النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368/ 4) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصيام
أوجب الله تعالى الصيام بالقرآن في تسعة مواضع: صوم رمضان، وقضاؤه على من أفطره في السفر، وقضاؤه على من أفطره لمرض، والصوم على المتمتع، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد، والظِّهار، وقتل النفس، وكفارة اليمين.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه أَمَرَ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالجِمَاعِ، بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" (1).
ومنازل هذا الصوم مختلفة فمنه مأمور به ابتداء، ومنه مأمور به عند عدم القدرة على غيره، ومنه ما هو مخير بين فعله والإتيان بغيره.
باب في صوم شهر رمضان، والوقت الذي يجب صومه وما يجب منه
2 قال الله -عز وجل-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: 183]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: 185] ثم قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ1
فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
فأفادت الآية الأولى وجوب الصوم جملة، دون معرفة العين المأمور بصيامها، وأفادت الآية الثانية معرفة العين المأمور بصيامها، وأنه شهر رمضان، دون معرفة الزمن المأمور به منه، ودون معرفة ما أمرنا بالإمساك عنه، وأفادت الآية الثالثة معرفة الزمان المأمور بإمساكه، مبتدأه ومنتهاه، وأن مبتدأه طلوع الفجر، ومنتهاه غروب الشمس، والذي يجب الإمساك عنه ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ مِنْ سَحُورِهِ أَذَانُ بِلاَلٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْق وَطَأْطَأَ إِلَى الأرْضِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، ثُمَّ مَدَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ" 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 2 أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
فأبان في الحديث الأول أن الفجر المراد في القرآن هو الثاني، دون الأول، وأبان في الحديث الثاني أن المراد بقوله سبحانه: ﴿... إِلَى اللَّيْلِ...﴾ أن يغيب دَوْر الشمس، وأنه لا يجوز الإفطار عند مغيب بعضها، ولا يلزم الإمساك لبقاء ضيائها بعد مغيب 1 جميعها.
باب في الصوم والإفطار بالشهادة، وخبر الواحد
الصوم والفطر يصح بثلاثة شروط: بالرؤية، فإن لم تكن رؤية فبالشهادة، فإن لم تكن 1 شهادة فبإكمال العدة ثلاثين، والأصل في ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَيهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ".
أخرجه البخاري ومسلم 2، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "... فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" 3.
والصيام بالشهادة ثلاث حالات:
فحالة يصام بشهادة رجلين، وحالة لا يكتفى بشهادة شاهدين.
وحالة يصح الاقتصار فيها على شهادة واحد، على اختلاف في هذين القسمين، فيصح الاقتصار على شهادة رجلين في الغيم وإن عظم المصر، وفي الصحو في المصر الصغير، واختلف إذا كان الصحو، والمصر كبير 4.
واختلف في مواسم الحج، هل يكتفى في ذلك بشهادة شاهدين؟ والظاهر من قول مالك وغيره من أصحابه: الجواز 5، وروى ابن وضاح عن سحنون
المنع، وقال: وأي ريبة أكبر من هذا؟ 1 ولم يرو عنه في العدد الذي يكتفى به في ذلك شيءٌ.
وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون في هلال الموسم مذهبًا لا ندري من أين أخذوه، إنهم لا يقبلون إلا أربعين 2 رجلًا، قال: والقياس أنه يجوز فيه شاهدان، كالفروج والدماء 3، وهذا موافق لقول سحنون في أنه لا يُكتفى بشاهدين.
فوجه الأول الحديث: "فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" 4 فعمَّ ولم يخصّ 5، ومحمل جوابه - صلى الله عليه وسلم - على ما يكون بالمدينة وما يكون بالأمصار وغيرها إلى أن تقوم الساعة من الأمصار وغيرها، ولو لم يكن إلا قصر الحديث على أهل المدينة لكان فيه كفاية، فقد كان فيها خلق عظيم.
وأما ما ذكر عن سحنون وأهل مكة فله وجهان:
أحدهما: أن الحديث مختلف في سنده.
والثانية: تقدمة القياس على خبر الواحد؛ لأن الغالب صدق العدد الكثير إذا قالوا: لم نر، ووهم الاثنين 6 يصير من باب التعارض في الشهادات، ولو كان الاختلاف عن موضع واحد، حصروا النظر إليه، وأثبتوا الموضع بجدار = إذا كانا عدلين).
أو شجرة أو ما أشبه ذلك مما يقتدى به لموضعه كان تكاذبًا، وكان الأخذ بقول الجم الغفير والعدد الكثير أولى، وليس كذلك الشهادة على الفروج والدماء؛ لأنها شهادة واحدة، وإخبار عن أمر لم يشهده غيرهما فيدعي تكذيب ما شهدا به، ولو نزل مثل ذلك في القتل فشهد اثنان بالقتل وشهد عدد كثير بنفيه، لم يؤخذ بقول الشاهدين، إذا كانت الشهادتان عن موطن واحد.
فصل إذا شهد شاهدان على الهلال
وإذا شهد شاهدان على الهلال فأكمل عدة ذلك الشهر ثلاثين، والسماء مصحية فلم يروا شيئًا سقطت شهادتهما، ولم يعمل بها، ولم يصم الناس إن شهدا على هلال شعبان، ولم يفطروا إن شهدا على هلال رمضان، قال مالك: هؤلاء شهود سوء 1. يريد: أنه قد تبين كذبهم؛ لأن الهلال لا يخفى مع إكمال العدة؛ لأنها ليلة إحدى وثلاثين، وإنما يخفى ويدركه بعض الناس مع نقص الأول.
وقد قال يحيى بن عمر: إذا شهد شاهد على هلال رمضان، وآخر على هلال شوال لم يفطر الناس بشهادتهما 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إن شهد الأول أنه رأى هلال رمضان ليلة الأحد، والآخر أنه رأى هلال شوال ليلة الاثنين لم تلفق الشهادتان؛ لأنهما لم يجتمعا على أن يوم الاثنين يوم فطر، والأول يقول: لا يكون يوم فطر إلا بنقص رمضان ولا علم عندي من نقصه، وإن شهد الثاني أنه رأى الهلال ليلة الثلاثاء وهو صحو لم يفطر الناس؛ لأن شهادة الأول سقطت وقد تبين أنه كَذب أو
وَهم؛ لأن ليلة الثلاثاء على شهادة الأول ليلة إحدى وثلاثين، ولا يخفى ذلك مع الصحو، وإن كان غيم ضمت الشهادتان على أحد القولين في ضم الأقوال، لاتفاق الشهادتين أنهما يوم فطر، ولم يتبين كذب الأول، والأخذ به في هذا أحسن.
فصل واختلف في الصوم بشهادة الواحد
واختلف في الصوم بشهادة الواحد إذا أخبر عن رؤية نفسه فمنع مالك أن يصام بشهادته لا على وجه الوجوب، ولا على الندب، ولا على الإباحة 1. وقال سحنون: لو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بقوله ولا أفطرت 2.
وقال أحمد بن ميسر: إذا أخبر عما ثبت في البلد، أو أخبر عن بلد آخر أنه رئي به صيم بقوله.
وأجازه ابن الماجشون في البلد نفسه إذا أخبر عن رؤية نفسه أو رؤية غيره، فقال ابن ميسر: إذا أخبرك الرجل العدل أن الهلال ثبت عند الإمام وأمر بالصيام، أو نقل ذلك عن بلد آخر، لزمك العمل على خبره 3.
قال الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد - رضي الله عنه -: كما أن الرجل ينقل إلى أهله وابنته البكر مثل ذلك، فيلزمهم الصيام بقوله 4. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ينبغي إذا كان الناس مع إمام يُضَيِّع أمر الهلال ألا يَدَعُوا ذلك من أنفسهم، فمن ثبت عنده برؤية نفسه، أو برؤية من يثق بصدقه صام
عليه وأفطر، وحمل عليه من يقتدي به 1.
وأجاز في هذا ثلاثة أشياء: الفطر والصوم، بقول الواحد، إذا كان أخبر عن رؤية نفسه، وأن يحمل عليه من يقتدي به 2؛ لأنه يقطع بصدق نفسه، وأن يحملهم على قول غيره إذا كان ثقة عنده 3، فإذا جاز أن يحمل من يقتدي به على الصوم بقول الواحد عند تضييع الإمام جاز للإمام أن يحمل الناس على مثل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يفعل عند عدم الإمام إلا ما يجوز للإمام أن يفعله، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" 4. فأباح الأكل بقول بلال وحده، وألزم الإمساك بقول ابن أم مكتوم وحده، والأول يخبر عن رؤية نفسه، والثاني يخبر عما يخبره به غيره، وعلى هذا يجوز أن يفطروا بقول الواحد إذا أخبر عن غروب الشمس، فإن قيل: المؤذن في هذا بخلاف غيره؛ لأن الناس أقاموه لذلك، فأشبه الوكيل، قيل: يلزم على هذا أن يجوز مثل ذلك في الهلال إذا أقاموا واحدًا لالتماسه لهم فيعملوا على ما يخبرهم به من هلال رمضان أو شوال، مع أن العمل على ما يقوله المؤذن، كان السامع له من أهل تلك المحلة أو غيرها، وفي النسائي: عن ابن عباس قال: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الهِلاَلَ اللَّيْلَةَ.
فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنّي مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" 5. وقد قيل في هذا الحديث: إنه يحتمل أن
تكون تقدمت شهادة للآخر (1) بمثل ذلك.
فصل وعلى من رأى الهلال أن يصوم صبيحة تلك الليلة
وعلى من رأى هلال رمضان أن يصوم صبيحة تلك الليلة وإن لم يره غيره، وإن أفطر هو كان عليه القضاء والكفارة، إلا أن يكون متأولًا ويظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته بانفراده، وإن رأى هلال شوال بَيَّتَ الفطرَ، وأفطر إن كان في سفر يقصر في مثله، وإن كان لا يقصر 2 في مثله مع جماعة أمسك عن الأكل، وإن كان وحده أفطر 3، وإن كان في حضر أمسك، وقال مالك في الموطأ: لا يأكل؛ لأن الناس يتهمون أن 4 يفطر من ليس بمأمون، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال 5، وهذا منه على وجه الاحتياط، وإن خفي له كل.
وقد اختلف في الزوجين يشهد عليهما بطلاق الثلاث وهما يعلمان أنهما شهدا بزور فقيل: لا بأس أن يصيبها إذا خفي له، فما يكون من واحد وهو الأكل أخفى مما يكون بين اثنين وهو الوطء.
قال أشهب: إذا ظهر على من يأكل ذلك اليوم وقال: رأيت الهلال، عوقب إذا كان غير مأمون، إلا أن يكون ذكر ذلك قبل، وأذاعه، وإن كان مأمونًا لم يعاقب، وقدم إليه ألا يعاود، فإن فعل عوقب، إلا أن يكون من أهل1 = باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، من كتاب الصيام، برقم (1652) والحاكم في المستدرك: 1/ 437، من كتاب صلاة العيدين، برقم (1104)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد متداول بين الفقهاء ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
الدين و 1 الرضا فلا يعاقب، ويغلظ عليه في الموعظة 2. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإذا رأى هلال ذي الحجة وحده كان عليه أن يقف وحده على رؤيته، وعلى من رأى الهلال أن يرفع ذلك إلى الإمام إذا كان الرائي عدلًا، واختلف في غير العدل، فقال أشهب: إن لم يكن منكشفًا، وأشبه أن تقبل شهادته، كان عليه أن يرفع، وإن كان منكشفًا، فأحب ذلك له، وليس بواجب 3. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان فاسقًا، أو عبدًا، أو امرأة، فليس عليه أن يُعلم الإمام؛ لأنه يضع من نفسه لغير فائدة 4. والقول الأول أبن؛ لأنه قد يجتمع ممن 5 لا يحكم بقوله عدد 6 ما 7 يقع بقولهم العلم، وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ظهور الشهادة؛ لأن كثيرًا من الناس يقف عن الشهادة على الهلال خوفًا أن ترد شهادته 8 لانفراده، وقال محمد بن عبد الحكم: قد يأتي من رؤيته ما يشتهر 9 حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل إذا كان عددًا لا يمكن فيهم 10 التواطؤ على الباطل 11.
فصل رؤية الهلال نهارا
وقال مالك 1 في كتاب ابن حبيب، وشرح ابن مزين في الهلال يرى قبل الزوال: وهو لليلة القابلة.
2 وقال ابن وهب، وعيسى بن دينار، وابن حبيب: هو لليلة الماضية، 3 فيمسك الناس على قولهم عن الأكل، إن كان ذلك في هلال رمضان، ولا يجوز الإمساك إن كان في 4 هلال شوال، ووجه ذلك، أن الله -عز وجل- أجرى العادة في رؤية الهلال عند الغروب ولم يختلفوا أن ذلك لمقاربته من الشمس، وأن انتقاله على قدر قدره الله سبحانه، كما قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، فإذا بعدت منزلته ورئي في المنزلة التي 5 العادة أن يكون فيها في الليلة الثانية، ويستحيل أن يكون في أول ليلة، حمل على أنه في الليلة الثانية 6، وكذلك إذا خفي في أول ليلة لغيم أو ما أشبه ذلك فرئي في الليلة الثانية في المنزلة التي العادة أنه يكون فيها في الليلة الثانية، ولا يصح أن يكون فيها في أول ليلة، أنه يحمل على أنه لليلتين.
باب في النية للصائم (1) والوقت الذي يجب أن يؤتى بها فيه ولا تؤخر عنه والوقت الذي يوسع أن يؤتى بها فيه
الصيام قربة تفتقر إلى نية كالصلاة وغيرها من القرب، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "... الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ..." 2 الحديث، فدخل في ذلك الصوم وغيره، وقوله: "وَمَنْ لَمْ يبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ" رواه النسائي 3، فلو ظل رجلٌ سائرَ يومه لم يأكل ولم يشرب بغير نية لم يكن متقربًا إلى الله سبحانه، ووقت النية موسع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
واختلف إذا قدّم النية قبل الغروب، أو أَخَّرَها حتى طلع الفجر، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يجزئ الصوم إلا بنية قبل طلوع الفجر 4، وقال أبو محمد عبد الوهاب: قبل الفجر أو معه 5. وهو أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ...﴾ [الآية].
وإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر، لم تجب النية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعد النية يأكل حتى يطلع الفجر.1
وقال ابن القاسم: لو كان يطأ فأقلع حين رأى الفجر صح صومه 1. وإذا كان كذلك فلا شك أن النية إنما تجب عند التلبس 2 بالطاعة، وهو وقت الإمساك، والإمساك يجب عند رؤية الفجر، وفي كتاب الصوم من البخاري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُنَادِي حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ" 3 هذا نص قوله، وهو طبق القرآن، وإذا وردت النصوص بهذا لم يعارض بقياس، فيقال: إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل، وأما تقدمة النية قبل الغروب فهو راجع إلى صفة الصوم.
والصوم على ثلاثة أقسام:
فالأول: المتتابع كرمضان، وشهري الظهار، وقتل النفس، ومن نذر شهرًا بعينه، أو نذر متابعة ما ليس بعينه.
والثاني: ما هو مخير في متابعته كرمضان في السفر، وقضاء من أفطره عن مرض، أو سفر، أو ما أشبه ذلك، وكفارة الأيمان، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد.
والثالث: ما لا تصح متابعته؛ كصوم الاثنين والخميس، وما أشبه ذلك.
فأما ما تجب متابعته فالنية في أوله لجميعه جازية 4.
وقال محمد بن عبد الحكم: وقد قال مالك: إن التبييت ليس على الناس في رمضان، قال: والناس مجمعون فيه على الصوم، قال: وقال مالك: لا صيام
إلا لمن يبيت 1. قال: وقوله الذي هو موافق للسنة أحب إلينا، يريد: أن عليه مبايتة كل ليلة.
واختلف فيما لا تجب متابعته وفيما لا تصح المتابعة فيه على ثلاثة أقوال:
فقيل: النية 2 في أول ذلك تجزئ، وقيل: لا تجزئ، وعليه أن يجدد النية كل ليلة، وقيل: تجزئ فيما يتابع دون غيره 3.
وما كان حكمه المتابعة- فانقطع ذلك لمرض أو سفر أو حيض، صار حكمه عند الرجوع إلى التلبس بالصوم حكم ما لا تصح متابعته- مختلف فيه: فقال مالك في المبسوط فيمن كان شأنه سرد 4 الصوم لا يدعه: فإنه لا يحتاج للتبييت؛ لما قد أجمع عليه من ذلك 5، وقال في العتبية: لا يجزئ المسافر إلا التبييت في كل ليلة من رمضان 6، وقال غيره: لما كان له أن يفطر كان عليه أن يبيت في كل ليلة، 7 وهذان قولان فيما كان متابعته بالخيار.
وقال ابن الجلاب فيمن أفطر في رمضان لمرض أو سفر أو حيض أو تعمد: وجب عليه تجديد النية 8.
وقال مالك في المختصر في ناذر يوم الخميس يصبح يظنّه الأربعاء، قال:
يمضي على صيامه، ويكفيه من نيته ما تقدم من إيجابه 1، وقال ابن القاسم: لا يجزئه 2. وقال أشهب فيمن شأنه صوم يوم 3 الخميس فيمر به وهو لا يعلم حتى يصبح، قال: إن كان ربما أفطره لم يجزئه إلا أن يقول: أصوم كل خميس إلا ما أبيت 4 إفطاره 5. فلا يجزئه على أصل ابن القاسم بحال، والقياس أن تجزئ النية في كل صوم نوى متابعته وإن كان له ألا يتابعه، ولا فرق بينه وبين رمضان، ولا يجزئ فيما لا يتابع؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة للأعمال، وإلا كان عملًا بغير نية، لا سيما ما كان يتخلل 6 تلك الأعمال مما يضادها، فكان حمله في النية على ما كان في تلك الأيام والليالي من الفطر أولى من حمله على نية تقدمت في ليلة لصوم صامه قبل ذلك، ولا يوسع في ذلك بأكثر مما وردت به السنة، وهو تقدمتها من أول الليل، وهذا للضرورة؛ لأن الناس مضطرون إلى النوم، والغالب طلوع الفجر وهم نيام، إلا من كان له حزب، فلو كُلِّف الناس النية عند طلوع الفجر، تكلفوا الامتناع من النوم؛ لئلا يدركهم الفجر وهم نيام، وفي هذا حرج، وذلك ساقط بقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة: 185] 7 ولو جاز أن يجتزئ
من تقدم له نذر كل خميس بما تقدم له من النية من أول نذره وكان نذره من ستة أو عشرة عن هذا الخميس لأحزأت النية عن هذا الرمضان بالنية التي كانت من حين البلوغ؛ لأنه معتقد أن يصوم كل رمضان يأتي وهو حي، ومثله إذا أوجب صوم كل محرم أو رجب.
باب في صفة الصيام
الصوم الشرعي: الإمساك عن أربعة: الأكل، والشرب، والجماع وإن لم يكن إنزال، والإنزال 1 وإن لم يكن جماع، كالذي يستمتع بأهله خارج الفرج فينزل، ولا يفسد بالإنزال عن الاحتلام، وإن كان ذلك مما يوجب الغسل.
واختلف في المذي، هل يفسد الصوم، أم لا؟ والقبلة والمباشرة والملامسة 2 غير محرمات في أنفسهن، وأمرهن متعلق في الإباحة والتحريم والكراهة بما يكون عنها، فمن كان يعلم من عادته أنه لا يسلم عند ذلك من الإنزال، أو يسلم مرة ولا يسلم أخرى، كان ذلك محرمًا عليه وعلى هذا يحمل قول مالك في المدونة فيمن باشر مرة واحدة أو قبّل قبلة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة 3، وقول ابن القاسم في المبسوط فيمن باشر مرة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة، 4 ومن كان يعلم من عادته السلامة من ذلك، وأنه لا يكون عنه إنزال ولا مذي كان مباحًا، وإن كان لا يسلم من الإمذاء كان على الخلاف فمن 5 أفسد به الصوم كان الإمساك عن سببه واجبًا، ومن لم يفسد به كان الإمساك مستحبًا.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: القضاء عن المذي مستحب 6. وقال ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد فأمذى فلا
قضاء عليه، وفرق بين ذلك وبين أن يمني 1، فلم يرَ أن يفسد به الصوم، والذي يتذاكر به أن القضاء عليه 2 واجب.
والقول الأول أحسن، وإنما ورد القرآن بالإمساك عما ينقض الطهارة الكبرى دون الصغرى، ولو وجب القضاء بما ينقض الطهارة الصغرى لفسد الصوم بمجرد القبلة والمباشرة والملامسة وإن لم يكن مذي، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" 3، وأخرج مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة للصائم، فأفتاه بجواز ذلك 4، وعمر بن أبي سلمة حينئذٍ حديث السن، فالصوم والصلاة في هذا مختلفان، واتفق الجميع على أنه لا يجيء في عمده كفارة، ولا يقطع التتابع إذا كان صيام ظهار أو قتل نفس.
ونظرُ الرجل إلى أهله على وجه التلذذ جائز، إلا أن يديم النظر فيكون الأمر في ذلك إلى عادته، فإن كان يعلم أنه لا يحدث منه أكثر من التلذذ جاز ذلك له 5، وإن كان يحدث منه الإنزال كانت الاستدامة محرمة، وإن كان
يحدث (1) مذي فعلى الاختلاف المتقدم، وذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب أنه إذا دخل عليه إنزال ولم يكن سببه منه لم يفسد صومه (2)، وأظنه قاسه على الاحتلام.
ويدخل فيما (3) ذهب إليه من ذلك ما (4) يكون عند (5) المسابقة وغيرها.
فصل الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتاد وغير المعتاد
الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتادين وبغير المعتادين كالعقاقير، وبما ليس من المأكولات إذا كان يغذِّي كالتراب والنوى.
واختلف في وقوع الفطر بتسع: بالتافه من الطعام كفلقة الحبة، وبما فوق ذلك إذا كان مما تدعو إليه الضرورة كغبار الدقيق، وبما لا يغذِّي كالحصاة والبلغم، وبما يصل من العين، وإذا قاء ثم غلب على رجوع شيء منه، وإذا تقيأ 6 وإن لم يرجع شيء منه، وفي الحقنة بالمائعات، وفي وقوع الفطر بالنية لمن تقدم له التبييت قبل أن يصبح، فلا يفسد الصوم فلقة 7 الحبة تكون في الفم، إذا لم يتعمد وكان مغلوبًا 8 ومضت مع ريقه.12345
واختلف في غير المغلوب إذا كان ساهيًا أو جاهلًا أو عامدًا، فقال في كتاب أبي مصعب: إذا كان ساهيًا فعليه القضاء، وإن كان متعمدًا كان عليه القضاء والكفارة 1، وأجراه 2 على حكم الكثير من الطعام.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كان جاهلًا فلا شيء عليه، وقال ابن حبيب: إن كانت 3 بين أسنانه فلا شيء عليه، ساهيًا كان أو عامدًا أو جاهلًا، وإن تناولها من الأرض كانت كسائر الطعام- عليه في السهو القضاء، وفي الجهل والعمد القضاء والكفارة.
قال: من قِبَلِ الاستخفاف بصومه، وليس من قِبَلِ أنه تغذى 4، وقول أبي مصعب أحسن.
والإمساك عن حقير الطعام وغيره واجب، ولا يسقط القضاء إلا فيما لا ينفك منه وتدعو الضرورة إليه، وقال أشهب في مدونته في غبار الدقيق: عليه القضاء، وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه 5. والأول أحسن، وهو الأصل، ويلزم الصائم اجتناب ذلك، ولا شيء في غبار الطريق؛ لأنه ضرورة لا ينفك الناس منه.
واختلف في الحصاة والدرهم، فذهب ابن الماجشون في "المبسوط": أن له حكم الطعام، فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدًا فيقضي لتهاونه بصومه 6. فجعل القضاء مع العمد من باب العقوبة، والأول أشبه؛
لأن الحصاة تشغل المعدة إشغالًا ما، وتنقص من كلب 1 الجوع، ولا شيء في البلغم إذا نزل إلى الحلق وإن كان قادرًا على طرحه، واختلف إذا وصل اللهوات 2 ثم عاد، فقال ابن حبيب: أساء ولا شيء عليه، وقال سحنون في كتاب ابنه: عليه القضاء، وشك في الكفارة 3.
ولا شيء على من ذرعه القيء إذا لم يرجع إلى حلقه، أو رجع قبل وصوله، واختلف إذا رجع قبل وصوله مغلوبًا أو غير مغلوب وهو ناسٍ - فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده 4، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسيًا، وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب يقضي؛ يقضي 5 الناسي وهو أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي لا شيء عليه: يسقط القضاء عن المغلوب.
واختلف في المتعمد للقيء 6 فقال ابن الماجشون: عليه القضاء والكفارة 7. وقال عروة بن الزبير ويحيى بن سعيد في مدونة أشهب: من
استقاء فقد أفطر (1)، وقيل: لا يقع به فطر، ويستحب القضاء لإمكان أن يكون رجع شيء.
وهو أحسن، وهو الظاهر من قول ابن القاسم؛ لأنه لم يرَ ذلك في صوم الظهار قاطعًا للتتابع (2)، وهذا هو الصواب، وغيره وهم، وإنما ورد القرآن بامتناع إدخال الطعام وليس أن يخرجه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إخبارًا عن الله سبحانه: ".. يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَحلي.." (3) الحديث.
فصل الخلاف في وقوع الفطر بما يصل من العين
واختلف في وقوع الفطر بما يصل من العين إلى الحلق فقال في المدونة: عليه القضاء 4، وقال أبو مصعب: لا قضاء عليه، وهذا راجع إلى ما تقدم من فلقة الحبة، بل هذا على أصل ابن حبيب أخف ليسارة ما يصل من ذلك الموضع.
والاكتحال جائز لمن يعلم من عادته أنه لا يصل إلى حلقه، ويختلف فيه إذا كان يعلم من عادته أنه يصل، فمن أوقع به الفطر منع، ومن لم يوقع به الفطر منعه على وجه الاستحسان ليسلم من الخلاف.
وذكر أشهب عن مالك في مدونته قولين: الكراهة، والجواز 5، وقال:123
وما كان الناس يشددون في مثل هذه الأشياء هكذا، وعلى هذا يجري الجواب فيما يقطر في الأذن، فيجوز إذا كان لا يصل، ويختلف فيه إذا كان يصل، إلا أن يكون الواصل من ذلك ليس بالتافه.
ويمنع الاستعاط (1)؛ لأنه في منفذ متسع، ولا ينفك المستسعط من وصول ذلك إلى حلقه.
واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر؟ وألا يقع أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال.
فصل الخلاف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل
واختلف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل ولا غيره مما يقع به الفطر إذا كانت النية بعد انعقاد الصوم وصحته، فجعله في المدونة مفطرًا، وعليه القضاء 2، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية 3. والأول أحسن؛ لأن الإمساك لا يكون قربة لله سبحانه إلا بالنية، فإذا أحدث هذا نية أنه لا يمسك بقية يومه لله تعالى لم يكن مطيعًا ولا متقربًا لله سبحانه، وكان بمنزلة من صلى من الفريضة ركعتين ثم نوى أنه يتمها، على1
أنه غير متقرب لله سبحانه بما بقي من عمل تلك الصلاة وهو ذاكر غير ناسٍ لما دخل فيه، أو غسل بعض أعضائه بنية الطهارة ثم أتم ذلك على وجه التبرد، فإنه لا يجزئه شيء من ذلك، وإن كان نوى أنه يفطر بالفعل بالأكل أو الشرب أو غيره، ثم بدا له وأتم على ما كان عليه أجزأه صومه، وليس كالأكل؛ لأن الأول نوى أن يكون في إمساكه غير متقرب لله سبحانه، وهذا نوى أن يفعل شيئًا يفطر به، فلم يفعل، وبقي على نية القربة، فكان بمنزلة من كان على طهارة ثم بدا له أن ينقض ذلك بالحدث، أو بإصابة أهله، ثم لم يفعل فإنه يكون على طهارته.
وقال مالك في المجموعة في رجل كان صائمًا في رمضان في السفر فأجهده العطش فقرب إليه سفرته ليفطر فأهوى بيده فقيل له: ليس في الرحل ماء، قال: أحب إليَّ أن يصوم يومًا مكانه، فإن كان عليه قضاؤه، وإلا فقد احتاط (1)، وكان صوم يوم يسيرًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: يستحب له على هذا أن يستأنف الطهارة.
وأن لا شيء عليه في هذا كله أحسن، ولو كان على هذين أن يستأنفا الصوم والطهارة لكان على من أراد أن يصيب أهله ثم لم يفعل أن يغتسل.
فصل [في الاحتقان وغيره يصل جوف الصائم]
الاحتقان بما لا يبلع، وصب الدهن في الذكر، ووصول ما يعالج به الجائفة إلى الجوف، والحجامة، والغيبة، لا يقع بشيء من ذلك فطر، وقال الأوزاعي في الغيبة: إنها تفطر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ1
بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" أخرجه البخاري 1، وجميع فقهاء الأمصار وغيرهم: على أنه لا يقع بذلك فطر، وليس العمل على الحديث؛ لأن مفهوم الحديث: من لم ياع قول الزور لا 2 يدع الأكل والشرب، ولا خلاف أنه لا يجوز لمن اغتاب أن يأكل ويشرب، وإذا كان ذلك وسقط العمل بمضمون الحديث كان على صومه، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" أخرجه البخاري 3. والحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" 4 غير صحيح 5.
وأيضًا: فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن من أعان صائمًا على الفطر فقرب إليه طعامًا أنه لا يكون المعين بذلك مفطرًا، وكذلك إذا أكرهه على الفطر فإنه لا يكون بذلك مفطرًا.
فصل ما يقع به الفطر
الفطر يقع بالأكل والشرب، كان ذلك عن عمد، أو نسيان، أو إكراه, أو اجتهاد أو 1 يرى أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس غربت، أو غير ذلك من التأويل، ويفترق الجواب في وجوب القضاء وإمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان متعمدًا وجب عليه القضاء أي جنس كان صومه ذلك، ويفترق الجواب في إمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان معينًا كرمضان، والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس بمضمون في الذمة، كان عليه إمساك بقيته, وإن كان مضمونًا لم يكن عليه إمساك.
وإن كان فطره على غير عمد كان الجواب في الإمساك والقضاء على ثلاثة أقسام 2: فتارة يجب الإمساك والقضاء، وتارة يجب الإمساك دون القضاء، وتارة يجب القضاء دون الإمساك، على اختلاف في بعض هذه الوجوه.
فإن كان ذلك في رمضان أمسك وقضى، وإن كان في قضاء رمضان كان بالخيار في إمساكه، والاستحباب الإمساك، ويجب القضاء، وإن كان صوم تجب متابعته كالظهار وقتل النفس فأفطر أول يوم وجب عليه 3 القضاء، ويستحب له أن يمسك بقية يومه ثم يستأنف العدة شهرين، وإن كان فطره في = وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد).
تضاعيف صومه كان في ماضي صومه 1 ثلاثة أقوال: فقيل: يقطع حكم المتابعة وعليه استئنافه، وقيل: يمضي 2 صومه ويقضي يومًا يصله بصومه 3 ويجزئه, وقيل: إن صح منه التبييت ثم أكل ناسيًا، أو وهو يظن أن الفجر لم يطلع، أو الشمس قد غربت كان له أن يبني على ما مضى، وإن لم يصح منه التبييت وكان بيت الفطر 4 ظنًا منه أنه أتم صومه، أو لغير ذلك استأنف الصوم 5، وأما إمساك بقية ذلك اليوم فمن قال: يسقط حكم الماضي، يكون له أن يفطر، ومن قال: لم يسقط الماضي، لم يفطر إن 6 كان بيت صومه، وإن لم يبيته أفطره، وإن نسي أن يصل اليوم 7 عند انقضاء الشهرين ثم ذكر بعدما أكل ولم يكن بيت صومه لم يجزئه.
واختلف إذا ذكر قبل أن يأكل، وكانت نيته أن يقضي ذلك اليوم ويصله، هل يجزئه صوم ذلك اليوم، أم لا؟ فقال عبد الملك: يمسك عن الأكل ويجزئه 8، وقال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه 9، وإذا لم يصح صومه لأنه أكل فيه أو لعدم التبييت على قول ابن القاسم، فإنه يختلف، هل يبطل الماضي ويستأنف صومه، أو يقضي يومًا ويجزئه؟
وأحسن هذه الأقوال أن يجزئه صومه الماضي ولا يجب عليه أن يستأنفه قياسًا على الصلاة؛ لأن متابعتها واجبة فإن سلم من ركعتين ساهيًا ثم ذكر بقرب ذلك بنى على ما مضى ولم يكن عليه أن يستأنف الصلاة من أولها.
وفي ذكره بعد أن يطول اختلاف، وإن كان صومًا لا تجب متابعته كجزاء الصيد، وفدية الأذى، وكفارة الأيمان، وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا 1 غير معين وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا معينًا كان عليه أن يمسك دقيته، واختلف في القضاء على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم: يقضي إذا أفطره ناسيًا 2، ولا يقضي إن مرضه، وقال مالك 3 في المبسوط: يقضي إذا مرضه 4. فعلى هذا يقضي إذا نسيه، وقال سحنون: لا قضاء عليه نسي أو مرض، وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يومًا يرجو بركته فلا قضاء عليه 5، فوجه القضاء قياسًا على صوم رمضان إذا غلب على صومه بمرض أو غيره فهو معين، والقضاء واجب متى غلب عليه، ووجه سقوطه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" 6. فقرن النسيان بالاستكراه.
والناذر متطوع بالتزام صوم عين غلب
عليها فلم يلزمه القضاء على الأصل في التطوعات، ويفارق القضاء عن رمضان؛ لأن ذلك لم يجب بمجرد الأمر الأول وإنما وجب بقوله -عز وجل-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهو أمر ثانٍ، وفرض ثانٍ، وإن نذر أيامًا متتابعة غير معينة كان الجواب فيها إذا أفطر في أول يوم أو 1 في تضاعيف صومه وبعد تمام العدة على ما تقدم في المظاهر، وإن نذر صوم شهر بعينه فأفطر يومًا منه أمسك 2 بقية يومه ذلك وقضاه إن كان متعمدًا، واختلف إذا أفطر جميعه عمدًا هل يقضيه متتابعًا؟ فقال ابن القاسم: يقضيه مفترقًا إن شاء، وقال أشهب في مدونته: يقضيه متتابعًا، قال: وإن صام بعضه ثم أفطر بقيته أجزأه ما صام منه وقضى ما أفطر منه متتابعًا 3. والفطر 4 في القضاء على ثلاثة أوجه: فإن بيت الصيام ثم قام من آخر الليل وقد طلع الفجر فأكل ثم تبين له أن الفجر قد طلع فإنه يمسك بقية يومه، واختلف في قضائه، فقال ابن القاسم في المدونة: لا قضاء عليه 5، وقال في العتبية: أحب إليَّ أن يقضي 6، وإن كانت نيته 7 من الليل أنه يقوم فيتسحر 8 ثم يعقد الصيام بعد سحوره، فتسحر، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، كان له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه، وكذلك إذا لم ينو الصيام
من أول الليل فلما استيقظ من آخره أكل وهو يرى أن الفجر لم يطلع ثم نوى الصوم ثم تبين له أن الفجر قد كان طلع، فإن له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه.
والإكراه في وجوب القضاء كالمرض، فإن أكره على الفطر في صوم يوم من رمضان، أو في صوم مضمون، وجب عليه القضاء، وإن كان منذورًا معينًا كان القضاء على ما تقدم من الخلاف إذا مرضه، وإن كان متطوعًا لم يقضه.
والإكراه لا يسقط التتابع، فإن أكره في شهري الظهار، أو قتل النفس قضى ذلك اليوم ووصله بصومه, ولم يستأنفه.
باب فيمن يجب عليه الصيام
الصيام يجب بأربعة شروط: البلوغ، والعقل، والإقامة, والقدرة عليه من غير حرج ولا ضرر يدرك الصائم، ويسقط عن اثني عشر: عن الصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والحائض، والنفساء، والمسافر، والمريض، والصحيح الضعيف البنية العاجز عن الوفاء به، والشيخ الكبير، والحامل، والمرضع، والمتعطش، على شروط تسقط عنهم الصوم وتبيح 1 لهم الفطر.
وصفة سقوطه مختلفة، هل هو في الأداء والقضاء؟ أو في أحدهما: الأداء دون القضاء؟ أو القضاء دون الأداء؟ وإذا سقط الخطاب بالأداء دون القضاء فأحب لمن خوطب بالقضاء أن يعجل صومه في رمضان ويجعله أداء، ولم يجز ذلك للحائض ولم يجزئها، وأجزأ المسافر، والمريض، والحامل، ثم هم على منازل 2، فمنهم من يستحب له أن يجعله أداء، ومنهم من يكره له، ومنهم من لا يجوز له ويمنع منه، فإن فعل أجزأه، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، فسقط الصوم عن الصبي والمجنون والمغمى عليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ..." 3 الحديث، وسقط عن الحائض والنفساء؛ لقوله:
"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قالت امرأة: يا رسول الله، وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا؟ قال: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ..." (1)، ووجب القضاء؛ لقول عائشة - رضي الله عنها - وسئلت عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلاَ نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلاَةِ"، أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (2). وسقط عن المريض والمسافر الأداء ووجب القضاء، لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وسقط الأداء عن بقية من ذكرناه، لمشاركتهم المريض والمسافر في مشقة الصوم، ولقول الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29].
فصل [حكم صوم الصبية]
الصوم ساقط عن الصَّبِيَّة ما لم تبلغ, ولبلوغها ثلاث علامات: الاحتلام, والحيض, والحمل, فإن حاضت أو احتلمت في بعض يوم لم تمسك بقيته ولم تقضه، وتقضي ما سوى ذلك من أيام حيضتها؛ لأنها دخلت في الخطاب بالحيض، وإن لم يعلم بلوغها إلا بظهور الحمل نظرت، فإن تبين حملها12 = يخرجاه، ووافقه الذهبي.
في رمضان أمسكت باقيه، وقضت ماضيه، وإن تبين في شوال أو ذي القعدة قضت جميعه؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وإن تبين في نصف ذي الحجة قضت نصف شهر (1)، وإن تبين بعد انقضائه لم تقض شيئًا.
فصل [في صوم المجنون]
المجنون غير مخاطب بالصوم في حال جنونه ولا خلاف في ذلك، واختلف هل هو مخاطب بالقضاء على ثلاثة أقوال:
فقيل: عليه القضاء.
وسواء بلغ صحيحًا أو مجنونًا، قلَّت السنون التي جُنَّ فيها أو كثرت وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة 2.
وقيل: إن قلّت السنون كالخمس ونحوها كان عليه القضاء، وإن كثرت كالعشر وما فوق ذلك لم يكن عليه قضاء، ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين من أصحابه 3.
وقيل: إن بلغ مجنونًا فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن كان عليه القضاء، قال ابن الجلاب: وأظنه قول عبد الملك 4.
وقد اتفقت هذه الروايات على أنه إذا بلغ صحيحًا ثم جُنَّ وقلَّت السنون أن عليه القضاء، فمن أوجب القضاء على المجنون قاسه على الحائض أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ومن أوجبه فيما قلَّ قاسه على توجيه القول في1
الحائض أنها لم تقض الصلاة لتكررها وقضت الصوم؛ لأنه مما لا يتكرر، فإذا كثر ما لزم المجنون من الصوم لطول السنين كان (1) بمثابة الصلاة للحائض، ومن أسقطه عمن بلغ مجنونًا قاسه على الصبي؛ لأنه لم تمر به (2) حالة يتوجّه عليه الخطاب فيها بشيء من الفروض ففارق المريض والحائض؛ لوجود العقل منهما وأنهما من أهل التكليف.
فصل [أحوال المغمى عليه]
للمغمى عليه خمسُ حالاتٍ: حالة لا يجزئ معها الصوم، وحالة يجزئ، وثلاث مختلف فيهن، هل يجزئ معها الصوم، أم لا؟ فإن كان الإغماء قبل طلوع الفجر متماديًا إلى غروب الشمس لم يجزئه صوم ذلك اليوم، وإن كان الإغماء بعد طلوع الفجر وأغمي عليه أيسر النهار أجزأه، واختلف إذا كان الإغماء قبل الفجر والإفاقة بعده ولم يطل ذلك، فقال مالك في المدونة: لا يجزئه، 3 وفي سماع أشهب عنه: أنه يجزئه 4. واختلف إذا كان الإغماء بعد طلوع الفجر، والإفاقة 5 نصف النهار أو أكثره فقال مالك 6 في المدونة: يجزئه إذا أغمي عليه نصف النهار، ولا يجزئه في أكثره 7، وقال في كتاب ابن حبيب: إن أغمي عليه نصف النهار لم يجزئه، وقال12
أشهب: إن أغمي عليه أكثر النهار يقضي استحسانًا, ولو اجتزأ به رجوت أن يجزئه 1، وقال ابن وهب: يجزئه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأرى أن لا يجزئه إلا أن يغمى عليه بعد الفجر أيسر النهار فيكون قد انعقد 2 له أوله وتقرب إلى الله سبحانه بإمساك معظمه، ويعفى عما أغمي عليه فيه لقلته، ولا يجزئه إذا كان الإغماء قبل الفجر؛ لأنه لم يكن حينئذٍ من أهل التكليف، وهو بمنزلة المجنون وليس بمنزلة النائم؛ لأن النائم مخاطب ويقضي الصلاة وهذا لا يقضيها؛ لسقوط الخطاب عنه، وهو بمنزلة الصبي يحتلم في بعض النهار، وقول ابن حبيب: إن للمغمى عليه أن يأكل بقية يومه 3 مما يؤيد هذا، وأن لا يجزئه إذا كان الإغماء بعد الفجر نصف النهار أو أكثره؛ لأن المراد من الصائم حبس نفسه عن الملاذ من طعام أو شراب وغير ذلك حسبة لله وابتغاء مرضاته، وهذه صفة لا توجد من المجنون ولا المغمى عليه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا عن ربه -عز وجل- في الصائم: "... يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى..." الحديث 4، وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]: إنه الصوم، ويجري الجواب في المجنون إذا جُنَّ قبل الفجر أو بعده أيسر النهار أو أكثره على ما تقدم في المغمى عليه، وإن طلع الفجر على من به سكر أذهب عقله لم يجزئه صومه ذلك اليوم ولم يجز أن يفطر بقيته وإن كان غير جاز عنه.
فصل [حالات المريض]
لا يخلو المريض من أربعة أوجه: إما أن يكون مرضه خفيفًا لا يشق معه الصوم، أو يشق ولا يخشى على صاحبه غير ما هو فيه، أو يخشى حدوث علة أخرى، أو طول المرض، فحكم الأول حكم الصحيح يجب عليه الصوم، وهو في القسم الثاني بالخيار بين الصوم والفطر، وليس له في الثالث والرابع أن يصوم، فإن هو صام أجزأه، ولم يكن عليه قضاء وعلى هذا يجري الجواب في الصحيح الضعيف البنية إن كان لا يجهده الصوم لزمه، وإن كان يجهده لا غير ذلك كان بالخيار، فإن كان يخاف حدوث علة لم يكن له أن يصوم، وإذا لم يصم لم يكن عليه قضاء مع استصحاب حاله، وإن انتقلت 1 حالته إلى القدرة على الصوم أو كان توجُّه الصوم عليه في شدة الحر ثم صار إلى زمن لا يضر به فيه كان عليه القضاء 2، فعلى هذا يجري أمر الشيخ الكبير.
فإن كان معه القدرة 3 ما لا يشق معه الصوم, أو كان في زمن لا يشق ذلك عليه فيه لزمه أن يصوم, وإن كان شدة حر ولو كان في غير لقوي على الصوم أفطر وقضى إذا صار إلى غير ذلك الوقت، فإن بلغ به الكبر إلى العجز جملة أفطر ولا شيء عليه من إطعام ولا غيره، وهذا هو الصواب من المذهب 4، والمتعطش يتوجه عليه الصوم في شدة الحر، فله أن يفطر ويقضي في غير ذلك الوقت، وإن كان لا يقدر أن يوفي بالصوم في شتاء ولا صيف لحاجته للشرب لعلة به أفطر، فإن ذهبت عنه تلك العلة قضى وإلا فلا شيء عليه.
فصل [حالات الحامل]
للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم و 1 الفطر.
فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها.
وإن كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم 2.
فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئًا من ذلك كانت بالخيار بين الصوم أو الفطر، وإذا أفطرت لشيء من هذه الوجوه التي يكون لها أن تفطر لأجلها كان عليها القضاء.
واختلف في الإطعام على أربعة أقوال: فقال في المدونة: تطعم 3، ثم قال: لا إطعام عليها 4؛ لأنها مريضة 5، وقال ابن الماجشون: إن كان خوفها متى صامت على نفسها لم تطعم؛ لأنها مريضة، وإن كانت قوية وإنما تخاف على ولدها أطعمت 6، وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي 7 ستة أشهر أطعمت، فإن دخلت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة، يريد: أن المرض يسقط الإطعام وإن شاركه الخوف على الولد.
فصل [حالات المُرْضِع]
وللمرضع ثماني حالات؛ يلزمها 1 الصوم في أربع، ويلزمها الإفطار في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة.
فإن كان الرضاع 2 غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضرًا بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم.
وإن كان مضرًا بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها، أو يقبل غيرها 3 ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مال يستأجر منه لزمها الإفطار.
وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار.
وإذا كان الحكم الإجارة له فإنه يبتدأ بمال الولد، فإن لم يكن له مال 4 فمال الأب، فإن لم يكن له مال 5 فمال الأم، وإنما كانت البداية بمال الولد؛ لأن الرضاع مكان الإطعام، فإذا سقط الرضاع عن الأم لمانع أقيم له ذلك من ماله كطعامه، ثم مال الأب؛ لأن نفقته عليه عند عدم مال الابن، وكان على الأم عند عدمها؛ لأنها قادرة على صيانة صيامها بشيء تبذله من مالها، إلا أن تكون الإجارة مما يجحف بها، ومتى أفطرت بشيء من هذه الوجوه التي ذكرناها كان القضاء واجبًا.
واختلف في الإطعام فقال في المدونة: تطعم 6، وفي مختصر ابن عبد
الحكم: لا إطعام عليها 1، وهو أحسن قياسًا على المريض والمسافر، وكل واحدة ممن أبيح لها الفطر من حامل أو مرضع أعذر 2 من المسافر، وإنما ترجح مالك في الإطعام مراعاة لقول من قال: إن المراد بقول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] إنها في الحامل والمرضع إذا لم يصوما 3، وقد اختلف في الصحيح لأن 4 الآية نزلت في الناس عامة فكانوا بالخيار بين الصوم أو الإفطار والإطعام، وأن الآية نزلت في ذلك ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 5 وهو الصحيح، ولو كانت الآية نزلت 6 في الحامل والمرضع لكانت التلاوة وعلى اللاتي يطقنه، وفي قوله -عز وجل-: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخطاب بلفظ التذكير أيضًا، ولأن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لم يجز لهما صيام معه 7، وذلك خلاف النص في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.