التبصرة للخميكتاب الاعتكاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 3 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368/ 4)

الجزء: 2 - الصفحة: 827

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا

كتاب الاعتكاف و

شروطه, وما يلزم المعتكف في اعتكافه, وما يوسع له أن يفعله من غير الاعتكاف، وبم يلزم؟

ومن المدونة قال مالك: لا يكون الاعتكاف إلا بصوم 1، لقول الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. قال الشيخ - رضي الله عنه -: فصول الاعتكاف تسعة: أحدها: جوازه.
والثاني: بم يلزم؟ والثالث: تعلق الصوم به؟ والرابع: معرفة مدة الاعتكاف، وكم القدر الذي لا يجوز الاقتصار على دونه 2؟ والخامس: الموضع الذي يعتكف فيه؟ والسادس: الوقت الذي يدخل فيه معتكفه ويخرج منه.
والسابع: ما يفعله في معتكفه وما يستحب له أن يفعله من غير جنس الاعتكاف، وما يمنع منه.
والثامن: ما يجوز له أن يخرج إليه، وما يمنع منه.
والتاسع: ما يطرأ عليه مما يوجب خروجه؛ من المرض والحيض للمرأة, أو خوفٍ أو مطالبةٍ بدينٍ، أو حَدٍّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 829

فصل في جواز الاعتكاف

فأما جوازه فالأصل فيه قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم أنه اعتكف وأصحابه معه، واعتكف أزواجه 3. والاعتكاف وإن كان تبتلًا فليل المعتكف ونهاره سواء - فإنه غير داخل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التبتل، قال سعد بن أبي وقاص: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنِ التبتُّلِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا" أخرجه البخاري ومسلم 4. ومحمل النهي فيمن يداوم على ذلك.
وأما الاعتكاف فهو المدة اليسيرة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص: "بَلَغَني أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ"، قال: نعم، فنهاه عن ذلك، وقال: "إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ نفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، وَهَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لجِسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا..." الحديث 5.

الجزء: 2 - الصفحة: 830

فنهاه عن المداومة على ذلك.
فأما قدر مدة الاعتكاف فلا بأس بذلك، فإن نابه شيء (1) من ذلك أذهبه ما يعود إليه إذا قطعه.

فصل الاعتكاف يلزم بالنَّذْر

الاعتكاف يلزم بالنذر، وبالدخول فيه وإن لم يتقدمه نذر، فإن نذر اعتكاف أيام أو تَلَبَّسَ بالاعتكاف من غير نذر وهو ينوي أيامًا لزمه الوفاء بذلك متتابعًا.
وفرّق مالك بين الاعتكاف إذا نذر أيامًا والصوم، فإن نذر صوم أيامٍ كان له أن يفرّقها، وإن نوى اعتكاف أيام لم يفرق 7. وهذا صحيح للعادة أن من دخل معتكفه وهو ينوي أيامًا أنه يأتي به متتابعًا، ولولا العادة لم يلزمه ذلك؛ لأن أقل الاعتكاف كأقل الصوم، فأقل الاعتكاف يوم، ولا يجوز أقل منه، وأقل الصوم يوم 8 ولا يجوز بعض يوم، وإذا جاز لمن قال: لله عَليَّ صوم عشرة أيام.
أن يفرقها 9 ويأتي بأقل ما يصح أن يصام بانفراده، وهو يوم جاز 10 في الاعتكاف، وكما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام، يومًا في كل شهر- جاز ذلك، ولم يلزمه أن يأتي به متتابعًا.6

الجزء: 2 - الصفحة: 831

فصل الاعتكاف شرط صحة الصوم

الصوم عند مالك شرط في صحة الاعتكاف، ولا يصح اعتكاف إلا بصوم 11، وليس من شرطه أن يختص بصوم تطوع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في رمضان، فجاز أن يفعله 12 في رمضان، أو في قضائه، أو في صوم التظاهر، أو قتل النفس، ونذر الصوم المعين وغير المعين.
وهذا ما لم يكن الاعتكاف منذورًا.
قال عبد الملك بن الماجشون: فإن نذره لم يكن له أن يفعله 13 في صوم وجب لغيره، وكان عليه أن يأتي به في صوم تطوع.
ومحمل 14 قوله إذا كان الناذر يرى أنه إنما يكون في صوم له، وأنه لا يكون في صوم واجب، ولو كان يعلم موضع ذلك من العلم، وأن له أن يجعله في صوم واجب وأوجبه على ما يوجبه الشرع - جاز له أن يجعله في أي صوم أحب، وكذلك لو كان يجهل أن من شرطه الصوم، ويرى أن له أن يأتي به مفطرًا، فإن له أن يجعله في صوم واجب؛ لأنه لم يلتزم له صوم التطوع.
ويختلف في اعتكاف من لا يستطيع الصوم؛ كالرجل الضعيف البِنْيَةِ، والمتعطش، والشيخ الكبير.
قياسًا على المعتكف يمرض 15 وهو قادر على الاعتكاف سوى الصوم، أو يمرض مرضًا لا يقدر معه المقام 16 فيخرج ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 832

يصح في بعض يوم، والحائض تطهر في بعض يوم، هل يرجعان حينئذٍ، ومن مضى له يوم الفطر وقد بقي عليه بقية من اعتكافه؟ فاختلف في هذا الأصل هل يكون في معتكفه وهو مفطر، أو لا يعود، ولا يكون في معتكفه حتى يصح منه الصوم، فقال في المجموعة: إذا مرض فأقام في المسجد على اعتكافه إلا أنه لا يقدر على الصوم من الضعف فيفطر، فقال: يعتكف وهو مفطر؟! ليس هذا اعتكافًا، ولكن يخرج ثم يقضي، وهذا هو ظاهر المدونة 17. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا يخرج إلا لمرض لا يستطيع معه المقام 18. وقال مالك: إذا صح المريض، أو طهرت الحائض في بعض يوم، رجعا إلى معتكفهما فأتما فيه بقيته 19. واختلف 20 قوله، فقال 21 فيمن أتى عليه يوم الفطر وقد بقي عليه من اعتكافه بقية، هل يكون ذلك اليوم في معتكفه على اعتكافه، أو يحرج لأجل أنه مفطر؟ وهذا كله أصل واحد، فعلى قوله في المجموعة لا يعود المريض ولا الحائض إذا طهرت حتى تغرب الشمس، ويكون الآخر يوم العيد في بيته.
وعلى قوله في المريض والحائض يعودان في بعض يوم، ويكونان على اعتكافهما وهما مفطران: لا يخرج المريض إذا غلب على الصوم، ولا يخرج الآخر يوم العيد، وهذا أصوبهما لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخرج من معتكفه إذا أصبح 22. فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن الليلة الآخرة

الجزء: 2 - الصفحة: 833

يعتكفها ولا يصوم صبيحتها، ولقول سحنون في الحائض أنها إذا خرجت لا تنصرف وهي على الاعتكاف.
وكذلك أرى ألا يمنع من كان صحيحًا عاجزًا عن الصوم.
وأجاز مالك الجوار بغير صوم، قال: مثل جوار أهل مكة، يجاور بالنهار، وقد (1) ينقلب بالليل إلى أهله، وليس عليه في جِواره صوم.

فصل في مدة الاعتكاف

أقل الاعتكاف يوم، وأكثره عشرة أيام، والأصل في أقله حديث عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" 24. وفي أكثره حديث ابن عمر، وعائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان 25. فلا ينبغي أن يجاوز العشر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أشد الناس عبادة، وقام حتى تورمت 26................23 = من كتاب صلاة التراويح في صحيحه، برقم (1912)، من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: اعتكفنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر الأوسط من رمضان فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال... الحديث.

الجزء: 2 - الصفحة: 834

قدماه 27، ولم يجاوز باعتكافه عشرة أيام؛ إلا عندما رفعت ليلة القدر.
والظاهر أنه زاد ليلة، ولنا فيه أسوة حسنة.
وإن نذر فوق ذلك لزمه الوفاء به ما لم يطل 28 ذلك مما يرى أنه يضر بنفسه ضررًا بينًا فيرد الزائد على ما كان يجوز أن ينذره، لحديث سعد قال: "رَدَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ" 29. وكره مالك في المدونة اعتكاف ما دون العشر 30. وقال في العتبية: ما أعرف اعتكاف يوم أو يومين من أمر الناس.
وقال أيضًا: لا بأس به 31. وهو أبين؛ لحديث عمر، والآخر استحسان وترغيب في الخير.
واختلف إذا نذر اعتكاف يوم، هل يلزمه أن يعتكف ليلة ذلك اليوم، أو يجزئه ذلك من طلوع الفجر؟ واختلف أيضًا إذا نذر اعتكاف ليلة، هل يجزئه يوم وليلة، أو يسقط نذره فلا يلزمه شيء؟ فقال ابن القاسم: إذا نذر اعتكاف يوم أو اعتكاف ليلة - يلزمه أن يعتكف يومًا وليلة، وساوى بين السؤالين.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء، وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن

الجزء: 2 - الصفحة: 835

يعتكف يومًا وليلة، وإن دخل عند طلوع الفجر لم يجزئه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا دخل قبل (1) طلوع الفجر أجزأه (2). ولمالك في المبسوط مثله، وقول سحنون إذا نذر اعتكاف ليلة أحسن، ولا يلزمه أكثر مما ألزم نفسه، وإن كان يصح أن يؤتى به - وَفَّى به، وإن كان ذلك مما لا يصح أن يؤتى به سقط نذره.
ويلزم على قول ابن القاسم أن يقول فيمن نذر أن يصلي ركعة: أن يأتي بركعتين، أو يصوم بعض يوم: أن يصوم يومًا كاملًا.
وأما إن نذر يومًا كاملًا فالصحيح أن الليل غيى داخل في النذر.
قال الله -عز وجل-: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: 7].
ولا خلاف أن ذلك العذاب لم يكن خمسة عشر يومًا، وإنما كان ابتداؤه نهارًا وخاتمته نهارًا، فكانت الأيام ثمانية، والليالي سبعة.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدخل معتكفه إذا صلى الصبح (3)، ففيه دليل على جواز اعتكاف اليوم دون الليل.

فصل الاعتكاف في المساجد دون البيوت

الاعتكاف في المساجد دون البيوت؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ولأنه المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأزواجه أنهم اعتكفوا في المسجد 35.323334

الجزء: 2 - الصفحة: 836

وفي اعتكاف أزواجه في 36 المسجد مع كون النساء مندوبات إلى الكون في مبيتهن 37 في بيوتهن دليل بَيَّنَ أَنَّ للاعتكاف تَعَلُّقًا بالمسجد، وأنه في ذلك بخلاف النوافل، وللمعتكف أن يعتكف في أي المساجد شاء إذا كان موضعًا لا تجب فيه جمعة، أو كانت تجب فيه وهو ممن لا تجب عليه كالمرأة والعبد والمسافر، أو تجب عليه وكان اعتكافه ينقضي قبل يوم الجمعة.
فإن كان يأتي الجمعة قبل انقضائه - كان اعتكافه في المسجد الجامع، وإن اعتكف في 38 مسجد سواه ثم أتت الجمعة قبل انقضائه وهو في غير المسجد الجامع 39 خَرَجَ إليها.
واختلف فيما يفعله بعد ذلك، فقال مالك وابن الجهم: يتم اعتكافه في الجامع.
وقال عبد الملك: يعود إلى مكانه ويصح اعتكافه.
وقال في المجموعة: إذا خرج إلى الصلاة فسد اعتكافه.
والقول أنه لا يفسد أحسن، وهو بالخيار بين أن يتم اعتكافه في الجامع، أو يعود إلى المسجد الذي اعتكف فيه، وهذا في الخروج إلى الجمعة أعذر من الذي يخرج إلى طعامه.
وإذا اعتكف مدة تنقضي قبل يوم الجمعة فمرض قبل انقضاء اعتكافه فليخرج، ولا يفسد اعتكافه.
ثم يختلف هل يُتِمَّ في الجامع أو يعود إلى معتكفه؟ = في المساجد كلها، من كتاب الاعتكاف في صحيحه، برقم (1922)، ومسلم: 2/ 829، في باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، من كتاب الاعتكاف، برقم (1172).

الجزء: 2 - الصفحة: 837

ولا يعتكف في بيت القناديل 40؛ لأنها لا تُدْخَلُ إلا بإذن، ولا على ظهر المسجد 41، ولا في صومعته.
واختلف فيما سواه من المسجد على ثلاثة أقوال: فقال في المدونة: يعتكف في عجز المسجد وفي رحابه 42. وقال ابن وهب عنه: لم أره إلا في رحبة المسجد.
وقال في المجموعة: لم أره إلا في عجز المسجد.
والقول الأول أحسن، وذلك واسع يعتكف حيث شاء من المسجد 43. واختلف إذا اعتكف في رحبة المسجد، هل يَضرِبُ خباءً يكون فيه؟ فأجاز ذلك في المدونة 44. وقال ابن وهب عنه: لم أسمع أنه ضرب خباءً يبات 45 فيه.
والأول أحسن، وقد ضرب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبية يعتكفن فيها: عائشة، وحفصة، وزينب 46. وقال أبو سعيد الخدري: "أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيحة عشرين، فقوض الذين اعتكفوا معه أبنيتهم..." الحديث 47. ولأن

الجزء: 2 - الصفحة: 838

المعتكف محتاج إلى ما يُكِنَّهُ إذا كان في الصيف من الشمس والحر، وإن كان في الشتاء من الريح والبرد، وليستتر بعمله عن الناس.

فصل الخلاف في الوقت الذي يدخل المعتكف فيه معتكفه

اختلف في الوقت الذي يدخل المعتكف فيه معتكفه، فقال في المدونة: يدخل المغرب ويخرج المغرب إلا أن يكون آخر اعتكافه انقضاء آخر رمضان فإنه يكون ليلة الفطر على اعتكافه، ويخرج صبيحة تلك الليلة 48. وفي المعونة: إذا دخل قبل طلوع الفجر في وقت يصح له الصوم أجزأه 49. وأرى أن يكون دخوله معتكفه وخروجه منه عند طلوع الفجر؛ فأما دخوله فلحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكُنْتُ أَضرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ" 50. وأما خروجه فلحديث أبي سعيد الخدري قال: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها 51. وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث جواز اعتكاف الليل دون النهار؛ لأن الليلة الآخرة لا يعتكف يومها.
واختلف في مقامه ليلة الفطر في معتكفه، فقال مالك في العتبية: إن خرج

الجزء: 2 - الصفحة: 839

فلا إعادة عليه (1). وقال أبو محمد عبد الوهاب: يستحب له ذلك (2). فإن لم يفعل جاز إذا انصرف بعد الغروب؛ لزوال مدة الاعتكاف.
وقال عبد الملك ابن الماجشون: إن فعل فأصاب أهله فسد اعتكافه.
والأول أحسن، ولا يلزم اللبث تلك الليلة إلا لمن نواها قبل ذلك، فإن كانت نيته الاعتكاف لغروب الشمس من آخر الشهر - لم يلزمه سوى ما نوى، وكما لو نوى أن يخرج قبل ذلك بيوم أو بيومين، ويحتمل الحديث أن تكون تلك نيته - صلى الله عليه وسلم -، أو تَطَوّعٌ بالتمادي، ليس ذلك لازما.

فصل يتضمن الاعتكاف والصلاة وتلاوة القرآن والذِّكْر

متضمن الاعتكاف: الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر لله تعالى؛ فعلى من دخل معتكفه أن يلتزم ذلك في ليله ونهاره بقدر طاقته، ولا يدع ذلك إلا لغلبته، قال مالك: ولم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أحد ممن سلف من سلف هذه الأمة ممن أدركت أقتدي بهم اعتكف، ولا أراهم تركوه إلا لشدة الاعتكاف؛ لأن ليله ونهاره سواء 54. ولا بأس أن يكون إمامًا، وأن يؤذن في صحن المسجد.
واختلف قول مالك في صعوده المنار للأذان، فأجازه وكرهه، ولا بأس أن يقيم في مكانه 55. ويختلف في سعيه وتماديه بالإقامة إلى موضع الإمام، فكره5253

الجزء: 2 - الصفحة: 840

ذلك في المدونة 56، ويجوز على قوله الآخر في إباحته صعود المنار؛ فأما إمامته فاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يستخلف في حين اعتكافه، وأما الأذان والإقامة فلأن مضمونهما الذكر والتهليل، وهو من جنس ما دخل له، وكره صعوده مرة؛ لأنه من غير جنس ما دخل له، وأجاز ذلك ليسارة ذلك القدر 57. وأما سعيه في الإقامة فواسع؛ لأن للمعتكف أن يطلب فضيلة الصف الأول، وإذا كان ذلك لم يضره أن يكون حينئذ في إقامة، وأجاز مالك 58 أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر 59، وأن يجلس للعلم، ويكتبه إذا لم يكثر أيضًا، وترك ذلك أحب إليه 60. وأجاز له إذا كان حكمًا أن يحكم بالأمر الخفيف 61. وأجاز ابن القاسم أن يشتري ويبيع فيما خف إن كان من عيشه 62. قال مالك: ولا بأس أن يَنْكِح ويُنكح 63 ويتطيب 64. واختلف في صلاته على الجنازة وهو في مكانه فكرهه في المدونة 65، وفي

الجزء: 2 - الصفحة: 841

المعونة: إجازته 66. فأما حديثه واشتغاله عن الاعتكاف بمثل ذلك فالأصل في ذلك الحديث، قال: "جَاءَتْ صَفِيَّةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَزُورُهُ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً".
أخرجه البخاري ومسلم 67. وهذا الحديث أصل يقضي على جميع ما تقدم من اشتغاله في استماع العلم، أو كتبه، أو عقد نكاح، ولأن في ذلك راحة وقوة على ما يريده بعد ذلك، والأصل في عقد النكاح لنفسه ولغيره، وفي التطيب بخلاف المحرم - حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِى المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنا حَائِضٌ" 68 فلو كان كالمحرم لم يرجل رأسه.
وللمعتكف أن يحلق رأسه ويقلم أظفاره؛ إذا فعل في ذلك كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ترجيل رأسه، ولا يجوز له أن يقبِّل ولا يباشر، فإن فعل بطل اعتكافه إذا وجد اللذة، وسواء كان عامدًا أو ناسيًا، في ليل أو نهار، وكذلك إذا وطئ.
وإن أكل نهارًا ناسيًا لم يبطل اعتكافه، وإن كان عامدًا بطل.
قال ابن القاسم: إذا سكر ليلًا، ثم ذهب عنه قبل طلوع الفجر، فسد اعتكافه 69. وقال أبو محمد

الجزء: 2 - الصفحة: 842

عبد الوهاب: يفسد اعتكافه إذا ركب شيئًا من الكبائر، كشرب الخمر، والزنى، واللواط (1). وقال ابن القصار: السباب والغيبة ليس بمنصوص عليها، هل ينقض اعتكافه أم لا؟ قال: ولكن إن كان يجري مجرى الكبائر فهي تنقض (2)، كما قال: إذا سكر.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما القول في بطلانه بالزنى واللواط -لأنهما من الكبائر- فكلام مستغنى عنه؛ لأن المعتكف لا يجوز له أن يصيب زوجته، ويفسد اعتكافه متى فعل، وهذا يغني عن ذكر فعل شرب الخمر والزنى وغيره، وأبطل الاعتكاف بشرب الخمر، وأصلهما في ذلك قول ابن القاسم: إذا سكر.
وليس الشرب كالسكر، وإنما أبطل ابن القاسم اعتكافه لأنه عطَّل ما دخل فيه إلى طلوع الفجر.
ولو شرب لبنًا وهو يعلم أنه يُذْهِبُ عقله، ويعطل عليه من اعتكافه ذلك القدر، أو استعمل شيئًا من المحظورات فعطله مثل ذلك القدر لبطل اعتكافه، وقد يفسد اعتكافه لنفس الشرب وإن لم يسكرة لبطلان صلاته على قول مالك في كتاب محمد إذا شرب: يعيد الصلاة في الوقت وبعده؛ لأن النجاسة في بطنه وفيه، ويبني على ما كان من اعتكافه بعد ذهاب (3) ذلك.

فصل [في ما يخرج له المعتكف]

يجوز للمعتكف أن يخرج لخمسٍ: لشراء طعامه على اختلافٍ فيه، ولحاجة الإنسان، وللاغتسال للجمعة، ولصلاة الجمعة إذا كان اعتكافه في غير المسجد707172

الجزء: 2 - الصفحة: 843

الجامع على أحد القولين في جواز الاعتكاف ابتداءً وقد تقدم ذلك، وللاغتسال للجنابة إن حدث به احتلام.
واختلف قوله لخروجه لشراء طعامه، فمنعه مرة مع الاختيار والضرورة، وقال: لا أرى لمن كان غير مكتفٍ أن يعتكف.
وأجازه مرة مع القدرة على أن يستَعِدَّ له 73. وهذا أوسع ما وقع له فيما أباح للمعتكف أن يفعله مما يضاد الاعتكاف، وعلى هذا يجوز لمن اعتكف في غير الجامع أن يخرج لصلاة الجمعة ثم يعود إلى معتكفه.
وعلى قول عبد الملك أنه يفسد اعتكافه إذا خرج لصلاة الجمعة - يفسد اعتكاف من خرج إلى شراء طعامه.
ويستحب أن يكون اغتساله وقضاء حاجته في أقرب المواضع إليه.
قال في المجموعة: بموضع غير مسكون.
وقال في المدونة: وقد كان رجال صالحون من أهل الفضل يجتنبون دخول منازلهم نهارًا؛ خوفًا واحتياطًا أن يأتي من ذلك بعض ما يكرهون 74، وهو في الاعتكاف أولى بالاحتياط؛ لأن القبلة والمباشرة تفسده، ولا تفسد الصوم إلا أن يعلم من نفسه النزوع عن مثل ذلك.
وإن أجنب خرج ساعتئذٍ؛ لأن الجنب ممنوع من المقام في المسجد على قول مالك، ولأنه يجلس لغير ما دخل إليه.
قال مالك: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه.
قال: وإني لأحب له أن يتخذ ثوبًا غير ثوبه؛ إذا أصابته أصابة أخذه وترك ثوبه 75. ويختلف في خروجه لغسل الجمعة قياسًا على الاختلاف في خروجه

الجزء: 2 - الصفحة: 844

لصلاة العيدين؛ لأن كليهما سنة.
ولا يجوز له أن يخرج لعيادة مريض، ولا لشهود جنازة، ولا لأداء شهادة، فإن فعل فسد اعتكافه.
قال مالك في العتبية: يؤديها في المسجد وتنقل عنه (1). فأجاز نقل الشهادة مع كون المنقول عنه صحيحًا (2) لمكان عذره؛ لأن منع النقل لإمكان أن يتبين من الشاهد عند حضوره ريبة، وقد مضى ذلك في كتاب الشهادات (3).

فصل

للمعتكف أن يخرج من معتكفه إذا حدث به مرض، أو طرأ على الموضع خوف، أو حاضت المرأة أو نفست.
فأما المرض فيجوز الخروج معه إذا كان لا يمكنه المقام في المسجد؛ إما لنزول أمرٍ، أو لشدة مرض لا يقدر معه على شيء من الاعتكاف، أو لحاجة لمن يقوم به ويتعذر ذلك عليه في كونه في المسجد.
واختلف إذا غلب على الصوم خاصة، هل يخرج أم لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك.
واختلف قول مالك إذا ثبت عليه دين، أو وجب عليه حد، أو أمر يوجب سجنه، فقال مرة: يخرج ثم يبتدئ.
وقال أيضًا: إن بنى على ما مضى أجزأه، وأحب إلي أن يستأنف.
قال: ولا أحب للإمام أن يخرجه؛ إلا أن يتبين أنه إنما اعتكف لواذًا 79 وفرارًا من الحق، فيرى في ذلك رأيه 80.767778

الجزء: 2 - الصفحة: 845

وأرى إن كان في أول اعتكافه أن يخرج، ولا يخرج إن كان في آخره؛ إلا أن يكون اعتكافه الأيام اليسيرة فلا يخرج وإن كان في أوله، إلا أن يخشى تغيبه فيخرج ما لم يأت بحميل، وأجاز مالك في العتبية أن يخرج إذا مرض أحد أبويه واشتد به المرض 81. وإذا صح الخروج ممن تقدم ذكره افترق الجواب في البناء والابتداء: فللمريض، والحائض، والنفساء أن يبنوا قولًا واحدًا 82. واختلف قول مالك فيمن خرج لخوف، فقال مرة: يبتدئ.
ثم رجع إلى أن يبني 83. وقال فيمن أخرجه القاضي لدين: إن بنى أجزأه.
واستحب الابتداء 84، وقال ابن القاسم: يبتدئ.
وقال مالك فيمن خرج لمرض أحد أبويه: يبتدئ 85. فأما البناء فقياسًا على المريض والحائض.
وأما الابتداء فلأن كل واحد منهم قادر على الاحتراز مما أوجب عليه الخروج، فيعتكف هذا بعد قضاء ما عليه من دين، والآخر في موضع لا يخشى نزول الخوف فيه.
ولو كان اعتكافه في أمن ثم طرأ الخوف لبنى، قياسًا على المريض، ولأن كليهما أمر طارئ من الله سبحانه لا مدخل لهما فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 846

فصل [في انقطاع الاعتكاف لعذر]

وإذا غُلب المعتكف على تمام ما دخل فيه لمرض، فإنه لا يخلو اعتكافه ذلك من ثلاثة أوجه: إما أن يكون منذورًا مضمونًا، أو منذورًا 86 معينًا، أو متطوعًا به بغير نذر.
فإن كان منذورًا مضمونًا وجب عليه قضاء الأيام التي مرضها إذا صح، واصلًا لما مضى 87 من الاعتكاف.
ويختلف إذا كان منذورًا معينًا، فقال ابن القاسم في المدونة فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه: لا قضاء عليه 88. وعلى قول مالك في المبسوط فيمن نذر صوم يوم فمرضه أن عليه القضاء- يكون على من نذر اعتكاف ذلك اليوم القضاء.
وعلى قول عبد الملك ينظر إلى اعتكافه، فإن علقه بوقت يرجو بركته على غيره كرمضان والمحرم وما أشبه ذلك، فصح بعد انقضائه- لم يكن عليه قضاء، وإن لم يكن له قصد في فضيلة ذلك على غيره- كان عليه القضاء، وإن كان متطوعًا لم يكن عليه قضاء.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه: لا شيء عليه.
وإن نذرته امرأة اعتكافًا فحاضت، وصلت قضاءها بما اعتكفت 89. قال ابن عبدوس: إنما فرق ابن القاسم بينهما لأن الأول مرض الشهر كله، والحائض إنما تحيض بعض الشهر ثم تكون طاهرًا فعليها أن تقضي.

الجزء: 2 - الصفحة: 847

قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا فرق بين أن يتقدم الحيض أو الاعتكاف، وإن نذرت الشهر وهي تنوي ما تكون منه طاهرًا- لم يكن عليها في أيام الحيض شيء.
وإن أدخلت أيام الحيض في نذرها وهي ممن تظن أنه يجوز اعتكافها فيه فَغُلِبَتْ جرت في أيام الحيض على الاختلاف في المرض.
وإن كانت عالمة أنه لا يجوز لها نذرها- لم يلزمها قضاء؛ لأنه نذر في معصية، ويستحسن لها أن تعتكف مثل تلك الأيام؛ لتكون كفارة لنذرها.
وإذا كان النذر مضمونًا في الذمة فجعله في شعبان ومرض بعد أن اعتكف خمسة أيام منه ثم صح في رمضان، فإن كان أوجبه على ما يوجبه الشرع ولم ينذر له صومًا- جاز أن يحتسب بخمسة 90 من رمضان؛ لأنه قد كان له أن يجعله في رمضان ويجزئه عن صومه، فلما جعله في شعبان كان متطوعًا بالصوم في شعبان، فلما غُلب عليه لم يجب عليه قضاؤه، وبقي الاعتكاف على أصله مضمونًا.
وإن كان نذر صومه وألا يجعله في واجب- لم يجزئه إن اعتكف خمسة من رمضان؛ لأنه كان مضمونًا، فإن صح في آخره بقي على حكم الاعتكاف حتى يقضي خمسة من شوال، فإن صح من أوله كان بالخيار بين أن يقطع ويستأنف جميع اعتكافه أو يتمادى على اعتكافه، ثم يقضي خمسًا من شوال؛ لأن عليه في بقائه على الاعتكاف حتى ينقضي رمضان ضررًا، وتلحقه فيه مشقة، فجاز له أن يقطع؛ قياسًا على من فاته الحج أو أحصر بعدو أنه لا يلزمهما البقاء على الإحرام لقابل؛ لمشقة ذلك وإن كانا مختلفين في صفة الإحلال.
وإن صح في

الجزء: 2 - الصفحة: 848

بعض يوم فرجع إلى معتكفه- لم يحتسب به 91. وإن صح عند الغروب ورجع حينئذٍ احتسب به.
وإن صح قبل طلوع الفجر كان له أن يحتسب عند مالك.
وقال سحنون: لا يحتسب به.
وهو أبين؛ لأنه قد بقي من نذره اعتكاف ليلة ذلك اليوم، فإن زاد ليلة عند انقضاء اعتكافه أجزأه للاختلاف في ذلك.
وقال ابن حبيب فيمن أفطر ناسيًا: مضى على اعتكافه، ولم يجب عليه قضاء ذلك اليوم لا بصيام ولا باعتكاف؛ لأنه تطوع، إلا أن يكون اعتكافه من نذر واجب، فيجب عليه قضاء ذلك اليوم بصيام أو اعتكاف، ويصله بأيامه التي نذر، فإن أخره استأنف.

الجزء: 2 - الصفحة: 849

باب في قيام ليلة القدر، وهل هي معلومة أم لا؟

قال الله -عز وجل-: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾ [القدر: 3] يريد سبحانه: فيما يضاعف فيها من ثواب الأعمال؛ الصلاة، والذكر له، فالحسنة تضاعف في غيرها بسبعمائةٍ، وتزيد فيها على ذلك أكثر من ألف.
قال مالك: "سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُرِىَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ الَّذِي بَلَغَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ طُولِ العُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ لَيْلَةَ القَدْرِ" 92. وفي الصحيحين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" 93. واختلف في ليلة القدر هل تتعين بليلة؟ واختلف بعد القول أنها لا تتعين، هل تختص بالعشر الأواخر من رمضان، أو بالشهر كله أو لا تختص برمضان، ويصح أن تكون في ليلة من سائر السنة؟ فذهب ابن مسعود إلى أنه يصح أن تكون في غير رمضان، وقال: من يقم الحول يصب ليلة القدر، وقال أُبيُّ بن كعب: "قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ لِئلا يَتَّكِلَ النَّاسُ" 94. وقال أبو سعيد الخدري: "اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - العَشْرَ

الجزء: 2 - الصفحة: 850

الأَوَّلَ 95 مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُنْبِئْتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ".
أخرج هذين الحديثين مسلم 96. واختلف الذين قالوا: إنها تتعين على أربعة أقوال: فقال أبو سعيد الخدري: إنها ليلة إحدى وعشرين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ في صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ".
قال: فرأيت أثر الماء والطين على جبهته وأنفه ليلة إحدى وعشرين 97. قال ابن سلام: وهو قول الشافعي، وأهل المدينة يقولون: إنها ليلة ثلاث وعشرين.
وفي كتاب مسلم عن عبد الله بن أنيس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ وَلَكِنِّي أُنْسِيتُهَا، وَأُرَانِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ" فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ.
وكان عبد الله بن أنيس يقول: هي ليلة ثلاث وعشرين 98. قال: وأهل البصرة يرون أنها ليلة أربع وعشرين، وأهل الكوفة يرون أنها ليلة سبع = أوقات طلبها، من كتاب الصيام، برقم (762).

الجزء: 2 - الصفحة: 851

وعشرين، وهو قول أبي بن كعب.
وقيل له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عَن الشَّمْسِ أنَّها تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لاَ شُعَاعَ لَهَا".
أخرجه مسلم 99. والذي أرى: أنها تختص بالعشر الأواخر، وبالوتر منه، ولا تختص بليلة منه لا تكون في غيرها؛ لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي الوِتْرِ مِنْهَا" 100. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ" 101. وروت عائشة 102، وأبو سعيد الخدري 103،.....................

الجزء: 2 - الصفحة: 852

وابن عباس 104 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، وكل هذه الأحاديث أخرجها البخاري، وقد تضمنت اختصاصها بالعشر الأواخر، وأنها تختص بالوتر منها، ولا تختص بليلة منها، وأنه يصح أن تكون ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، ولو كانت تختص بليلة إحدى وعشرين- لم يصح أن تلتمس فيما بعد ذلك إلى آخر الشهر، ولا يصح أيضًا القول أنها تختص بليلة ثلاث وتلتمس فيما بعد، ولا في سبع وتلتمس في تسع، ولولا أنه يصح وجودها فيما بعد الإحدى وعشرين لم يكن لقوله: التمسوها في العشر.
جملة وجه.
ومما يدل على أنها تختلف أوقاتها ما رواه أبو سعيد الخدري أنها كانت في سنة 105 ليلة إحدى وعشرين، وما رواه عبد الله بن أنيس أنها كانت ليلة ثلاث وعشرين.
ويرد على القائل أنها تختص بليلة إحدى وعشرين بحديث عبد الله بن أنيس أنها كانت ليلة ثلاث، وبحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" 106. فقد أعرى ليلة إحدى وعشرين منها.
ويرد على القائلين أنها ليلة ثلاث وعشرين بحديث أبي سعيد، وحديث عائشة.
ويرد على القائلين أنها ليلة سبع وعشرين

الجزء: 2 - الصفحة: 853

بحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن أنيس أنها كانت في بعض السنين قبل السبع، ومحمل هذه الأحاديث أنها كانت في سنة على خلاف ما كانت عليه في الأخرى.
كمل كتاب الاعتكاف من التبصرة بحمد الله وحسن عونه والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده 107

الجزء: 2 - الصفحة: 854

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل