التبصرة للخميصفحات 2100-2135

كتاب النكاح الثالث

صفحات 2100-2135

باب في الصداق بين النصرانيين أو المشركين، إذا أسلما أو أحدهما والصداق خمر، أو تزوجت على أن لا صداق، وهل الفرق بينهما فسخ أم طلاق، وهل على الزوج نفقة إذا وقع الفراق بعد الدخول، وهل العدة ثلاث حيض أم حيضة؟

وإذا تزوج نصراني نصرانية على خمر ثم أسلما بعد 1 الدخول وبعد أن قبضت الخمر تركا على 2 نكاحهما، ولا شيء لها.
واختلف في موضعين: أحدهما: إذا أسلما قبل البناء وقد قبضت الخمر أو لم تقبض.
والثاني: إذا أسلما بعد الدخول ولم تقبض.
واختلف إذا أسلما قبل البناء على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم: يخير الزوج بين أن يدفع صداق مثلها 3، أو يفرق بينهما بطلقة، ولا شيء لها، وسواء قبضت الخمر أو لم تقبض 4. وقال غيره: إن كانت قبضت الخمر دخل بها، ولا شيء لها عليه؛ لأنها قبضتها في حال هي لها ملك 5.

وقال أشهب في "كتاب محمد": يعطيها ربع دينار، ويدخل وإن لم تكن قبضت الخمر، وإن لم يعطها ربع دينار، فسخ 1. وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن لها قيمة الخمر بمنزلة من تزوج بثمر لم يبد صلاحها، فلم يجذ حتى أزمت أن النكاح لا يفسخ، ولها قيمة ذلك 2. وهو أحسن فإن كانت قيمة الخمر عشرين، وصداق مثلها عشرة، لم يلزمها قبول عشرة؛ لأنها دون ما رضيت به، وإن كان صداق مثلها ثلاثين لم يلزمه ثلاثون؛ لأنها فوق ما رضيت به، وإنما ينبغي أن يجري على حكم الاستحقاق، ولا يلزمها ما قال أشهب أن لا شيء لها إذا دفع ربع دينار؛ لأنها بمنزلة ما لو باع سلعة بخمر، فأسلما قبل أن يقبض الخمر وقبل أن تقبض السلعة، فليس عليه أن يسلم السلعة بغير عوض.
واختلف إذا دخل ولم تقبض الخمر فقال ابن القاسم: لها صداق مثلها 3. وقال محمد: لا شيء عليه 4. وعلى قول محمد بن عبد الحكم يكون لها قيمة تلك الخمر.
وأما إن دفع الخمر فإن المعروف من المذهب أن له أن يقبض المبيع بغير ثمن ثان 5، بمنزلة من باع خمرًا بثمن إلى أجل ثم أسلما فإن له أن يقبض الثمن

إذا حل الأجل، وهذا هو المعروف من المذهب، وقاسه مرة على ثمن الربا، إذا أسلما قبل قبض الثمن، أنه لا يأخذ الثمن، لقول الله -عز وجل-: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]، وكذلك إذا دخل فإنه يغرم قيمة الخمر.
ويختلف إذا تزوج على أن لا صداق، فقول ابن القاسم: لها صداق المثل بعد البناء، ويخير الزوج قبل البناء بين أن يدفع صداق المثل أو يفارق 1 لأنه قال إذا تزوجت بخمر: هما بمنزلة من تزوج على غير تسمية فيعطيها صداق المثل 2. وإلا 3 فرق بينهما.
وأرى ألا شيء لها إلا ربع دينار، لحق الله تعالى، وما بعد ذلك فهو حق لها يصح تَرْكُهَا له.
واختلف قول ابن القاسم إذا أسلمت النصرانية قبل البناء وبعد أن قبضت الخمر ولم يسلم زوجها فقال ابن القاسم 4 في "العتبية": ترد قيمة ما قبضت من الخمر، فاتت أو لم تفت، وتكسر الخمر عليها 5. وفي "كتاب ابن حبيب": لا شيء عليها لا نصف ولا غيره، قال: وإن أسلم هو 6 قبل البناء، أو بعد، ولم تكن قبضت الخمر، أو تزوجت على أن لا صداق لها، فلها في الوجهين جميعًا، صداق المثل؛ لأنها ها هنا تبقى زوجة 7.

وأرى إن أسلمت والخمر بيدها أن ترد الخمر 1 إلى الزوج ولا تكسر عليها؛ لأن إسلامها يفسخ النكاح، ويسقط ملكها عن الصداق، وتعود ملكًا للزوج، وترجع في عينه، وإن فاتت الخمر غرمت قيمتها؛ لأن إسلامها يوجب رد الصداق إذا كانت دنانير أو سلعة، وهذا قول مالك وابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" 2. وإذا كان من حقه أن يرد إليه إن كان عينًا أو قيمته إن كان عرضًا، كان من حقه أن ترد إليه قيمة الخمر؛ لأنها مال من ماله، وكذلك إن كانت مجوسية فأسلمت قبل البناء، وبعد أن قبضت الخمر، وأما إن أسلم الزوج قبل البناء وهي مجوسية 3، وكانت قبضت الخمر، فإن كانت قائمة انتزعها وكسرها، ولم يترك لها 4. وإن فاتت لم يغرمها، إذ لا فائدة في ذلك إلا كسرها، بخلاف أن تسلم هي؛ لأنه يقول: آخذ ذلك فأنا أتملكه، 5 فإذا لم يصح من المسلمة غُرْمَ مثلها غَرِمَتِ القيمة.
وأما إذا أسلم، ولم تكن قبضت وهي نصرانية، فقيمة الخمر أحسن، وقيمتها إذا أسلم وحده أبن منه إذا أسلما؛ لأنها تقول: يجوز لي ملكها.
وإن تزوجت على أن لا صداق لها 6 وأسلم الزوج وحده، كان لها ربع دينار.

فصل [إذا أسلما قبل البناء ولم ترض بصداق المثل]

والفرقة إذا أسلما قبل البناء، ولم ترض الزوجة 1 بصداق المثل بطلاق 2. واختلف إذا أسلم أحدهما، فقال ابن القاسم في "العتبية" في نصراني أسلمت زوجته قبل البناء: إن لم يسلم مكانه فلا رجعة له، وهي طلقة بائنة 3. وقال في "كتاب محمد": إذا أسلم وتحته مجوسية أو أمة كتابية فطلق، لزمه الطلاق.
وقال أيضًا: لا يلزمه طلاق 4. قال في كتاب الظهار 5. وقول مالك أحسن، فلا يقع طلاق إذا أسلمت؛ لأنه كافر، والكافر لو طلق ما لزمه طلاق.
وإن أسلم هو وهي مجوسية، لم يقع طلاق؛ لأنه 6 لم يطلق، وإنما فعل فعلًا أوجب الفراق 7 كملك الزوجة لزوجها.

وأما الأمة فيستحسن أن يقال الفراق بطلاق مراعاة للخلاف، ولقول أشهب إنه يصح أن تبقى زوجة.
واختلف في النفقة إذا أسلمت بعد البناء، ولم يسلم هو، ففي "العتبية"، وفي "كتاب محمد" قولان: وجوب النفقة (1)، وسقوطها (2). وقال محمد: لها النفقة؛ لأن بنفس إسلامه رجعت (3). وأن لا نفقة أحسن؛ لأن الزوج يقول: أنا على ديني لا أنتقل عنه، وهي فعلت ما حال بيني وبين ما يوجب لها النفقة.
وكذلك إن أسلم هو، ولم تسلم هي -وهي مجوسية- فلا نفقة لها؛ لأن الامتناع منها.

فصل [في العدة, هل ثلاث حيض أم حيضة؟]

واختلف في العدة، فقال مالك، وابن القاسم: إذا أسلمت الزوجة 4 وحدها تستبرئ بثلاث حيض 5. وقال ابن القاسم في "العتبية" في النصرانية يطلقها النصراني، فتحيض123

حيضة، ثم تتزوج مسلمًا فلا أفسخ نكاحه، قال: لأن مالكًا كان يقول: تجزئها حيضة 1. ولابن القاسم في المجوسي يسلم وتأبى زوجته الإسلام: تستبرئ من ماء المسلم بحيضة 2. يريد: لأن الزائد على حيضة في الحرة المسلمة تعبُّد، 3 وهذه كافرة غير متعبدة 4. وقال ابن عباس في البخاري: "كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا هَاجَرَتْ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النكِّاحُ" 5، وإن هاجرت امرأة بعد أن أسلمت أو أسلمت بعد أن هاجرت، ثم قدم رجل فزعم أنه زوجها، وأقرت له بذلك لصُدِّقا، ولم يمنعا الاجتماع على وجه الزوجية".
وقال ابن القاسم: إن ثبت أنها امرأته لم يفرق بينهما 6. ولم يراع إقرارها ولا إنكارها، وهؤلاء طارئان، والمعروف من قوله أن الطارئين على التصديق، ولا يكلفان بينة، فلو طرأت امرأة ثم طرأ رجل فزعم أنه زوجها، وأقرت له بذلك لَصُدِّقَا، ولم يمنعا الاجتماع على وجه الزوجية 7 وقد يحمل قوله على من هاجر من مكة؛ لأن أهل مكة بالمدينة كثير، فلا يخفى معرفة

ذلك، بخلاف غيرهم.
وقال ابن القاسم في "العتبية": إذا اختلفا فقالت: حضت بعد إسلامي ثلاث حيض، وقال الزوج: إنما أسلمت منذ عشرين ليلة فالزوج مصدق بمنزلة الذي يطلق زوجته، ويريد رجعتها ويقول: طلقتك أمس، وتقول: منذ شهرين، وقد حضت ثلاث حيض، فالقول قوله (1). يريد: لأن الأصل أنها كانت على الكفر، فهي على ما كانت عليه، فلا تصدق في قدم ذلك والأخرى على العصمة فلا تصدق في قدم الطلاق، ولو اعترف أنها أسلمت منذ شهرين وذلك مما تنقضي فيه العدة، وقالت: أسلمت قبلك أو بعدك في العدة، وكذبته، لم يقبل قوله.
وقال مالك في "كتاب محمد": إن أسلمت، فخافت أن يسلم فيمسكها؛ فافتدت منه بمال، ثم أسلم في العدة، فهما على نكاحهما، ويرد إليها (2) ما أخذ منها، ولا طلاق بينهما إلا أن يطلقها بعد إسلامه (3).

فصل [في الذمي يتزوج المسلمة]

وقال ابن القاسم في الذمي يتزوج المسلمة وبنى بها: لا حدَّ عليهما، قال: وقال مالك في ذمي اشترى مسلمة ووطئها: يقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبوا عليه بعد التقدم 4.123

قال ابن القاسم: فإن كان ممن يعذر بالجهالة لم يضرب.
ولا أرى في ذلك حدًّا وإن تعمداه ولكن العقوبة إن لم يجهلوا 1. ولا تخلو إصابة النصراني المسلمة من سبعة أوجه: إما أن تكون حرة أصابها على وجه الغصب، أو زنى بطوعها، أو تزوجها وهي عالمة أنه نصراني، أو غرها وزعم أنه مسلم، أو كانت أمة فوطئها بالملك، أو زنًى، أو اغتصابًا.
فإن كانت حرة واغتصبها كان ناقضًا للعهد 2. واختلف إذا طاعت فقال مالك: ليس بنقض.
وقال ربيعة: ذلك نقض للعهد.
وإن أصابها بنكاح وهي عالمة أنه نصراني لم يكن نقضًا.
وقال ابن نافع في "كتاب المدنيين": إن غرَّها وزعم أنه مسلم كان نقضًا وتضرب عنقه.
وإن كانت أمة ووطئها بملك اليمين، أو بزنى طائعة لم يكن نقضًا للعهد 3. واختلف إذا اغتصبها.
فقال محمد: لا يقتل، قال: وفيه اختلاف، وهذا أحب إلي؛ لأنه لا يقتل حر بعبد غلط؛ لأنه لم يقتلها، ولا قتل الحرة، ولا فرق بين الأمة والحرة، ولا بين الطوع والاغتصاب 4.

فإن كان عوهد على إن أتى شيئًا من ذلك فلا عهد له - كان كل ذلك نقضًا.
وإن كان العهد أن يعاقب ويبقى في عهده فهو على ما عوهد عليه.
وإن كان على ألا عهد له 1 إن اغتصب، وإن أطاعت فهو على عهده - كان على ما عوهد عليه.
ولا حد على الأمة، ولا عقوبة إن وطئت بالملك؛ لأنها مكرهة بالرق، إلا أن تكون قادرة على الإنكار.
وتحد الحرة إذا طاعت بالزنا، ولا تحد إذا تزوجته ولم تعلم بكفره، أو علمت وجهلت تحريم ذلك.
ويختلف إذا لم تجهل هل تحد؛ لأنه محرم بالقرآن 2.

باب في المناكح بين المسلمين وأهل الكفر

نكاح المشرك المسلمة محرم، لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
وأجمع أهل العلم على أن نكاح الكتابي المسلمة محرم.
ويجوز وطء المسلم الكتابية الحرة بالنكاح، والأمة بملك اليمين.
واختلف في الأمة منهن بنكاح فمنعه مالك وابن القاسم 1. وقال أشهب في "كتاب محمد" فيمن أسلم وتحته أمة كتابية: لا يفرق بينهما 2. ولا يجوز وطء الوثنيات بنكاح، ولا بملك يمين، هذا قول مالك 3. واختلف في المجوسيات فقال مالك وابن القاسم: لا يجونا وطؤهن بحال، لا بنكاح، ولا بملك يمين 4. وقال ابن شعبان: أجاز بعض متقدمي أهل المدينة ذلك بملك اليمين، وأجازه أبو ثور بالنكاح وملك اليمين، وذكر عن حذيفة بن اليمان أنه تزوج مجوسية.
5

وقال أبو الحسن ابن القصار: قال بعض أصحابنا: هي على أحد القولين أن لهم كتابًا، أولى أن تجوز مناكحتهم.
واختلف في الصابئة، والسامرية ما هما؟ 1 فقيل: الصابئون صنف من النصارى، والسامرية صنف من اليهود.
وقيل: ليسوا منهم.
فعلى القول الأول تجوز مناكحتهم، وعلى القول الآخر لا تجوز.
والأصل في جواز نكاح الحرة الكتابية قول الله -عز وجل-: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية [المائدة: 5]، وهذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة في قوله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221]. وعن آية النساء في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25]، فكانت آية المائدة لتأخر نزولها أصلًا في جواز نكاح الحرائر الكتابيات.
واختلف في الوجه الذي أبيحت له الكتابيات بالملك.
فقيل: قياسًا على الحرائر منهن.
وقيل: لأنه لم يتقدم فيهن تحريم.
وقيل: قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ تضمن عبدة الأوثان، = ابن سعيد ثنا بن أبي الشوارب ثنا عبد العزيز بن المختار ثنا عبد الله بن فيروز عن معبد الجهني قال: رأيت امرأة حذيفة مجوسية - فهذا غير ثابت والمحفوظ عن حذيفة أنه نكح يهودية والله أعلم) وقال البيهقي في موضع آخر: 9/ 192: (ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسية).

واليهود، والنصارى.
فعبدة الأوثان مشركون بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، والنصارى بقولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وبعض 1 اليهود بقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
وقيل: نزلت الآية في عبدة الأوثان خاصة؛ لأنه لم تجر العادة في اليهود والنصارى أنهم يسمون مشركين، ويدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1]، وقوله -عز وجل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 6]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: 17] فنزل القرآن على مشهورٍ متعارفٍ كان عندهم، وإن كان الآخرون مشركين وقال تعالى سبحانه: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 3]، ولم يكونوا يسمون بذلك، فعلى هذا يكون أهل الكتاب لم يتقدم لهم ذكر، ولم يدخلوا في عموم قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
وأما من منع وطء الأمة الكتابية على وجه الزوجية فاحتج بآية النساء بشرط الله سبحانه الإيمان وبآية المائدة بشرط الله تعالى الحرية، ولا حجة في الجميع، فأما آية النساء فإنها تضمنت الانتقال من الحرة المؤمنة إلى الأمة المؤمنة، وظاهرها يقتضي منع الكافرة، حرة كانت أو أمة.
ونحن نقول بجواز نكاح الحرة الكتابية مع القدرة على نكاح الأمة المؤمنة, وهذا يغني عن سقوط الاحتجاج بذلك، إذ ليس عليه العمل، بل يقدم نكاح الحرة الكتابية على الأمة المؤمنة، لئلا يرق ولده وإن لم يخش عنتًا

وإن كان واجدًا الحرة المؤمنة, وأما آية المائدة فإنها نزلت على ما يجوز نكاحه اختيارًا من غير عذر ولا ضرر، ولأن نكاح الأمة المسلمة لا يجوز إلا بشرط عدم الطول، وخشيان العنت، وكذلك الأمة الكتابية لا يجوز إلا بمثل ذلك من الشرط، فذكر الله سبحانه نكاح الحرة الكتابية؛ لأنها لا تحتاج إلى شرط.
وأجاز أشهب لمن أسلم على أمة نصرانية البقاء عليها (1)؛ لأن التزويج تقدم في وقت لم يخاطب فيه بشرط، فأشبه من تزوجها في الإسلام بوجه جائز على الشرطين، ثم زال فوجد طولًا، ولم يخش عنتًا؛ فإنه يجوز له البقاء عليها.
فإن تزوج عليها حرة، فارقها على قول ابن حبيب.

فصل [في نكاح المشركات من غير أهل الكتاب]

وحرم وطء الحرة المشركة بقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وحُرم وطؤهن بملك اليمين قياسًا على النكاح، وحرم وطء المجوسيات قياسًا على الوثنيات؛ لأنهن ليسوا من أهل الكتاب.
وقال إبراهيم الحربي: روي عن سبعة عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنهم قالوا: لا تجوز مناكحتهم.
وأجاز ذلك قوم.
واختلفوا في الوجه الذي أباح ذلك فمنهم من قال: لأنهم أهل الكتاب.
ومنهم من قال: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" 2.1

وكلا الوجهين غير صحيح، فأما من قال ذلك لما تقدم لهم من الكتاب فإنه يلزمه أن يجيز مناكحة 1 الوثنيات من العرب، وأن يجريهم على أحكام المسلمين؛ لأنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وقد كانا من أهل الكتاب، قال الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: 89] فلا يراعى ما كان عليه الأجداد من إيمان، ولا يؤثر في حال الأنبياء 2، وإنما تراعى حالتهم الآن من إيمان، أو تعلق بكتاب أو غيره.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بِهِمْ سُنّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" فقد روي أن ذلك كان في الجزية، وعنها كان سؤال عمر - رضي الله عنه - فأخبره عبد الرحمن بن عوف بالحديث.
وإذا كان ذلك لم تصح المناكحة؛ لأنه لا يصح أن يباح أحدهما دون الآخر، وليس جواز أحدهما متعلقًا بجواز الآخر، ولا منعه متعلقًا بمنعه، وإنما هذا موضع توقيف ينتهى إليه.
قال الشيخ: 3 وأرى أن يجوز 4 نكاح الصابئة والسامرية قياسًا على اليهودية والنصرانية لأنهما يتفقان في أنهما متمسكان بوجه من الحق، وهو الكتاب الذي أنزل الله تعالى، وداخلان في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 101]. وإنما الاختلاف بينهم في الوجه الذي يكفرون به، فالنصارى يقولون: المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عزير ابن الله، والصابئون يقرأون الزَّبُور

ويعبدون الملائكة، والسامرية صنف من اليهود، وإذا كان الوجه الذي أباح المناكحة أنهم تعلقوا بكتاب الله فقد اتفقوا فيه، ولم يضرهم (1) اختلاف كفرهم.

فصل [في إسلام الزوجين بعد البناء]

فإذا أسلم الزوجان النصرانيان والمجوسيان، وكان إسلامهما معًا، ثبتا على نكاحهما، وكذلك إذا كان أحدهما نصرانيًّا والآخر مجوسيًّا، وسواء كان أصل 2 نكاحهما صحيحًا أو فاسدًا، دخل أو لم يدخل، وإن كان أصله نكاح متعة ثم تراضيا بعد الأجل على البقاء، أو كان زنًى ثم تراضيا على البقاء على وجه الزوجية، فيجوز أن يبقيا زوجين إذا أسلما.
وإن أسلمت الزوجة وحدها بعد البناء، كان الزوج أحق بها إن أسلم في عدتها، والنصرانية والمجوسية في هذا سواء.
وإن لم يدخل بها، لم يكن له عليها 3 سبيل.
واختلف إذا أسلم عقيب إسلامها نسقًا، فقيل: بانت منه.
وفي "العتبية": أنه أحق بها 4.1

وقد اختلف في هذا الأصل إذا طلق الزوج ثلاثًا قبل الدخول في ثلاث كلمات نسقًا هل تلزمه الثلاث أم واحدة؟ وإذا استثنى بنية 1 محدثة عند تمام اليمين هل يكون ذلك استثناء؟ أو إن تقدم إسلام الزوج والزوجة يهودية أو نصرانية بقيت زوجة، وسواء دخل بها أو لم يدخل.
واختلف في الوثنية والمجوسية فجعل أشهب الجواب إذا تقدم إسلامه كالجواب إذا تقدم 2 إسلامها، فإن كانت مدخولًا بها، كان أحق بها إن أسلمت في العدة، وإن كانت غير مدخول بها بانت، وإن كان إسلامها عقيب إسلامه.
وساوى ابن القاسم بين المدخول بها وغيرها في ذلك، وقال: يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت بقيت زوجة, وإلا فرق بينهما، ولم ينظر في المدخول بها إلى 3 العدة، ولا في غير المدخول بها إذا لم يكن إسلامها عقيب إسلامه 4. واختلف قوله إذا عرض عليها الإسلام فلم تسلم، فقال في "المدونة": يفرق بينهما 5. وقال في "كتاب محمد": يعرض عليها اليومين والثلاثة 6.

واختلف إذا غفل عنها، فلم يعرض عليها الإسلام، ثم أسلمت، فقال في "المدونة": هو أحق بها إذا أسلمت قبل أن يتطاول، قال: والشهر، وأكثر منه قليلًا قريب (1). وقال في "كتاب محمد": الشهران كثير (2). وقال محمد: إذا غفل عنها شهرًا فقد برئ منها (3). وقول أشهب أحسن، وأرى أن يرد ما اختلفا فيه إلى ما اجتمعا عليه، وهو إذا تقدم إسلامهما، إذ لا فرق بين المسلمين.

فصل [في إسلام أحد الزوجين وهو في سن من لا يميز]

وإسلام أحد الزوجين إذا كان في سن من لا يميز - لا يوجب فراقًا.
واختلف إذا كان في سن من يميز، الإثغار فما فوق.
فقيل: هو إسلام، فإن كانت الزوجة هي التي أسلمت، وقد دخل بها، والزوج بالغ كان عليها العدة، وهو أحق بها إن أسلم في عدتها، وإن لم يكن دخل بها أو كان قد دخل بها 4 ولم يبلغ، بانت وإن أسلم بعد ذلك، إلا أن يكون إسلامه عقيب إسلامها فيختلف فيه.
وإن أسلم هو دونها، وكان غير بالغ، وهي بالغة، عرض عليها الإسلام على مذهب ابن القاسم، ثم يختلف هل تؤخر بذلك ثلاثة أيام، ويختلف إذا123

غفل عنها ولم يعرض عليها، هل يكون أحق بها بعد الشهر أو الشهرين؟ وعلى قول أشهب تقع الفرقة بينهما مكانه، وسواء دخل بها أو لم يدخل، لأن دخول من لم يبلغ كَلا دخول.
وقيل: ليس ذلك بإسلام إلا أن يثبت عليه عند 1 البلوغ، فإن أسلمت ولم تبلغ، وكان زوجها بالغًا، وقف عنها، ولا تكون في عدة، فإن ثبتت على إسلامها بعد البلوغ 2 كانت عليها العدة حينئذٍ، ويكون أحق بها إن أسلم في عدتها.
وإن أسلم هو دونها، وكانت مجوسية وقف عنها أيضًا، وكذلك إن لم تبلغ وهي مجوسية، فإن دخوله بها وغير دخوله بها سواء.
وإن أسلم أبواهما والزوجان صغيران في سن من لم يميز كانا بإسلام أبويهما في حكم المسلمين.
فإن أسلم أبوها 3 وقعت الفرقة، كأنه ليس ثَمَّ دخول.
ويختلف إذا أسلم أبوه فعلى قول ابن القاسم يعرض على أبيها الإسلام، وعلى قول أشهب وقعت الفرقة.
وإن أسلم 4 أبوها 5. وإن عقلا دينهما لم يكن إسلام الأبوين إسلامًا لهما.

فصل [فيمن أسلم وله أولاد صغار]

وإذا أسلم النصراني وله أولاد صغار، كانوا في 1 حكم الإسلام بإسلام أبيهم 2 فإن قتلوا قتل قاتلهم، وإن ماتوا أو مات أبوهم كان بينهما الميراث.
واختلف إذا غفل عنهم حتى بلغوا على الكفر على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة: يتركون ولا يجبرون 3. وقال مرة: يجبرون على الإسلام إذا بلغوا 4 بالضرب والتهديد والسجن من غير قتل 5. وقال المخزومي: إن أبوا الإسلام قتلوا 6. وأما إن مات الأب وهم كبار لم يكونوا في حكم الإسلام بإسلام أبيهم.
واختلف في موضعين: أحدهما: 7 إذا أسلموا هل يعد ذلك إسلامًا أم لا؟ 8. والثاني: إذا لم يسلموا أو مات الأب وهم على النصرانية، ثم أسلموا بعد موته قبل البلوغ، أو عند البلوغ؛ فلم ير في "المدونة" إسلامهم إسلامًا، وقال

أيضًا: هو إسلام (1). وإن كانت جارية مجوسية حعل وطؤها له، وعلى هذا يرث وتورث.
وقال: إذا مات ولم يسلموا، ثم أسلموا بعد موته وثبتوا على ذلك حتى بلغوا، أو أسلموا بعد الاحتلام ورثوا آباءهم (2). وأنكر ذلك سحنون ورأى أن لا ميراث لهم إلا أن يكونوا أسلموا قبل موته 1. وهو أصوب فمن مات عنه وهو نصراني لم يرثه إن أسلم بعد ذلك، ومن مات عنه وهو مسلم ورثه وإن ارتد بعد ذلك؛ لأن المعرفة بالله سبحانه تصح ممن لم يحتلم، وإذا صحت منه المعرفة كان مؤمنًا حقيقة؛ يرث به، ويستحق الجارية به 2، وإن رجع قبل البلوغ لم يقتل؛ لأن إسلامه كان في موضع لم يتوجه عليه 3 الخطاب بالعقوبة عليه، فلا يقتل إلا بما كان من 4 الإسلام بعد البلوغ، وإذا لم يقتل فإن 5 كان أبوه ذميًّا كان ولده ذميًّا، وسواء مات أبوه على دينه نصرانيًّا 6، أو أسلم ولم يسلم ولده.
واختلف في ولد المرتد فقال ابن القاسم في "كتاب ابن سحنون" فيمن ارتد ولحق بدار الحرب بأهله وولده - قال: أما أولاده 7 الذين حدثوا بعد (1، 2) انظر: المدونة: 2/ 221.

الردة فهم فيء، وكذلك زوجته، ثم رجع عن الزوجة 1 يريد: ولده الصغير الذي كان في حين الردة؛ لأنه قد ذكر من حملت بعد.
وقال محمد فيمن حملت به قبل أن يرتد: يجبر على الإسلام ما لم يحتلم فإن احتلم ترك عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يجبر بالضرب 2. وقال ابن القاسم في "العتبية": إن ارتد وله أولاد 3 صغار، وأبوا أن يسلموا وكبروا، يجبرون بالضرب ولا يبلغ بهم القتل، وأما مَنْ ولد في حال الردة فإن أدركوا قبل الحلم أجبروا على الإسلام، وإن بلغوا على ذلك تركوا 4. وقال أيضًا في حصن فيه مسلمون: إن 5 ارتدوا عن الإسلام يقتلون ولا تسبى ذراريهم 6. وقال سحنون فيمن ارتد عن الإسلام ولحق بدار الحرب فتنصر، وتزوج وولد أولادًا ثم مات هو وولده، وأبى ولد ولده من الإسلام فسبيل ولد ولده كسبيله، لا يسلط عليهم السبي، ويقتل من لم يتب من الكبار، ويكره الصغار على الإسلام، ثم رجع فقال: أما من بلغ فإن السبي يأخذه إذا لم يسلم، وكذلك ولد ولده.
واختلف قوله في سبي زوجته 7.

والقول إن ما ولد له بعد ردته يكون فيئًا أحسن، ولو كان، لا يكون ولده ولا ولد ولده فيئًا، ما تسلط السبي على أحد ممن هو على وجه الأرض؛ لأنهم ذرية نوح - عليه السلام - فهم الآن أبناء مرتدين، وهذا إذا ارتدت زوجة المرتد أو كانت نصرانية أو يهودية، وإن كانت مسلمة وبقيت على الإسلام فأصابها فحملت، كان ولدها مسلمًا على أحد القولين أن الولد يكون تبعًا في الإسلام لأحد أبويه الأب أو الأم.
وكذلك إذا كان وُلِد له قبل أن يرتد فَرُبِّي على الكفر؛ لأنه لم يكن قبل أن يرتد أبوه مؤمنًا ولا كافرًا؛ لأنه لم يكن عنده معرفة بشيء من ذلك، وإنما كان في حكم دين الأب من وجه الحكم ليس أنه مؤمن.
وأما إن لم يرجع أبوه إلى الإسلام، وقتل والابن صغير فلا أرى أن يسترق؛ لأنه باق على حكم الدين الأول، وهو الإسلام، ولا ينتقل إلى حكم الدين الذي رجع إليه أبوه، بخلاف الكافر الذمي؛ لأن الذمة له ولولده.
واختلف إذا كان الأب على الإسلام فنشأ الولد وحده على الكفر، هل له حكم المرتد إن لم يراجع الإسلام؟ فقال مالك في "كتاب محمد"، فيمن تزوج نصرانية فأولدها أولادًا، فلما بلغوا قالوا: لا نسلم، قال: يجبرون على الإسلام من غير قتل.
وقاله ابن القاسم أيضًا 1.

فصل [في عقد أهل الكفر للنكاح]

عقد أهل الكفر النكاح عقد يلزم كل واحد منهما بعد الإسلام الوفاء به، أسلما قبل الدخول أو بعده، فإن أرادت الزوجة الذهاب، وقالت: لا يلزمني ما عقدت على نفسي في حال الكفر، لم يكن ذلك لها.
وإن أحب الزوج قبل الدخول ألا يدفع نصف الصداق ويرفع يده عنها لم يكن ذلك له، ولها أن تطلبه بنصف الصداق.
وإن رضيا بترك 1 المطالبة بالعقد المتقدم لم يترك 2 إلا بطلاق، وسواء كان العقد صحيحًا أو فاسدًا أو زنى وتماديا قبل الإسلام على وجه النكاح، أو تزوجها في العدة، أو نكاح متعة، ثم ثبتا عليه بعد انقضاء العدة، وبعد ذهاب الأجل في المتعة، وقبل الإسلام.
فإن أسلم على أختين كان له الخيار 3 أن يحبس إحداهما، وليس لها أن تأبى منه، ويلزمها ذلك بالعقد المتقدم، ولا يراعى الأولى منهما، ولا كون العقد واحدًا أو مفترقًا؛ لأن ذلك من باب الصحة والفساد، وذلك حق الله تعالى.
وما عقد في حال الكفر لم يخاطبا فيه حينئذ بذلك، ولم يكن له أن يتمسك بهما جميعًا؛ لأن ذلك مما لا يصلح التمادي عليه في الإسلام.
وإن أسلم على عشر نسوة؛ كان له أن يمسك أربعًا، ولا خيار لمن أحب إمساكها منهن، وذلك لازم لهن بالعقد المتقدم، ولا يراعى أيضًا هل كان ذلك

في عقد واحد 1 أو مفترقًا؟ والأصل في ذلك حديث فيروز الديلمي قال يا رسول الله: أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" ذكره الترمذي 2. وحديث غيلان الثقفي أسلم وعنده عشرة نسوة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" 3 فلو كان عقد الكافر كَلاَ عقد، لم 4 يخيره النبي - صلى الله عليه وسلم - في إمساك أربع، ولوجب استئناف النكاح بولي وصداق إذا رضيا ولم يعتبر الأوائل من الأواخر؛ لأنه من باب الصحة والفساد؛ لأنهم لم يكونوا مخاطبين حينئذ.
وأما الحرمة فلا يختلف أنهما 5 الآن في الإسلام مخاطبون بما كان من الإصابة في حال الكفر، فإن أصاب امرأة في حال الكفر حرمت على آبائه وأبنائه في الإسلام، وحرمت عليه أمهاتها وبناتها، وإن أصاب امرأة 6 وأمها في حال الكفر، ثم أسلموا حرمتا عليه.
واختلف إذا لم يصبها أو أصاب إحديهما، فقال في "المدونة": إن لم يصبها، كان بالخيار يحبس أيتهما أحب، وإن أصاب إحديهما أمسكها وفارق

الأخرى 1. وقال غيره: يفارقهما جميعًا، وإن لم يصبها ثم يتزوج الابنة إن شاء.
وقال أشهب في "كتاب محمد": إن لم يصب واحدة منهما حبس الابنة، وإن أصاب الأم حرمتا جميعًا 2 عليه.
وقاله 3 مالك في "كتاب ابن حبيب".
وأجاز ابن القاسم إن لم يصب الابنة أن يمسك الأم 4. ورأى أن النظر في ذلك من باب الصحة والفساد، ومنع ذلك مالك، وأشهب، وابن حبيب، والغير في "المدونة" فحرموا الأم بإسلامها على البنت؛ لأن نكاحها في الحكم حكم النكاح الصحيح، لما كان لو انفردت لم يكن فيه خيار، وكان لكل واحدة منهما مطالبة الأخرى 5 بالعقد الأول.
واختلف بعد القول بتحريم الأم إذا لم يكن دخل بواحدة منهما، هل له أن يمسك الابنة من غير فسخ أو يفسخ النكاحان، ويستأنف عقد الابنة؟ وقال أشهب في "كتاب محمد" في كتابي أو مجوسي تزوج امرأة، فلم يمس حتى مات أو فارق في شركه، فلا تحرم بذلك على آبائه وأبنائه المسلمين، وليس ذلك بنكاح حتى يسلموا عليه، وليس عقد الشرك دون الوطء يوجب التحريم إذا أسلم في أم من كان نكح، ولا تحرم على آبائه

وأبنائه (1)، وقاله ابن القاسم.
قال محمد: وذكر لنا عن أشهب أنه قال: تحرم الأم بعقد الشرك في البنت وتحرم على آبائه وأبنائه (2). قال: وفي (3) قول أشهب: لو فارق زوجته في شِرْكِهِ قبل أن يمس، ثم نكحها أبوه أو ابنه، ثم فارقها أو مات عنها، ثم نكحها الأول، وأسلم وهي تحته، فإن كان الثاني مسها حرمت عليهما، وإن لم يمس ولا تلذذ ثبتت عند الأول؛ لأن نكاح الثاني لو أسلم عليه لم تقر عنده (4) ولا يضر إلا بالمسيس (5). يريد: لأن عقد الثاني (6) فاسد، ويلزم على قول أشهب هذا الآخر أن يقول إذا تزوج أمًا وابنتها، أو أختين، أو أكثر من أربع نسوة، ثم أسلم - أن يلزم العقد الأول، ويفسخ الثاني.

فصل [فيمن أسلم وتحته عشر نسوة لم يَدْخُل بهن]

اختلف فيمن أسلم على عشر نسوة، ولم يدخل بهن، فقال ابن حبيب: لكل واحدة نصف صداقها 7. وجعله بمنزلة من طلق طوعًا لما كان له أن يمسكهن، ويفارق غيرهن.123456

وقال محمد: لكل واحدة خُمُسَا 1 صداقها؛ لأنه لو فارق جميعهن كان عليه أربع صداقات 2. فالذي ينوب كل واحدة خمسان 3. وقول ابن القاسم: لا شيء لهن؛ لأنه عنده مغلوب على الفراق 4. وإن مات عنهن كان لهن على قول ابن حبيب سبع صداقات لستٍّ ثلاث صداقات، ولأربع أربع صداقات يقتسمنها 5 أعشارًا، وعلى قول ابن القاسم ومحمد أربع صداقات يقتسمنها أعشارًا، ويتفق قولهما في هذا الموضع.
واختلف إذا أمسك أربعًا ثم وجدهن أخوات.
فقال إسماعيل القاضي: إن طلق عليه السلطان من بقي كان له منهن تمام الأربع.
وقال ابن الماجشون: إن تزوجن لم يكن له عليهن سبيل؛ لأنه أحلهن لمن نكحهن الحكمُ بالفسخ فهو حكم، وإن كان قد خفي على الحاكم أنها ذات زوج، فإنه حكم قد فات.
وقال محمد بن عبد الحكم: يفسخ نكاح من يختار منهن، وإن كن قد تزوجن ودخل بهن.
يريد: إذا اختار أربعًا، فوقع الفراق على البواقي باختياره الأربع، ولم يوقع على البواقي طلاقًا، ولو أوقع عليهن الطلاق لم يكن له رد فيمن طلق

منهن (1). وإن لم يتزوجن إذا كان طلاقًا قبل الدخول أو بعده، ثم تبين ذلك بعد انقضاء العدة.

فصل [في الزوجين من أهل الحرب إذا سُبيَا]

واختلف في الزوجين من أهل الحرب إذا سبيا أو أحدهما، وقدم الآخر بأمان هل ذلك فسخ للنكاح؟ فقال في "المدونة": السَّبْي فسخ للنكاح، سُبيا معًا أو مفترقين، وإن سبيت ثم قدم زوجها بأمان لم يكن أحق بها وإن كانت في الاستبراء 2. وعلى هذا إن سبي وقدمت بأمان فإن العصمة منقطعة.
وقال محمد: هما على نكاحهما وإن سبيا جميعًا، أو سبي الزوج، ثم خرجت إلينا 3 بأمان في العدف والنكاح على حاله 4. وقال ابن بكير عن مالك: إن سبيا جميعًا واستبقي الزوج؛ أُقِرَّا على نكاحهما، وإن سبيت الزوجة قبل حلت لمالكها 5. يريد: استبقي فلم يقتل 6، والأول أحسن، ولا حق للزوج في النكاح إن سبيا أو أحدهما؛ لأنه إنما اشترى منافع، ولو آجرته نفسها في خدمة أو كانت1

ملكًا له؛ لم يكن له في ذلك حق على من صارت إليه، وكذلك إن قدمت بأمان فإن لسيده أن يمنعه منها وإن طاعت له؛ 1 لأنه عيب عليه، ولا خلاف أن السبي يسقط 2 ما كان له من حق في إجارة أو ملك، فكذلك الزوجة؛ لأنه لا يخلو أن يكون ملك منافعها أو رقبتها، وأي ذلك كان فإن الغانم يملك ذلك 3 دونه، وكذلك حقه في العصمة، وليس كذلك إن أسلم الزوج قبلها وقبل سبيها فإن عصمته قائمة إن أسلمت أو أعتقت؛ لأن إسلامه كان وهو حر وهي حرة مسلمة، فإنما سبيت وهي زوجة لحر مسلم.

باب [في طلاق النصراني وعتقه، وإذا زنى أو شرب خمرًا أو سرق أو حارب وفي ارتداد أحد الزوجين]

طلاق النصراني غير لازم، فإن لم يرفع يده عنها لم يعرض له؛ لأن الطلاق يتعلق به حق الله تعالى وذلك ساقط مع الكفر، وحق لآدمي وهي الزوجة، وذلك غير لازم لها ها هنا إن قامت به 1؛ لأنه في معنى الهبة، أعطاها نفسها، ونحن لا نجبرهم على الوفاء بالهبة، وكذلك العتق إن لم تحزه نفسه لم يجبر، لأن العتق يتضمن حقًا لله تعالى، وحقًا للعبد، فإن جوز العبد أو الزوجة نفسه لم يمكن من الرجوع في ذلك إن امتنعت أو امتنع ما لم تضرب عليه الجزية، فلا يمكن من الرضا بالرق، وإن رضي الزوجان بأن يحكم بينهما بحكم المسلمين، فإن رضيا أن يحكم بموجب الطلاق لو 2 كانا مسلمين حكم بالطلاق، فإن كان ثلاثًا منعه أن يراجعها إلا بعد زوج؛ لأن رجوعها قبل ذلك رجوع عمَّا التزما، وذلك من التلاعب بأحكام المسلمين، وإن قالا: احكم بما يجب على النصراني عندكم إذا طلق، قيل لهما: ليس ذلك بطلاق، وإن قالا: احكم بما يجب في ديننا، أو كانا يهودين فقالا: احكم بما يجب في ذلك في التوراة، لم يحكم بينهما؛ لأنا لا ندري هل ذلك مما غيروه، ولأن ذلك منسوخ بالقرآن.
وقيل في حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزانيين بالتوراة أن ذلك قبل أن تكون

لهم ذمة 1. وإن قالوا في العتق: احكم بحكم المسلمين إذا أعتق، حُكِمَ عليه بحريته، وليس له الرجوع عن ذلك.
وذكر سحنون عن المغيرة في النصراني يحلف بطلاق زوجته أو حرية غلامه، فحنث ثم رفعت الزوجة، أو الغلام إلى السلطان أمرهما فإنه يحكم 2 بطلاق المرأة 3، وعتق الغلام.
وقال: إن مات عن أم ولد نصرانية، فاستعدت 4 حكم المسلمين سن بها سنة أمهات 5 أولاد المسلمين 6. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن ابن شهاب والأوزاعي والثوري أن طلاقهم واقع.

وإن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقرا، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف.
وقال المغيرة في "المبسوط": إن زنى جلد مائة.
ورأى (1) أن زناه زنًى إلا أنه غير محصن.
واحتج إسماعيل بقول مالك.

فصل [ارتداد أحد الزوجين]

ارتداد أحد الزوجين يوجب الفراق، فإن ارتد الزوج لم يصح أن تكون مسلمة تحت كافر، وكذلك إن ارتدت الزوجة إلى 2 المجوسية؛ لأن المجوسية لا تكون زوجة لمسلم، ويختلف إذا ارتدت إلى النصرانية، أو ارتد الزوج وتحته نصرانية، فقيل: يقع الفراق في الموضعين جميعًا.
وقال مالك في "المدونة": إذا ارتد وقعت الفرقة بينه وبين زوجاته إذا كن مسلمات 3. وقال على بن زياد وابن أشرس عن مالك 4: إذا ارتدت المرأة إلى المجوسية وزوجها مسلم وقعت الفرقة بينهما.
فخص مالك الفرقة بارتداده 5 إذا كان الزوجات مسلماتٍ، وخص الآخران ارتدادهم إلى المجوسية.
وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب": إن ارتد 6 وزوجاته 7 نصرانيات أو1

يهوديات فلا يحال بينه وبينهن، ولا يحرمن عليه إن عاود الإسلام؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]، وقال في الرجال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 1 فأجرى حكم الارتداد، وحكم 2 ما كان يصح أو يفسد في أصل العقد على الدِّين الذي ارتد إليه، فتقع الفرقة في الموضع الذي لا يجوز أن يبتدئ عقد النكاح عليه، ولا تقع في الموضع الذي يجوز أن يبتدئه.
فإذا ارتد وتحته نصرانية، أو ارتدت هي إلي النصرانية أو إلي اليهودية 3 لم يفرق بينهما لما كان جائزًا أن يعقد النكاح 4، وهما على ذلك الدين.
وقد احتج من نصر القول الأول بقوله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، قال: وهذا عمل، وليس بصحيح، والمراد بالآية الأعمال التي كانت لله سبحانه، وهذه تباعات بين آدمين، ولا خلاف أن الردة لا توجب نقض ما تقدم من تباعات الآدمين 5. وإن كانت الزوجة نصرانية، فارتدت إلى اليهودية، لم يفرق بينهما، وليس علينا أن نردها من كفر إلى كفر آخر، وإذا ارتدت إلى المجوسية وقعت الفرقة.
واختلف إذا ارتدا جميعًا الزوج والزوجة في مرة واحدة، فقال الشافعي: تقع الفرقة 6. وقال أبو حنيفة: الزوجية باقية 7.

فصل [فيما يحكم به في ارتداد أحد الزوجين]

وقال مالك: ارتداد أحد الزوجين طلقة بائنة 1. وقال في "المبسوط": فسخ.
وقيل: طلقة رجعية.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إن تاب وأدرك زوجته في عدتها كان أحق بها بالطلاق كله، كالمشرك تسلم زوجته, ثم يسلم في عدتها، فإن انقضت عدة هذه وهذه، كان إسلام هذه تطليقة، وارتداد هذه تطليقة 2. والقول إنه فسخ أحسن، فإن أسلمت لم يقع على الزوج طلاق؛ لأنه كافر، وإن أسلم لم يقع عليه طلاق؛ لأنه لم يطلق، وإنما فعلت فعلًا أوجب الفراق كملكها إياه أو إرضاعها زوجة له صغيرة.
وقال ابن القاسم في المرتد يراجع الإسلام، وقد كان ضيع من فرائضه قبل ارتداده أو كانت عليه نذور فلا شيء عليه، وإن كان حج حجة الإسلام استأنفها، قال: لقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، قال: ولا يؤخذ بما كان عليه قبل الارتداد، إلا بما لو كان فعله وهو كافر 3 لأخذ به، كالسرقة والحرابة، وحقوق الناس: القذف، والقصاص، وغيرها.
وإن زنى بعد 4 أن راجع الإسلام، وكان أحصن قَبْلُ، لم يرجم.
وقال غيره: فإن راجع الإسلام كان بمنزلة من لم يرتد له 5.

وعليه فإن كان ضيع فرضًا قضاه، ولا يقضي حجة الإسلام إذا كان قد حج، واحتج بقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] وهو أصوب؛ لأنها آية مقيدة تقضي على المطلقة، ولقوله الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، فإذا غفر له هذا الكفر الذي طرأ بعد الإسلام سقط حكم ذلك الكفر، وبقي على أحكام الإسلام فيما كان قبل.
تم كتاب النكاح الثالث

جارٍ التحميل