التبصرة للخميصفحات 4730-4745

كتاب المساقاة

صفحات 4730-4745

باب فيما يجوز مساقاته من ذوات الأصول وغيرها

المساقاة 1 ثلاثة أصناف: فالأول: الشجر، والنخل، والزيتون، والرمان، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما ليس بشجر، وكان إذا جني لم يخْلف كالزرع، والقمح، والشعير 2، والقطاني، والجزر، والبصل.
والثالث: ما ليس بشجر، وإذا جد 3 أخلف: كالقضب والكراث والموز.
فأما الشجر، فتجوز مساقاته اختيارًا وإن لم يعجز عنه صاحبه، كان فيه ثمر أو لم يكن، سنة وسنتين 4، ما خلا شيئين: أن يكون صغيرًا لم يبلغ الإطعام، أو كبيرًا فيه ثمر قد بدا صلاحه على اختلاف فيه إذا بدا صلاحه.
وأما الزرع والقطاني وما أشبهها فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "كتاب ابن المواز" في الذي يضعف عن زرعه ويريد أن يساقيه ما هو بالموطأ حتى يكون مثل النخل، وأرجو أن يكون خفيفًا 5. فأجازه على كراهية، وأجاز ذلك في "المدونة" بثلاثة شروط: إذا عجز عنه، وبرز من الأرض، ولم يبد صلاحه 6. وأجازه ابن نافع في "كتاب ابن سحنون" من غير شرط

كالشجر، وقال: المساقاة جائزة في الزرع والجزر والبطيخ، والأصول المغيبة وإن لم يعجز عنه صاحبه 1. ولم يفرق في ذلك برز أو لم يبرز.
وقال ابن عبدوس: والقياس ألا تجوز مساقاة الزرع 2. وأما ما يجز ويخْلف فلا تجوز مساقاته عند مالك قال في "المدونة": لا تجوز مساقاة القصب، قال: لأن المساقاة تقع فيه وقد حل بيعه، وهو يجز جزة بعد جزة، والذي يريد أن يساقيه فليشتره وليشترط لنفسه خلفته 3. وقال محمد بن المواز في قصب السكر: إن كانت له خلفة فساقى عليه وعلى خِلفته لم يجز؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما لم يخرج من الأرض، فكذلك خِلفته لا تجوز مساقاته، قال: ولو انفرد وحده جاز إذا عجز عنه واستقل من الأرض، ولم يشترط خِلفته؛ فكان في هذا وجهان: جواز مساقاة ما له خِلفة إذا عجز عنه في وقت لا يجوز بيعه.
والثاني: منع بيع الخِلفة جملة، وأنها بمنزلة الرأس في المنع.
وهذا خلاف ما في "المدونة" 4، وعلى قول ابن نافع تجوز مساقاة الرأس في وقت لا يجوز بيعه وإن لم يعجز عنه.
ففرق مالك بين مساقاة ذوات الأصول وغيرها؛ لأن القياس منع المساقاة جملة؛ لأنها تتضمن بيع الثمر قبل صلاحه.
والثاني: أن العامل يعمل على أنه إن أصيبت الثمرة لم يرجع بشيء، وكان

عمله باطلًا مع انتفاع الأصول بعمله.
والثالث: أنه لا يدري ما يكون عوض عمله قليلًا أو كثيرًا، ومن شرط الجعل أن يكون معلومًا.
والرابع: أن يدخله إذا كان في الحائط عبيد أو دوابُّ بيعُ (1) الطعام بالطعام ليس يدًا بيد؛ لأنه يطعمهم ويأخذ العوض طعامًا، فأجاز المساقاة في ذوات الأصول للسُّنة، ومنع ما سواها إلا لضرورة، لئلا يتلف الزرع متى منع، والضرورات تنقل الأحكام، وأرى أن يجوز ذلك إذا كان العجز قبل البروز بل هو أعذر، فقد ينتفع بما برز واستقل برعي أو غيره، ولم ينتفع بما لم يبرز.
وقاسه ابن نافع على ذوات الأصول؛ لأن الغرر فيهما سواء.
وقد يكون بعضُ ما ليس له أصل كالجزر واللفت -وَلَهُ الشِّرْبُ المأمونُ- آمَنَ مِنَ الثمار؛ لأنه يَقْرُبُ أخذه، والانتفاع به، "وَقَدْ سَاقَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ (2) " (3) وإذا جازت المزارعة بالجزء كانت المساقاة عليه أجوز.

فصل [في مساقاة الورد والياسمين والمقاثي وشجر البعل]

وأجاز مالك مساقاة الورد والياسمين 4 وثمرة نَوْره 5، واختلف عنه في المرسين وهو الريحان فأجاز مساقاته ومنعها، وأجازها ابن وهب، واختلف فيه123

عن ابن القاسم، ومنعه أصبغ 1، قال: لأنه وإن كان له أصل 2 فالمأخوذ منه ورقه، وهو بمنزلة ما يجز ويخلف، وهو موجود أبدًا ومتتابع لا ينقطع، وهو في وقت مساقاته يجوز بيعه وبيع خلفته، وإذا جاز البيع لم تجز المساقاة، وإذا جازت المساقاة على أحد قولي مالك جاز أن يشترط الخلفة على القول بإجازة بيعها مع الأصول.
واختلف عن مالك في مساقاة المقاثي فأجازها في "المدونة" 3. وقال في "كتاب محمد": إنما ذلك في الزرع إذا عجز عنه 4. والأول أبين، والأمر فيهما سواء.
وأما مساقاة القضب وقصب السكر وغيرهما مما يجز ويخلف، فإنه لا تخلو مساقاته من أن تكون في أول بطن قبل بروزه، أو بعد بروزه، وقبل صلاحه أو بعد صلاحه، أو بعد أن جز أول بطن ولم يبد الثاني.
فإن كان في أول بطن ولم يبد صلاحه كان الجواب فيه على ما تقدم في الزرع، فيجوز على قول مالك إذا برز وعجز عنه؛ لأنه حينئذٍ لا يجوز بيعه.
وعلى قول ابن نافع يجوز وإن لم يعجز، فإن بدا صلاحه امتنعت المساقاة، فلم يجز في الرأس ولا في الخلفة على الاجتماع ولا على الانفراد؛ لأنه قادر على البيع فيهما جميعًا، وعلى هذا الوجه تكلم في "المدونة"، وعلى قوله في "كتاب محمد" يجوز في الرأس وحده، وتكون إجارة باع نصفها بعمله، ولا يجوز أن يجمع

الخلفة في العقد مع الرأس؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما بدا صلاحه مع ما لم يبد صلاحه، وقياد 1 قوله أنها إجارة يجوّز ذلك.
وقال مالك: لا بأس بمساقاة شجر البعل، وقال ابن القاسم: تجوز مساقاة زرع البعل مثل زرع مصر وافريقية، إذا كان يحتاج إلى ما يحتاج إليه شجر البعل من المؤنة، فإن ترك خيف عليه الضيعة، وإن كان لا مؤنة فيه ولا عمل لم تجز المساقاة، وإنما يقول له: احفظه واحصده وادرسه ولك نصفه، فهذا لا يجوز 2.

باب في مساقاة الحائطين صفقة واحدة إذا كانا جنسًا واحدًا، أو مختلفي الجنس كالنخل والعنب والتفاح والرمان

ولا بأس بمساقاة الحائط الواحد يكون مختلف الثمرة فيه الجيد والرديء 1 على جزء واحد، ولا بأس بمساقاة الحائطين في صفقة واحدة على جزء واحد إذا كانت ثمرتهما سواء في الجنس والجودة والقيام بهما أو متقاربًا.
واختلف إذا كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، أو أحدهما سيحًا والآخر بعلًا، أو الآخر يسقى بالغرب، فأجاز مالك أن يدفعا في عقد واحد على جزء واحد 2، ولم يُجِزهما على جزء مختلف، ولو أراد على قوله أن يساقي كل واحد منهما على ما يساقي عليه الآخر 3 على الانفراد لم يجز 4. وقال ابن القاسم في "المستخرجة": لا بأس أن يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو الثلث إذا كانا متساويين، فإن لم يكونا متساويين فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدهما إلا لمكان صاحبه 5. وقال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: أما إجازة ذلك على سقاء واحد وإن اختلفا فاستنانًا بما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خيبر؛ لأنه عاملهم في جميعها على النصف، ولا

شك أنها تختلف، وفيها الجيد والرديء، فإن أرادا أن يخالفا بين الأجزاء (1) على قدر ما يتكلف منه (2)، ويجعلا لكل واحد قسطه من الجزء- جاز ذلك، وليس في الحديث ما يمنع من ذلك.
وإذا وردت الرخصة على صفة تتضمن الغرر أو الفساد من وجوه، فأراد قوم أن يسقطوا بعض تلك الوجوه التي توجب الفساد لم يمنعوا من ذلك؛ لأن مساقاتهما على جزء واحد يؤدي إلى مساقاة حائط بجزء من الآخر.
وإذا ساقاهما على جزء واحد وأحدهما كثير الثمرة قليل المؤنة، والآخر كثير المؤنة قليل الثمرة، أو أحدهما سيحًا والآخر يسقى بالغرب فمعلوم أنه يأخذ العوض عما يكثر عمله مما تقل مؤنته.
وأما قول ابن القاسم في المنع فإنه قدم القياس على الحديث، ولو قال: لك من الجيد -وهو القليل العمل- الثلثان، ومن الكثير المؤنة القليل الثمرة الثلث، لم يجز قولًا واحدًا.

فصل [في من ساقى حائطًا فيه أنواع من الثمار في عقد واحد]

مساقاة أنواع الثمار في عقد واحد على ثلاثة أوجه: فإن كان جميع ذلك في حائط واحد ومختلطًا كانت المساقاة على جميعه في عقد واحد جائزة.
وقال مالك 3 في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه وفيه أنواع مختلفة، نخل، ورمان، وتين، وعنب على سقاء واحد كان على الداخل سقي الحائط12

كله حتى يفرغ منه كله ومن جميع الثمرة 1. وإن كانت حوائط وكانت مساقاة كل واحد لو أُفرد مثل مساقاة الآخر جاز ذلك أيضًا.
وإن كانت تختلف المساقاة فيها لو ساقاها على الانفراد، فساقاها على جزء واحد- جاز على قول مالك، ولم يجز على قول ابن القاسم، وقد تقدم ذلك.
وإن كان يجمعها حائط واحد، وكل ثمرة ناحية غير مختلطة إلا أنها يسيرة لا يساقى الصنف منه على انفراده لقلته فيكون كالمختلط، وإن كانت كثيرة فكالحوائط.
وقال مالك فيمن ساقى حائطًا وفيه رمان أو غيره قد أثمر وطاب، فإن كانت لصيقة النخل ومعها تشرب بماء النخل فذلك جائز، وهي لربِّ النخل، ولا يصلح أن يشترطها العامل 2. ومحمل جوابه على أن المساقاة سنة واحدة، فإن كانت سنين دخلت في المستقبل في المساقاة وكان للعامل جزؤه منها، إلى أن يأتي العام الذي يخرج فيه بجداد النخل، فإنه يخرج ولا يكون له فيما سوى النخل مما لم يأت إبانه شيء، ولو جعل له في سقي ذلك مقال وأن يتمادى في السقي والعمل حتى يطيب ما سوى النخل فيأخذ جزأه لأدى ذلك إلى ألا ينتزع الحائط؛ لأنه إذا مكن من السقي حتى يطيب بما سوى النخل فيأخذ جزأه منه- قال: لم أصل إلى 3 ذلك الذي أسقيت بالنخل فلا يذهب عملي فيه، والتمكين من ذلك تمكين من سقى ما سواه فيؤدي إلى ما لا غاية له.

فصل [في مساقاة ذوات الأصول من النخل والعنب، وفيما ليس بأصل كالزرع والقطاني]

مساقاة كل ذات أصل من النخل والعنب والزيتون مع ما ليس بأصل كالزرع والقطاني وما أشبه ذلك صفقة واحدة- جائزة إذا كان كل صنف ناحية عن الآخر، وكانت المساقاة على ما يجوز لو كانا عقدين، فيجوز في ذوات الأصول وإن لم يطلع فيها ثمرة ولم يعجز عنها، وفيما ليس بأصل إذا برز وعجز عنه.
وعلى قول ابن نافع وإن لم يعجز، وعلى قول ابن القاسم في "المستخرجة" تجوز المساقاة إذا كانا متساويين في السقاء لو أفرد لكانا على جزء واحد 1، وإن كانا مختلطين وكل واحد منهما مقصود في نفسه متناصفًا أو قريبًا من التناصف، أو كان الزرع هو الأكثر والنخل الأقل- كان الجواب كما تقدم لو كان منفردًا.
وإن كان الزرع الأقل -الثلث فأدنى- جازت المساقاة فيه وإن لم يظهر من الأرض ولم يعجز عنه، لم يكن 2 داخلًا في المساقاة، وعلى مثل جزء النخل على قول مالك، ولا يجوز أن يلغى لأحدهما، ولا أن يكون فيه من الجزء على خلاف النخل.
وروى ابن وهب عن مالك في "كتاب محمد" أن حكم القليل حكم الثمرة تكون في الدار فتكرى 3. وجعله للعامل خاصة ولم يجز أن يكون بينهما 4 بحال لا على مثل جزء الكثير ولا غيره، فإن كان النخل الأكثر كان

الزرع للعامل، وإن كان الزرع الأكثر والنخل الثلث فأدنى كانت ثمرته للعامل، وهذا خلاف المشهور من المذهب (1) عنه.
قال سحنون (2): ولم أعرف أحدًا استحسن هذا (3).

فصل [في مساقاة الحائط ما جُد منه وما لم يجد]

وقال مالك في "كتاب محمد" في الحائط يجد وتبقى منه نخلات أن على العامل أن يسقي الحائط كله 4 ما جُد منه وما لم يجد 5. ولو بقيت نخلات يسيرة وهي عدائم وهي 6 المتأخرة الطيب، لكان عليه أن يسقي الحائط كله حتى يجد، ولو كان فيه الألوان المختلفة من النخل والرمان والتين على سقاء واحد، كان على الداخل أن يسقي الحائط كله حتى يفرغ من ثمرته، ويرد إلى صاحبه 7. فسوى بين أن تكون الثمرة من جنس أو مختلفة الأجناس، متقاربة الطيب أو متباينة.
وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا بقي من العدائم النخلة والنخلات كان سقاء الحائط كله على صاحب الحائط، عدائمه وما جد123

منه، ويوفى المساقى نصيبه من العدائم.
وإن كانت العدائم الأكثر؛ لأنه يقول كان 1 على العامل أن يسقي الحائط كله، وإن كان متناصفًا أو متشابهًا كان على العامل أن يسقي 2 العدائم، وعلى صاحب الحائط أن يسقي غيرها.
وإن كان الحائط أصنافًا من الفواكه: تينًا وعنبًا ورمانًا وفرسكًا فطاب بعض ذلك وجني، فقال ابن الماجشون: سبيله سبيل العدائم، وقال مطرف: كلما قطعت ثمرة وانقضى جنيها من البستان فقد انقضى السقاء بها، وسقطت مؤنته قليلًا كان أو كثيرًا 3. قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: القياس أن يسقط عنه سقي ما جدت ثمرته، قليلًا كان أو كثيرًا، جنسًا واحدًا كان أو أجناسًا، ويسقي ما بقيت ثمرته خاصة قليلًا كان أو كثيرًا.

باب في مساقاة النخل يكون فيها (1) البياض

وإذا ساقى نخلًا يكون فيها 2 بياض فإنه لا يخلو البياض من أن يكون كثيرًا مقصودًا، أو تبعًا لجميع الثمرة، أو لنصيب العامل، أو يعقد المساقاة على النخل ولا يذكر البياض، أو يذكراه ويستثنيه صاحب الحائط ولا يدخله في السقاء، أو يدخلاه في السقاء على أن يكون ما خرج فيه للعامل أو لصاحبه، أو بينهما على أن البذر من عند العامل أو من عند صاحب الحائط أو من عندهما.
فهذه أحد عشر وجهًا، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز إدخاله في السقاء وجاز بقاؤه لربه، وإن عقدا المساقاة ولم يذكراه كان العقد صحيحًا، وكان باقيًا لربه، ولم يدخل في السقاء، وإن كان 3 الثلثَ فأدنى جاز إدخاله في المساقاة، وجاز إبقاؤه لربه.
واختلف إذا عقدا المساقاة ولم يذكراه، فقال مالك في "كتاب ابن سحنون": هو لربه وإن زرعه العامل بغير علم صاحب الحائط كان عليه كراء المثل 4. وقال محمد: هو للعامل وحده، وهي سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قاله مالك.
والأول أحسن؛ لأن مفهوم المساقاة أن يسقي ما يحتاج إلى السقي -وهي النخل- بجزء من الثمرة، والبياض خارج عن هذا، ولو كان داخلًا في1

المساقاة بمجرد العقد لوجب أن يكون لصاحب الحائط جزء منه مثل ما له في السواد؛ لأن العقد يتضمن أن يكون ما يكون فيه من عمله بينهما، لا يستبد بها أحدهما دون صاحبه 1. وإن شرطا إدخالهما 2 في المساقاة جاز إذا كان ما يخرج فيه بينهما أو للعامل 3 وحده.
واستحب مالك أن يكون للعامل خاصة قال: وهو أحله، ولا يجوز أن يكون لصاحب الحائط 4. وأما البذر فيكون من عند العامل وحده، ولا يجوز أن يكون من عندهما، ولا من عند صاحب الحائط وسواء كان ما يخرجه بينهما أو للعامل، فإنه لا يجوز أن يكون البذر من 5 عند مالك الحائط بحال، قال 6: فإن نزل ذلك وكان البذر من عند صاحب الحائط ليكون الزرع له أو للعامل أو بينهما - كان الزرع في جميع هذه الوجوه 7 عند ابن حبيب لمخرج البذر كائنًا من كان، فإن كان العامل خرج البذر كان الزرع له وعليه كراء الأرض إذا زرعه لصاحب الحائط أو 8 ليكون بينهما، وإن أخرجه صاحب الحائط كان الزرع له وعليه للعامل أجرة المثل 9. وبناه على الشركة الفاسدة في

أحد القولين أن الزرع لمخرج البذر، وأرى أن يكون الزرع لمن زرع له إذا زرع على ألا يشركه فيه، فإن كان البذر من عند العامل وزرعه لرب الحائط كان له، وعليه للعامل مثل بذره وإجارة عمله؛ لأن صاحب الحائط اشترى من العامل بذرًا 1 شراءً فاسدًا، وأمره أن يجعله في أرضه ويسلمه فيها، فأشبه من استأجر على صبغ ثوب إجارة فاسدة، أو اشترى عصفرًا شَراءً فاسدًا ليصبغ له به البائع ثوبًا، فذلك فوت، وللبائع أن يرجع على صاحب الثوب بمثل ما اشترى به 2 من العصفر وإجارة المثل.
وإن كان البذر من عند صاحب الحائط ليزرعه العامل لنفسه كان للعامل، وعليه مثل البذر وكراء الأرض؛ لأنه اشترى البذر شراءً فاسدًا، وقبضه وزرعه على ملكه، وذلك فوت.
ولا خلاف فيمن اشترى من رجل بذرًا واكترى أرضًا، وكان ذلك صفقة واحدة وكان العقد فاسدًا، أن الزرع للمشتري وعليه مثل البذر وكراء الأرض، وإن شرطا أن يكون بينهما نصفين 3، كان النصف لصاحب الحائط؛ لأنه بذره وزرعه على ملكه.
ويختلف في الأجر 4 هل يكون للعامل؛ لأنه اشتراه شراءً فاسدًا وقبضه وأفاته بالزراعة، أو يكون لبائعه؛ لأنه بيع فيه تحجير وعدم التمكين، وهو بمنزلة من باع نصف 5 هذا القمح على أن يزرع جميعه بينهما، بخلاف من اشترى جميعه؛ لأنه لا تحجير فيه.

وإن شرطا أن يكون جميعه لصاحب الحائط لم يكن للعامل فيه شيء، ولا مقال (1) ولا معاوضة في ذلك، وإن كان البذر من عندهما بالسواء على أن يكون (2) الزرع بينهما كذلك كان بينهما على ما شرطا، ويتراجعان في الأجرة، فيكون للعامل أجرة المثل في عمله، وللآخر إجارة نصف أرضه.
وإذا كان البذر (3) من عندهما وشرطا أن يكون لأحدهما كان بينهما على ما شرطا (4). قال ابن حبيب: وينبغي أن يكون جميعه للعامل إن شرطه لنفسه، وعليه مثل بذر صاحبه، وكراء جميع الأرض، وإن اشترطا لصاحب الحائط (5) كان له، وعليه للعامل مثل بذره وأجرة مثله (6). ويختلف فيما يكون للعامل من النخل إذا فسدت المساقاة لهذه الوجوه، فقال أصبغ: له مساقاة المثل.
وقال محمد: إجارة المثل (7). وأرى أن يكون له الأكثر إذا كانت الزيادة من صاحب الحائط أو الأقل إن كانت الزيادة منه.

فصل [في اشتراط العامل ثلاتة أرباع البياض]

وقال ابن القاسم: إذا اشترط العامل ثلاثة أرباع البياض لم يجز إلا أن يلقى كله للعامل وإما أن يكون على سقاء واحد، وقال أصبغ: ذلك جائز؛ لأنه1234567

إذا جاز أن يكون كله للعامل جاز أن يكون له ثلاثة أرباعه 1. وإنما يكره أن يكون لصاحب الأصل أكثر من النصف 2. واختلف إذا اشترطه العامل لنفسه وكان تبعًا، فظاهر قول مالك أنه يجوز إذا كان تبعًا لجميع الثمرة.
وقال ابن عبدوس: لا يجوز إلا أن يكون تبعًا لنصيب العامل وحده.
وهو أبين؛ لأنه إنما 3 يراعى ما يصير 4 للعامل.
كَمُلَ كتابُ المساقاةِ والحمدُ للهِ 5

جارٍ التحميل