قال الشيخ - رضي الله عنه -: التنفل في البيت فذًّا أو مع الأهل أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاتُكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ" (1). فجعل كتمان التطوع أفضل من صلاتِهِ له في مسجده، وإن كانت الصلاة فيه بألف صلاة، وقياسًا على الصدقات في قول الله سبحانه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾... الآية (2) [البقرة: 271]. وقال مالك: النافلة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - للغرباء أحب إليَّ من صلاتهم في بيوتهم (3).
فصل [في كراهة التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس]
وكره مالك التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس 4.
وأوقات الصلوات خمسة: وقت فريضة مع الاختيار، ووقت ضرورة، ووقت مع 5 النسيان، ووقت صلاة سنة، ووقت صلاة نافلة.
وقد مضى في123
أول الكتاب وقت الفريضة مع الاختيار، ووقت الضرورة للحائض والصبي يحتلم، والمغمى عليه.
وقال مالك في كتاب الصلاة الثاني في المنسية: إن وقتها حين يذكرها في 1 أي وقت كان من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند 2 غروبها 3.
ووقت السنن مختلف في الوتر وركعتي الفجر على أحد القولين أنها سنة 4، ووقت صلاة العيدين والخسوف وسجود القرآن والاستسقاء:
فوقت الوتر أوله إذا صلى العشاء، وآخره ما لم يطلع الفجر، هذا مع الاختيار.
واختلف إذا طلع الفجر 5 هل ذهب الوقت أم لا؟ وذلك يذكر في كتاب الصلاة الثاني.
ووقت ركعتي الفجر إذا طلع الفجر، وآخره ما لم يُصَلِّ الصبحَ، فإن صُلِّيَتْ في أول الوقت أو آخره لم تصليا 6 وإن كان قادرًا على أن يأتي بهما قبل طلوع الشمس.
ووقت العيدين أوله أن ترتفع الشمس عن الطلوع قيد 7 رمح من رماح الأعراب، وآخره ما لم تزل الشمس، فإن زالت لم تصل 8.
واختلف في الخسوف فقيل: كالعيدين إن خسف بها في مثل ذلك الوقت صليت، وإن زالت الشمس لم تصل.
وقيل: تصلى في وقت صلاة.
يريد: ما لم تصفر الشمس.
وقيل: تصلى وإن اصفرت الشمس 1؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهَا 2 فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" 3. فأطلق.
واختلف في سجود القرآن، فقال في الكتاب: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس 4.
وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر.
وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر.
وقال في الاستسقاء: ذلك ضحى.
يريد: ما لم تزل الشمس.
وقال في العتبية: لا بأس بذلك بعد الصبح وبعد العصر 5. واختلف في الصلاة على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح وعند غروب الشمس.
وبيان 6
ذلك في كتاب الجنائز.
فصل [في الأوقات التي لا يجوز فيها التنفل]
التنفل في الليل جائز ما خلا ثلاثًا: بعد غروب الشمس، وبعد طلوع الفجر وقبل الصلاة، وبعد صلاة الفجر، إلى أن تبرز الشمس، على اختلاف في هذه الثلاثة مواضع.
ويجوز التنفل في النهار كله ما خلا أربعًا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب.
ولا خلاف في هذين، وإذا استوت الشمس حتى ترتفع، وبعد العصر حتى تدنو للغروب، على اختلاف في هذين الوقتين.
فأما المغرب والصبح فيكره التنفل قبلهما؛ لأن الصلاة لهما أول الوقت أفضل، وقد قيل في المغرب: إن لها وقتًا واحدًا، وهو حين تغرب الشمس.
وقيل: لها وقتان.
وأجمعوا على أن أول الوقت في المغرب أفضل، وليس يشتغل بالتنفل حينئذ ويترك فضيلة أول 1 الوقت إن كان ممن يصلي فذًّا، وإن كانت جماعة لم يترك فضيلة أول الوقت والجماعة ويتنفل.
وكذلك الصبح فضيلتها 2 أول الوقت أفضل من التنفل حينئذ، وإن صليت جماعة كان ذلك أبين؛ لأنه لا 3 يترك فضيلة الوقت وفضل الجماعة ويشتغل بالتنفل.
واستحب ذلك لمن فاته حزبه من الليل، ولا بأس بذلك بعد
غروب الشمس إلى أن تقام الصلاة، وكذلك بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة أيضًا، وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ" قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: "لِمَنْ شَاءَ" 1. يريد: بين الأذان والإقامة.
وفي حديث آخر قال: "صَلُّوا صَلاَةً قَبْلَ صَلاَةِ المَغْرِبِ" 2.
وقال عقبة بن عامر الجهني: "كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 3.
وأما التنفل بعد صلاة الصبح فالمذهب على منعه؛ لظاهر الحديث.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في الطائف حينئذ: لا بأس أن يركع ما لم يسفر.
وقول مالك أنه يؤخر الركوع حتى تطلع الشمس.
فأجاز في القول الأول الركوع للطواف حينئذ؛ لأن صلاة الفجر تجوز على اختيارٍ بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس، وهو بمنزلة صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، حَتَّى لَقِيَ اللهَ -عز وجل-" 4.
وأما الصلاة إذا استوت الشمس، فقال مالك في المدونة: ما أدركت أهل
الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون ويصلون نصف النهار 1.
وقال في المبسوط: وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة نصف النهار، وليس بمجتمع عليه، وأنا لا أنهى عن الصلاة نصف النهار يوم الجمعة للذي أدركت عليه الناس، ولست أحبها؛ للذي بلغني من النهي فيها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يريد: حديثه في الموطأ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فارقها"، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عَنِ الصَّلاَةِ فِى تِلْكَ السَّاعَاتِ" 2.
وفي كتاب مسلم من طريق عقبة بن عامر الجهني نحوه 3.
وذهب قوم إلى أنه لا تكره الصلاة إلا في ساعتين؛ عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب.
واحتجوا في ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا" 4.
وذكر محمد بن جرير الطبري أن ممن أخذ بذلك: بلال، وعبد الله بن
مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وذُكر عن علي وأبي أيوب الأنصاري وتميم الداري وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يصلون ركعتين بعد العصر، وعن ابن عمر أنه كان يصلي بعد صلاة الفجر، وعن عمر بن الخطاب أنه نهى تميمًا الداري عن الصلاة بعد العصر، فقال له تميم: صليتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له عمر: ليس من أجلكم أنهى أيها الرهط، ولكني أخاف من قوم يأتون بعدكم يصلون بعد العصر إلى المغرب حتى يمر بالساعات التي نهي عنها 1.
وذكر عنه أيضًا فيما كان يضرب عليه الناس أنهم كانوا يؤخرون العصر، فإذا قيل لهم قالوا: كنا نصلي ركعتين.
فحمل 2 الحديث في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر أن ذلك حماية؛ لئلا يأتوا بها عند الغروب، أو يعتل 3 الآخرون بها في تأخير العصر.
وذكر عن طاووس وعمرو بن ميمون وشريح ومسروق والأسود أنهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين.
وقد قيل فيمن قرب إلى 4 القتل بعد العصر أن له أن يصلي حينئذ ركعتن، ولو كان ممنوعًا لما جاز أن يتقرب إلى الله سبحانه حينئذ بما لا يجوز، وكل هؤلاء فضلاء 5.
فصل [فيمن شرع في النفل ثم قطعه]
من افتتح نفلًا ثم قطعه متعمدًا قضاه، وإن غلب عليه بحدث أو غيره - لم يقضه إذا لم يكن نذره، فأما إن كان منذورًا مضمونًا قضاه، ويختلف إذا كان منذورًا معينًا في ساعة بعينها فغلب على الصلاة حتى خرج ذلك الوقت؛ قياسًا على من نذر صيام يومٍ بعينه، وإن نسيه (1) حتى خرج الوقت قضاه، واختلف فيه أيضًا.
فصل [فيمن أتى المسجد]
ومن أتى المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس 2. وقال أبو مصعب: إلا أن يكثر اختلافه لحوائجه فيجزئه ركوعه أول ما يدخل.
ومن مر مجتازًا لحاجة فلا بأس أن يمر ولا يركع 3، وكره ذلك زيد بن ثابت أن يمر ولا يركع.
ويكره أن يكثر المرور في المسجد لحوائجه.1
باب في صلاة الصبيان وأدبهم عليها ومتى يفرق بينهم في المضاجع
قال مالك: يؤمر الصبي بالصلاة إذا أثغر 1. واختلف في الوقت الذي يؤدب فيه على تركها ومتى يفرق بينهم في المضاجع وهل ذلك إذا أمروا بالصلاة أو حين يبلغون عشر سنين؟! فقال مالك في العتبية: إذا أثغر الصبي أمر بالصلاة وأدب عليها 2. وقال ابن القاسم: وحينئذ يفرق بينهم في المضاجع 3. وروى ابن وهب في ذلك حديثًا؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجعِ" 4. وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين لم يتجرد أحد منهم مع أحد أبويه ولا مع إخوته ولا مع غيرهم، إلا أن يكون مع كل واحد منهم ثوب 5. وليس هذا بحسن، وأرى أن يفرق بينهم جملة واحدة 6، وسواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، أو ذكرانًا وإناثًا، فإن عمل بذلك لسبع فحسن، وإن أخر
لعشر فواسع.
وأما العقوبة فبعد عشر.
وكره فضيل وسفيان أن يضرب عليها وقالا 1: أرشه عليها.
وهذا حسن لمن يقدر على ذلك، فإن كان ممن لا يقدر 2 أو لم يفعل بعد أن أرشي ضرب عليها؛ وهذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - حماية؛ لئلا يبلغ على التهاون بترك الصلاة، فأمر أن يُمَرَّن 3 عليها ولا يبلغ إلا وقد ألفتها طباعه؛ ولأن فيه تنبيهًا لهم على الألوهية وانقيادًا إلى الطاعات، وأن له معبودًا سبحانه وتعالى، فلا يأتيه البلوغ إلا وقد خامر ذلك قلبه وطباعه.
باب في القنوت
القنوت مستحب وليس بسنة، فمن نسيه لم يسجد له 1، ومن تركه عامدًا لم يُعِدْ في وقت ولا غيره.
وقال ابن سحنون: القنوت سنة.
قال: والقياس أن فيه السهو 2. وكذلك قال الحسن وغيره.
وقال علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته.
والقول الأول أحسن؛ لأن مضمون القنوت الدعاء، يدعو به لنفسه، فأشبه الدعاء في السجود وبعد التشهد؛ لأن كل ذلك يختص بحق الآدميين، ففارق ما يختص به حق الله -عز وجل- من الركوع والسجود.
وليس للقنوت دعاء مخصوص، وله أن يدعو بما أحب من أمر دنياه وأخراه.
والقنوت في الركعة الثانية من صلاة الصبح، وهو بالخيار بين أن يأتي به قبل الركوع أو بعده، ويستحب أن يأتي به قبل 3.
وقال مالك في سماع أشهب فيمن فاتته الأولى من الصبح فقضاها: إنه لا يقنت فيها 4. يريد: لأنه يقنت في الآخرة عند قنوت الإمام.
ولو أدركه في الثانية راكعًا ثم قضى الأولى لم يقنت، وإن قنت فواسع؛ لأن الدعاء بعد الفراغ من القراءة في كل الصلوات واسع.
باب في الكلام في الصلاة والنفخ والتنحنح، وهل يسبح للأمر ينزل به. أو يكلم رجلًا أو يجاوبه بشيء من القرآن، أو يفتح على من تَعَايَا في قراءته، أو يُشَمِّت العاطس، والضحك في الصلاة
الكلام في الصلاة على سبعة أوجه:
سهو، وعمد -ساهيًا أنه في الصلاة- فلا تفسد بذلك صلاته.
وعامد ذكر أنه في صلاة، وعالم أن ذلك لا يجوز- فتفسد صلاته.
وجاهل يظن أن ذلك جائز، فاختلف فيه، فقيل: تبطل صلاته لأنه متعمد، وقيل: تصح لأنه متأول، ولم يقصد انتهاك حرمة الصلاة.
وعامد مأموم تكلم لإصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه، فاختلف فيه فقال مالك وابن القاسم: لا تبطل صلاته.
وقال المغيرة: لا تجوز، فإن فعل بطلت
وعامد تكلم لإنقاذ مسلم؛ لئلا يقع في مهلكة، أو ما أشبه ذلك - فذلك واجب عليه، ويستأنف الصلاة؛ لأنه لم يتكلم لإصلاح صلاته 1 إلا أن يكون في خناق من الوقت فلا تبطل ويكون كالمسايف في الحرب؛ لأن هذا تكلم لإحياء نفس وكذلك العدو.
وإن خاف تلف ماله أو مال غيره وكان كثيرًا - تكلم واستأنف، وإن كان يسيرًا لم يتكلم، فإن فعل بطلت 2 صلاته.
وقال سحنون في الإمام يخاف على صبي أو أعمى أن يقع في بئر، أو ذكر متاعًا له خلفه خاف عليه التلف: أن له أن يخرج لذلك ويستخلف 1.
وعلى قول أشهب: يستخلف 2 إن لم يبعد 3 أحد من هؤلاء بنى على ما صلى وأجزأه.
قياسًا على أصله إذا خرج لغسل دمٍ رآه في ثوبه، أو لقيء 4. قال: أحب إلي أن يستأنف، وإن بنى أجزأه.
قاسه بالراعف.
واختلف فيمن ظن أنه رعف أو أحدث فخرج ثم تبين له أنه 5 لم يصبه ذلك: هل يبني؟ وإن كان إمامًا هل يفسد 6 عليهم؟ فقال مالك: يبتدئ الصلاة ولا يبني 7.
وظاهر قول ابن القاسم أنه إن كان إمامًا لم يفسد؛ لأنه لم يتعمد.
قال سحنون في المجموعة: لأنه خرج بما يجوز له، ويبتدئ الصلاة خلف الذي استخلفه.
وقال في كتاب ابنه: أبطل عليهم؛ لأنه يستطيع أن يعلم ما خرج منه 8 قبل أن يخرج من المحراب، إلا أن يكون في ليل مظلم.
وقال محمد بن عبد الحكم: يبني ولا يبطل على من خلفه؛ بمنزلة من ظن
أنه سلم فخرج ثم عاد فسلم.
وهو أقيس؛ لحديث ذي اليدين أنه خرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يظن أنه أتم، فتكلم ثم بنى 1.
واختلف فيمن تنحنح مختارًا أو نفخ أو جاوب إنسانًا بالتسبيح 2 أو بآية من القرآن أو فتح على من ليس معه في صلاة، فقال مالك في النفخ: أراه بمنزلة الكلام 3. وقال في المجموعة: أكرهه، ولا يقطع الصلاة 4.
وقال أيضًا: إذا تنحنح يُسْمِعُ إنسانًا فلا شيء عليه 5.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: ذلك كلام؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] وأخذ الأبهري بالقول الأول؛ قال: لأنه ليس له حروف هجاء 6.
والقول: إن الصلاة صحيحة إذا تنحنح أو نفخ أحسن، وليس هذا من الكلام المراد بالنهي.
وقال مالك فيمن اضطره أنين من وجع: لم تفسد صلاته.
وإذا سها الإمام سبح به 1 من خلفه من الرجال.
واختلف في المرأة هل تسبح به كالرجل أو تصفق ولا تسبح، فقال في الكتاب: تسبح 2.
وقيل: تصفق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ" أخرجه البخاري 3.
ولا يضعف هذا بقوله: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ".
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في البيان على 4 التسبيح خاصة، بل قال: "وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ".
وعلق ذلك بما ينوب في الصلاة؛ ولأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، وإنما تكلم الناس هل ينسخ أوله بآخره، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن كلام المرأة فيه شيء، وإذا كانت مندوحة عن ذلك لم تتكلم 5، والتصفيق يبلغ من ذلك ما يبلغ التسبيح؛ لأن التسبيح من الرجال لا يفهم الحادث ما هو 6، وإنما يفهم منه أنه دخل عليه شيء في صلاته، والتصفيق يفهم منه ذلك.
ولا بأس على من استؤذن عليه وهو في الصلاة أن يسبح ليعلمه أنه في الصلاة.
وقال ابن حبيب: وما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من الذكر والقراءة فيجوز أن يراجع 1 بذلك رجلًا أو يوقفه؛ وقد استأذن رجل على ابن مسعود وهو في الصلاة فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] 2.
ويجري فيها قول آخر؛ أن الصلاة تبطل قياسًا على أحد القولين فيمن فتح بالقرآن على من ليس معه في الصلاة؛ ولأن الحديث: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتهِ" أنه كان فيما يتعلق بالصلاة؛ "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلي بالناس فسبحوا به فالتفت أبو بكر، ثم تأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -..." الحديث 3.
وأجاز ابن القاسم في المدونة أن يسلم على المصلي 4.
وقال ابن وهب عن مالك في المبسوط: لم يكن يعجبه أن يسلم على المصلي.
وأجاز في المدونة إذا سلم على المصلي أن يرد إشارة 5.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن كان في صلاة وبين يديه كتاب فجعل
يقرؤه، قال: إن كان عامدًا ابتدأ الصلاة، وإن كان ساهيًا (1) سجد للسهو (2).
يريد: أنه نطق بالقراءة، ولو قرأ في نفسه لم تبطل صلاته وإن كان عامدًا، إلا أن يطيل ذلك.
وإن كان فيه قرآن لم يكن عليه شيء وإن نطق وهو عامد.
فصل [في قراءة الإمام، وجواز الفتح عليه]
وإذا تعايا المصلي في أول 3 قراءته، لم يفتح عليه في أول ذلك، حتى يتردد أو يستطعم الفتح 4، وهو المخير بين أن يترك تلك السورة وينتقل إلى غيرها أو يركع، إذا كان ذلك في غير أم القرآن، أو يستطعم ذلك الفتح فيفتح عليه، ثم هو في جواز الفتح ومنعه على وجهين:
فيجوز إذا كانا جميعًا في صلاة واحدة.
ويجوز لمن هو في غير صلاة أن يفتح على من هو في صلاة.
ولا يفتح من هو في صلاة على من هو في غير صلاة، أو في صلاة وليس بإمام له.
واختلف إذا فعل ذلك، فقال ابن القاسم في المجموعة وسحنون في كتاب ابنه: تفسد صلاته.
قال سحنون: يعيد وإن خرج الوقت 5.
وقال أشهب في مدونته وعبد الملك بن حبيب في الواضحة: قد أساء ولا12
تفسد عليه (1) صلاته.
قال أشهب: وقد يجوز به الرجل فيسبح به ليدعوه.
قال ابن حبيب: لأنه قرآن تكلم به (2).
فصل [في أنواع الضحك أثناء الصلاة]
الضحك في الصلاة على وجهين: بغير صوت، وهو الذي يعبر عنه بالتبسم، وبصوت.
فإن كان بغير صوت لم يُفسِد الصلاة؛ وإن كان ذلك تعمدًا.
واختلف في السجود 3، فظاهر قول مالك في المدونة 4 لا شيء عليه 5، وهو قول ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وقال مالك في العتبية: يسجد قبل السلام 6. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يسجد بعد السلام.
وهو قول سحنون 7.
وأرى أن يسجد قبل 8؛ لأن ذلك وَصم 9 في صلاته بمنزلة النقص إذا اشتغل حينئذٍ بما ليس هو فيه، وإن كان قهقة متعمدًا أبطل، فذًّا كان أو مأمومًا12
أو إمامًا؛ لأنه كلام.
واختلف إذا كان مغلوبًا فقيل: يقطع إذا كان وحده، وإن كان مأمومًا 1 مضى وأعاد، وإن كان إمامًا فقال ابن القاسم في العتيبة: يستخلف من يتم بالقوم ويتم هو معهم ثم يعيدون إذا فرغوا 2.
واختلف في الناسي أنه في صلاة، فقال ابن القاسم: ليس بمنزلة الكلام.
وجعل 3 الجواب فيه في كتاب محمد؛ كالمغلوب إن كان وحده قطع، وإن كان مأمومًا مضى وأعاد، وإن كان إمامًا استخلف، وأعاد مأمومًا وأعاد جميعهم 4.
وقال أشهب في مدونته: هو كالكلام يمضي وإن كان فذًّا وتجزئه الصلاة.
وإليه ذهب محمد.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الضحك يقطع الصلاة 5.
يريد: أنهم فرقوا بينه وبين الكلام؛ لأن فيه أمرًا زائدًا على الكلام، وهو قلة الوقار، وفيه ضرب من اللعب.
باب في اختلاف نية الإمام والمأموم ومن دخل ينوي صلاة فتبين أن الإمام في غيرها، أو لم يدر 1 صلاة إمامه وكان حكمه إذا صلى 2 فذًّا غيرها، ومن دخل في الصلاة على نية الإمام وهو لا يدري في أي صلاة هو، ومن سلم من ركعتين
اختلاف نية الإمام والمأموم تكون لأربعة أوجه:
أحدها: أن تكون في فرضين أحدهما في ظهر والآخر في عصر.
والآخر: أن ينوي المأموم الخميس ويتبين أن الإمام في الجمعة، أو ينوي الجمعة والإمام في الخميس.
والثالث: أن تكون ظهرًا لهما إلا أن أحدهما حضري والآخر سفري.
والرابع: أن يحرم وهو يرى أنه في أول ركعة من الجمعة، فيتبين أنه في آخرها، ولم يدرك إلا سجودها.
وأي ذلك كان - فإن صلاة الإمام ماضية على ما نوى.
وإنما يفترق الجواب في المأموم، فإن نوى الظهر فتبين أن الإمام في العصر أو نوى العصر فتبين أن الإمام في الظهر- أعاد المأموم، ولم تجزئه الصلاة.
ويجري فيها قول آخر أنه يعيدها ما لم يذهب الوقت، فإن خرج الوقت لم يعد؛ للاختلاف في ذلك، ومراعاةً لمن قال: إنه يجوز أن يصلي مفترض خلف متنفل، وما جاء في ذلك عن معاذ أنه كان يصلي مأمومًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يؤم قومه 3، وقد راعى مالك وابن القاسم مثل ذلك أنه إذا فات مضى لقول قائل.
وقال مالك فيمن أحرم ينوي الجمعة ثم تبين أن الإمام في الظهر يوم الخميس 1: إنه تجزئه صلاته، وإن أحرم ينوي الظهر يظنها يوم الخميس ثم علم أنه في الجمعة لم تجزئه 2.
وقال في السليمانية: تجزئه الصلاة والإعادة أحوط.
وقال أشهب في السؤال الأول: لا تجزئه الصلاة 3.
وقد تقدم الاختلاف في هذا الأصل فيمن رعف مع الإمام يوم الجمعة قبل عقد ركعة، ثم سلم الإمام، هل يتم على ذلك الإحرام الظهر أربعًا وإن كانت نيته لركعتين؟ 4
واختلف أيضًا في المسافر يدخل خلف رجل يظن أنه سفري ثم يتبين أنه حضري فيتم أربعًا 5: هل تجزئه الصلاة؟
وإن كان على رجلين ظهران، فإن كانا من يومين لم يأتم أحدهما بالآخر 6.
ويختلف إذا فعل هل تجزئ المأموم، وإن كانا من يوم واحد جاز أن يأتم أحدهما بالآخر.
وإن كان على أحدهما ظهر حضري والآخر سفري - فإن تقدم السفري سلم من ركعتين وأتم الحضري.
= فصلى، من كتاب الجماعة والإمامة في صحيحه، برقم (668)، ومسلم: 1/ 339، في باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة، برقم (465).
واختلف إذا تقدم الحضري هل يتم السفري خلفه أو يسلم من ركعتين؟
وإن أدرك المسافر الإمام جالسًا يظنه في الجلسة الأولى من الظهر، ثم تبين أنه في الجلسة الأخيرة - جاز له أن يبني على ذلك الإحرام ركعتين، وفيه اختلاف.
وأجاز أشهب في "كتاب محمد" أن يدخل على نية الإمام وإن لم يعلم في أي صلاة هو، فقال فيمن صلى مع إمام وهو لا يدري أهو يوم الجمعة أو يوم الخميس: يجزئه ما صادف من ذلك، وإن دخل على إحداهما فصادف الأخرى لم تجزئه 1.
والأصل في ذلك: حديث أبي موسى أنه أحرم وأهل بالتلبية ثم قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة في حجة الوداع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بِمَ أَهْلَلْتَ.
فَقَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنْتَ" 2.
وقدم علي من ميقاته 3، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فقال له: بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لَهُ: أَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا..." الحديث 4.
فصل [فيمن التفت وتكلم بعد أن سلم من ركعتين ساهيًا]
وقال مالك فيمن سلم من ركعتين ساهيًا ثم التفت وتكلم: إن تباعد استأنف، وإن كان خفيفًا رجع وبنى.
قال: وقد رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بنى بتكبير 1.
واختلف في هذه المسألة في موضعين:
أحدهما: إذا لم يكبر هل تفسد صلاته؟
والثاني: هل يرجع إلى الجلوس؟ فقال ابن القاسم 2: إذا رجع لم يجلس، وإن لم يكبر أفسد عليه وعلى من خلفه.
وقال القنازعي: إن لم يكبر أجزأه.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: رأيت لبعض أصحابنا أنه يكبر ثم يجلس ثم يقوم للبناء 3. قال: وأرى أنه إن لم يعمل بعد السلام شيئًا من قيام أو كلام أو استدبار قبلة، لم يكبر، وإن عمل شيئًا من ذلك أحرم، فإن لم يحرم بطلت عليه صلاته.
قال الشيخ -رحمه الله-: الأصل في هذا حديث ذي اليدين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين ثم قام من موضعه وتكلم ثم أتم 4، ومفهوم الحديث أنه لم يجلس؛ لأنه قال: رجع فصلى ركعتين، وأحال السامع على المعهود ممن يصلي ركعتين، ولم يقل: جلس.
والمفهوم من هذا أنه استفتح ركعتين حسب العادة.
وأما
تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحتمل أن يكون نوى به الإحرام، ويحتمل أن يكون أراد التكبيرة التي يأتي 1 بها إذا استوى قائمًا من اثنتين، وإذا احتمل الوجهين جميعًا 2 وكان في حكم الصلاة كان التكبير استحسانًا 3.
باب في صفوف المصلين والتراص في الصف
ويبتدئ الصف من خلف الإمام ثم عن يمينه وشماله حتى يتمّ الصف الأول.
ولا يبتدئ بالثاني قبل تمام الأول، ولا بالثالث قبل تمام الثاني، وهذا الذي يقتضيه قول مالك في كتاب ابن حبيب، وهو أحسن من قوله في المدونة 1؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ تَصُفُّونَ كَما تَصُفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟! ثُمَّ قَالَ: يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ وَيَتَرَاصُّونَ" أخرجه مسلم 2.
وإذا جاء 3 رجل وقد تم الصف، فإن وجد مدخلًا من غير ضرورة فعل، وإن لم يجد صلى وحده، ولم يَجُرَّ 4 إليه أحدًا من الصف.
قال ابن حبيب: وأرخص مالك للعالم إذا كان مجلسه في مؤخر المسجد أو وسطه أن يصلي في موضعه مع أصحابه وإن تقدمتهم الصفوف 5.
وينبغي للمصلين أن يعتدلوا في الصفوف ويتحاذوا بالمناكب؛ لحديث ابن مسعود قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: اسْتَوُوا، وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنُّهَى" 6.
واختلف في الصلاة في الصف بين الأساطين، فأجاز ذلك في المدونة إذا ضاق المسجد للضرورة 7، وأجازها في المبسوط اختيارًا.
وقال في
الصلاة 1 في الصف بين السواري: لم يزل ذلك يعمل به عندنا، ولم أسمع أحدًا أنكره ولا كرهه.
والأول أحسن، ولا أرى الصلاة هناك لفذ ولا لجماعة، فأما الفذ فلبعده من القبلة، وذلك خلاف السنة.
وأما الجماعة فلأنه خلاف الحديث في التراصّ والمحاذاة بالمناكب، وإن كانت ضرورة بسط شيئًا يصلي عليه؛ لأنه موضع يلقي الناس فيه نعالهم، ولا يؤمن منه النجاسة.
باب في بناء المساجد وصفة بنائها وتعظيم حرمتها وما يجب أن تنزه عنه
المساجد بيوت الله في أرضه، أسست على التقوى ليتقرب إليه فيها بالطاعات، ذكرها الله في غير موضع من كتابه، وعَظَّمَ قدرها فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]، وحضَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بنائها فقال: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 1.
ونهى أن يتباهى في بنائها وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ" 2. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُزَخْرَفَ المسَاجِدُ كَأَنَّهَا البِيَعُ والكنائِسُ" 3.
وقال مالك: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم 4. وأرى أن يزال كل ما كان يشغل عن الصلاة وإن
عظم ما كان أنفق فيه.
وبناء المساجد على وجهين: واجب، ومندوب إليه.
فيجب في كل بلد أو قرية لا مسجد فيها؛ ليجتمع الناس إليه للصلاة، ولا يجوز أن يتمالأ على ترك الجماعة؛ لأن في ذلك تضييعًا للصلوات، وإن كان يجب على مثلهم الجمعة فذلك أَبْيَنُ.
وإن كان البلد واسعًا وشق على من بَعُدَ مِنَ الجامع الوصول إليه - كان بناء المسجد في تلك المحلة مندوبًا إليه؛ لأن إقامة الجماعة ليست على الأعيان، وذلك سنة أو فرض على الكفاية، وذلك يسقط بناء الجامع.
وتُعَظَّمُ حرمتها وَتجنَّبُ النجاسات والأقذار واللعب والصبيان والمجانين ورفع الأصوات والخصوم والخوض في الباطل 1 والبيع والشراء.
ولا تسلُّ فيه السيوف، ولا تنشد فيه ضالة إلا أن يجلس إلى قوم فيسألهم، وقد تقدم ذكر دخول الجنب والحائض.
وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: ويجب على من رأى في ثوبه دمًا كثيرًا في الصلاة أن يخرج عن المسجد ولا يخلعه فيه.
قال: وقد قيل: يخلعه فيه 2 ويتركه بين يديه وَيُخَمِّرُ الدم، أي: يغطيه.
ولا يبصق في جدار المسجد ولا على ظهر الحصباء ولا على الحصير، ولا بأس بذلك إذا واراه أو كان تحت الحصير، وينبغي أن يخلق، ويجمر؛ للحديث 3. ويجنب الروائح المكروهة.
ومن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أخرج من المسجد؛ لِحَقِّ المسجد والمصلين والملائكة.
فحقُّ المسجد لقول الله -عز وجل-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36]
وحق المصلين لقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد وجد ريح ثومٍ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِهِ" 1.
وحق الملائكة لحديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَكلَ مِنْ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ وَالثُّومِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" أخرجه مسلم 2.
ولا يجوز حدث الريح فيه، وإن كان مخليًا؛ لحرمة المسجد والملائكة، ولحديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لم يُحْدِثْ.
قِيلَ: وَمَا الحدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاط" 3.
ولا ينام في المسجد لهذا المعنى إلا لضرورة، قال مالك: للضيف أو لمن لا
بيت له 1.
ومحمل ما كان من النوم اختيارًا قبل هذه الأحاديث.
وكذلك ما روي من لعب الحبش في العيد في المسجد 2 فمنسوخ بالآية وبالحديث.
قال مالك: ولا تقتل في المسجد قملة ولا يلقيها فيه حية، وأما البراغيث فإنها من دواب الأرض فلا بأس أن تطرح فيه حية 3.
وقال أيضًا: أكره 4 قتل ما كثر من القمل والبراغيث، وأستخف ما قل من ذلك 5.
ويجوز قتل العقرب والفأرة في المسجد لأذاهما، ولأنه يجوز للحل قتلهما في الحرم وفي المسجد الحرام 6 ويجوز قتلهما لمن كان في الصلاة، وقتل الغراب والحدأة في الصلاة أثقل، وإن فعل لم تفسد الصلاة، وفي كتاب مسلم عن ابن عمر قال: "أَخْبَرَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الكَلْب العَقُورِ وَالفَأرَةِ وَالعَقْرَبِ وَالغُرَابِ وَالحِدَأَةِ وَالحَيَّةِ.
قَالَ: وَفِي الصَّلاَةِ أَيْضًا" 7.
باب في حكم من ترك الصلاة
تارك الصلاة ثلاثة 1:
- جاحدٌ لها.
- ومقرٌّ بها، ويقول: لا أصليها.
- ومقر بها ويقول: أصلي، ولا يفعل.
فحكم الأولين القتل 2، واختلف في الثالث إذا لم يصلّ؛ فقيل: يقتل.
وقال ابن حبيب: يبالغ في عقوبته حتى تظهر توبته.
ولم يجعل في ذلك قتلًا.
وإذا كان الحكم القتل فإنه يختلف في الاستتابة، وفي الوقت الذي يقتل فيه.
فأما الجاحد لها فقيل: يقتل مكانه.
وقيل: يستتاب بثلاثة أيام.
قال الشيخ -رحمه الله-: هو مرتد، وقد اختلف في استتابة المرتد، وهل ذلك واجب أو مستحب، وهل يقتل بالحضرة أو يؤخر ثلاثة أيام؟ فحكى ابن القصار عن مالك في تأخيره ثلاثة أيام روايتين: هل ذلك واجب أو مستحب، ورأى 3 تأخيره ثلاثة أيام واجبًا، والاستتابة، وهو أن يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام، والاعتراف بوجوجها على وجهين: واجب، ومستحسن 4. فمن كان يعرف أن له التوبة وأن رجوعه مقبول - كانت الاستتابة استحسانًا، ومن كان يجهل ذلك - كان عليه إعلامه أن ذلك مقبول منه واجبًا.
فإذا أُعْلِمَ مرة كانت
الاستتابة بعد ذلك بأن يقال له: تب وارجع استحسانًا 1؛ لأنها من باب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال 2، فهي واجبة فيمن لم تبلغه الدعوة 3، ومستحبة فيمن بلغته وهذا عالم بما يراد منه، وعلى مَا يقتل.
والأصل في ذلك: حديث ثمامة، كان أسيرًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخّره ثلاثة أيام، فكان يعرض عليه في ذلك الإسلام 4. والكافر مخاطب بالدخول في الإسلام الآن، عاصٍ في تأخيره ثلاثة أيام، فأخّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد كونه أسيرًا والقدرة على قتله الآن رجاء أن ينقذه الله من النار.
وإذا جاز ذلك في الكافر ابتداءً جاز ذلك في المرتد؛ رجاء أن يهديه الله -عز وجل- ويعود إلى الإقرار بالإيمان والصلاة.
واختلف إذا كان مقرًّا بالصلاة، فقال مالك في العتبية: يقال له: صل.
فإن صلى وإلا قتل.
وإن قال: لا أصلي.
استتيب، فإن صلى وإلا قتل 5.
وفرق بين الموضعين.
وقال 6 أيضًا: لا يؤخر إذا قال: لا أصلي، بخلاف الجاحد؛ لأن المقر بها مخاطب بفعلها، ولها وقت لا تؤخر عنه، والجاحد كافر مخاطب بالإيمان بها لا بالصلاة، فإن أقر بفرضها فحينئذ يخاطب بفعلها.
والقول إنه يستتاب أحسن؛ لأن كليهما مخاطب، إلا أن هذا - بالإيمان بها، وهذا بالصلاة، وكلاهما عاص في تأخير ذلك، فإذا جاز أن يؤخر هذا لحرمة القتل؛ رجاء أن يعود إلى الإيمان - جاز تأخير الآخرة رجاء أن يتوب ويعود إلى الصلاة، ولا خلاف أن حرمة الإيمان أعظم من حرمة الصلاة، والكل حق لله -عز وجل-.
ولا وجه لقول عبد الملك إذا قال: أصلي 1 ولا يفعل- إنه يعاقب، ولا يقتل.
ولا فرق بين أن يقول: لا أصلي أو أصلي ثم لا يفعل؛ لعدم الصلاة منهما جميعًا؛ ولقول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] يريد بالتوبة: الدخول في الإسلام، فأخبر أن القتل إنما يُرْفَعُ عنهم إذا أقاموا الصلاة، وهو الفعل ليس الإقرار بها، ولقول النبي - عليه السلام -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّيَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا" أخرجه البخاري ومسلم 2.
وهذا الحديث طابق القرآن أنه إنما يعصمه من إراقة دمه أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
وعلى القول: إنه تلزم الصلاة قبل خروج الوقت؛ فإن المراعى الوقت الضروري، فإن كان في العصر فإذا بقي لغروب الشمس مقدار الإحرام وركعة دون سجودها - لم يعجل عليه بالقتل قبل ذلك، ولا يراعى قدر القراءة
للاختلاف في القراءة في أول ركعة من الصلاة 1 وهو يقرأ في الثلاث بعد، ولا قدر لسجودها على قول 2 أشهب أن حمل الحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلاَةِ..." 3 أن المراد بذلك الركوع دون السجود، ومن قال: إن الصلاة سنة كان حكمه حكم من جحدها؛ لأن ذلك رد لكتاب الله -عز وجل-.
باب جامع في الصلاة
الصلاة تشتمل على ثلاثةٍ: فرائض، وسنن، وفضائل، واختلف في مواضع منها:
أحدها: هل هو فرض أو فضيلة؟
والثاني: هل هو فرض أو سنة؟
والثالث: هل هو سنة أو فضيلة؟
والرابع: هل هو فضيلة أم لا؟
فالفرض شرط في صحة الصلاة لا تجزئ إلا به، فإن أخلّ به عمدًا بطل، وإن أخل به سهوًا أتى به وأجزأته الصلاة على الاختلاف في صفة الإتيان به.
وإن أخل بالسنة سهوًا أجزأته صلاته، ويأتي عن تلك السنة بسجود السهو.
واختلف إذا تعمد هل تصح الصلاة أم لا؟ وإن أخل بالفضيلة سهوًا أو عمدًا أجزأته الصلاة، ولا يأتي عن ذلك بسجود.
فمن فروضها تكبيرة الإحرام وتعيينها بالقول: "الله أكبر"، والقراءة وأنها تتعين بسورة الحمد، والقيام للقراءة، والركوع، والسجود، والجلسة الأخيرة قدر السلام، والسلام.
ومن فروضها وليس مما تشتمل عليه: النية، وكونها مقارنة للدخول أو مقاربة على القول الآخر، والتوجه إلى القبلة مع القدرة على ذلك.
واختلف في التكبير سوى تكبيرة الإحرام هل هو سنة أو فضيلة؟ وفي التسبيح في الصلاة، وفي السورة التي مع أم القرآن، هل هي فضيلة أو سنة؟
وفي التسبيح والتحميد لمن لا يحسن القراءة هل هو واجب أو مستحب؟ وفي الطمأنينة في الركوع والسجود هل هي فرض، ولا تجزئ الصلاة بعدهما، أو فضيلة فتجزئ الصلاة، ولا يأتي عنه بسجود؟ وفي الرفع من الركوع هل هو فرض أو سنة؟ واختلف بعد القول إنه فرض، هل الطمأنينة فيه فرض أو فضيلة.
والرفع بين السجدتين فرض؛ لأنه فصل بينهما، وإلا كانت سجدة.
واختلف في الجلسة بينهما هل هي فرض أو سنة.
واختلف بعد القول فيها إخها فرض: هل الطمأنينة فيها فرض؟ أو فضلية، والجلسة الأولى سنة، وقيل: فرض، ويجزئ فيها سجود السهو، والتشهد الأول سنة.
واختلف في التشهد الآخر هل هو فرض أو سنة؟ وفي الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هو فرض في الصلاة أم لا؟
وكل ذلك مبين في مواضعه في هذا الكتاب وفي الكتاب الثاني، وجمعت ذلك ها هنا ليكون أقرب لفهم القارئ.
فصل [فيما تشتمل عليه الصلاة من أقوال]
الصلاة تشتمل من القول على خمس: قراءة، وتكبيرة، وتسبيح، ودعاء، وحمد لله وثناء عليه، وصلاة على نبيه - عليه السلام -. فالقراءة يؤتى بها في القيام؛ خاصة في أول ركعة، ولا يقرأ في الركوع ولا في السجود؛ للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذلك 1.
والتكبير يؤتى به للدخول في الصلاة، وللركوع دون الرفع منه، وعند السجود والرفع منه، وإذا قام من اثنتين.
والدعاء حسن في القيام بعد الفراغ من القراءة وفي السجود، وفي الجلوس بعد الفراغ من التشهد، وفي الرفع من الركوع، إلا أنه يختص بقوله: "سمع الله لمن حمده" ولا يؤتى به في الجلوس بين السجدتين، ولا يبتدأ به في الجلوس قبل التشهد.
واختلف هل يبتدأ به في القيام قبل القراءة؟ وقد تقدم ذلك في أول الكتاب.
واستحب مالك ألا يؤتى به في الركوع 1، وأن يخلص الركوع لله سبحانه خاصة بالتعظيم والتسبيح، ثم يثني لنفسه بالدعاء إن أحب في السجود؛ ولأنه أقرب فيما يرجى من الإجابة، وليس الدعاء في الركوع بممنوع، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" 2. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: يتأول القرآن.
يريد: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] السورة، وهذا دعاء في الركوع.
والثناء على الله والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بهما في الجلوس، ويبتدئ بالثناء على الله ويقول: "التَّحِيَّاتُ للهِ..." 3 إلى آخر التشهد، ثم يصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وفي = يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا".
مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي" 1. وإذا رفع قال: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَملْءَ مَا بَيْنَهُما وَملْءَ مَاشِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ" 2. وإذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" 3. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّى، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" 4. وقال في موضع آخر إنه كان يقول إذا رفع من الركوع: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَملْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُما وَملْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْد، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لمِا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" 5. تم كتاب الصلاة الأول، والحمد لله رب العالمين 6