله الرِّبا؛ لأن المقرض ترك فضل العدد لموضع ما أخذ من جودة الفضة والسكة.
وإن كان وزن كل درهم أكثر من درهم لم يجز؛ لأن فضل الوزن لموضع فضل العدد، وعلى هذا يجري الجواب في الذهب.
وأما الطعام -القمح والشعير وما أشبه ذلك- فالفضل فيه في القضاء من وجهين: الصفة والكيل، فإن قضى أفضل صفة جاز، وإن قضى أكثر كيلًا جاز إذا كان يسيرًا على قول ابن القاسم 3، وعلى القول الآخر يجوز وإن أكثر.
فصل [في قضاء المحمدية من اليزيدية، واليزيدية من المحمدية، وقضاء المحمولة من السمراء، والسمراء من المحمولة]
ومن اقترض 1 مائة درهم يزيدية فقضاه مائة محمدية جاز ذلك قبل الأجل وبعده، فإن قضاه تسعين محمدية لم يجز قبل الأجل ولا بعده؛ لأن المحمدية أفضل فكان القابض قد ترك وزن اليزيدية لموضع فضل عيون المحمدية وذلك ربًا.
وإن كان القرض مائة محمدية فقضاه مائة يزيدية جاز ذلك بعد الأجل ولم يجز قبله، ويدخله "ضع وتعجل".
فإن قضاه مائة وعشرة يزيدية، لم يجز قبل الأجل ولا بعده.
ومن أقرض رجلًا مائة إردب سمراء، فقضاه مائة محمولة، جاز بعد الأجل، ولم يجز قبله.
وإذا كان القرض مائة محمولة فقضاه مائة سمراء جاز ذلك بعد الأجل، واختلف فيه إذا لم يحل الأجل، فقيل 2: ذلك جائز؛ لأن السمراء أجود وقد تعجل ما هو أفضل 3.
وقيل: لا يجوز؛ لأنها مما تختلف فيه الأغراض، والمحمولة قمح مصر
وزريعته، فقد يفضل 1 للحاجة إلى ذلك عند 2 الزريعة.
والأول أحسن؛ لأن السمراء أفضل وأغلى إلا أن يكون دفع السمراء عندما احتيج إلى المحمولة.
باب في الدنانير القائمة والأفراد والمجموعة والحلي والتبر والقمح والدقيق يقتضى بعضه من بعض
الدنانير القائمة والأفراد والمجموعة في القضاء على ثلاثة أقسام:
فتجوز القائمة والأفراد والمجموعة 1 أن يقتضى 2 بعضها من بعض من غير مراعاة لأيهما تقدمت في الذمة.
ولا يجوز في الأفراد والمجموعة أن يقتضى بعضها من بعض على كل 3 حال.
ويجوز أن تقتضى القائمة من المجموعة، ولا تقتضى المجموعة من القائمة، هذا قوله في الكتاب 4.
والصواب أن تقتضى المجموعة من القائمة، كما يجوز أن تقتضى القائمة منها، والقائمة يزيد كل دينار منها حبة على الوازن، والأفراد ينقص كل دينار منها حبة عن 5 الوازن 6، فجاز أن تقتضى إحداهما من الأخرى 7؛ لأن
الفضل من ناحية صاحب القائمة وهو أحسن القضاء، إن أخذت من 1 الأفراد، ومسامحة من المقتضي إن تركها وأخذ الأفراد إلا أن تكون القائمة أقل عددًا فتدخله مبايعة؛ لأنه ترك فضل أعداد الأفراد لموضع فضل 2 عيون القائمة وذلك ربًا.
والمجموعة مختلفة الوزن، منها ما ينقص قيراطًا وأقل وأكثر، ويدخل فيها ما وزنه نصف وثلث إلا أن الوزن يجمعها، فمن كانت له مائة مجموعة أخذ مائة بالصنجة فيدخلها مع الأفراد المبايعة؛ لأن للأفراد فضل عين وللمجموعة فضل وزن، فجعلا فضل العين لموضع فضل الوزن وذلك ربًا، إلا أن يسقط فضل وزن المجموعة ويأخذ الأفراد بوزن المجموعة سواءً فيجوز، ويصير الفضل من ناحية واحدة وهو من صاحب الأفراد، إلا أن يكون لكثرة العدد عندهم فضل فيجوز على القول أن الاقتضاء كالمراطلة.
وأما القائمة والمجموعة فيجوز أخذ بعضها عن بعض إذا لم يكن لكثرة العدد عندهم فضل؛ لأن الفضل لصاحب القائمة، فإن أخذت عن المجموعة كان حُسنُ قضاءٍ من الغريم، وإن أخذت المجموعة عنها كانت تجاوزًا من القابض؛ لأنه أخذ ما هو أدنى في الوزن والعين، وإن كان للعدد عندهم فضل 3 لم يجز أيهما تقدم في الذمة أو تأخر؛ لأن في مقابلة فضل وزن القائمة وفضل عينها فضل عدد المجموعة، وذلك ربًا لأنها مبايعة، وليست بمعروف إلا أن يتساويا في الوزن.
وأجاز ابن القاسم إذا أسلف قائمة بمعيار، أو باع بقائمة وزنها كذا وكذا أن يقضي مجموعة بمثل ذلك الوزن، وإن كانت المجموعة أكثر عددًا 1، وهذا هو أحد القولين أن الاقتضاء كالمراطلة.
ومدار هذه المسائل وما بعدها على ثلاث 2:
فمتى كان الفضل من جنبة 3 واحدة جاز؛ لأن ذلك تفضل من الدافع أو القابض، وإن كان لكل واحد منهما فضل سَكَّة أو ذهب واختلف الوزن، حرم.
وإن استوى الوزن كان على قولين في الاقتضاء هل هو كالمراطلة؟ وعلى هذا يجري الجواب في الدنانير و 4 التبر إذا اقتضى التبر عن الدنانير أو الدنانير عن التبر.
فإن كان التبر أفضل وزنًا حرم؛ لأن فضل الوزن لموضع فضل السكة، وإن استوى الوزن وجودة الذهب أو كان ذهب التبر أدنى أو كان التبر أقل وزنًا وأدنى جودة- جاز؛ لأن الفضل من صاحب الدنانير وحده.
وإن كان التبر أجود نظرت إلى الوزن، فإن كان سواءً جاز على أحد القولين 5 إنه كالمراطلة، وإن كان التبر أقل وزنًا لم يجز، وكان ربًا؛ لأن فضل وزن الدنانير وفضل السكة في مقابلة جودة الذهب.
ومثله الحلي والتبر، فإن كان التبر أكثر لم يجز، وسواء كان في الجودة مثل ذهب الدنانير أو أجود أو أدنى.
وإن استوى الوزن والجودة، أو كان التبر أدنى أو أقل وزنًا جاز؛ لأن
الفضل من ناحية صاحب الدنانير، وإن كان ذهب التبر أجود وهو أقل وزنًا لم يجز، وإن كان مثل وزن الدنانير جاز على أحد القولين إنه كالمراطلة.
وإن كان دنانير أو حليًّا واختلف الوزن لم يجز بحال؛ لأن السكة والصياغة كالعرضين وهما مما تختلف فيهما الأغراض، ولا يقال: إن أحدهما أفضل من الآخر؛ لأن هذه تراد لما لا يراد له الآخر.
وإن استوى الوزن كان فيهما قولان: الجواز والمنع، وسواء استوى الذهبان في الجودة أو اختلفا.
فمنع ذلك مالك مرة 1 في كتاب محمد، وقال: يفسخ إذا فعلاه.
وأجازه في مختصر ابن عبد الحكم فيمن أصدق امرأة دنانير أن يعطي عنها حليًّا مثلًا بمثل 2.
وأجازه في الكتاب إذا كانت له دنانير قائمة بوزن أن يأخذ مجموعة بوزنها 3.
وأجاز ذلك أيضًا فيمن كان 4 له قمح أن يأخذ عنه دقيقًا بكيله، وإن كان قد ترك الريع لمكان 5 الطحين، وكل هذا مختلف فيه إذا كان اقتضاءً، وأجيز في المراطلة.
ولا فرق بين المسألتين، فإما أن يجوز ذلك فيهما جميعًا في الاقتضاء
والمراطلة وتكون السَّكَّة والصياغة في معنى اللغو، أو يمنع فيهما جميعًا ويُقَدَّر بمنزلة سلعة وذهب بسلعة وذهب.
فصل [في اقتضاء الدقيق عن القمح، والقمح عن الدقيق]
واقتضاء الدقيق من القمح على ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا سواء في الكيل، أو يكون الدقيق أكثر كيلًا، أو أقل كيلًا: فإن كان في مثل كيله جاز.
وقال ابن القاسم: وإن كان قد ترك ريع القمح لموضع طحن الدقيق 1.
قال الشيخ: أخذ الدقيق من القمح تدخله المبايعة، فإن كانت الجودة سواء، كان ريع القمح لمكان الطحين، وإن كان الدقيق أجود، كان الريع لمكان الطحين والجودة، وإن كان الدقيق أدنى، كان ريع القمح وجودته لمكان الطحين، فالمبايعة 2 لا تفارقه بحال، وهذا على أصله في جواز بيع القمح بالدقيق 3. وأما على ما ذكره عبد الوهاب فيمنع هذا كله 4.
وإن كان الدقيق أكثر كيلًا وأقل من ريع القمح لم يجز، وإن كان مثل ريع القمح بأمر لا شك فيه والجودة سواء جاز؛ لأن الفضل من الغريم وحده، وهو حُسنُ قضاءٍ.
وإن كان الدقيق أدنى في الجودة لم يجز.
واختلف إذا كان أقل كيلًا، فمنعه ابن القاسم 1. وأجازه أشهب إذا كانت الجودة سواء 2.
وهو أحسن إذا كان أقل بالشيء الكثير مما يرى أنه معروف من القابض، وأن مثل ذلك لا يترك لوضع الطحين.
ومثله إذا كان أقل كيلًا وأدنى جودة فذلك جائز، وإن كان أقل وأجود لم يجز قولًا واحدًا، وهذا في القرض، وكرهه ابن القاسم في البيع، وذلك كله مع حلول الأجل، وأما إذا لم يحل الأجل وأخذ دقيقًا مثل كيل قمحه لم يجز؛ لأنها مبايعة، وإذا كانت مبايعة كان طعامًا بطعام ليس يدًا بيد إلا على القول ببراءة الذمم فيجوز.
وإن كان الدقيق أقل كيلًا لم يجز، ويدخله "ضع وتعجل" إذا كانا في الجودة سواء، أو الدقيق أدنى، وإن كان الدقيق أجود 3 كان ربًا، وإن تعجل الدقيق على القمح قبل الأجل لم يجز عند أشهب، ويدخله على قوله "ضع وتعجل" 4.
باب في مبادلة الدينار بأوزن منه أو أكثر
التفاضل بين الذهبين محرم إذا كان على وجه المبايعة، ويفترق الجواب إذا كان على وجه المعروف، وهو على ثلاثة أوجه:
فيجوز بدل دينار بأوزن منه إذا كان بغير ميزان، ويمنع إذا كان بميزان هذا في كفة وهذا في كفة، وفضلا بينهما في الوزن.
واختلف في بدل دينار بدينارين من سكة واحدة، فمنعه أشهب، وأجازه المخزومي وإن كان أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل.
وكذلك النَّسَاء بين الذهبين محرم على وجه البيع، ويجوز على وجه المكارمة والمعروف، وهو القرض، فبيع مائة دينار بمثلها إلى أجل ربا وحرام، وسلف مائة دينار ليرد مثلها إلى سنة جائز، ولا فرق بينهما إلا أن هذا على وجه المعروف والآخر على وجه المكايسة.
وإذا كان ذلك وجاز التفاضل في بدل دينار من الأفراد بدينار 1 من القائمة 2 بغير ميزان- جاز ذلك في مجموع بقائم، وإن فضلا بينهما في الوزن فقد يقول صاحب القائم: لا أرضى بدفعه إلا أن يكون نقص الآخر قيراطًا أو قيراطين، فإن كان أكثر لم أفعل، ويقول الآخر: هذا دينار ينقص قيراطًا وحاجتي إلى وازن، فيزن له الآخر ليعطيه الوزن الذي أحب.
فصل [في مبادلة الدينار بأوزن منه]
ويجوز عند مالك بدل الدنانير بأوزن منها، وذلك بثلاثة شروط:
أن تكون سكتها واحدة وذهبهما واحد سواء، أو يكون ذهب الأوزن أجود، فإن كانت سكة أقلهما وزنًا أفضل أو كان ذهبه أجود لم يجز 1.
واختلف إذا كان سكة الأوزن أجود، فكرهه ربيعة ومالك، وقال ابن القاسم: لا بأس به عندي.
وقد كان شيخنا أبو الطيب 2 يقول في قول مالك: إن ذلك لأن السكك يختلف نفاقها في البلدان، فتكون في بلد بخيسة وفي آخر نافقة.
وقد كان ذلك في الدينار المستنصري والتجاري، مضى لهما وقت والمستنصري أفضل في الصرف بنحو ربع الثمن وعيارهما واحد، فخشي مالك أن تكون المبادلة لأن السكة الأدنى أحسن 3 وزنًا من النافقة 4 في بلد آخر، فتدخله مبايعة.
ويجوز بدل دينار طيب بدينار مغشوش بنحاس أو فضة إذا كانت السكة واحدة؛ لأن ذلك مكارمة من صاحب الجيد، وكذلك دينار صحيح طيب
بدينار من هذه الرباعية وإن كانت محمولة بفضة؛ لأن ذلك مكارمة من صاحب الدينار الطيب (1). وقال أشهب في المدونة في بيع درهم مغشوش بدرهم طيب: لا بأس به، قال: وإنما يشبه هذا البدل (2). وقد مضى في كتاب القسم بدل قمح جيد بطعام غلث (3) أو مسوس (4).
فصل [فيما يسمح به في إبدال الناقص بالوازرن]
يجوز عند مالك بدل الدينارين والثلاثة بأوزن منها 5.
واختلف عنه في الستة.
وكره ما كان أكثر 6 من ذلك.
وأجيز النَّسَاء في القرض وإن كثر.
وأجيز أيضًا ما أكثر في 7 الجيد والرديء 8 إذا استوى الوزن.1234
باب في بيع الذهب بالذهب مراطلة
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن صارف رجلًا بدنانير سكة مضروبة ذهبًا أصفر بتبر مكسور إبريز أحمر وزنًا بوزن: لا بأس به 1.
وكذلك بدل الدنانير بالدنانير أحدهما أجود سكة والآخر أجود ذهبًا، والدنانير بالحلي أحدهما أنفق سكة أو صنعة والآخر أجود ذهبًا، فلا بأس بذلك كله عنده إذا استوى الميزان.
وقال الشيخ أبو الحسن ابن القصار - رضي الله عنه -: لا يجوز أن يتراطلا بخلخالين من فضة أو ذهب بمثلهما 2 مسكوكًا حتى تستوي الجودة، جودة الحلي وجودة الدنانير، فإذا استوى الذهبان جاز، ولم يراع نفاق السكة والصياغة عند الناس؛ لأن السكة عين، والصياغة زيادة جودة، فزيادة الجودة خلاف العين، وقد قيل: إنه يراعى ذلك فيهما، قال: الأول أحسن.
قال الشيخ: ولا فرق بين السكة والصياغة، فإما أن يقال 3 يلغى حكمهما جميعًا، فيجوز وإن اختلف الذهبان ويكون بمنزلة تبر بتبر، أو يراعيان جميعًا فيمنعان، فيكون بمنزلة ذهب وعرض بذهب وعرض.
وإن كان من عند أحدهما دنانير سكة واحدة ومن عند الآخر سكتان، فإن كانت السكة المنفردة أجود من السكتين أو أدنى منهما جازت المراطلة؛ لأنا لا نجد في فعلهما ذلك مبايعة، وإنما هو معروف من صاحب الجيدة
لصاحب الدنيئة.
وإن كانت المنفردة أجود من إحدى السكتين وأدنى من الأخرى لم يجز؛ لأن هذه مبايعة ترك فضل الجيدة 1 لمكان ما معهما من الدنية، فلو فُضَّت المنفردة على قيم السكتين كان الذي ينوب الجيدة أكثر من خمسين والأخرى دون ذلك، وكذلك إن ظهر في أحدهما على عيب لم يرجع في نصف الدنانير 2؛ لأن الذي ينوبهما مختلف.
واختلف إذا كانت المنفردة مثل إحدى السكتين والأخرى أجود أو أدنى، فأجازه ابن القاسم، ومنعه سحنون.
مثال ذلك أن يخرج أحدهما مائة دينار عتقًا، والآخر خمسين عتقًا وخمسين هاشمية، فرأى 3 ابن القاسم أن الخمسين العتق تقابل الخمسين العتق، وتكون المراطلة في خمسين عتق بخمسين هاشمية 4.
وقول سحنون أحسن؛ لأني لا أجده جعل المراطلة مائة بمائة إلا لغرض لهما في ذلك، ولو كان القصد من صاحب المائة العتق مكارمة لصاحب الهاشمية لراطله 5 خمسين عتقًا بخمسين هاشمية، وأبقى الخمسين التي يأخذ مثلها لنفسه، ولم يدخلها في المراطلة، إذ لا فائدة له في ذلك، فلما امتنع أن يتطول عليه بخمسين إلا بشرط أن يعاوضه بخمسين أخرى علمنا أن ذلك
لغرض لهما في ذلك، فكان المنع أولى.
وكذلك إن كان من ناحية دنانير 1 مسكوكة ومن ناحية تبران، فإن كانت المسكوكة أجود من التبرين أو أدنى منهما فذلك جائز، وإن كانت أجود من إحداهما، وأدنى من الأخرى فهو فاسد.
وكذلك إن كانت من ناحية دنانير مسكوكة ومن ناحية دنانير وتبر، فإن كانت السكة المنفردة أجود من الدنانير والتبر أو أدنى فذلك جائز.
وإنما يراعى في الدنانير المسكوكة نفاقها على هيئتها ولا يراعى صفة ذهبها؛ لأنها إذا كانت مسكوكة كانت غير مراعاة، وإنما تراعى على ما ذهب إليه الشيخ أبو الحسن الجودة في الذهوب والتبر وذهبها 2، وعلى القول الآخر يراعى الذهب والسكة.
فإن كانت الدنانير المنفردة أنفق من الدنانير والتبر وذهبها أدنى لم يجز؛ لأنها إن أجريت على حكم البياعات في القبض وفيما ينوب كل واحد منهما كان في العين متفاضلًا.
وإن كانت السكة المنفردة أنفق من الدنانير ودون التبر، أو أنفق من التبر ودون الدنانير، لم يجز، وإن كانت الدنانير المنفردة مثل الدنانير الأخرى والتبر أجود أو أدنى- جاز ذلك على قول ابن القاسم، ولم يجز على قول سحنون.
وكذلك إذا كانت أربع ذهوب، من ناحية دنانير وتبر، ومن 3 الناحية الأخرى مثل ذلك.
وإن كان الفضل في النفاق والجودة سواء 1 جاز ذلك وإن تساوت السكتان واختلف التبران، وإن 2 اتفق التبران واختلفت السكتان 3، جاز على قول ابن القاسم، ولم يجز على قول سحنون.
وقد تقدم على 4 قول ابن القاسم إذا كان من عند أحدهما دنانير ذهب أصفر، ومن عند 5 الآخر ذهب إبريز أحمر- أن ذلك جائز 6.
ومحمل قوله في الأصفر أن ذلك من أصل الخلقة في المعدن.
وكذلك بعض الذهوب أصفر خلقة، فإن كان ذلك لغش في الدنيء لم يجز، قاله مالك في مختصر ما ليس في المختصر، قال: إذا كانت الدنانير مغشوشة، فلا أظن تجوز المراطلة بها.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى دنانير منقوشة مضروبة ذهبا إبريز أحمر بتبر 7 أصفر، ثم أصاب بالدنانير ما لا يجوز في السوق، قال: لا يرد إلا أن يكون مغشوشًا، فينتقض من الصرف بقدر ما أصاب 8.
ولم يبين هل ذلك إذا قام 9 مشتريها بالعيب أم لا، وعلى قول مالك
ينتقض جبرًا؛ لأن الرضا بذلك لا يحل؛ لأنه تفاضل.
ولا يجوز على هذا بيع التبر بالتبر إذا كان في أحدهما غش، وإن دخلا (1) على السلامة، ثم تبين أن في أحدهما غشًا- أجبرا على نقضه إذا كان الذي فيه الغش أجود ذهبًا متى أزيل غشه، وإن (2) كان متساويًا أو أدنى جاز؛ لأن ذلك تفضل من أحدهما ولا تدخله مبايعة.
فصل [في إسلام الدراهم والدنانير في اللحم]
ومن أسلم دراهم في رطل لحم على صفة فقضاه بعد الأجل رطلًا أجود من صفته أو أدنى، ولم يزد أحدهم الآخر شيئًا- جاز ذلك، وإن أخذ الذي له السَّلَم أجود، وزاد لمكان الجودة شيئًا لم يجز، ودخله التفاضل وبيع الطعام قبل قبضه.
ومثله إذا أخذ أدنى وزيادة عرض.
وإن كانت الزيادة دراهم أو ذهبًا لم يجز أيضًا؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك فيدخله إذا كانت الزيادة دراهم بيع وسلف، وإذا كان ذهبًا التفاضل بين الذهبين، ويدخله التفاضل بين الطعامين وبيع الطعام قبل قبضه إذا لم يحمل على أنهما عملا على ذلك.
وإن أخذ رطلين على صفة سلمه جاز، ويدفع ثمن الرطل الزائد نقدًا أو إلى أجل، وإن كانا أجود جاز أن يتطول المسلم إليه بالزائد إذا لم يأخذ عنه 3 ثمنًا، فإذا أخذ عنه عوضًا فسد، وكان قد باع رطلًا رديئًا ودراهم برطلين12
جيدين، فيدخله التفاضل وبيع الطعام قبل قبضه، وإن أخذ رطلًا قبل محل الأجل لم يجز، إلا أن يكون مثل صفة سلمه سواء.
وإن أخذه أجود دخله: حُطَّ عني الضمان وأزيدك، وإن كان أدنى دخله: "ضع وتعجل"، ولا يجوز أن يأخذ قبل الأجل أكثر وزنًا ولا أقل، وسواء كانت الصفة سواء أو مختلفة بجودة أو دناءة، ويدخله: التفاضل والطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وبيع الطعام قبل قبضه.
باب فيمن له على رجل دينار هل يصارفه في بعضه؟ وفيمن اقترض نصف دينار أو اشترى بنصف دينار أو بدانق، بماذا يقضى عليه؟ وفيمن أقرض فلوسًا أواشترى بها ففسدت أو انقطعت
وأجاز مالك وابن القاسم لمن له على رجل دينار أن يصارفه في بعضه في سدسه أو نصفه أو ما أحب؛ لأن الباقي بعد الصارفة ذهب، ولأنه لو صرف منه نصفه 1 وأحب الغريم أن يخرج دينارًا فيكونا فيه شريكن نصفين، لأُجْبِرَ الآخر على قبوله، ولو باعه بعد ذلك سلعة بنصف دينار لأجبر على أن يقضيه دينارًا صحيحًا، ولو كان يمتنع 2 من صرف بعضه لأجل أنه لا يحكم في الباقي إلا بفضة لمُنِعَ أن يهبه نصفه؛ لأنه يكون بمنزلة من وهب هبة على أن يصارفه بعد ذلك، فيكون على قوله هبة فاسدة.
وإن صارفه في نصفه بدراهم جاز أن يأخذ في بقيته وَرِقًا أو عرضًا، وكذلك لو ابتدأ بأخذ عرض عن نصفه، ثم أراد أن يأخذ بقيته عرضًا 3 أو ورِقًا- جاز.
واختلف إذا صارفه في نصفه 4 أو أخذ عرضًا، هل يجوز أن يأخذ في
بقيته ذهبًا؟ فمنع ذلك مالك وابن القاسم، وقال ابن القاسم: لأنه يصير ذهبًا وَوَرِقًا بذهب، أو ذهبًا وعرضًا بذهب 1. يريد: أنهما يتَّهمان أن يكونا عملا على ذلك.
وقال محمد: وأجاز أشهب أن يأخذ بالباقي ذهبًا إذا كان مثل ذهبه ومثل وزنه، لا أقل ولا أكثر 2.
وهو أحسن؛ لأنه إذا أخذ قطعة مثل ذهبه ومثل وزنه كان قد ترك فضل السكة، وذلك معروف منه، ولا يدخله مبايعة، ويجوز أن يأخذ دون ذهبه ودون وزنه، ويمنع أن يأخذ أقل وزنًا وأجود ذهبًا.
ويختلف إذا أخذ أجود من ذهبه مثل وزنه، فيمنع على 3 من جعل الاقتضاء خلاف المراطلة، ويجوز على من سوى بينهما.
وقال محمد: كره ابن القاسم أن يأخذ في ابتداء أخذه في أول ما يأخذ قطعة ذهب ثلثًا أو نصفًا 4. وذلك؛ لأنه إن أخذ في الباقي ورقًا أو عرضًا دخله على أصله ذهب بذهب وورق أو عرض، ويجوز ذلك على قول أشهب حسبما تقدم.
ومن قال لرجل: أقرضني نصف دينار والصرف عشرة دراهم بدينار، فأعطاه خمسة دراهم، لم يقض له إلا بخمسة دراهم مثل ما أعطى، ولو مضى معه إلى الصراف فصرف دينارًا فأعطاه نصفه، فكذلك ليس له إلا مثل ما أخذ
من الدراهم.
قال مالك وابن القاسم: ولو أعطاه دينارًا فصرفه المستسلف، فأخذ نصفه ورد نصفه، كان عليه نصف دينار غلا الصرف أو رخُص (1).
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن قال لرجل: أسلفني نصف دينار، فدفع إليه دينارًا، فقال: اذهب فصَرِّفه فخذ نصفه وائتني بنصفه، فقال: أخشى ألا يكون عليه إلا مثل ما أخذ من الدراهم.
ولو قال له: خذ هذا الدينار، فخذ نصفه وجئني بنصفه، كان يجب له عليه عين (2).
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أعطاه دينارًا وقال له: صرفه فخذ نصفه وجئني بنصفه أن عليه نصف دينار (3) ذهبًا (4).
وهو أحسن؛ لأنه إنما قال له "خذ نصفه وجئني بنصفه" إنما يأخذه ليصرفه ويأتيه بنصفه دراهم، فلا فرق بين قوله: "خذه وجئني بنصفه" وبين قوله: "صرفه وجئني بنصفه"، وينبغي أن يكون عليه نصف دينار ذهبًا.
فصل فيمن ابتاع سلعة ببعض درهم أو بدانق وشبه ذلك
ومن اشترى شيئًا بدانق أو دانقين أو ثلاثة جاز، ومحمل بيعها على الفضة، والدانق سدس درهم.
فمن باع بدانق كان له سدس درهم، أو دانقين كان له1234
ثلث درهم، أو ثلاثة كان له نصف درهم.
فإن كان عندهم الدراهم الصغار قضي له بذلك منها، وإن كانت كبارًا لا يحوز عندهم غيرها، وكسرها فساد؛ قضي له بصرفها فلوسًا إذا كانوا يتبايعون بالفلوس، والقضاء بالفلوس إذا باع بجزء من درهم كالقضاء بالدراهم إذا باع بجزء من دينار.
وإن لم يكونوا يتبايعون بالفلوس قضي له بما العادة 1 أنه يقضى عن ذلك من طعام أو غيره، وإن لم تكن لهم في ذلك عادة أخرج درهمًا فكانا فيه شريكين، ثم يتبايعانه بما ينقسم.
وقال ابن القاسم فيمن باع بدانق فلوسًا نقدًا: فلا بأس به إذا كان الدانق معروفًا كم هو من عدد الفلوس، قال: وإن باع بدانق فلوسًا إلى أجل فلا بأس به، إذا سَمَّيا ما له من الفلوس أو كانا عارفين بعدة الفلوس 2.
ففرق بين النقد والأجل، فأجازه في النقد إذا كانا عارفين بما يجب للدانق من الفلوس، ولم يجزه في الأجل إلا إذا سمَّيا ما يأخذ من الفلوس، ولو لم يسمِّيا لم يجز؛ لأن الحكم على ما يكون من الصرف يوم يحل الأجل.
وقال مالك فيمن باع سلعة بنصف دينار إلى أجل على أن يأخذ به دراهم: لا خير فيه 3؛ لأن البيع وقع على الدراهم وهي لا تعرف، وإنما وقع على ما يكون من صرف الدينار يوم يحل الأجل، فهذا لا يعرف بما باع به سلعته، فلم يجزه في الأجل إلا أن يسميا؛ لأن إطلاق الأمر عنده على ما يكون من الصرف
يوم يحل الأجل.
وقال أيضًا فيمن باع سلعة بنصف دينار نقدًا على أن يأخذ به دراهم، قال: (1) قال مالك: إذا كان الصرف معروفًا يعرفانه، فلا بأس به إذا اشترطا كم الدراهم من الدينار (2).
والقول الأول أحسن، إذا كان البيع بالنقد أن تجزئ (3) معرفتهما للصرف وعليه يحملان.
فصل [فيمن له دينار أو بعضه مؤجلًا، فأراد أن يقضي الغريم قبل الأجل دراهم ونحوها]
ومن كان له نصف دينار إلى أجل فعجل عنه 4 الغريم دراهم قبل الأجل لم يجز، ويدخله الوَرِق بالذهب إلى أجل، إلا على قول 5 من قال ببراءة الذمم، ولو عجلا دينارًا فكانا فيه شريكين لجاز.
وقال ابن القاسم فيمن كان له على رجل كراء سدس دينار في كل شهر فتدارك 6 عليه ستة أشهر، فإنه يحكم عليه بدينار يجمع ذلك كله عليه، قال: وإن كان معسرًا فأراد أن ينجِّمه عليه كسورًا فلا يفعل، ولكن يتركه على حاله123
فيقبض منه ما وجد 1.
واختلف فيمن عليه دينار منجم ثلثه في كل نجم، فأراد أن يعجل دينارًا قبل الأجل، فقال مالك: لا بأس بذلك 2.
وقال أحمد بن مُيَسِّر: لا خير فيه؛ لأنه يعجل له ما يحكم به دراهم إلى الأجل.
وقول مالك أحسن؛ لأن الذي عليه 3 ذهب ولو كان ذلك لم يحكم في مسألة ابن القاسم فيمن له سدس دينار في كل شهر أن عليه دينارًا 4، وإن تداركت عليه ستة أشهر.
ولا خلاف فيمن له نصف دينار حالٌّ ونصف إلى أجل؛ أنه لا يجوز له أن يؤخره بالنصف الحالِّ ليأخذ دينارًا صحيحًا؛ لأن التأخر سلف، فلا يجوز إلا أن يريد به المعروف للمطلوب.
فصل [أثر قطع التعامل بالفلوس في القرض والبيع]
وقال مالك في القرض والبيع بالفلوس: إذا فسدت فليس له إلا الفلوس 1، قال في كتاب الرهن: لو كانت مائة فلس بدرهم، ثم صارت ألف فلس بدرهم- لم ينظر إلى ذلك، وليس له إلا مثل فلوسه 2. قال الشيخ: ولو انقطعت فلم توجد كان له قيمتها يوم انقطعت إذا كان الدَّيْن حالًّا، وإن كان إلى أجل وانقطعت قبل الأجل كان له قيمتها يوم يحل الأجل، ولم ينظر إلى قيمتها يوم انقطعت؛ لأنه لم يكن توجه له قبل الأجل طلب، وإن أخره بعد الأجل أجلًا ثانيًا كان عليه قيمتها يوم حلَّ الأجل الأول؛ لأن بالقيمة وقع التأخير.
باب [في المبايعة بالدراهم الزيوف]
قد تقدم القول في جواز المراطلة بالزيوف، وكره مالك المبايعة بها، قال: لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش على المسلمين 1.
وقال أشهب: تكسر إلا أن يخاف أن تسبك فتجعل دراهم فتباع على وجه الفضة، فلتصف حتى تباع فضتها ناحية ونحاسها ناحية 2.
واختلف في اللبن يغش، فقال مالك: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يطرحه في الأرض أدبًا لصاحبه 3.
وقال مالك: الأحسن أن 4 يتصدق به، قال: وكذلك الزعفران والمسك إذا غشه بنفسه، وإن اشتراه مغشوشًا لم أر ذلك عليه.
وقال ابن القاسم: إن ذلك فيما كان يسيرًا، وأما الكثير فلا أرى ذلك، وليؤدب بالضرب الوجيع 5.
يريد: ولا يتصدق به عليه.
قال مالك: من الغش بَلُّ الخُمُر التي 6 تعمل من القز بماء الخبز لتتصفق بذلك وتشتد 7.
قال: ومن الغش أن يخلط الذهب الجيد بِدَنيِّه 1 فيسبكهما 2، ونفخ اللحم غش، وهو يغير طعمه 3، ويجوز على قوله الصدقة بذلك كله، وعلى قول ابن القاسم، تغسل الخُمُر حتى يذهب ذلك منها، ولا يتصدق بها عليه، ويعاقب.
والخلاف في القليل: هل يطرح أو يتصدق به؟ والخلاف في الكثير: هل يتصدق به، أو يترك لصاحبه ويعاقب؟
ولو اشترى رجل شيئًا من ذلك كله، وهو عالم بغشه ليبيعه من الناس ولا يبين، كان حكمه حكم من غش، يتصدق به عليه أو يعاقب على قول ابن القاسم، والأصل في العقوبة في المال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقُدور التي أُغْلِيت بلحوم الغنم قبل أن تقسم أن تُكْفَأَ 4. والعتاق 5 على مَن مَثَّل 6 بعبده.
كمل كتاب الصرف، والحمد لله حق حمده 7