قال (1) وإن أسلم المدبر إلى الشاهدين يختدمانه فيما غرما ثم أعتقه سيده مضى عتقه ولم يرده ثم (2) ينظر إلى الباقي فإن بقي لهما نصف ما غرماه غرمه لهما وإن بقي ثلث غرمه (3).
فصل [في الرجوع عن الشهادة في الكتابة]
فإن شهدا على رجل أنه كاتب عبده ثم رجعا بعد الحكم غرما قيمته يوم حكم بشهادتهما.
واختلف في الكتابة على أربعة أقوال، فقال عبد الملك: تكون الكتابة للشاهدين حتى يصير إليهما منها على النجوم ما غرما، فإن استوفيا رجع الفضل إلى السيد، فإن أدى الكتابة خرج حرًا، وإن عجز كان مملوكا لسيده وإن عجز قبل أن يستوفي الشاهدان ما غرماه بيع لهما منه بقدر ما بقي لهما، وقال ابن القاسم: تؤخذ القيمة من الشاهدين توقف 4 على يدي عدل ويتأدى الكتابة، فإن تأداها وفيها وفاء بالقيمة رجعت القيمة الموقوفة إلى الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الاستيفاء دفع إلى السيد من123 = يستوفيان منه ما وديا، إلا أن يشاءوا أن ينفقوا عليها السيد كان ينفق عليهما السيد إلى أن يدركا شيئا من رقها بموت السيد لعجز الثلث، أو لدين حدث عليه، فإن فعلا فأدركا شيئا من رقها فليبع لهما ذلك فيما وديا من قيمتها وفيما أنفقا، ولا يكون لهما الفضل، وإن لم يف ذلك بما وديا من قيمة ونفقة، فلا شيء لهما غير ذلك.
الموقوف تمام قيمة عبده 1. وقال سحنون: قال بعض أصحابنا: تباع الكتابة بعرض فإن كان فيها وفاء بقيمة العبد أو أكثر كان ذلك للسيد و 2 إن كان أقل رجع عليهما بتمام القيمة 3. وقال ابن الماجشون في كتابه: تباع الكتابة بعرض فإن شاء السيد أخذه وإن شاء بيع العرض فإن كان ثمنه مثل قيمة العبد أو أكثر فهو له وإن كان أقل غرما تمام 4 القيمة قال عنه ابن ميسر إلا أن يأبى السيد من بيع الكتابة فلا يغرم له الشاهدان شيئًا 5. قال الشيخ: والقول 6 بالبداية 7 ببيع الكتابة مثل ما تقدم من بيع الخدمة إذا شهدا أنه أعتقه إلى أجل وهو أحسن أن يبتدئ ببيع الكتابة 8 إذا كان فيها وفاء بالقيمة فإن كان كل 9 ما يباع به أقل كانا بالخيار بين أن يباع 10 بالنقد ويغرما تمام القيمة أو يغرما القيمة ويتأدى بالكتابة فقد يكون في عدة 11
الكتابة ما يوفي (1) بالقيمة، وهذا كما تقدم إذا شهد أنه أعتقه إلى أجل.
وإذا أحب السيد (2) أن يأخذ الكتابة ولا يغرم الشاهدان وكان العدد أكثر من القيمة لم يكن له ذلك على أحد القولين؛ لأنه ملك أخذ (3) القيمة نقدا ففسخ ذلك في أكثر منه (4) إلى أجل.
فصل [في الرجوع عن الشهادة في أمة أنها أم ولد، أو في أم ولد أن سيدها أعتقها]
وإن شهدا أنه أولد أمته ثم رجعا بعد الحكم غرما قيمتها.
قال محمد: ولا شيء لهما عليها 5 وتبقى أم ولد للسيد 6 يطأها؛ لأنهما أدخلا ذلك على أنفسهما وهي لا خدمة فيها غير أنها إن جرحت أو قتلت 7 وأخذ لها أرشا كان للشاهدين من ذلك قدر ما غرماه، والفضل للسيد، ولا شيء لهما في مال 8 تكتسبه بعمل أو هبة أو غير ذلك 9.1234
وقال سحنون يرجعان فيما أفادت من مال بقدر ما أديا فقط 1. وقال محمد بن عبد الحكم 2: إذا رجعا عن الشهادة أنها أم ولد فإن عليهما القيمة ويخفف عنهما من القيمة لما 3 بقي له فيها من الاستمتاع، قال: وكذلك إذا كانت حاملًا غرما قيمتها على التخفيف 4.
قال الشيخ أبو محمد - رضي الله عنه - في النوادر: وقد رووا عن بعض مشايخنا أنه قال لا شيء عليهما إذا شهدا أنه اتخذها أم ولد 5.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: أما القول إن للسيد أن يأخذ القيمة 6 وتبقى له متعة فليس ببين؛ لأن البينة لم ترد أن تكون له متعة ويغرمان القيمة، وأرى أن يكون السيد بالخيار بين أن يأخذ قيمتها ويمنع من إصابتها؛ لأنه قد أخذ ثمنها وذلك كالبيع لها، أو لا يأخذ القيمة ويستمتع بها، وإذا أخذ القيمة وأراد الشاهدان الرجوع عليها سئلت: هل تقول إنها أم ولد -كما شهدت البينة- أم لا؟ وإن قالت: لم ألد منه قط.
كان لهما أن يؤاجراها في القيمة وينزعا 7 مالها، وإن قالت: إنها ولدت منه، لم يكن لهما على خدمتها سبيل ولا على مالها؛ لأنه تقول: إنما انتزاع المال إلى سيدي، فإذا لم ينتزعه مني لم يكن ذلك للبينة هذا
بمنزلة ما لو شهدت البينة (1) لرجل بالحرية ثم رجعت عن الشهادة والمشهود له يقر بالعبدية فإن للمشهود عليه أن يستخدمه ولا يبيعه؛ لأن الخدمة حق له والعتق فيه حق (2) لله عز وجل.
فصل [في الرجوع عن الشهادة في العتق]
واختلف إذا شهدا عليه أنه أعتق أم ولده ثم رجعا بعد الحكم، فقيل: لا يغرمان له 3 شيئا؛ لأنهما إنما أبطلا عليه 4 متعة.
وقيل: يغرمان قيمة أم ولد، وقيل: قيمتها أن 5 لو كانت أمة لم تلد.
وإن شهد أنه أسقط الكتابة عن مكاتبه وأنه أعتقه أو أنه أعتق مدبره أو معتقه إلى أجل غرما قولًا واحدًا 6.
واختلف في القدْر الذي يغرمانه، فأما أم الولد 7 فقال أشهب وعبد الملك في كتاب محمد في أم الولد 8: لا شيء على البينة.
قال محمد: لأنهما لم يتلفا عليه مالًا ولا خدمة، وإنما أبطلا 9 عليه الوطء وما في الوطء من ثمن، كما لو شهدا عليه أنه طلق امرأته البتة ثم رجعا ما كان عليهما في ذلك غرم 10.12
وقال ابن القاسم عليهما قيمتها 1: قيمة 2 أمة مثل ما لو قتلت، وقيل في هذا الأصل: قيمة أم ولد.
وهو ظاهر قول ابن القاسم إذا وطئ الأب أم ولد ولده فأبطل عليه الوطء، وقاله في أم الولد تغر من نفسها 3 فتُزوج ويولد لها من الزوج ثم تُستحق إنَّ على الأب قيمة الولد على الرجاء والخوف، وقيل: قيمته رقيقًا بمنزلته لو قتل، ويختلف إذا كان لها مال فعلى قول ابن القاسم يكون للسيد أن يغرمهما قيمتها بمالها، وإن شاء أغرمهما المال وقيمتها بغير 4 مال، وعلى قول أشهب وعبد الملك يغرمان المال خاصة؛ لأنه قد كان له أن ينتزع مالها؛ لأن الشهادة بالعتق توجب كون مالها لها ثم ينظر فيما يكون 5 من أمرها بعد ذلك إن ماتت أو قتلت فإن ماتت عن مال أو قتلت 6 خطأ فأخذت الدية فإن تقدم الحكم فيها بقول أشهب ولم يغرم البينة شيئا ولم يكن لها نسب يرثها 7 أخذ ذلك السيد ولا شيء على البينة وإن كان لها نسب ورث المال إن ماتت والدية إن قتلت، وكان للسيد أن يرجع على الشاهدين بمثل ذلك المال 8 لأنه يقول: بشهادتكما أخذه وارث النسب إلا أنه يرجع في القتل بقيمتها يوم قتلت على أنها أمة كانت تلك 9 القيمة أقل من الدية أو أكثر، فإن
كانت أقل من الدية لم يكن له (1) غير القيمة؛ لأنه يقول: إنها (2) قتلت وهي أم ولد لم تعتق.
وإن كانت قيمتها على ذلك أكثر أغرمهما قيمتها؛ لأنه يقول: شهادتكما منعتني أن آخذ تمام القيمة.
فإن تقدم الحكم بقول ابن القاسم وكان قد أخذ السيد القيمة لم تورث إلا بنسب (3) أخذ المال الشاهدان إلا أن يكون فيه فضل فيكون الفضل للسيد، وإن قتلت خطأ (4) لم يغرم القاتل شيئا على هذا القول؛ لأن تقدم الشهادة بالعتق يسقط الغرم عن القاتل ويوجب كونها على العاقلة والسيد والبينة مقرون (5) أن لا شيء لهم على العاقلة فبطل الدم، وإن كانت تورث لنسب (6) كان لمن له النسب أن يأخذ ما خلفته من المال وتغرم العاقلة الدية (7) ولا يضره رجوع البينة ولا شيء للسيد على البينة على قوله.
فصل [في الرجوع عن الشهادة في الكتابة]
وإن شهد أن سيده أسقط عنه الكتابة أو أنه استوفاها ثم رجعا 8 غرما ما بقي من الكتابة على النجوم، كلما حل نجم غرمه الشاهدان للسيد كان عينًا أو عرضًا أو ما كان، وهو قول عبد الملك في كتاب محمد 9. وللسيد -إن أحب-1234567
أن يغرمهما قيمته لو بيع على أنه مكاتب بالنقد؛ لأن السيد يقول: قد كان لي أن أبيعه مكاتبًا بالنقد وأتعجل ثمنه، فشهادتكما منعتني ذلك.
فإن أخذ ذلك السيد من الشاهدين على النجوم ثم مات المكاتب عن مال أو قتل وأخذ ذلك السيد لعدم من يرثه بالنسب لم يكن للبينة على السيد رجوع؛ لأن السيد يقول: قد كان لي السببان (1) جميعًا المكاتبة (2) ثم المال والدية الآن (3).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا أرى للسيد على العاقلة شيئا إذا تبين (4) منه بعدُ (5) العجزُ، وأنه لو لم تشهد البينة لم يقدر على الأداء.
فصل [فيمن شهدا أنه أعتق مدبره ثم رجَعَا]
وإن شهدا أنه أعتق مدبره غرما قيمته عبدًا لا تدبير فيه، قاله عبد الملك وأصبغ 6. واختلف في المعتق إلى أجل، يشهدان على سيده أنه عجل عتقه ثم رجعا عن الشهادة، فقال عبد الملك: عليهما قيمة الخدمة إلى ذلك الأجل، إلا أن يكون الأجل طويلًا لا يبلغه عمر ذلك 7 العبد فيكون عليهما12345
الأقل من ذلك 1. وقال أصبغ عليهما قيمته كالمدبر 2، وهو قياد قول ابن القاسم في أم الولد، وقاسا ذلك على القتل لو قتلها أحد، وإذا غرم الشاهدان قيمة خدمة المعتق إلى أجل 3 على قول عبد الملك ثم مات العبد في ذلك الأجل عن مال أو قتل وأخذت ديته نظرت فإن كانت تورث 4 بنسب كان للسيد أن يرجع على الشاهدين بمثل ما خلف من المال وبقيمته يوم قتل أن لو كان عبدًا، ويقاصهما 5 من ذلك بباقي 6 الخدمة، وإن لم يكن له نسب وكان ميراثه لسيده كان للشاهدين أن يرجعا عليه بباقي الخدمة، فإن كانت الخدمة عشر سنين -وهي التي غرم- فمات بعد خمس سنين رد عليهما ما أخذ عن خمس.
وإن قتل خطأ رجع عليهما بقيمته يوم قتل وقاصهما 7 بباقي الخدمة؛ لأن دمه يبطل لأن السيد أبرأ العاقلة، والبينة أبرأت القاتل فشهادتهما حالت بينه وبين أن يغرم القاتل.
وإن كان القتل عمدًا كان للسيد أن يجبره على أن يغرم القاتل قيمته عبدًا ويرجع الشاهدان عليه بباقي 8 الخدمة.
وأما المدبر إذا مات السيد والثلث يحمله وعليه دين يرقه أو لا دين عليه ولا مال له سواه.
باب إذا شهد بعتق عبد (1) فردت شهادته ثم اشتراه
وقال مالك في رجلين شهدا بعتق عبد فردت شهادتهما ثم اشتراه أحدهما: إنه يعتق عليه 2.
وقال أشهب: يعتق عليه إن أقام على الإقرار بعد الشراء، وإن قال: كنت قلت باطلًا، وأردت إخراجه من يديه.
لم يكن عليه شيء 3.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إن ردت شهادته 4 لعدواة وما أشبه ذلك قُبِلَ قوله وإلا لم يقبل قوله.
وقول مالك إنه 5 يعتق عليه محتمل أن يريد بحكم أو 6 أنه حر بنفس الشراء والقياس أن يكون حرًا بنفس الشراء؛ لأنه مقر أنه اشتراه حرًا، والحر لا يفتقر إلى حكم إلا أن يراعى الاختلاف فيه فلا 7 يعتق إلا بحكم.1
باب في اختلاف الشهادة بالعتق
وقال ابن القاسم في رجل شهد عليه شاهد أنه أعتق عبده 1 بتلًا وشهد عليه 2 آخر أنه أعتقه إلى سنة: إنَّ السيد يحلف على تكذيب شهادة 3 البتل، ويكون عتيقًا إلى سنة، فإن أَبَى أن يحلف سجن حتى يحلف 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن كانت الشهادة في 5 مجلسين فالجواب صحيح، وإن كانت عن 6 مجلس واحد وكلمة واحدة وقام العبد بهما جميعًا، كان فيها 7 قولان، فقيل: ذلك تكاذب ويسقطان جميعًا.
وقيل: الجواب كالأول يحلف السيد على تكذيب شاهد البتل ويكون معتقًا إلى أجل، وإن قام العبد بشهادة أحدهما والسيد منكر لهما أحلف على تكذيبه وبرئ.
وإن أقر السيد بشاهد الأجل، وقام 8 العبد بشاهد البتل حلف السيد على تكذيب شاهد البتل، وكان معتقًا إلى أجل، وسواء كان شاهد البتل مثل الآخر في العدالة أو كان أعدل، وليس للعبد أن يحلف مع شاهد البتل، ويعجل عتقه، وإن تأخرت الشهادة حتى حمل الأجل كان عتيقًا، وإن شهد
أحدهما أنه أعتقه بتلًا وشهد الآخر أنه دبره بطلت الشهادة، فقال: لأنهما لم يجتمعا في ثلث ولا غيره.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا شهد أحدهما أن السيد بتل عتقه في صحته، وشهد آخر أنه بتله في مرضه، جاز وأعتق في الثلث، وإن شهد أحدهما أن السيد 1 دبره والآخر أنه أوصى بعتقه جازت شهادتهما ولم تجب له تبدية 2 المدبر 3.
تمَّ كتاب العتق الثاني من التبصرة، والحمد لله حقَّ حمده