التبصرة للخميصفحات 855-895

كتاب الزكاة الأول

صفحات 855-895

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 3 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368/ 4) 4 - (م) = نسخة مراكش رقم (112/ 1)

كتاب الزكاة الأول

باب في وجوب الزكاة, وقتال مانعها, وفيما تجب فيه الزكاة من الأموال وذكر النصاب والحول

أوجبَ اللهُ سبحانَه الزكاةَ في غيرِ موضع منْ كتابِه، وقتال منْ منَعَها 1، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] فلم يرفع القتل والقتال وإن تابوا وأقاموا الصلاة؛ إلا أن يؤدوا الزكاة، وأخبر أنه ممن ينفذ فيه الوعيد يوم القيامة، فقال: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: 35]، وقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. وثبتت الأخبارُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذه الآيات الثلاث 2: وجوب الزكاة، وقتال مانعها، وعقوبته في الآخرة بمثل ذلك.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" 3. وبعثَ معاذًا إلى اليمن، فقال له: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي

رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" 1. وقال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" 2. فلم يجعل لهم عصمة دمهم وإن آمنوا وصلوا وأقروا 3 بالصلاة وبالزكاة إلا بأدائها، وهذا في الجماعة التي تقدر على الامتناع فيحتاج معها إلى القتال، وأما الواحد وما أشبه ذلك 4 والنفر اليسير 5؛ فتؤخذ منه بالقهر وتجزئه ولا يقتل.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ أَنَا مَالُكَ، ثُمَّ تَلاَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ...﴾ الآية [آل عمران: 180]. وقد اجتمع على هذه الأحاديث البخاري،

ومسلم 1. وزاد مسلم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ" 2. وجميع هذه الآيات والأحاديث من باب المجمل يفيد وجوب الزكاة دون معرفة ما يصح الامتثال به، ومعناها ومعنى ما يتعلق بها من الأحكام 3؛ وهي ستة: معرفة الجنس الذي تجب فيه الزكاة، والنصاب، والقدر الذي يؤخذ، والوقت الذي تؤخذ فيه، والمخاطب بالزكاة، والوجه الذي تصرف فيه.
فالجنس ثلاثة: العين، والحرث، والماشية.
قال مالك: وهي السُّنَّة المعمول بها عندنا.
فالعين: الذهب، والفضة، وما يكون عن الحرث من الأطعمة المقتاتة التي هي أصل للمعاش 4. والماشية: الإبل، والبقر، والغنم 5. ونصاب الفضة: خمس أواقٍ، والذهب: عشرون دينارًا، والذي يجب فيهما ربع العشر.

ونصاب الأطعمة: خمسة أوسق، والذي يجب فيها العشر حالة، وحالة نصف العشر، ونصاب الماشية والذي يجب فيها مختلف غير مقصور على شيء واحد، يذكر في موضعه إن شاء الله.

فصل [في الوقت الذي تجب فيه الزكاة]

والوقت الذي تجب فيه على ثلاثة أقسام: مرور الحول في العين حالة، وحالة بنفس الملك، وهو إذا صار له من معدن.
ومرور الحول ومجيء الساعي في الماشية لا تجب إلا بمجموعهما إذا كان قوم لهم ساعٍ، فإن لم يكن طم ساع 1، فمرور الحول كالعين.
والزهو وبدو الصلاح في الثمار والزرع وإن لم يحل الحول.
والمالك المأمور بها: الحر المسلم.
والذكر والأنثى، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون في ذلك سواء، وهي ساقطة عن العبد.
والمستحق لها ومن تُصْرَف إليه: المُسَمَّوْن في كتاب الله -عز وجل- في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا...﴾ [التوبة: 60].
وصفة إصرافها يأتي فيما بعد إن شاء الله -عز وجل-.

باب في زكاة العين

والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ...﴾ الآية [التوبة: 34]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ 1 صَدَقَةٌ" 2، وقوله: "فِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" 3، وقوله: "فِي عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْف دِينَارٍ" 4. فأفادت الآية تعلق الزكاة بالعين دون معرفة النصاب والقدر الذي يؤخذ، وأفاد الحديث الأول معرفة نصاب الورق دون ما يؤخذ منه، وأفاد الحديث الثاني معرفة ما يؤخذ للفقراء وغيرهم، وأفاد الحديث الثالث معرفة نصاب الذهب والقدر المأخوذ منه.

واختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع: أحدها: الآية، هل المراد بها غير الزكاة؟ والثاني: نصاب الذهب.
والثالث: الرقة، هل هو اسم للورق خاصة، أو للذهب والورق؟ فأما الآية فقيل: المراد بها النفقة في الجهاد، ثم نسخ ذلك بالزكاة.
وقال غير واحد من الصحابة وغيرهم: المراد بها الزكاة، وهو أحسن.
والقول أن الآية منسوخة بالزكاة غير صحيح؛ لأن سورة براءة من آخر ما نزل، وقد كان الأمر بالزكاة في سورة المزمّل وهي مكية من أول ما نزل، وأثني على فاعلها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ 1، وهي مكية.
وقد كان إخراجُ الزكاة بالمدينة قبل براءة 2 ظاهرًا، يُبعث 3 السعاة فيها والعمال عليها.
وقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] محتمل أن يريد جميع من سمى في الآية الأخرى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ...﴾ [التوبة: 60]؛ لأن كل ذلك من سبيل الله.
قال مالك: سبل الله كثيرة 4. ويحتمل أن يريد الجهاد بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾؛ لأن الجهاد أحد الوجوه التي تصرف فيها الزكاة، ولا خلاف أن ذلك لم ينسخ.
واختلف الناس في نصاب الذهب، فقيل: المعتبر فيه الفضة؛ لأن الحديث

فيه لم يصحّ، فمن مَلَك من الذهب ما يبلغ قيمته نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، وإن كان عدده أقل من عشرين دينارًا، وما لم يبلغ قيمته نصاب الفضة لم تجب فيه زكاة وإن كان عدده أكثر من عشرين دينارًا، فإن اتفق أن كان العدد عشرين دينارًا والقيمة مائتي 1 درهم وجبت الزكاة قولًا واحدًا.
والقول الأول أصوب؛ لأن الحديث قد صحبه العمل بالمدينة.
قال مالك: السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا كما تجب في مائتي درهم 2. وهذا مما يتكرر نزوله، ويشهد العمل 3 به, فلا يعارض بقياس ولا غيره 4، والأوقية أربعون درهمًا، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا".
وَالنَّشُّ 5: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم.
انتهى قولها، أخرجه مسلم 6. والدينار: درهم وثلاثة أسباع درهم، وهو سُبُع العشرة.
والعشرة دراهم: سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك.

فصل

واختلف إذا كانت العشرون دينارًا نقصًا، وتجوز بجواز الوازنة على ثلاثة أقوال: فقيل: فيها الزكاة.
وقيل: لا زكاة فيها.
وقيل: إن كان النقص يسيرًا زُكّيت وإلا فلا.
قال مالك في الموطأ: فيها الزكاة دنانير كانت أو دراهم وإن كانت بينة النقص 1. ولم يحد في النقص حدًا.
وقال في كتاب محمد: فيها الزكاة وإن كان كل دينار ينقُص عن الوازن ثلاث حبات 2، وذكر الأبهري عنه أنه قال: لا زكاة فيها إلا أن يكون ذلك النقص مما تختلف فيه الموازين 3، فإن كان النقص في أكثر الموازين فلا، فراعى في هذا القول الوازن، ولم يراع الجواز.
ولابن القاسم في العتبية: التفرقة بين النقص الكثير واليسير 4. وقاله مالك أيضًا.
والقياس أن لا زكاة فيها إذا كانت تنقص عن القدْر الذي أوجبه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه حدَّ لنا حدًّا تجب به، فما دونه لا زكاة فيه.
والاستحسان أن يزكى لما كان مالكها ومالك الوازنة فيما يتصرفان فيه بهما سواء.
فإن كان النقص كثيرًا، ولا تجوز بجواز الوازنة- لم تجب فيها الزكاة قولًا

واحدًا، وكذلك إذا كان النقصُ من عددِ الدنانير أو الدراهم قليلًا أو كثيرًا.
فإذا كانت الدراهم غير خالصة؛ مختلطة بالنحاس مثل الدراهم الجارية اليوم- فإنه ينظر إلى وزن ما فيها من الفضة، وقيمة ما فيها من النحاس.
ويختلف هل تقوّم السكة أم لا؟ 1 وأن تقوّم أبين.
وتضاف الفضة والذهب في الزكاة، فمن كان عنده عشرة دنانير، وأوقيتان ونصف فضة- وجبت فيها الزكاة، وأخرج من كل واحدة ربع عشره، ومن وجبت عليه زكاة ذهب؛ فلا بأس أن يخرج عنها دراهم؛ لأنها أسهل على الفقير من التصرف بها، ولأن الصرْف لا 2 يختلف، فلم يدخل عليهم في ذلك ضررٌ.
واختلف هل يُخْرج عن الدراهم ذهبا أم لا؟ 3 فأجازه مالك في المدونة 4، وقيل 5: ليس ذلك له؛ لأنه يكلف الفقير ما 6 كان له مندوحة عنه، فإن فعل أجزأ؛ لأنه لم يَغبنه في قيمة 7، ولا أجرة لمن يتكلف صرف مثل ذلك.
وإذا أخرج عن الذهب فضة أو عن الفضة ذهبًا، فإنه يخرج قيمة ذلك؛ لأن المساكين بذلك الجزء كالشركاء، فجاز أن يشتريه بفي كان يبيعه الفقير لو دفع ذلك إليه، وقد قيل غير ذلك مما هو خطأ، وإذا كان مع رجلٍ أربعون دينارًا مسكوكة؛ أخرج دينارًا 8 منها.

وإن كانت عشرون دينارًا صحاحًا؛ كان بالخيار، فإن أحب أخرجَ قيمةَ نصفِ دينارٍ مسكوكٍ، أو أخرج دينارًا فباعه فأعطى المساكين نصف ثمنه وأمسك لنفسه نصفه؛ لأنه لا اختلاف أنه يخرج عن أربعين دينارًا، منها مسكوكًا أو مثله، فكذلك إذا كان الواجب فيها نصف دينار؛ فإنه يخرج قيمة نصف المسكوك، ولو كانت الأربعون سِككًا 1 مختلِفة أخرج قيمة ربع عشرها.
واختلف في الحلي إذا كان للتجارة وهو غير مدير.
فقيل: يُخرج ما وجَب عليه من ذلك مَصوغًا، أو قيمة ذلك الجزء على أنه مصوغ؛ لأن الصياغة تبع، فيجري على حكم الأكثر.
وقيل: يخرج عن الذهب دون الصياغة، فيخرج وزن ذلك الذهب ومثله في الجودة على أنه غير مصوغ؛ لأن الصياغة كالعرض، فإذا باعه بعد ذلك، أُخرج عما زادت الصياغة، إلا أن يكون مديرًا، فيخرج عن قيمتها مَصُوغًا.
وأما الآنية فيخرج عن الوزن دون الصياغة التي فيها، قولًا واحدًا.
وقال ابن القاسم في المدونة: وإن كان وزنها خمسمائة درهم، وقيمتها لموضع الصياغة ألفًا، خَرَّجَ عن الوزْن وحده 2. قال: ولو اشترى إناءً مصوغًا، وزنه عشرةُ دنانيرَ، وقيمتُه عشرون- لم يزكه الآن.
فإن باعه بما تجب فيه الزكاة- زكَّاه ساعة بيعه إذا حال الحول بمنزلة ما لا تجب فيه الزكاة يحول عليه الحول، فربح فيه فباعه بما تجب فيه الزكاة- فإنه يزكيه مكانه 3.

ومحمل جوابه, على أنه يراد به التجمل دون الاستعمال.
ولو كان يراد للاستعمال، لكسِرت في يد من هي في يده، وإن باعها نقض البيعُ، فإن أفاتها تصدق بما ينوب الصنعة؛ لأنه ثمن لما لا يحل.
فإن كانت تراد للتجمل خاصة- صح الجواب على ما قال في المدونة؛ لأن ذلك غير محرّم، ويحتمل أن يكون ذلك عنده مما يُكره، فأمره أن يزكي عن الوزن؛ لأنه لا يستحسَن بقاءها للتجمل.
فإن باعها على حالها- مضى البيع وزكَّى عن الثمن، أو يقول: ذلك جائزٌ ابتداء.
فيزكي عن الوزن دون الصياغة إذا كان له قدرٌ وَبالٌ، حسب ما قال إن الوزْنَ خمسمائة، والقيمةَ ألفٌ، أو الوزنَ عشرةٌ، والقيمةَ عشرون، ولو كانت تبعًا، لزكى عن جميع ذلك قبل البيع على القول أن الأتباع لا تُراعَى، وإن كان مديرًا زكَّى عن الجميع وإن لم تكن تبعًا، ويلزم على قوله إذا لم تكن تبعًا وكان مديرًا في تلك الآنية- أن يزكي الآن، وُيتم بالصياغة النصابَ إذا كان الوزن عشرة، والقيمة عشرون، وهو بمنزلة رجل في يده عشرة دنانيرَ، وعرض قيمته عشرة وهو مما يُدارُ.

باب في زكاة الحلي, والسيف المُحلي, والخاتم, وما أشبه ذلك

لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الحُلي شيءٌ.
وقال الترمذيُّ محمد بنُ عيسى: لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيءٌ، وثبت عن عائشة، وأسماء وجابر، أنهم كانوا لا يرون في حُلي النساء إذا اتخذنَه للباس زكاة.
وروي ذلك عن أنس، وعمر 1 وغيرهما 2 وهو قول مالك 3. والحليُ في وجوب الزكاة وسقوطها إذا كان مِلكًا للرّجل على تسعة وجوه 4: تجب في وجه، وتسقط في وجه، ويختلف في سبعة أوجه.
فتجب إذا اتخذه تجارة، وتسقط إذا اتخذه قنية لزوجته، أو أمته، أو ابنته، أو ما أشبه ذلك ممن يجوز لها استعماله.
واختلف إذا اتخذهُ ليتزوج به امرأة، أو أمَةً يُحليها إياهُ 5 إذا تزوج أو اشترى، أو لابنة له لتلبسه إذا كبرت، أو للإجارة, أو كنزًا، أو ليبيعَه

ولا يتربص به غلاء، أو عدم النية، ولم ينو فيه قنية ولا غيْرها.
فذكر محمد بن المواز عن مالك فيمن حبسه ليُصْدِقه امرأة يتزوجها أن فيه الزكاة.
وعن أشهب سقوطُها.
وذكر ابن حبيب فيمن حبسه لامرأة يتزوجها، أو أمة يشتريها، قال عن 1 ابن القاسم: تجب الزكاة فيه.
وعن أشهب وأصبغ: سقوطُها.
والقول أن الزكاة واجبة في السؤالين جميعًا أحسن؛ لأن الوجه الذي يوجب سقوط الزكاة لم يكن، وهو الآن كنز؛ وعلى هذا يجري الخلاف فيمن أمسك حُليًّا لابنة له لتلبَسه إذا كبرت فتجب الزكاة على قول مالك وابن القاسم 2، وتسقط على قول أشهب وأصبغ 3، وأن تجب أصوبُ، وقد تقدم وجه ذلك.
وذكر بعض البغداديين عن مالك فيمن اتخذه للإجارة 4 روايتين: وجوب الزكاة، وسقوطها.
وقال محمد بن مسلمة، وعبد الملك ابن الماجشون: تجب فيه الزكاة 5. وهو أبين؛ لأن الصواب فيما اتخذ من الديار والعبيد للإجارة- أنه في معنى التجارة، وهو في الحلي أبين، ولأن الأصل وجوب الزكاة فيما يراد للتنمية، وسقوطها فيما لا يراد لذلك كالسكنى والاستخدام.
وأما 6 ما أريد به الإجارة، فقد أريد به التنمية، ولا فرق بين أن يريد ذلك من أثمان الرقاب، أو من الغلات.

واختلف فيمن ورث حليًّا، وحبَسه للبيع، أو لحاجة إن احتاج إليه (1) في المستقبل.
فقال ابن القاسم: تجب فيه الزكاة (2). وقال أشهب في مدونته: لا زكاة فيه.
يريد أنه إنما تجب الزكاة إذا حبَسه ليرجُو له (3) حوالة الأسواق وغلاءها، فيكون تجارة، وإذا حبَسه لبيعه ولا ينوي بحبسه غلاء الأسواق- فليس بتجارة؛ وعلى هذا لو ورثه ولم ينو فيه شيئًا من هذه الوجوه؛ لا تجارة ولا قنية، لزكَّاه على مذهب ابن القاسم، ولم يزكه على مذهب أشهب.
فرأى ابن القاسم أنه كالعين، تجب فيه الزكاة ما لم تكن نيته القنية: وهي استعماله.
ورأى أشهب أنه كالعرض، لا زكاة فيه حتى ينوي به التجارة.
وإلى هذا ذهب مالك في مختصر ما ليس في المختصر، فقال: فيمن ورث حُليًّا ولم ينو به التجارة كان على حال القنية (4).

فصل إذا كان الحلي لامرأة

والحلي إذا كان لامرأة، على ستة أوجه: فإما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو كنزًا، أو تجارة، أو لابنة لها تلبسه 5 الآن، أو بعد ذلك.
فتسقط منه الزكاة في وجهين: وهو أن تتخذه للباس 6، أو لابنة لها لتلْبسه الآن.1234

وتجب في وجه وهو أن تتخذه للتجارة.
ويختلف في ثلاثة أوجه: إذا اتخذته للإجارة، أو كنزًا، أو لابنة لها لتلبَسه إذا كبرت.
فذكر بعض البغداديين عن مالك في الحلي إذا اتخذ للإجارة روايتين: وجوب 1 الزكاة، وسقوطها.
وعن محمد بن مسلمة: وجوبها 2. ولم يفرق بين ملكِه لرجل، أو لامرأة.
وذكر ابن حبيب عن مالك وأصحابه، أن لا زكاة عليهن فيه إذا اتخذنه ليكرينه من العرائس، أو ليُعرنَه ولا حاجة لهن في لباسه.
قال: لأنه من لباسهن، وهن إن شئن أن يلبَسنه لبِسنه.
ولو كان لرجل يُعيره، أو يكريه- لزكَّاه.
وفرّق في ذلك بين الرجال والنساء، ولا فرْق بين السؤالين.
ومتى اعترفت المرأة أنها لم تتخذه لنفسها، وإنما اتخذته لغيرها؛ للإجارة، أو لعارية- كانت فيه 3 كالرجال.
وقال مالك في المدونة في المرأة تتخذ الجيب 4 لتكريَه للعرائس: لا زكاة عليها فيه 5. وقال في كتاب محمد: وإن كانت ممن قد عَنست ولا تنتفع به- فلا زكاة عليها

فيه.
وهذه الرواية أشد من رواية ابن حبيب؛ لأن الجيب مما يُتخذ للعرائس خاصة، ولا تلبسه من عنست بحال، وهو كنزٌ إلا أن تريد به الإجارة.
وإن حبَسته لابنة لها إذا كبرت تلبَسُه، فاختلف في زكاته حسب ما تقدم، وإن انكسر من حليهن فحبسنه ليعرنه- فهو على ما كان عليه قبل ذلك، لا زكاة عليهن فيه إذا كان قبل ذلك على وجه لا تجب فيه الزكاة.
وما كان لهن مما اتخذنه لشعورهن، وأزرار جيوبهن، وأقفال ثيابهن، وما جرى مجرى لباسهن- فلا زكاة عليهن فيه؛ لأنه قنية (1) لوجه جائز.
وما كان من ذلك لغير لباسهن: كحلية المرايا، والصناديق، والمفدمات (2)، والمذاب (3)، وما أشبه ذلك مما لا يجوز اتخاذه ولا استعماله في ذلك الوجه، فعليهن فيه الزكاة.

فصل لا زكاة على الرجل في خاتمه وحلية مصحفه وسيفه

ولا زكاة على الرجل في خاتمه، ولافي حِلية 4 مصحفه وسيفه، وما شبه ذلك مما اتخذه للقنية بوجه جائز.
واختلف في حِلية المنِطقة، والفاتخة 5، والدَرَقَة 6، والرمح: فأجيز، ومُنع؛ فمن منع ذلك، أوجب الزكاة؛ ومن123

أباحه، لم يجعل فيه زكاة.
ويختلف في زكاة حلي الصبيان، فقال ابن شعبان: فيه الزكاة.
والظاهر من قول مالك، ألا زكاة فيه (1)؛ لأنه قال: لا بأس أن يُحْرموا وعليهم الأسورة (2)، وإذا جاز لهم لباسُه لم تكن فيه زكاة (3).

فصل من اشترى حليًا للتجارة وفيه الذهب والفضة والزبرجد والياقوت

وقال مالك في المدونة، في رجل اشترى حليًا للتجارة وفيه الذهب، والفضة، والزبرجَد، والياقوت، قال: ينظر إلى ما فيه من الذهب، والفضة فيزكيه، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت حتى يبيعه 4، فإذا باعه؛ زكاه ساعة يبيعه 5 إن كان حال عليه الحول.
وإن كان ممن يدير ماله في التجارة، زكَّى 6 عن وزن ما فيه من الذهب والفضة، وقوَّم ما سواهما 7. ومحمل قوله، على أنه منظوم ليس بمصوغ عليه، لقوله: يزكي وزن الذهب والفضة 8. واختلف إذا كان مربوطًا مصوغا عليه.
فقال مالك في المدونة: إذا كان لا123

يستطيع نزعه، فهو كالعرض يُشترى للتجارة فلا زكاة فيه حتى يبيعه فيزكيه زكاة واحدة 1. يريد: وإن مضت له سنون قبل البيع.
قال: وإن كان ممن يدير قَوَّمه 2. قال في كتاب محمد: وإن كان الذهب والفضة، جُلّ ذلك أو أكثره- فلا أبالي، ولا زكاة فيه حتى يبيعه.
وقال أيضًا: يزكي ما فيه من الذهب والفضة.
يريد: بالتحري، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد حتى يبيعه، إلا أن يكون مديرًا، فيقوّمه.
وقيل في هذا الأصل يراعي الأكثر، فإن كان الأكثر الذهب والفضة- زكَّى جميع ذلك، وإن كان اللؤلؤ 3 والزبرجد الأكثر 4 - لم يزكه.
وهذا الجواب في الشراء.
وأما 5 الميراث فلا زكاة فيه على قوله في المدونة، أنه كالعرض حتى يبيعه ويستأنف بالثمن حولًا 6. وعلى القول الآخر يتحرى الذهب والفضة فيزكيها، ولا شيء عليه فيما سوى ذلك حتى يبيع، فيستأنف بما ينُوب اللؤلؤ والزبرجد حولًا، وسواء كان ممن يدير 7 أم لا.
وعلى القول بمراعاة الأكثر؛ يزكي جميعَه.
و 8 إن كان الذهب والفضة الأكثر؛ يزكي الذهب والفضة بالتحري، وما سواهما بالقيمة.
و 9 إن كان الذهب والفضة الأقل؛ لم يزكه.

باب في زكاة الأرباح، وأولاد الماشية والغلات, ومن تجِر في ماله بعد الحولِ وقبل أن يُخْرِجَ زكاته، أوضَاع مالُه عند تمامِ الحولِ

وأرباحُ العين- الذهبُ، والفضةُ- تزكى 1 على حولِ الأصل، فمن كان له مائة درهم، فباعها عند رأس الحول بعشرين دينارًا- زكاها حينئذ، أو كانت 2 له عشرون دينارًا، فتجر بها 3، فباع ذلك عند رأس 4 الحول بأربعين دينارًا- زكى عن الجميع.
وهذا هو المعروف من قول مالك وأصحابه.
ورُويَ عنه أن الربح فائدة، فإن كان الأصل أقلَّ من نصاب؛ استأنف بالجميع حولًا، وإن كان الأصل نصابًا؛ زكَّى الأصل، ولم يزكِّ الربح حتى يتم له حول.
وقال ابن القاسم فيمن كانت له عشرة دنانير حال عليها الحول، فأنفق منها خمسة دنانير، ثم اشترى بالخمسة الباقية سلعة، فباعها بخمسة عشر- فلا زكاة عليه.
وإن تقدم الشراء، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر- زكَّى عن جميع ذلك نصف دينار 5. وذكر سحنون عن غيره أنه قال: عليه الزكاة إذا باع بخمسة عشر، وسواءٌ 6

تقدم الإنفاق أو الشراء 1. وقال أشهب في كتاب محمد: لا زكاة عليه، تقدم الشراء أو البيع 2، إلا أن يبيع بعشرين دينارًا 3. وهذا أحسن؛ لأنه أنفق يوم 4 أنفق من غير نصاب، ولم يخاطب حينئذ بزكاة، والربح فائدة حقيقة مقطوع به أنه لم يكن من يوم ملك الأول، وإنما حسب مالك: الربح في أحد قوليه على الحول الأول، قياسًا على أولاد الماشية، أنها تلد قبل 5 الحول لشهر أو بأقل 6 من ذلك- فتزكي على حول الأصل، ولو كان لرجل ثلاثون شاة 7، ولا ساعي له، فحال عليها الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعًا وثلاثين- لم يكن عليه فيها زكاة وإن كان الأصل أن الأولاد مزكاة على حول الأمهات؛ لأنه يوم أكل لم يكن مخاطبًا بزكاة، إلا أن تكون قيمة العرض الذي اشترى بالخمسة يوم أنفق، خمسة عشر- فتجب عليه زكاة العشرين.
وقال مالك فيمن له عشرون دينارًا حال عليها الحول، فابتاع بها بعد ذلك سلعة، فأقامت حولًا أيضًا، ثم باعها بأربعين دينارًا 8 - أنه يزكي عن الحول الأول عن عشرين دينارًا، وعن الحول الثاني عن تسعة وثلاثين دينارًا 9

ونصف 1. قال ابن القاسم: إلا أن يكون له عرْض قيمته نصف دينار، فيزكي عن العام الثاني عن الأربعين دينارًا 2. وروى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك في هذه المسألة أنه قال: زكاة حول الربح من يوم ربحه 3. فرأى أن الربح فائدة في الحقيقة، والأصل ألا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول؛ لأن من ملك عشرة دنانير، فأقامت في يده إحدى عشر شهرًا، ثم اشترى بها سلعة، فباعها عند تمام الحول بعشرين دينارًا، يعلم أن الربح فائدة.
ولو اشترى السلعة من أول الحول، وتغير سوقها حينئذ فصارت تسوى عشرين- لزكى إذا باع عن عشرين دينارًا.
وأولاد الماشية مزكاة على 4 حول الأمهات، ولم يختلف في ذلك قول مالك، ولا أحد من أصحابه وسواء كانت الأمهات قبل الولادة نصابًا أو دون النصاب.
وإن كانت الولادة قبل تمام الحول- أو بعده، ثم ماتت الأمهات- زكيت الأولاد على حول الأمهات.
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تعد السّخلة يحملها الراعي، ولا يأخذها، ولا يأخذ الأكولة، ولا الرُّبّى، ولا الماخِض، ولا فحل الغنم، ويأخذ الجذعة والثنية 5، فأوجب الزكاة في الأولاد.
وقال بعض أهل العلم: إذا كان الأصل نصابًا؛ زكيت الأولاد على حول

الأصل، وإن كان الأصل دون نصاب- لم يزكِّ الأولاد على حول الأصل، واستأنف بالجميع حولًا (1). وهو مثل قول مالك فيمن له نصاب ماشية، ثم أفاد إليها ماشية من جنسها؛ أن الفائدة تزكى على حول الأصل.
فإن كان الأصل دون نصاب؛ استأنف بالجميع حولًا (2). وقيل أيضًا: إن ذهبت الأمهات؛ زكيت الأولاد على حولها (3)، وهذا أيضًا موافق لقول مالك إذا ذهب النصاب قبل مجيء الساعي، وبقيت الفائدة، أو بقي من الأصل دون نصاب- أنه يستأنف حولًا (4). واختلف عن مالك في زكاة غلات ما اشتري للتجارة: من العبيد، والديار، وغيرها.
فقال مرة: ذلك (5) فائدة (6)، ويستأنف بها حولًا.
وقال أيضًا: يزكي على حول الأصل في ذلك المال (7). يريد: لأنه ربْح جرّهُ ذلك المال، فأشبه الربح في الأصل المشترى.

فصل [فيمن ضاع من زكاته بعد وجوبها دون تفريط]

ومن كان له عشرون دينارًا حال عليها الحول، ثم ضاع منها دينار قبل أن يفرط في إخراج الزكاة- لم يزكِّ الباقي 8. وقيل: عليه في الباقي الزكاة؛ لأن1234567

المساكين بعد تمام الحول كالشركاء له، فالضائع من جميعهم، والباقي لجميعهم.
والأول أشبه؛ لأن الزكاة مواساة من الأغنياء للفقراء، فإذا كان وقت الأخذ منه فقيرًا؛ لم تجب عليه مواساة.
وإذا كان الباقي بعد الضياع عشرين دينارًا؛ زكّاها 1 نصف دينار.
ويتفق القولان ها هنا أن الضياع 2 من جميعهم، والباقي لهم.
وإن فرَّط في إخراج الزكاة بعد الحول، ضمِن زكاة 3 ما ضاع؛ لأنه بالتفريط يصير في الذمة.

باب في زكاة أموال العبيد، والمكاتبين, ومن أسلم من أهل الكفر؛ والصبيان والمجانين, والأسير, والمفقود

وقال مالك في العبيد، والمكاتبين، وأمهات الأولاد: لا زكاة عليهم في ناضِّهم، ولا في حروثهم، ولا في ماشيتهم، وإن أعتقوا استانفوا حولًا بالعين والماشية من يوم العتق (1). ويختلف في الحرث، والثمار (2). فعلى قول مالك إن أعتقوا قبل أن تطيب زكيت، وإن أعتقوا بعد أن طابت فلا زكاة (3)، وقال المغيرة: لا تجب الزكاة إلا بالخرص.
فعلى هذا تجب فيها الزكاة إذا كان العتق قبل خرص الثمار على الناسي، وعلى قول ابن مسلمة، تجب عليهم الزكاة إذا كان العتق بعد الخرص وقبل اليبس.
وكذلك الكافر يُسْلِم، يستأنف الحول بالناض والماشية، ويزكي الحبوب والثمار، إذا أسلم قبل الطيب.
ويختلف إذا أسلم بعد الطيب وقبل الخرص، أو قبل اليبس.

فصل [في زكاة أموال الصبيان, والمجانين]

وتزكى أموال الصبيان والمجانين, وهم في ذلك كالبالغ العاقل، وهو قول مالك 4. فأما ماشيتهم وحروثهم، فتزكى؛ لأن النماء فيها موجود.123

ويختلف في ناضّهم؛ لأنهم مغلوبون فيه على التنمية، فأشبه من كان بالغًا رشيدًا 1، فغلب على التنمية لأنه سقط منه، فوجده بعد أعوام، أو دفنه فنسي موضعه، أو ورث مالًا فلم يعلم به إلا بعد أعوام، وقد اختلف في هؤلاء، هل يزكون لسَنَة، أو لجميع تلك الأعوام، أو 2 يستأنفون الحول؟.
وإذا كان للبالغ الرشيد أن يستأنف الحول في جميع ذلك، لم يكن على الصبي زكاة؛ لأن للوصي ألَّا ينميه، فإن نَمَّاه وتجر له فيه؛ زكَّاه قولًا واحدًا.
قال ابن حبيب: وُيزَكِّي الوليُّ لليتيمِ مالَه ويُشْهِدُ، وإن لم يُشْهِدْ وكان مأمونًا؛ صُدِّق 3. وهذا أحسن في كلِّ بلدٍ القضاءُ فيه بقولِ مالك.
وإن كان بلدٌ فيه من يقولُ بسقوط الزكاة من مال الصبيان، لرأيت أن يرفع ذلك إلى حاكم الموضع، فإن كان ممن يرى في ذلك 4 قول مالك، أمره بإخراجها، وحكم له بذلك، وإن كان ممن لا يرى ذلك؛ لم يزكِّه هو.
وقد قال مالك في كتاب الرهن فيمن مات، ووجد في تركته خمر: إن الوليَّ يرفع ذلك إلى السلطان.
قال: 5 خوفًا أن يتعقب عليه 6 يريد من الاختلاف

هل تتخذ خَلاًّ؟ وكذلك الزكاة، إلا أن يكون الولىُّ (1) من أهل الاجتهاد، وممن يرى في ذلك قول مالك، وخفي له إخراجها للجهل بمعرفة أصل ما وضع (2) يده عليه- فليخرجها.

فصل [تُزكَّى ماشية الأسير والمفقود وزرعهما ونخلهما]

وقال ابن القاسم في المجموعة: تُزكَّى ماشيةُ الأسيرِ والمفقودِ, وزروعُهما، ونخلهما 3، ولا يُزَكى نَاضُّهما 4. فحملها على الحياة، فيزكى ما كان على النماء فيه موجودًا وهي الماشية، والزرع، والنخل.
وأسقطها من الناض مما غلما 5 على تنميته وهو العين.
ولو حملهما على الوفاة، لم يزكِّ عليهما شيئًا من ذلك؛ لإمكان أن يقع لكل وارث دون النصاب.12

باب في زكاة العروض

ولا زكاة في عروض القنية، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" اجتمع عليه الموطأ، والبخاري، ومسلم 1. ولا زكاة في ثمنهم حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه.
ولا زكاة في عروض التجارة قبل البيع، فإذا بيعت؛ زكَّى الثمن إذا حالَ عليه 2 الحولُ، من يومِ ملكَ 3 أصلَ المالِ التي اشْتُريت به تلك العروض.
قال مالك: الأمر عندنا، في الرجل يشتري بالذهب والفضة سلعة للتجارة، ثم يمسكها حتى يحول عليها الحول- أنه لا زكاة عليه فيها 4 حتى يبيعها 5. واختلف إن هو زكاها قبل البيع، هل يجزئه ذلك أم لا؟ والزكاة تجب في عروض التجارة بأربعة شروط، وهي: أن يكون ملكه إياها بشراء لا بميراث، ولا بهبة، ولا صدقة.
وأن يكون ثمنها عينًا: ذهبًا، أو فضةً.

وقد نقد ثمنها 1 قبل بيعها.
وأن يعود الثمن عينًا: ذهبًا، أو فضةً.
فإن ورثها، أو وهبت له، أو تصدق عليه بها، أو استقرضها لم تنفع فيه نية التجارة، ولم يجب في ثمنها إن بيعت بعين زكاة؛ لأن الأصل في الزكاة، بالعين.
فإن اشترى بعين، ثم باع بعين؛ زكى على الأصل الأول.
وإذا كان أصل العرض ميراث، أو ما أشبه ذلك 2، ثم بِيعَ 3 بعين- لم تجب فيه زكاةٌ؛ لأنه لا يردّه إلى أصل وجبت فيه الزكاة.
واختلف إذا اشتراه على عين عنده فلم ينقده حتى باع بربح، أو اشتراه بعَرْض كان عنده للقنية، أو بميراث، أو اشتراه بعين، فزكى عن قيمته قبل أن يبيعه.
فقال مالك 4 في كتاب محمد فيمن اشترى على عين عنده فلم ينقده حتى باع بربح: يُزكّي الربح على أصل المال، بمنزلة لو نقد.
قال: ولو لم يكن عنده الثمن لكان الربح فائدة.
وقال مرة: حول الربح من يوم اشترى تلك السلعة.
وقال أيضًا: يستأنف به حولا من يوم باع تلك السلعة 5. فوجهُ الأول: أن المال كان 6 سبب 7 ذلك الربح، ويمكن أن يكون لو لم يكن عنده لم يشترها.

ووجه الثاني: أنه إنما يكون ربحُ المال منه بمنزلة الولادة إذا تجر فيه، وحرَّكه، وصار إلى غيره، ثم باع 1 ما أخذ 2 بالعاوضة عنه، فإذا كان ذلك المال قائم العين لم يخرج من يده 3، عُلم أنه لم يربح فيه، وهذا هو القياس، وصار بمنزلة من اشترى على ذمته.
ووَجه القول 4 أن حول الربح من يوم اشترى تلك السلعة؛ لأنها سلعة اشتريت للتجارة، وربح المال منه بمنزلة الولادة، فوجب أن يكون حولُه من يوم مَلك تلك السلعة.
ووجه القول الثالث: أنه يستأنف بالربح حولًا من يوم ربح؛ لأن حُكم الأرباح حكم الأصول التي كان عنها 5 ذلك الربح، وأصل الربح في هذه المسألة سلعة، ولا زكاة في السلع، أو 6 ذمة الذي اشترى عليها، ولا زكاة في الذمم.
وإذا لم تجب في الأصل زكاة كان الربح فائدة، وهذا القول هو أصل المذهب وعمدته.
وأما القول بزكاتها من يوم اشترى تلك السلعة فجُنوح إلى قول من قال إن العروض تزكى.
ويختلف على هذا إذا اشترى سلعة بعين وهو فقير، ثم باع بربح، هل يكون حول الربح من يوم اشترى، أو من يوم صار إليه الربح؟ ومثله لو كان موسرًا، فاشترى سلعة بثمن إلى أجل، ومن نيته أن ينقد فيها من

ثمنها الذي يبيعها به لا مِن ناضٍّ عنده، أو ينقد من ثمن سلعة عنده للقنية، فلا يكون حولُ الربح حولَ ما عنده من الناضِّ.
ويختلف هل يكون حوله من يوم اشترى، أو من يوم ربح؟.
ولمالك في كتاب ابن سحنون، في رجل اشترى سلعة بمائتي دينار، فنقد فيها أربعين دينارًا ليس له غيرها، ثم باعها بعد الحول بثلاثمائة، قال: يزكي الأربعين وما قابلها 1 من الربح، وما بقي فهو فائدة 2. واختلف إذا اشترى العرض بعين، ثم زكى عن قيمة العرض قبل بيعه.
فقال ابن القاسم: لا تجزئه الزكاة، وعليه إذا باعه أن يزكى عن الثمن الذي باع به.
وحكى ابن شعبان عن أشهب: أن الزكاة تجزئه، ولا إعادة عليه.
وهو أحسن.
وقد روي عن عمر، وابن عمر، وعائشة: أن الزكاة تجب في العروض قبل البيع.
وهو قول غير واحد من الفقهاء: الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
وقد قال مالك غير مرة في مثل هذا 3 اختلف الناس فيه إنه يجزئ 4 إذا نزل، ويمضي ولا يردّ للخلاف 5. ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن كانت عنده دابة 6 للتجارة،

فاستهلكها رجل، فأخذ رب الدابة عن قيمتها سلعة: فإن نوى بها التجارة، زكَّى ثمنها ساعة يبيعها 1 - إذا حال الحول على أصل ذلك المال، وهو ثمن الدابة المستهلكة، وباع بنصاب.
فإن أخذ في قيمة الدابة عينًا، زكاه إذا كان نصابًا، وحال الحول من يوم زكى الأصل 2. فإن كان دون نصاب، أو لم يحل الحول؛ فلا زكاة عليه حتى 3 يتم الحولَ والنضاب.
وإن أخذ عن القيمة سلعة نوى بها القنية؛ لم تجب 4 في ذلك زكاة حتى يبيعها، ويحول الحول على ثمنها من يوم يقبضه 5، وليس بمنزلة من قبض القيمة ثم اشترى بها.
وإن كانت الدابة المستهلكة للقنية، فأخذ القيمة؛ لم تجب فيها زكاة حتى يحول الحول من يوم يقبضها 6. وقال أشهب في مدونته: إذا كانت الدابة المستهلكة للقنية، فأخذ عن القيمة سلعة، ونوى بها التجارة ثم باعها- زكَّى الثمن إذا حال الحول من يوم أخذ تلك السلعة عن القيمة.
وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يرى أن 7 الدين كالعين، ولا تجب الزكاة على أصل ابن القاسم؛ لأنه يرى أن الدين كالعرض، فأشبه من باع عرضًا للقنية 8 بعرض نوى به التجارة.

ومن باع عرضًا كان عنده للقنية، فإنه لا يخلو أن يبيعه بعين نقدًا، أو بعين إلى أجل، أو بعرض، فإن باعه بعين نقدًا؛ كان الحول من يوم يقبض الثمن.
واختلف إذا باعه بعين إلى أجل.
فقال مالك، وابن القاسم: لا زكاة عليه حتى يحول الحول من يوم يقبض الثمن 1. وقال عبد الملك 2 وابن الماجشون، والمغيرة: الحول من يوم باع، فإن باعه بثمن إلى سنة؛ زكَّى الثمن ساعة يقبضه وإن كان إلى ستة أشهر، فإذا مرّت له ستة أشهر أخرى؛ زكاه.
قال عبد الملك: لأنه إذا باعه بالديْن، فقد سلك به 3 مسلك التجارة، ومطلب الربح والزيادة.
واختلف 4 فيمن باع عرضًا كان عنده للقنية بعرض نوى به التجارة، هل 5 يكون حكمُ الثاني حكمَ الأول؟ ولا زكاة عليه حتى يحول الحول على الثمن الثاني من يوم يبيعه، أو تصح فيه نية التجارة، ويكون حوله من يوم اشتراه؛ قياسًا على من اشترى بعين على ذمته، وهو فقير؛ لأن الذمة لا زكاة فيها، وقد تقدم الخلاف في ذلك.
ومن كان له عرض للقنية، لم تصح فيه نية التجارة.
فإن باعه؛ استأنف بالثمن حولًا 6. واختلف إذا كان للتجارة، فنوى به القنية ثم باعه.
فقال مالك في

المدونة: لا زكاة عليه فيه (1). وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يزكي الثمن (2)؛ لأن أصله كان للبيع.

فصل النية في العروض المشتراة على أقسام

النية في العروض 3 المشتراة على سبعة أقسام: قنية، وتجارة، وإجارة، أو ينوي وجهين: قنية وإجارة، أو تجارة وإجارة، أو تجارة واستمتاعًا بالاستخدام والوطء، أو إجارة واستمتاعًا بالاستخدام أو الوطء؛ فإن نوى القنية بانفرادها، أو القنية والإجارة؛ لم تجب عليه زكاة إذا باع العرض بعد ذلك؛ فإن نوى به 4 التجارة بانفرادها؛ وجبت فيها الزكاة.
واختلف فيما سوى ذلك فقيل 5: تكون كالقنية، ويستأنف بالثمن حولًا.
وقيل: كالتجارة؛ فيزكي الثمن على حول الأصل الذي اشترى به.
والقول بوجوب الزكاة أحسن؛ لأن من نوى الإجارة، فقد نوى التجارة، ولا فرق 6 بين أن يلتمس الربح والفضل من أثمان الرقاب، أو من المنافع، وإنما سقطت الزكاة من القنية؛ لأن صاحبَه قطع التماس الفضل من الوجهين جميعًا، وقد أوجب الله -عز وجل- الزكاة في الماشية.12

وإن نوى بها القنية، لما كان النماء فيها موجودًا من الولد، والغلات، وغيرها مع بقاء الأصل، وإن نوى التجارة والإجارة، كان ذلك أبين في وجوب الزكاة، ومثله إذا نوى التجارة والاستمتاع بالاستخدام أو الوطء؛ لأنه معلوم أن كل من نوى التجارة بانفرادها، يستمتع في خلال ذلك بالاستخدام، وبالركوب، والإكراء إلى أن يتفق له البيع، ولو كان الشراء لأجل حاجته إلى الاستمتاع، أو الاستخدام 1، ولولا ذلك لم يشتر، لغلب حكم القنية، وكذلك الحلي إن كان أصل كسْبه 2 إياه لأهله.
وإن اتفق فيما بين ذلك إجارة؛ أكراه كانت القنية أحق به وإن كان أصل ملكِه لأجل الإجارة.
وإن احتاج أهله فيما بين ذلك للباسه لبسوه؛ كان له حُكم ما يشترى للإجارة 3 خاصة، وكذلك إذا كان أصل ملكه للإجارة، ويستمتع بالوطء والاستخدام فيما بين ذلك.
وإن كانت عمدته الشراء للوطء أو 4 للاستخدام فآجره فيما بين ذلك؛ كان له حكمُ القنية.
ومن كانت له بقر للحراثة، ثم باعها؛ استأنف بالثمن حولًا، وهي قنية، وسواء كان يحرث عليها للقنية أو للتجارة؛ لأن التجارة إنما هي فيما يزرَع، ففارق ما اشترى للتجارة.
وكذلك آلة العطار يستأنف بثمنها حولًا؛ لأن التجر فيما يعمل فيها، ليس فيما يبيع فيه منافعها.

فصل الخلاف فيمن أكرى داره خمس سنين بمائة دينار ومضى الحول

واختلف فيمن أكرى داره خمس سنين بمائة دينار نقدًا، ثم مضى الحول.
فقال ابن القاسم: يزكي عما ينوب السنة الماضية، ثم ينظر إلى الباقي، فيزكي منه ما يقابل قيمة الدار مهدومة 1. وقال سحنون: يزكي عن جميع المائة 2. وهو أحسن؛ لأن الدار لا تكرى تلك المدة بالنقد إلا وهي مأمونة الانهدام، ولو كان يخاف عليها في تلك المدة؛ لكان الكراء فاسدًا.
واختلف أيضًا فيمن كانت بيده مائة دينار مضى لها ستة أشهر، فأكرى بها دارًا سنة، ثم أكرى تلك السنة بمائتين 3، ثم تمت السَّنَة من يوم العقد على أصل ذلك المال.
فقيل 4: يزكي عن مائتين؛ لأنه لا يراعى الانهدام، أو عن مائة وخمسين؛ لأنه استوجب عن الستة الأشهر الماضية مائة لا رجوع عليه فيها، مترقبة 5 إن انهدمت الدار رُجع عليه فيها، وله هو مرجع على من كان اكترى منه بخمسين، فيجعل الديْن فيها، ويزكي عن 6 خمسين.
وقيل: يزكي مائة.
وهو أحسن 7 على القول بمراعاة الانهدام؛ لأن

المكتري يقول: الانهدام 1 يفسخ العقد في الباقي، وإنما في يدي مال قبضته من ستة أشهر؛ فلا زكاة فيه، وإنما حال الحول على مالي الذي دفعته إلى المكتري الأول، فإذا قبضته زكيته.
وعلى أصل سحنون يزكي عن الجميع؛ لأنه لا يراعي الانهدام.
ومن اكترى أرضًا ليزرعها لقوته، أو لتجارة 2، أو كانت له أرض يملكها 3، فزرعها لقوته، أو لتجارة، فأخرج ذلك الزرع خمسة أوسق- زكَّاه زكاة 4 الزرع.
ويفترق الجواب فيما باعه بعد ذلك، إذا باع بنصاب من العين بعد حول من يوم زكي زكاة الحرث، فإن زرع ذلك للقنية؛ استأنف بالثمن حولًا، وسواءٌ اكترى الأرض، أو كانت ملكًا له.
واختلف إذا اكترى الأرض للتجارة.
فقال مالك، وابن القاسم: عليه الزكاة في ثمن ما باع 5. وقال أشهب: لا زكاة عليه، ويستأنف بالثمن حولًا 6. فجعل مالك الحكم للأرض دون الزريعة، وإذا كانت الأرض مِلكًا له وزرع للتجارة؛ كان غلة.
وهذا موافق لقوله لا تكترى 7 الأرض بطعام............

ليعمل فيها طعامًا 1، ولأحد قوليه في الشريكين في الزرع إذا كانت الأرض من عند أحدهما أن الزرع له دون صاحب الزريعة 2؛ وعلى هذا تجب الزكاة إذا أُكْرِيَت 3 للتجارة، وإن كانت الزريعة للقنية.
ولا تجب الزكاة إذا اكتريت 4 للقنية, ثم زرعها للتجارة بزريعة كانت عنده للتجارة.
وعلى أحد قوليه في الشريكين في الزرع، أنه لصاحب الزريعة؛ تجب 5 الزكاة فيه إذا كانت الأرض ملكًا له وزرعها للتجارة بزريعة كانت عنده للتجارة، ولا تجب الزكاة إذا اكترى الأرض للتجارة وزرعها بزريعة كانت عنده للقنية 6. وتجب الزكاة إذا اكتراها للقنية وزرعها للتجارة بزريعة كانت عنده 7 للتجارة، وإذا أخرجت الأرض دون خمسة أوسق، ثم باع ذلك الحبَّ بنصاب من العين وكان للتجارة- زكَّى الثمن على أصل حول ذلك المال قبل الحرث، ولا يسقط الحول الأول إذا 8 وجد خمسة أوسق فأكثر.

باب في زكاة المدير في التجارة

ومن المدونة قال مالك فيمن كان يدير ماله في التجارة, مثل: البزَّازين 1، والحناطين 2، والزيَّاتين، ومثل الذين يجهزون الأمتعة إلى البلدان: فليجعلوا لزكاتهم من السنة شهرًا، فإذا جاء ذلك الشهرة قوّموا ما عندهم للتجارة فزكوه، وما في أيديهم من ناضٍّ، وما كان لهم من دين يرتجون قضاءه، فإن جاءهم العام الآخر ولم يقبضوه زكوه 3 أيضًا، قال ابن القاسم: ولو كان له عرضٌ فبار عليه؛ زكَّاه للسَّنَة الثانية 4 والديْن والعرض في هذا سواء 5. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لحماس وقد كان يبيع الجلود فإذا باعها 6 اشترى مثلها: "زكِّ مالك.
فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة.
فقال له: قوَّمه" 7. فأمره بالتقويم؛ لأنه مع عدم التقويم على وجهين: إما أن يزكي على كل ما نضَّ له، فيكون قد زكَّى ماله في العام الواحد مرارًا، أو لا يزكي بحالٍ لعدم اجتماع نصاب في مرة واحدة 8،............

أو لعدم معرفة الأحوال 1، فيكون قد أسقط فرضًا، فكان التقويم عدلًا بينه وبين الفقراء.
واختلف في الوقت الذي يجب فيه التقويم، وفي زكاة ديونه، وما بار من عروضه، وفيمن كان يبيع العرض بالعرض 2. فأما الوقت الذي يُقوَّم فيه؛ فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال مالك 3 في المدونة: يجعلون لأنفسهم من السنة 4 شهرًا يقومون فيه 5. وقال أشهب في كتاب محمد: إذا كان يبيع العرض بالعرض 6 يريد: أن لا يجب عليه أن يقوم عند تمام الحول على أصل ذلك المال؛ لأنه حينئذ فيما في يديه على وجهين: إما أن تكون عروضًا كلها؛ فلا زكاة في العروض، أو يكون بعضُه ناضًا دون نصاب؛ فلا زكاة في ذلك أيضًا، فلا يؤمر بالتقويم حينئذ؛ لأنه على يقين أنه لم تجب عليه زكاة جميع ذلك، فجاز له أن يؤخر التقويم عن 7 رأس الحول؛ لأن في إلزامه التقويم حينئذ ظلمًا عليه، ولا يؤخر لحولٍ آخر؛ لأن في ذلك ظلمًا على المساكين، فأمره أن يجعل لنفسه شهرًا يكون عدلًا بينه وبين المساكين 8، وإن أتى رأس الحول وفي يده نصاب من العين؛ زكَّاه خاصة؛

جارٍ التحميل