النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
كتاب التفليس
باب في الغرماء وهل يفلس الواحد غريمه
ومن حق الغرماء إذا تبين فلس غريمه الحجر عليه، وانتزاع ما في يديه، وقد حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - على معاذ بن جبل، وقسم ماله بين غرمائه 1، وفعل ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقال: أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، ثم ادان معرضا، فمن كان له عليه شيء فليأتنا فإنا نبيع ماله 2. فإن خالفهم الغريم وادعى الملاء وامتنع من التفليس كشف السلطان عن ماله 3، فإن وجد وفاء بجميع دينه لم يفلس، وإن لم يجد وفاء فلس، وهذا هو المعروف من المذهب.
وفي كتاب محمد: إذا كان في يديه أكثر مَن حقِّ (1) من حلّ (2) دينُه وقام بفلسه لم يفلس (3)، وليس بحسن إلا أن يكون ما فضل عن الأول إذا تجر فيه وفاء لحق الآخر عند محل دينه، وإن كان ما في يديه كفافا لمن حل دينه، وله مؤجل مثل المؤجل (4) الذي عليه في العدد والأجل على موسر أو كان محل دينه أبعد أجل وهو أكثر عددا، فإن بيع الآن أو عند محل ما عليه وفى بالدين لم يفلس، وكذلك إن كان أجل دينه (5) قبل وهو أقل، ويرجى بعد قبضه (6) وتجره به (7) أن يوفى بما يحل عليه.
فصل [في وجه من يقوم بالفلس]
وقيام الواحد بالفلس 8 على ثلاثة أوجه:
فإما أن يكون هو أحد الغرماء، أو يكون الدين 9 له وحده، وهو حال أو مؤجل.
فإن كان أحد الغرماء كان له تفليسه، وإن كره ذلك من سواه ويقسم ما ظهر له 10 ويسجن فيما عجز، قال محمد: إلا أن يرضى غرماؤه لهذا 11 أن يأخذ من الظاهر جميع دينه أو 12 يدفعوا ذلك من أموالهم فلا يفلس 13، وإن لم يكن عليه دين لغير 14 من قام به ودينه حال كان له أن يفلسه إن ادعى1234567
الغريم الفقر فإن وجد سلعته كان بالخيار بين 1 أخذها أو تباع له، فإن لم يوف ما بيعت به سجن في الباقي، وإن لم يجد سلعته سجن حتى يوفي أو يثبت فقره، وإن كان دينه مؤجلا ولم 2 يتغير حاله عن يوم عامله ولا كان غيره من فلس لم يكن له أن يفلسه، وسواء كان يجد عند الأجل شيئا أم لا، وإن ظهر منه إتلاف وخشي أن لا يجد عند الأجل شيئا كان له أن يحجر 3 عليه، ويحل دينه إلا أن يضمن له أو يجد ثقة يتجر له فيه، ويحال بينه وبينه، وإن غره من فلس لم يكن له عند مالك مقال لا في أخذ سلعته ولا في تعجيل حقه، والأبين أن يكون له أن يأخذ 4 سلعته لأن العسر عيب، ومعلوم أن ثمن ما يباع به من المعسر مخالف لما يباع به من الموسر، وكثير من الناس من 5 لا يرضى البيع من المعسر، وإن أضعف في 6 الثمن، وإذا كان ذلك له أمر يأخذ سلعته وليس له أن يتعجل الثمن ولا أن 7 تباع له السلعة بالنقد لأنه لم 8 يحدث من المشتري أمر خلاف ما كان عليه، وإنما له أن يأخذها لأجل عيب الذمة.
باب فيمن فلس وله مالان حاضر وغائب، أو كان له، أو (1) بيده قراض، وهل يعجل مال (2) قسمة مال (3) المفلس
وإذا كان للمفلس مالان حاضر وغائب وليس في الحاضر وفاء بما عليه، والغائب قريب الغيبة وفيه وفاء لم يفلس، فإن شك في قدره أو وجوده لم يعجل تفليسه، وكتب في غائبه، فإن كان موجودا وفيه وفاء لم يفلس، وإن كان غائبه 4 بعيد الغيبة وشك فى قدره أو وجوده لحالة طرأت هناك أوجبت شكا فلس لجميعهم ولم يوقف لاختبار ماله هناك.
واختلف إذا كان فيه وفاء ومعلوم الوجود، فقال ابن القاسم: لا يفلس ويقضي الذين حلت ديونهم، وليس لمن وجد سلعته أن يأخذها ويترك الآخرون إلى حلول ديونهم، وقال أشهب: يفلس، وإن علم ملاؤه قال: ولو كان رجل حاضر بمصر وله مال بالأندلس ولا يدري ما حدث على ماله أليس بفلس، وبه أخذ 5 أصبغ 6، قال: 7 أو يكتب بفلسه 8 حتى يستتم عليه 9.123
قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا تباين البلدان مثل مصر والأندلس فتفليسه أحسن، وكذا إذا لم يكونا على ذلك من البعد إلا أنه لا يقدر على القضاء من الغائب عند حلول الأجل، وإن كان يقدر على القضاء 1 منه حتى كتب فيه وأتى به عند حلول الأجل أو بعده بالشيء اليسير لم تحل ديونه؛ لأن محمل الغائب على السلامة والتلف نادر، ثم ينظر فيما حل من ديونه، فإن كان في يديه كفاف له 2 لم يفلس لهم، وإن لم يكن فيه وفاء فلس لهم 3، وكان لمن وجد سلعته أن يأخذها إذا كان ثمنها حالا، ويكون مفلسا لمن حل دينه غير مفلس لمن لم يحل دينه 4، وإذا كان الحكم فلسه لجميعهم وفلس كان من حقهم أن يكتب لهم بما كان من فلسه، وما يثبت لهم من الديون، وبما ناب كل غريم في المحاصة ثم ينظر في غائبه، فإن لم يكن فيه وفاء استتم فلسه 5 حسب ما فعل 6 لحاكم الأول ودخل معهم من لم يحل دينه، وعلى هذا محمل قول أصبغ، وإن كان فيه وفاء وكان بلوغ البلد 7 قبل حلول ما عليه لم يعجل دينه، وكان من حق الغريم إن كان حاضرا هناك أن يقبض ماله وينتفع به إلا أن يكون المؤجل عرضا أو طعاما مما 8 الحكم أن يقضى 9 بالبلد الأول، وإن من حق
الطالب (1) أن يقوم بقدر حقه (2) ويتوخى سعره بالبلد الذي يقضى به ويبعثه (3) الحاكم لمن يقوم بالقضاء إذا حل الأجل.
وإن وجد على الغريم دين بالبلد الآخر وليس في ذلك المال ما يوفى بالدينين بدئ الآخرون فيأخذون جزءا مثل الجزء الذي أخذه من قبل نصفا أو ثلثا أو غيره، وما فضل تحاصوا فيه، وإن لم يكن في الغائب (4) ما يوفي بمثل ذلك الجزء، رجع هؤلاء على الأولين حتى يساووهم إلا أن يكون هذا الدين مستحدثا بعد الفلس فيكون للأولين إذا كان المال متقدما حين فلسه، وإن كان محدثا من هذه المعاملة تحاصوا فيه دون الأولين، وإن كان من هبات أو ميراث دخل فيه جميعهم والحكم (5) فيمن فلس وهو حاضر وماله غائب، أو كان غائبا بالبلد الذي فيه ماله أو بغير البلد سواء.
فصل [فيمن فلس وله قراض]
ومن فلس وله قراض جاز بيعه، أجبر العامل على بيعه، وكذلك إذا كان الدين على العامل وفيه فضل جبير على البيع، وإن لم يجز البيع لم يجبر على بيعه أيهما فلس صاحب المال أو العامل، وأرى إن رضي الغرماء أن يضمنوا للعامل ما يربح في مثلها عند أَوَانِ البيع أن يمكنوا الآن من بيع تلك السلع، فإن جاء وقت البيع دفعوا ذلك إليه، فإن لم يربح في أمثالها ذلك الوقت لم يكن له شيء،12345
وقال مالك في كتاب محمد فيمن اشترى بمال قراص متاعًا وخرج به إلى موضع، فقام غرماء صاحب المال بيع لهم، وأما غرماء العامل فلا يباع لهم حتى يحضر صاحب المال، وإن كان مربحًا (1)، يريد: لما كان غرماء صاحب المال يحلون محله، ولو لقي صاحب المال العامل بذلك البلد لانتزعه منه لأن القراض على أول نضة ولم يكن ذلك لغرماء العامل؛ لأنه لو أراد أن يترك المال بذلك البلد لم يكن ذلك له، ومن حق صاحب المال أن يرد العامل إلى حيث قبضه، ولو علم من العامل أنه لم يتكلف السفر إلا لما يرجو من الربح فيما يرجع به لم يكن لصاحب المال ولا لغرمائه انتزاعه منه إلا بعد الرجوع، وإن وجد وقد اشترى بثمن ما باع لم يكن لهم أن يأخذوه منه حتى يقدم به، وهو بمنزلة من لم يجز بيعه.
فصل [في الرجل يقوم عليه بعض غرمائه بتفليسه]
وإذا جمع مال المفلس قسم بين غرمائه من غير استثناء إذا لم يكن معروفا بالدين، والفلس والموت في ذلك سواء، وإن كان معروفًا بالدين استؤني في الموت، واختلف في الحياة، فقيل: لا يستأنى لأن ذمته قائمة، وقيل: يستأنى 2 وهو أحسن لأنه إذا أمكن أن يكون تعلق بذلك المال حق لغير من حضر لم يعجل عليه، ولأنه لا خلاف أنه إن ثبت حقه بعد القسم أن له أن يرجع عليهم كالموت، فإن لم يتربص أمكن أن يجد من يجب عليه الرجوع، وقد غلب أو تلف ذلك، وإذا علم جميع غرمائه ومنهم من لم يقم وحضر القسم استؤذن من1
لم يقم هل تسقط المحاصة بدينه أم لا؟ فإن لم يستأذن وأسقط الغرماء نصيبه من المحاصة وهو عالم ولم يقم لم يكن له بعد ذلك قيام، وإن لم يستأذن، وقال: علمت أنكم 1 علمتم بديني، وظننت أنكم وقفتم نصيبي، وإنما كرهت أن أحضر 2 لمثل لهذا كان القول قوله مع يمينه، إلا أن تطول المدة مما يعلم أنه لم يكن يرضى ببقاء ذلك في الوقف لو كان وقف له، ومحمل قول ابن القاسم أنه 3 على أنه علم أنه 4 لم يوقف لأنه نظرها بالمفلس يعتق فإصراف نصيبه لغيره كإصراف ما استحق منه القبض في العتق، وإن لم يعلموا بدينه ولم يقم لم يكن له قيام بحال؛ لأنه عالم أنهم لم يوقفو له شيئًا.
باب خلع المفلس من ماله وما يباع عليه، وكيف يباع وهل يقضي الغرماء من مال لا يملكه إذا كان يملك انتزاعه
وإذا ثبت فلس الغريم جمع السلطان ماله وحجر عليه التصرف فيه، كان السلطان المتولي للبيع والقضاء يبيع ما كان لتجارة أو لقنية وداره وخادمه ودابته وسرجه وسلاحه، واختلف في خاتمه، فأجاز ذلك 1 ابن القاسم بيعها 2 ومنعه أشهب 3، والأول أبين، ويترك لباسه، قال ابن القاسم في كتاب محمد: إلا أن يكون فيها فضل 4، يريد: فيباع ويشترى دونها، وإن كان لثياب جمعته فضل بيعت، وإلا تركت 5، وهذا استحسان، والقياس البيع، ويباع مصحفه.
واختلف في بيع كتب العلم، فكره ذلك 6 مالك مرة ومنعه أخرى، قال مالك 7 في كتاب محمد: لا تباع للغرماء، وإن مات كان الوارث وغيره ممن هو أهل الانتفاع بها سواء 8، وقال محمد بن عبد الحكم: يجوز بيعها، قال: وقد
حضرت بيع كتب ابن وهب، وقد كان أبي وصيه، وحضرها غير واحد من أصحاب مالك وغيرهم، وبيعت بثلاثمائة دينار وستين دينارا (1)، ولا تباع أم ولده ولا يؤاجر لغرمائه، وتباع كتابة المكاتب وكذلك خدمته العبد (2) المعتق إلى أجل، وإن طالت العشر سنين ونحوها (3)، وتباع من خدمة المدبر السنة والسنتين، وإن كان له عبد أخدمه رجلا لم يبع من حقه، وسواء كانت الخدمة حياة المخدم أو السنة والسنتين، وإن فلس المخدم كانت تلك الخدمة التي يعطيها كالعرض وإن كانت سنين معلومة العشر ونحوها بيعت (4)، وإن كانت حياة المخدَم أو المخدَم بيع منها (5) ما قرب السنة و (6) السنتين، وإن اكترى دارا أو دابة أو عبدا (7) وكان نقض الكراء بيعت تلك المنافع المدة (8) التي أكراها.
فصل [فيما يباع على المفلس من الدين المؤجل والرهن]
ويباع من دينه ما كان مؤجلًا إذا كان عينًا أو عرضًا أو طعامًا من قرض، وإن كان طعامًا من بيع أُخِّرَ حتى يحل أجله، وكذلك ما لم يبد صلاحه يؤخر بيعه حتى يبدو صلاحه.12345678
ومن كان له عليه دين مؤجل حاص بعدده إن كان عينا، وبمثله إن كان غير عين أو كان حالا، فما صار له في الحصاص اشترى له مثل صفة دينه، فإن تغير سوق ذلك بغلاء قبل أن يشترى به 1 لم يرجع على أصحابه بشيء لأنه لو ضاع جميعه قبل أن يشتري لم يرجع عليهم، وإن صلح سعره اشترى له الجزء الذي كان نابه في الحصاص اشترى له مثل صفة دينه 2 ودخل معه أصحابه في الفضل بمنزلة ما 3 طرأ للمفلس، وقال عبد الملك 4 بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا يدخلون معه في الفضل، ومر في ذلك على أصله 5؛ لأن من أصله أن المصيبة منه إن هلك قبل أن يشتري به.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا كان الدين 6 عرضا وقال صاحب الحق 7: لا تعجل 8 حقي حتى يحل أجله أنه يجبر على أخذه 9.
وقال ابن نافع في المبسوط: إذا قال الغريم انا أعطي حميلا بما علي إلى أجله لم يقبل منه 10، وقد حل ما عليه بتفليسه.
والقياس إذا رضي الطالب تأخير حقه أن يكون ذلك له لأن القيام الآن حق له لا عليه، وأن يكون ذلك للمطلوب إذا أتى بحميل؛ لأن الأصل الأجل، وإنما توجه للطالب مقال خوف أن لا يجد عند الأجل شيئا، فإذا ضمن له حقه سقط مقاله، ومن كان له دين لم يحل وبيده رهن فيه كفاف بحقه لم يحل دينه لأنه لا ضرر عليه.
وقال عبد الملك 1 ابن الماجشون في كتاب محمد: إذا كان بيد أحد الغرماء رهن فإنه يحاص بجميع حقه إلى أن يباع الرهن 2، ومحمل ذلك على أنه مما 3 لا يجوز بيعه الآن كالثمر والزرع الذي لم يبد صلاحه، ولو كان مما يجوز بيعه وبدا صلاحه لبدئ بيعه ولم يبتدئ بالمحاصة، ثم يباع الرهن، فإن كان في الرهن فضل كان مقال الغرماء في ذلك الفضل.
فقال ابن القاسم في العتبية: يباع الرهن إذا كان فيه فضل قبل الأجل فيقبض المرتهن دينه، ويقضي الباقي للغرماء 4، يريد: إذا كان الدين عرضا أو عينا من قرض، وإن كان عرضا من بيع كان من حق المرتهن أن يبقى إلى أجله.
وفي كتاب محمد فيمن اشترى عبدا بثمن إلى أجل ثم رهنه عبدا آخر ففلس المشتري كان الغرماء بالخيار إن شاءوا دفعوا الثمن لبائع العبد، ويباع المرتهن ويتحاص الغرماء في الفضل، وإن شاءوا أسلموه لبائعه ويكون بائعه بالخيار بين أن يفتديه ويحاص الغرماء بما فداه 5، يريد: ويكون العبد له (1)، وإن شاء أسلمه وحاص الغرماء بالثمن، وفي فضل
العبد له (1)، وإن شاء أسلمه وحاص الغرماء بالثمن، وفي فضل ثمنه بعد افتكاكه إن فضل شيء، وإن كان الرهن زرعا أو ثمرا لم يبد صلاحه كان للمرتهن أن يقوم الآن ويضرب بدينه، فإذا بدا صلاح الزرع بيع له، فإن كان فيه وفاء رد ما أخذ في المحاصة، وإن لم يكن فيه وفاء وكان دينه مائه وباع الرهن بخمسين وكان الذي صار إليه في المحاصة (2) خمسين كان الباقي من دينه بعدما بيع به الرهن خمسين فيمسك من الذي أخذ في المحاصة خمسة وعشرين؛ لأنها التي كانت تنوبه لو كان بيع الزرع له، ويرد خمسة وعشرين فيضرب فيها بخمسة وعشرين لأنه الباقي من دينه.
فصل [فيما يستأنى به مما يباع على المفلس]
وإذا توجه البيع في حال المفلس لم يكن عليه أن يبيعه بالحضرة ويستأنى بذلك ليشتهر أمر البيع في القرب والبعد في الديار والعبيد والديار والدواب 3 والثياب، وذلك على حسب العادة في كل صنف منها.
قال مالك: يستأنى في الديار والأرضين الشهر والشهرين، وفي الحيوان والعروض يسيرا، والحيوان دون العروض 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: إلا أن يكون العطاء من الأول مستوفى ولا يرجى فوقه زيادة، وما يرى أن المبادرة إلى العقد أو لئلا يثني رأيه على الشراء فلا يؤخر،12
وكذلك إذا قال الغرماء أو أحدهم أنا آخذه بكذا لما لا (1) يرجى بعده زيادة، وإن كان على غير ذلك استؤني به ثم بيع على الخيار رجاء أن يأتي زائدا (2) والعادة أن بيع القاضي على خيار، وإن لم يشترط إلا أن يكون المشتري غير عالم بالعادة، فإن له أن يقوم فينجز له البيع أو يرد إذا كره البقاء على خيار.
فصل [فيما ينتزع لقضاء دين المفلس]
ولا ينتزع لقضاء دينه مال مدبره، ولا مال أم ولده، ولا معتقه 3 إلى أجل إذا لم يرض الغريم؛ لأنه ملك لغيره، فإن أحب السيد انتزاعه لقضاء ما عليه جاز 4 على المستحسن من القولين، وكذلك هباته لولده له اعتصارها، ولا يجبر على ذلك.
وقال مالك في كتاب محمد في رجل 5 تصدق على ابنين له بدار على وجه 6 الحبس، وقال: إن شاءوا أمسكوا وإن شاءوا باعوا فرهقهما دين، وقام غرماؤهما، قال: 7 فلهما أن يبيعا الدار لأن أباهما شرط لهما إن شاءا باعا، وإن شاءا أمسكا 8.12
وإن وجبت له شفعة وفيها فضل لم يجبره الغرماء على أخذها، واختلف إذا هو رضي بالأخذ، فقال مالك وابن القاسم: ذلك له (1)، وقال سحنون: ليس ذلك له (2)، وهو أبين، ومن أصل مالك أن الشفيع لا يستشفع للبيع ولا للربح، وإنما جعلت الشفعة لدفع مضرة القسم، فإذا كان الشفيع مجبورًا على بيع نصيبه للدين صار الأخذ لغير ما وضعت له.
فصل [في القدر الذي يترك للمفلس من النفقة والكسوة]
تقدم القول فيما يترك من الكسوة على المفلس 3، واختلف إذا كانت الثياب على أهله وولده قد خلقت هل تجدد لهم، فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: يترك له قدر ما يعيش فيه في نفقة له، وكسوة له ولأهله وعياله، ويشك في زوجته، وكذلك إن واجر نفسه 4، وإنما شك فيما حفظ عن مالك ليس في الفقه؛ لأن الزوجة أوجب حقًّا في ذلك من الولد، وإذا ترك للولد كان أولى أن يترك للزوجة.
وقال سحنون: ولا يترك لها كسوة 5، وعلى هذا لا يترك للولد 6، وهو12
أبين، وحسبهم ما كان عليهم، ولا أرى أن يستأنف له أيضا كسوة، ويكفيه ماكان يجتزء به قبل ذلك 1. واختلف في النفقة، فقال ابن القاسم في كتاب الزكاة يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام 2، وقال مالك 3 في كتاب محمد: يترك نفقة شهر 4، وقال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون المال يسيرا لا خطب له، فيترك له نفقة الأيام 5. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: لا يترك له شيء، وقال محمد: إذا كان الذي يوجد له الذي يتجر فيه لا خطب له، فإنه يترك له ما يعيش به 6، قال أصبغ: إن مقدار ذلك لو جمع مثل نفقة شهر أو نحوه 7. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأصل للغرماء أن ينتزعوا جميع 8 مال غريمهم كما قال ابن كنانة، ويكون هم وغيرهم في مواساته 9 سواء، والترك استحسان وأرى أن يعتبر فيما يترك له قدر ثلث المال الذي معه وعياله 10، والسعر من الرخص والغلاء، فإن ترك له 11 نفقة الشهر مع الغلاء
وكثرة العيال أضر بالغرماء 1، فإن ترك له ذلك مع كثرة المال ورخاء السعر لم يضر بهم، وأما مع قلة ما في يديه فالخمسة أيام والجمعة حسن، ويصح أن لا يترك له شيء، وذلك أن يكون ذا صنعة وصنعته قائمة متى انتزع ما بيده راح بقوته وقوت عياله، وقيل: يترك للصانع النفقة اليسيرة خوف المرض، وليس يبين؛ لأن المرض نادر، ولأنه لا يخشى أن يكون ذلك بقدر ما يفلس، ولأن الغالب من المفلس 2 أن يؤخر ويكتم، وإن فلس العبد المأذون له في التجارة 3 انتزع ما في يديه كالحر، وإن كان يؤدي لسيده خراجا في حال تجارته من ربحه مضى له ما أخذ، وإن كان يؤدي ذلك من رأس ماله رد ما أخذ 4، وإن كان صانعًا يشتري الشيء ويصنعه كان أحق بما في يديه، ولا مقال على السيد فيما أخذ من الخراج مما قابل صنعته، وإن كان عنده فضل أخذ منه، وإن علم أنه كان على خسارة انتزع من السيد ما أخذ، وإن أبقى السيد في يديه شيئا من خراجه لم يأخذه الغرماء، وإن كان في يديه مال وهب له أو تصدق به عليه أو أوصى به له قضى منه دينه إلا أن يشترط المعطي أن يتسع فيه العبد، ولا يقضى منه.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا بعث المفلس 5 بنفقة لأهله كان للغرماء أخذها إن قاموا بالحضرة، وإن قاموا بعد قدر ما يرى أنهم أنفقوها لم يكن عليه شيء، فإن قالوا بقرب قبضها قضينا 6 منها نفقة متقدمة، أو كراء لم
يصدقوا إلا أن يأتي بلطخ أو شبهة أو برهان 1 ولم يجعل لأهله أن يحبسوا منها نفقة الشهر والأيام لأنهم قد أخذوا ذلك عند المفلس 2، وإن قالوا لم يدفع إلينا شيئا حلفوا وحلف الرسول إذا 3 وصل ذلك ولم يكن للغرماء مقال على واحد منهم، وهذا على أصل عبد الملك أن القول قول الرسول في الدفع بغير بينة، وعلى أصل ابن القاسم يحلف مرة ويغرم الرسول.
باب في بيع المفلس وشرائه ونكاحه وهبته وعتقه وقضاء دينه ورهنه وإقراره
أفعال من تبين فلسه أو فلس على ثلاثة أوجه جائزة وممنوعة، ومختلف فيها، فالأول بيعه وشراءه وهبته للثواب ونكاحه وما أشبه ذلك مما يخرج عن 1 المعاوضة جائز قبل الفلس وبعد الفلس والحجر إذا اشترى على أن يقضي من غير ما حجر عليه فيه، فإن باع قبل الحجر بمحاباة ردت المحاباة، وإن باع بعد الحجر بغير محاباة كان بيعه موقوفا على الاختيار 2، فإن كان إمضاؤه من حسن النظر أمضى، وإن كان فيه 3 بخس رد، وإن لم يكن 4 مما يراد بمثله المحاباة، وإن شك فيه التمس به 5 الزائد، فإن لم يوجد أمضى، وهذا ما لم يقبض الثمن أو قبضه وكان قائمًا بيده، وإن أنفقه كان لهم أن يرجعوا في السلعة إلا أن يرضى المشتري أن يدفع الثمن مرة أخرى، وإن اشترى بعد الحجر على المال الذي فلس في رد إلا أن يكون فيه فضل ويقرب بيعه إلا أن يرضى البائع أن يباع له ولا يدخل معه الغرماء فيكون بمنزلة مبايعته بعد اقتسام ما في يديه، ونكاحه قبل التفليس وبعده جائز ويفترق الجواب في الصداق، فإن كان العقد قبل الحجر حوصص بالصداق، وإن كان بعد الحجر
لم يضرب له، وكان صداقها فيما يفيده بعد وهبته وصدقته وعتقه بتلا أو 1 مؤجلا وتدبيره قبل الحجر وبعده سواء كان ذلك مردود لأن ذلك معروف، والدين مبدا على معروفه 2 إلا أن يكون في خدمة المعتق إلى أجل، وفيما يجوز بيعه 3 من خدمة المدبر وما يوفي بالعاحز من دينه ويفترق الجواب في إيلاده، فإن كان قبل الحجر لم تبع للغرماء، وإن كان بعد الحجر بيعت بعد الوضع دون ولدها.
واختلف في الكتابة، فقيل: هي من ناحية العتق، فترد، وقيل: من ناحية البيع العتق فتمضي، وأرى أن ينظر في قيمته مكاتبا فإن كان مثل قيمته رقيقا مضت، وسواء كان قبل الحجر أو بعده؛ لأنه لا ضرر على الغرماء إلا أن يتعذر بيع المكاتب، وإن كانت قيمته مكاتبا أبخس من قيمته غير 4 مكاتب إلا أنه يوفي بالدين لم ترد، وإن كانت لا توفي ردت إذا كانت بعد الحجر، وإن كانت قبل وكان البخس لتخفيف 5 في الكتابة لما يرجو من الولاء ردت، فإن كانت الكتابة على حسن النظر 6 من السيد، ومن ناحية التجارة لكثرة النجوم مضت بمنزلة من باع سلعته بثمن إلى أجل وكان بيع ذلك الدين إن بيع لا يوفي بالثمن لو بيعت على النقد، فإنه لا يرد، واختلف في
قضاء دينه ورهنه، واختلف قول مالك في قضائه دينه ورهنه (1)، فأمضاه مرة ورده أخرى، وجعل للغرماء أن يدخلوا مع القابض والمرتهن فيحاصوه (2)، وقد تقدم ذلك في كتاب المديان.
فصل [في إقرار المفلس قبل الحجر عليه وبعده]
وإقراره قبل الحجر لمن لا يتهم عليه جائز، واختلف إذا أقر لمن يتهم عليه 3 كالأب والأخ والزوج، وأن لا يجوز أحسن لأنه يتهم أن يواطئه على ذلك ليرده إليه.
وإقراره بعد القيام عليه على ثلاثة أوجه 4 فيجوز إذا كانت الديون التي قيم عليه بها بغير بينة وهو إقراره 5 كله أو 6 كان أصحاب 7 البينات لا يستغرقون جميع ما في يديه أو يستغرقون، وكان يعلم من المقر له معاملته، وأنه كان يتقاضاه وأقر له بما يشبه أن يداينه به، ولا يجوز إقراره بعد الحجر، والاستسلام تقريره على 8 ما عليه، واختلف في ثلاث مسائل:
إحداها: إذا كان الإقرار بعد القيام وقبل الحجر والسجن والاستسلام 9.12
الثانية: إذا ثبتت المعاملة بالبينة وأقر أن 1 عين المشتري قائمة.
والثالث: إذا أقر بأمانة قاموا عليها 2 كالوديعة والبضاعة والقراض، فقال مالك مرة: إذا قاموا عليه على وجه التفليس وسجنوه 3، وقال محمد: إذا قاموا عليه على وجه التفليس وحالوا بينه وبين ماله ومنعوه البيع والشراء أو الأخذ والإعطاء واستسلم لم يجز إقراره حينئذ إلا بالبينة 4.
قال الشيخ -رحمه الله-: إنما من حق الغرماء الحجر في البيع والشراء، ولا يحجر عليه الإقرار؛ لأنه كان مطلق اليد في الشراء ولا يعرف ما اشتراه إلا منه، فيحتاج إلى استفساره، فإن بادر بعض الغرماء بالحجر عليه لم يقطع ذلك حق من سواهم، وإنما ينبغي للحاكم 5 أن يبتدئ بسؤاله عما عليه للناس 6 فيكتب ذلك ويشهد به، ولو كان لا يقبل إلا قول من أتي به إلى المحاكمة والحجر عليه لبطلت 7 أموال الناس، وأكثر الناس يتبايعون بغير إشهاد لا سيما 8 البزازين وأصحاب الإدارات 9 فهي بيوعهم.
ولو قال بعد أن كشف عن ديونه، وسمى كل واحد لفلان علي كذا
وكذا 1، وقد أشبه لقبل قوله إذا كان ذلك بالقرب، وكذلك لو قال كنت 2 عقدت الشراء من فلان في كذا أو بعته كذا لقبل قوله إذا كان ذلك عندما سئل، وقد قيل في المقارض يسلم المال ثم يقول: نسيت نفقة أو ما أشبه ذلك: أنه يقبل قوله إذا كان بقرب ذلك.
واختلف إذا ثبت البيع أو الإيداع، ثم قال بعد الفلس: هذا الثوب الذي كنت اشتريته أو الوديعة التي قبضت، فقيل 3: لا يقبل إقراره، وقيل: لا يقبل في البيع 4 ويقبل في الإيداع، والبضائع والقراض، وأن يقبل في الجميع أحسن؛ لأن الأصل وجود هذه الأشياء حتى يعلم أن تصرف فيها، ولأنه لا يتهم في أن يكون يعطيهم ما كان أخذ منهم، والتفرقة بين البيع والإيدل والبضائع وجه؛ لأنه يقول قبض المبيع على أنه يتصرف فيه لنفسه، فلا يقبل قوله في بقائه، وقبض الوديعة على أن تبقى على حالها لصاحبه، والقراض على أن ينصرف فيه لصاحبه، فلم يجز أن يحمل على أنه تعدى وخان أمانته وتصرف فيها لنفسه.
واختلف في الصانع يفلس فيقر فيما في يده أن هذه السكينة 5 أو الغزل لفلان، فقال مالك في العتبية: لا يقبل قوله لعله أن يخص صديقه أو يواطئ هذا، ليرد عليه 6.
وقال ابن القاسم: يقبل إقراره لمن أقر له، وإن لم تكن لهم 1 بينة، وقال محمد: يبطل قوله إذا كان على أصل الدفع بينة أو على إقراره قبل الفلس، وإن لم تعرف ذلك البينة بعينه 2. وقول ابن القاسم أحسن لأن الصناع منتصبون لمثل هذا، وليس العادة الإشهاد عند الدفع، ولا يعلم ذلك إلا من قولهم، وهم مثل المقر بالقراض والودائع؛ لأنه يقبض ذلك ليبيعه 3 لأربابه يصنعه ثم يسلمه فلم يجز أن 4 يحمل عليه 5 أنه خالف فيه، وهذا إذا لم يدع ذلك المقر به أحد 6 من القائمين عليه، فإن ادعاه وقال: بل 7 أنا دفعته حلف المقر له وكان له 8، ويرجح قول الصانع أنه منه أخذ، وإن سرق بيته أو احترق واعترف في شيء مما سلم أنه لفلان، كان القول قوله؛ لأنه في السرق والاحتراق ولم يحجر عليه، وهو بمنزلة من تبين فلسه ولم يضرب على يديه، وقد قال ابن نافع في المبسوط: لا يجوز إقرار من تبيين فلسه، وإن لم يضرب على يديه وليس بحسن.
فصل [في المفلس يقر بالدين ثم يداين آخرين]
وإذا لم يقبل إقرار المفلس لمن أقر له بعد الحجر ثم داين آخرين لم يدخل معهم؛ لأنه كان راضٍ بالتفليس وحقه على قوله فيما كان أخذ أصحابه، واختلف إذا صح إقراره ولم يرض بتفليسه ولا دخل في المحاصة، فقال محمد: له أنه يدخل مع الآخرين 1، وقال مطرف في كتاب 2 ابن حبيب: لا يدخل معهم 3، وإن كان غائبًا في حين فلسه ثم قدم كان له أن يدخل على 4 الأولين فيحاصصهم، ويختلف إذا أحب أن يدخل مع الآخرين فعلى قول محمد يكون ذلك له.
وقال ابن القاسم في كتاب السرقة: لا يدخل معهم، وهو موافق لقول مطرف، وهو أحسن لأن هذه الأموال للآخرين ولا شرك للأول فيها.
واختلف إذا أبقى أحد الأولين في يديه نصيبه في المحاصة، فقال ابن القاسم: يضرب مع الآخرين بقدر ما أبقى كمداينة حادثة، وفي كتاب ابن حبيب: أنه يضرب بأصل دينه وهو أحسن إذا لم يكن أراد فلسه، وإنما قام بحقه لئلا ينتفع به أصحابه، وإن كان بنية التفليس 5 قُبل بنية حدثت 6. فكما قال
ابن القاسم: وإذا اقتسم مال المفلس ثم وجد في يديه مال فإنه لا يخلو أن يكون معاملة محدثة 1، أو من فائدة هبة أو ميراث، ولم يعامل أحدا بعد التفليس أو بعد أن عامل وهو قائم الوجه، أو بعد أن فلس ثانية، فإن كان من معاملة، وقال الذين فلسوه أن في يده فضلا ليأخذوه كشف السلطان عن ذلك، فإن وجد فضلا آخر 2 في يديه بقدر ما يوفي الآخرين، وقضى بالفضل للأولين، وإلا 3 لم يعرض له 4، وإن كان من فائدة ولم يعامل أحدا بعد الفلس أخذه الذين فلسوه على الحصص المتقدمة إن لم يكن فيه وفاء، وإن كان قد عامل آخرين وفلسوه اقتسم تلك الفائدة الأولون والآخرون بقدر الباقي لهم، فإن كان قائم الوجه لم يفلس بعد كان الأولون أحق بالفائدة؛ لأن محمله في المعاملة الثانية على الوفاء، وإن قضى الفائدة الآخرين كان للأولين أن يأخذوا مثل ما قضى مما في يديه من المعاملة الثانية، وإن تبين فلسه في المال الثاني تساوى حق الأولين والآخرين في اقتسام الفائدة إن قاموا به، فإن لم يقوموا حتى قضى 5 أحد الفريقين أو رجلا منهم مضى على أحد قولي مالك في قضاء من تبين فلسه؛ لأن الحجر الأول قد ذهب وبقي مطلق اليد في البيع والشراء والاقتضاء.
وقال ابن الماجشون في كتاب محمد: إذا داين قوما آخرين ثم أفاد مالا بقي للأولين وهم أولى به من الآخرين ما لم يقع فلس ثان وهي في يديه لأن ذمته الثانية 6 قائمة، يريد أن محمله في المداينة الآخرة على الوفاء ولم يرد أنها تكون
للأولين مع العجز عن الوفاء للآخرين.
فصل [في الحصاص على المفلس بما لم يكن عن معاوضة]
واختلف في الحصاص بما لم يكن عن معاوضة كنفقة الزوجتين والولد والأبوين والصداق والجنايات، فقال ابن القاسم في كتاب النكاح: يضرب للزوجة بما أنفقت على نفسها، قال سحنون: في الدين المستحدث ولا تحاص إذا كان الدين قبل الإنفاق 1. وفي كتاب محمد: تضرب في الفلس 2، وقيل: لا يضرب في فلس ولا موت، 3 ولا وجه للتفرقة لأنه إن كان لها حكم الهبات سقطت في الفلس أو حكم المعاوضات يثبت في الموت، وفي كتاب ابن الجلاب عن ابن القاسم 4 أن الزوجة تضرب بصداقها في الفلس 5 الحياة ولا تحاص به في الفلس بعد الوفاة 6.
وقال ابن القاسم: لا تضرب بنفقة الولد ولا بنفقة الوالدين (1) في فلس ولا موت، وقال أشهب: يضرب الولد مع الغرماء (2)، وقاله أصبغ في نفقة الوالدين إلا أن يكون حدث بحكم وتسلفت وهو ملي فيضرب بها في الموت والفلس (3). ويختلف عن (4) هذا هل يحاص بالجنايات، فقال مالك في المدونة: يحاص بها (5)، وعلى القول الآخر: لا يحاص بها، وأما قتل الخطأ فإن كان عليه دين حتى تفض الدية لم يكن عليه شيء، وإن كان لا دين عليه وقضى عليه في جملة العاقلة ثم فلس حوصص بها على أحد القولين، والقياس في كل هذا أن يضرب به، ولا خلاف فيمن باع سلعة فغصبت (6) أو هلكت أن لبائعها أن يحاص بثمنها، وإن لم يكن له معه شيء لأنها ديون معهم (7) كلها، وليس بمنزلة من فلس، فإن الشأن أنه إنما يعامل على أن لا يدخل الأولون معه في شيء.
فصل [في المحاصة بين الوارث والأجني إذا أقر لهما المفلس]
واختلف فيمن أقر لوارث ولأجنبي بمائة دينار، وخلف مائة، فقال ابن القاسم: يتحاصان فما صار للأجنبي أخذه، وما صار للوارث دخل في بقية1234567
الورثة 1، ولا رجوع للوارث المقر له على الأجنبي، وقال أشهب: يرجع على الأجنبي بنصف ما يفضل به، فما صار له دخل فيه معه الورثة ثم يرجع المقر له على الأجنبي حتى يتساويا، فإن كان للمقر له أخ واحد عاد المال بينهم أثلاثا، وإن كان الولد ثلاثا عاد المال 2 بينهم أرباعا 3، وهذا ضعيف أن يضر 4 الأجنبي بما يأخذ الأخ على وجه الميراث، والقياس أن يبدأ بالأجنبي 5 بجميع المائة؛ لأن الإقرار له صحيح، والإقرار للوارث فيه تهمة، والتهمة لا تبعض، وإذا اتهم الميت فيما أقر به له حتى يكون للورثة أن يدخلوا معه سقط أن يكون له مع الأجنبي حصاص؛ لأن الأجنبي يقول: إن كان إقراره للوارث معي صحيح فيجب ألا يدخل فيه الورثة، وإن كان يتهم فيه حتى يكون للورثة فيه مقال بطل إقراره جملة؛ لأنه يستحيل أن يكون إقراره صحيحًا سقيمًا في حال.
وإن أقر لزوجته ولأجنبي وكان يورث بولد تحاص على قول ابن القاسم، فما صار لها أخذته، ولم يدخل فيه بقيمة الورثة، وإن كان ورثته عصبة دخلوا معها، وإن أقر لأجنبي ولصديق ملاطف والورثة عصبة، فما صار للصديق أخذ الورثة جميعه، ثم لا رجوع له، وعلى قول أشهب يرجع، وذلك يؤدي إلى ألا يبقى بيد الأجنبي شيء لأن الورثة ينتزعون جميع ما يأخذه، بخلاف أن يقر لوارث فإنه ينتزع منه الزائد.
وقال محمد: إذا كان عليه دين لأجنبي ببينة وأقر لأجنبي آخر ولوارث
ولا بينة لهما، قال: فلا حق للوارث حتى يستوفي الأجنبيان فإن كان ما ترك الميت مثل حق صاحب البينة كان تهمة من الميت لوارثه إن أدخله مع صاحب البينة 1، ولو طلب الوارث أن يدخل فيما يصير للذي لا بينة له لمنعه الذي له البينة لأنه يقول: أنا أحق بما تأخذه، ولا حق لك في مال الميت، ولي عليه دين ببينة 2 يحيط بما ترك، وكذلك لو كان 3 ثم فضل عن حقه إلا أنه لا فضل فيه 4 عن حق الأجنبيين لأنه إن جعل له حق فيما يصير للذي لا بينة له رجع على الذي له البينة فيقول في يدك أكثر مما في يدي وأنت لا تكون أحق بشيء من مال الميت مني، وقد قال فيها غيري إذا قسم ما ترك الميت بين الأجنبيين نصفين لأنه حقهما سواء دخل الوارث مع الذي لا بينة له فقاسمه ورجع الذي له البينة على الوارث وأخذ منه ما صار له من ذلك فقاسمه إياه الذي لا بينة له، فما صار للذي لا بينة له 5 دخل فيه الوارث فحاص بجميع ما كان أقر به الميت فما صار 6 للوارث أخذه أيضا صاحب البينة ثم دخل فيه صاحب الإقرار، فما صار له منه دخل معه فيه الوارث بجميع حقه لأنه ليس بيده شيء، وهكذا أبدا حتى لا يبقى منه شيء، قال محمد وهو 7 يرجع إلى ألا يكون للوارث معهما شيء 8.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إلا أن القسمة (1) تختلف فيكون بيد صاحب البينة أكثر، وفي القول الآخر يتساويان، والقول الأول (2) الذي ذكر محمد هو أصل أشهب، وأما على قول ابن القاسم يتحاص الأجنبيان (3)، فما صار للذي لا بينة له دخل فيه الوارث، فما صار للوارث دخل فيه بقية الورثة، ثم لا تراجع بينهم (4)، ويصح أن يقال: إن لصاحب البينة أن يحاص من لا بينة له بالوارث، فما صار للوارث أخذه صاحب البينة.
فصل [في حمالة المريض]
وقال محمد في مريض له دين على رجلين أحدهما وارث وبعضهما 5 حميل عن بعض، فأقر المريض أنه قبض حقه من الوارث لم يقبل قوله ولم يسقط الحق عن واحد منهما وكان الحق والحمالة عليهما على حالهما، وسواء كانا معدمين أو موسرين؛ لأنه أسقط دينه عن وارثه وصير له ما على الأجنبي 6 وصارت وصية منه له إن كان الأجنبي موسرا أخذه منه، وإن كان معدما أتبعه به.
وإن أقر أنه قبض جميع حقه من الأجنبيين 7 فكانا موسرين جاز إقراره وسقط جميع الحق عنهما للميت؛ لأنه قد أبرأ الأجنبي وصار له ما على وارثه،1234
وإن كانا معدمين لم يسقط عن واحد منهما الحق ولا الوارث ولا 1 الحمالة لأن الوارث إن أيسر قبل الأجنبي لزمه الغرم عن الأجنبي بحمالته، فإسقاط المريض عن الأجنبي باطل؛ لأنه إسقاط عن الوارث، وكذلك إذا كان الأجنبي معدما والوارث 2 موسرا لم يجز إقراره لواحد منهما أنه قبض حقه منه، فإن كان الحق على الوارث وحده وتحمل به أجنبي أقر أنه قبض حقه من الوارث لم يقبل قوله، لم تسقط الحمالة عن الأجنبي لأن الحق ثابت على حاله على الوارث، ولو أقر أنه قبض الحق من الحميل جاز قوله وسقطت الحمالة وصار الحق الذي على الوارث للحميل 3.
باب في من فلس ولعبده عليه دين، وإذا تلف مال المفلس بعد الجمع (1) وقبل القضاء، ومن وجد سلعته بعينها (2) هل يكون أحق بها في الفلس والموت
ومن فلس ولعبده عليه دين ولا دين على العبد 3 لم يضرب عبده بدينه، وإن كان عليه دين ضرب به 4 مع غرماء السيد إلا أن يكون ما ينويه في الحصاص أكثر مما عليه فليبدأ بدينه ويسقط الباقي، وإن كان له سواء العبد بيع لغرماء السيد 5، والعبد أحدهم، فإن كان الدين ألفا ودين العبد منها 6 ستمائة 7، وعلى العبد منها 8 مائة 9 بيع على التبعيض 10، يقال بكم تشترونه على أن عشر ما يباع به قضاء عن المائة التي عليه لأن كون الدين عليه عيب، فإذا بيع على هذه الصفة قبض 11 على ما يذهب من12
العيب وما يبقى، وإن كان دين العبد عشرين والذي ينوبه من الحصاص إذا ضرب بالمائة أكثر من العشرين بيع علي ألا دين عليه، فما بيع به قضى منه ما عليه وسقط الباقي عن سيده.
فصل [في ضمان ما تلف من مال المفلس]
واختلف في مال المفلس إذا تلف بعد أن جمع قبل البيع 1 أو بعده، فقال مالك مرة: مصيبته من المفلس 2 حتى يقبضه الغرماء وسواء كان عرضا أو عينًا 3. وقال أيضًا: مصيبة ما ليس بعين من المفلس، ومصيبة العين من الغرماء وكان ذلك العين في يديه حين التفليس أو ثمن ما بيع عليه 4. وروى عنه 5 عبد الملك عن مالك 6 أنه قال: ضمان ما تلف من ذلك كله من الغرماء من حضر منهم ومن غاب، ومن علم ومن لم يعلم، كان دينه عرضا أو عينا أو حيوانا أو ما كان 7. وقال المغيرة: مصيبة الدنانير ممن له دنانير، والدراهم ممن له دراهم،
ومصيبة (1) العروض من المفلس.
وذكر ابن الجلاب عن عبد الملك مثل ذلك (2)، والقول الأول أحسن؛ لأن من حق الغرماء التوفية في الكيل والوزن، و (3) كلما كان قبل ذلك فهو في ضمانه حتى يوفى لهم بحقهم من كيل أو وزن، والسلطان كالوكيل له على ذلك، وفائدة التفليس والحجر ألا يتلف ذلك قبل أن يوصله إليهم.
فصل [في السلعة يبتاعها الرجل ثم يفلس وهي عنده بعينها]
البائع أحق بسلعته في الفلس وهو أسوة في الموت لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيما 4 رجل ابتاع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع 5 من ثمنه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" ذكره مالك في الموطأ غير مسند 6، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به" 7، وقال أيضا: "فصاحبه الذي باعه أحق به"،123
رواه مسلم 1.
واختلف في ثلاث مسائل:
إحداها: هل يكون أحق 2 في الفلس بالعين، وإن كان من بيع.
والثاني: هل يكون أحق بالعرض إذا كان من قرض.
والثالث: هل يكون أحق بالسلعة إذا كانت من بيع 3 وهل يكون أحق بالسلعة إذا كانت عن بيع 4، وأحيل بثمنها وفلس المحال عليه.
فقال مالك وابن القاسم في المدونة فيمن أسلم عينا دنانير أو دراهم هو أحق بها في الفلس إذا عرفت 5، وهي كالمكيل والموزون، وقال أشهب: هو أسوة 6. = (2272)، ومسلم: 3/ 1193، في باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه، من كتاب المساقاة، برقم (1559).
وفي كتاب محمد فيمن أقرض عرضًا أو عبدًا هو أسوة، قال: وإنما جاء الحديث في البيع، وقال أبو محمد الأصيلي: هو أحق كالبيع، وقال أصبغ في كتاب محمد: إذا فلس المحال عليه لم يكن المحال بالثمن أحق بتلك السلعة التي باعها المحيل.
وقال محمد: هو أحق، والقول أنه أحق بالعين وبالعرض أحسن لعموم الحديث: "أيما رجل أدرك ماله" ولم يخص، وقياسا على العرض إذا كان من بيع 1 لأنه لم يكن أحق لكونه عرضا، وإنما كان ذلك لأنه عين متاعه، وإن منع أن يقول القياس كان في البيع أنه أسوة لأن البيع نقل الملك، وإنما له ثمن في الذمة فهو فيه أسوة الغرماء، فيتبع 2 الحديث فيما ورد فيه، ويبقى ما سواه على الأصل، وقياسا على الموت، وأما الحوالة فجواب ابن القاسم أنه لا يكون أحق على أصله أن الحوالة بيع، ويصح قول محمد على أصل أشهب أنها على وجه المعروف، وليست ببيع.
ولو اشترى رجل ذلك الدين ثم أفلس مشتري السلعة لم يكن مشتري الدين أحق بها، ولو تصدق بالدين لكان المتصدق عليه أحق به قال ابن القاسم في العتبية: إذا فلس المشتري بعد بيعه للسلعة، وحاص البائع الغرماء ثم ردت بعيب كان للبائع أن يرد ما أخذ في الحصاص ويأخذ سلعته 3.
ويصح أن يقال: ذلك حكم مضى فلا يرد، وقاله ابن حبيب فيمن اشترى سلعة ثم باعها 4 ثم ظهر على عيب فرجع بقيمته ثم ردت عليه لم يردها على
الأول، قال: لأن رجوعه بالعيب حكم فلا يرد.
واختلف فيمن باع عبدا فأبق عند المشتري ثم فلس، فقال ابن القاسم للبائع أن يطلبه على أن ألا شيء عنده 1 غيره أو يحاص وليس له أن يطلبه 2، فإن لم يجده رجع إلى الحصاص، وقال أشهب: له ذلك، يطلبه، فإن وجده كان أحق به، وإلا رجع فحاص، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: ليس له أن يختار 3.
وقد اختلف فيمن أخذ سلعته عند الفلس 4، فقيل: ذلك نقض للبيع الأول، فعلى هذا يصح أن يطلبه، ولا رجوع له إذا لم يجده، ومثل أخذه كبيع مبتدأ، فعلى هذا لا يجوز له أن يطلبه على أن لا شيء له سواه، ولا على أن له أن يرجع إن لم يحده، فاستخف ذلك أشهب 5 للاختلاف هل هو كابتداء بيع أم لا؟
واختلف عن مالك فيمن باع 6 ثمرة قد أزهت ثم فلس المشتري بعد أن يبست هل يكون البائع 7 أحق بها 8، وأن يكون ذلك له أحسن؛ لأنها عين ماله، وليس بينهما كثير 9 تغير، ولأنها في ضمان البائع حتى تصير إلى اليبس،
وإنما يقع الشراء على أن تصير إلى تلك الحالة.
فصل [فيمن اشترى عبدا ثم رده بعيب فلم يسترجع الثمن حتى فلس البائع]
ومن اشترى عبدا ثم رده بعيب فلم يسترجع الثمن حتى فلس البائع كان أسوة، واختلف إذا لم يرده بالعيب حتى فلس البائع 1 هل يكون أحق به برده، ويباع له، ويكون أسوة.
واختلف بعد القول أنه أسوة، فقيل: هو بالخيار بين أن يحبسه ولا شيء له من العيب، أو يرد ويحاص، وقيل له أن يحبسه إن أحب، ويرجع بقيمة العيب؛ لأن عليه ضررا في رده ليحاص وهو أبين، ومن باع سلعته بيعا فاسدا فلم يقبض الثمن البائع 2 حتى فلس المشتري فإن لم يفت رد البيع من جهة الفساد، وإن فات بحوالة أسوق أو بعيب كان فوتًا من ناحية الفساد وكان للبائع أن يأخذها من جهة الفلس 3 أو يحاص بالقيمة، واختلف إذا قبض البائع الثمن ثم فلس قبل فوت السلعة هل يكون المشتري أحق بها، وتباع له في ثمنه أو يكون أسوة، وعلى القول الآخر يكون بالخيار بين أن يرد ويحاص بثمنه أو يمسك ويكون عليه القيمة أو يحاص 4 بالثمن، وإن أخذها المشتري من دين 5 ردت وكان أسوة الغرماء قولًا واحدًا، وتقدم القول فيمن اشترى