النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب القسم
الأصل في القسمة قول الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: 8].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ".
وفي القسم بالقرعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَهً فَأَصَابَ قَوْمٌ أَعْلاَهَا وقَوْمٌ أَسْفَلَهَا" الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث عمران بن حصين قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَجَزَّأَهُمْ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَثلاَثًا وأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً.
أخرجه مسلم.
وفي شرع من قبلنا قوله سبحانه: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)﴾ [الصافات: 141].
باب في قسمة الدور والأرضين
ومن المدونة قال ابن القاسم في رجلين اقتسما دارًا على أن أخذ أحدهما العلو والآخر السفل: ذلك جائز، وهو بالتراضي 1.
واختلف في القرعة بالمنع والإجازة، وقال ابن الماجشون في كتابه: إذا كان ذلك بغير سهم جاز، وإن كان على جهة الاستهام وما يجري من التعديل لم يجز إلا أن يكون ذلك هو التعديل، والتعديل إنما يحتاج إليه بالقرعة وَأَمَّا بالتراضي فيجوز، هذا أحسن، وتباين الأغراض فيما بين العلو والسفل أخف من تباينهما في جمع الجديد إلى القديم، وقد أجازه ابن القاسم 2.
ويراعى في قسمة الديار وجهان: موضعها وصفتها، فأما موضعها فإن كانتا في محل واحد أو محلتين متقاربتين -جُمِعَا بالقرعة، وسواء كانتا في وسط البلد أو طرفه، وإن كانت إحداهما في وسطه والأخرى في طرفه أو في طرفين- لم يجمعا، وإن كانتا في وسط وتباين ما بين الموضعين -أحدهما في محلة شرقية، والأخرى مرغوب عنها- لم يجمعا، وقد استخف ذلك في البلد الصغير.
وإن اختلف الورثة في دار سكنى الميت هل تجمع مع غيرها؟ فإن كان جميعها في محلة واحدة -جمعت في القسم، وإن افترقت المحلات- لم تجمع، وقسمت بانفرادها إن حملها القسم، وإلا تبايعوها، إلا أن يكون الورثة عصبة ولم يتقدم لهم سكنى لذلك الموضع، ولم يكن الميت ممن يشرف بسكنى داره،
فتكون تلك الدار وغيرها سواء.
وأما صفتها فإن اختلفت فكان منها الجديد والقديم والرث وهي ذوات عدد -قسم الجديد بانفراده والقديم بانفراده، وإن كانت دارين: جديدة، وقديمة- جمعا جميعًا 1 في القرعة وهذه ضرورة وليس كالأول؛ لأن له مندوحة عنه، وإنما يبتدأ بما هو أقل غررًا 2 كما قال في الأرضين: يقسم الكريم بانفراده، والدني بانفراده، فإن كانت أرضًا واحدة بعضها جيد وبعضها رديء - قسمت قسمًا واحدًا 3.
قال في كتاب الوصايا: فإن صار لهذا مبذر خمسة أمداء لكرم الأرض، والآخر مبذر أربعين مديا لرداءة الأرض- قسمت بالقرعة، وكذلك الدور 4.
وإن اختلفت قيمة الدارين فكان بينهما يسير، مثل أن يكون قيمة إحداهما مائة والأخرى تسعون-فلا بأس أن يقترعا بينهما على من صارت إليه التي قيمتها مائة أعطى صاحبه خمسة دنانير؛ لأن هذا مما لابد منه، ولا يتفق في الغالب أن يكون قيمة الدارين سواء.
وتجمع الحوانيت إذا كانت في سوق واحد أو في سوقين تتقارب فيها الأغراض، وإن تباينت مما يرى أنه لو علم أحدهما أنه يصير إليه ذلك لم يرض بالقرعة- لم تجمع، ولا تجمع الديار إلى الحوانيت ولا إلى الفنادق ولا إلى الحمَّامات.
وأما جمع فندق إلى حمام فيسأل عنه أهل المعرفة باكتساب الرباع، فإن قالوا
أنهما مما يتقارب فيهما الأغراض؛ لأنها مستغلات كلها جمعت، وإلا لم تجمع.
ولا تجمع (1) الحوانيت إلى الفنادق، وقد يستخف جمع الحوانيت إلى ديار الغلة إذا قيل أن الغرر في ذلك يسير.
فصل [في قسم الأرضين إذا تقاربت واختلفت في الكرم]
واختلف في قسم الأرضين إذا تقاربت واختلفت في الكرم، فقال ابن القاسم: لا تجمع في القسم 2، وكذلك إن كانت متقاربة في الكرم، وتباعد ما بينهما كاليوم واليومين لم تجمع 3.
وقال أشهب في مدونته: إن كانت متقاربة في نمط واحد ومكان واحد وبعضها أكرم من بعض وبعض الدور أعمر من بعض، فإنها تجمع لمن طلب جمع حصته في مكان واحد 4، إلا أن يكبر 5 حظه عن دار أو أرض، فتجمع له في دار أو أرض أخر، ثم يقسم الذين أرادوا التفرقة على ما يتراضون عليه.
وإن كانت الدور والأرضون متباعدة ليست في نمط واحد قسم الذين أرادوا التفرقة حظوظهم من كل دار أو كل أرض، ثم يقال للذين أرادوا الجمع: اقتسموا كيف شئتم تتراضوا عليه 6 وإنما أراد به أنه إذا كانت متقاربة1
يبدأ بالقسم لمن أراد الجمع؛ لأن ذلك الحكم، ويوقف الآخرون عن القسم ويسقطون 1 مقالهم في أنفسهم.
فإن كان الذي أراد الجمع واحدًا -كان الضرب على الديار، فيكتب أسماء الديار ويخلط، فأيها خرج أولا- كان له، ثم يرجع الآخرون فيقتسمون كل دار وكل أرض بانفرادها، وإن كانت متباعدة ابتدئ بالذين أرادوا التفرقة، وتقسم كل دار وكل أرض على سهامهم بالقرعة.
فإذا أخذوا ذلك بقي بقية تلك الدار والأرضين 2 على ما كانت عليه الشركة قبل أن يأخذها أولًا الباقون أنصباؤهم 3 ثم يجمع الباقون بالتراضي؛ لأن من أصله أنه يجوز في مثل هذا التراضي لا 4 القرعة.
وقد فسر ابن عبدوس قوله على غير هذا، وأخذ سحنون بقول أشهب في الأرضين وخالفه في الديار قال: لأن الديار تكون في نمط واحد وهي مختلفة النَّفَاقِ 5 قال: ومن داري إلى الجامع نمط واحد وهو شديد الاختلاف 6.
وإن كانت أرضًا واحدة لا يتسع قسم جيدها ورديئها بانفراده، قسمت قسمًا واحدًا وإن صار جيدها ناحية ورديئها ناحية.
وهو قول مالك في كتاب الوصايا وقد تقدم.
باب في قسمة الشجر ومن ادعى دارًا في يد رجل أو أنه وارث معه
قد تقدم القول أن ما تقاربت الأغراض فيه يجمع، وما تباعدت لم يجمع، فالنخيل والأعناب والزيتون والفواكه هذه الأربعة كل واحد منها صنف لا يجمع إلى الآخر بالقرعة والجبر 1.
واختلف إذا تراضوا على قسمته 2 بالقرعة فأصل ابن القاسم في هذا المنع، وأشهب الإجازة.
3
وأجازه ابن القاسم مرة فيما قلَّ فقال في رجلين بينهما نخلة وزيتونة: لا بأس أن يقتسماها بالتراضي إذا اعتدلتا في القسم وإن كرها لم يجبرا، وإن كانتا لا تعتدلان تَقَاوَمَاهُمَا أو بَاعَاهُمَا 4.
فقوله: إذا اعتدلتا دليل على إجازة ذلك بالقرعة؛ لأن التراضي لا يراعى فيه الاعتدال، وهذا للضرورة فيما قل كما أجاز في الأرض الواحدة، بخلاف أن يكثر النخل والشجر فإنه يقسم كل صنف بانفراده.
والنخيل على اختلاف أجناسها صنف يجمع في القسم، وإن صار لأحدهم برني وللآخر عجوة، ويستحسن إذا كان الجيد ناحية والرديء ناحية، وكل واحد يحمل القسم بانفراده أن يقسم على الانفراد.
والزيتون كله صنف
وإن اختلفت أجناسه.
والعنب صنف، وإن كان منه الأبيض والأسود والصيفي والشتوي، ويستحسن إذا كان كل نوع ناحية ويحمل القسم بانفراده أن يقسم على الانفراد، فإن لم يفعلوا لم يفسخ وجعل 1 ابن عبدوس تباينها في الفضل، كتباين الأرضين في الكَرَمِ 2 وقد يحمل قوله على الاستحسان.
واختلف في الفواكه كَالتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ والخَوْخ 3 وغيرها.
فذهب ابن القاسم في المدونة إلى أنها صنف، فقال: إذا كان جِنَانٌ فيه تُفَّاح ورُمَّان وخَوْخ وأُتْرُج 4 وأنواع 5 الفواكه وهي مختلطة، جُمِعَ لكل واحد نصيبه في موضع كما قال مالك في الحائط فيه الْبَرْنِيُّ وَالصَّيْحَانِيُّ واللوز وَالجُعْرُورُ أنه يقسم على القيمة ولا ينظر 6 إلى ما يصير في حظ هذا من ألوان التمر، وإن كانت جنات، جنان تفاح على حدة وكل نوع على حدة، وكل واحد يحمل القسم، قسم كل جنان على حدته 7، يريد: وإن لم يحمل القسم جمعت فشبه اختلاف الفواكه باختلاف النخيل.
وقال عبد الملك في كتابه (1): إذا كانت الثمار مختلطة في الجنان، وكانت شبيهة بالتناصف في اختلاطها جاز جمعها، وإن كان أكثرها صنفًا قسم ذلك الصنف بالسهم، وقسم ما سواه مختلطًا إذا أشبهه وحكاه عن مالك، وإن كان كل صنف على حدته (2) فالقسم في جميعه ممتنع إلا أن يقسم كل صنف على حدته، ويلزم على قول ابن القاسم مثل ذلك في النخيل إذا كان متباين الاختلاف، والجيد يحمل القسم بانفراده والرديء يحمل القسم أن يقسم كل شيء منه على الانفراد؛ لأنه يشبه اختلاف الفواكه باختلاف النخيل.
وقال (3) في الفواكه إذا كان كل صنف يحمل القسم لم يجمع (4)، وهذا قول ابن عبدوس.
فصل [في حكم اختلاف السقي]
ويراعى اختلاف السقي، فقال في المدونة: إن استوت العيون في سقيها الأرض جمعت وإن اختلفت في سقيها الأرض وغورها 5 قسمت كل أرض وعيونها على حدة 6. وعلى قوله لا يجمع البَعْلُ مع ذات العين ولا مع ذات البئر، ولا ذات عين مع ذات بئر، ولا يخلو الأرضان من ستة أوجه: إما أن يكونا بعلًا لا سقي لهما،1234
أو تسقيهما العيون، أو يسقيان بالغرب (1)، أو إحداهما بعلا والأخرى ذات عين، أو بعلا وذات بئر، أو ذات عين وذات بئر.
فعلى قول ابن القاسم لا يجمعان إلا أن يكونا بعلًا، أو لكل واحدة عين متساوية في السقي أو متقاربة، أو كل واحدة ذات بئر متقاربة في الغرز فإن برا كانتا على غير ذلك لم تجمعا.
وقال أشهب في مدونته: لا يجمع البعل (2) مع السقي (3)، وهذا مثل قول ابن القاسم.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يقسم البعل مع العيون إذا كان شبيها في الفضل، (4) وهذا خلاف ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب.
وقال محمد بن مسلمة: يقسم البعل مع العيون، ولا يقسم البعل مع النَّضح إلا برضا أهله، ولا وجه لهذا بل البَعْلُ مع النَّضْحِ أقرب من البعل مع العين.
فصل [في صفة القسم]
في صفة القسم، قال ابن عبدوس: يُقَوِّم القاسمُ النخل نخلة نخلة، إذا كان من أهل المعرفة بقيمة ذلك الموضع، ويسأل أهل الخبرة بما عرف من حمل1234
كل نخلة، فقد تكون الشجرة لها منظرة قليلة الثمر، وأخرى لا منظرة لها كثيرة الثمرة فإذا فرغ (1) من ذلك جمعها كلها وقسمها على قدر السهام، ثم يضرب بالسهم على أي الطرفين يبدأ، ثم تجمع أسماء الأشراك ثم يخلطها في كمه، ثم يخرج أول سهم ثم الثاني ثم الثالث، فإذا عرف ذلك بدأ بالأول فأعطاه من الناحية التي وقع عليها السهم شجرة شجرة، فإن بقي لأحدهم كسر من القيمة كانا شريكين بما بقي له في شجره.
وأجاز ابن القاسم أن يقسم الدار الغائبة على الصفة (2)، وقال سحنون: لا يجوز.
والأول أحسن إذا كان الباب لا يتغير أو يحدث الثاني في تلك المحلة، وإن كان يفتح إلى محلة أخرى لم يجز إلا أن يكون القاسم عالمًا بفتح الديار بالمحلة الأخرى؛ لأن قيم الدار تختلف مع تساوي البناء لاختلاف المحلات.
فصل [في حكم القضاء في الديار وأهلها غائبون]
ومن المدونة قال مالك في الدار: لا يقضى على أهلها فيها وهم غيب إلا أن تطول الغيبة فيها 3، مثل الأندلس وطنجة فينظر السلطان في ذلك 4، يريد: الأندلس من المدينة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: أما علماؤنا بالمدينة وحكامنا12
فقولهم والعمل عندهم أن يحكم على الغائب في جميع الأشياء 1 بعد ضرب الأجل على قدر مسافة البلد الذي هو به، والآجال في الديون أطول منها في الرباع.
قال: ويحضر وكيله، فإن لم يكن فالمعني بأمره من أهله والصديق والصاحب، ومن يستضيف إليه ويعلم من أمره، وأنكر قول ابن القاسم 2.
وإنما رأى أن الآجال في الدين أوسع من القضاء في الديار؛ لأنه إذا ادعيت وحكم جها للمدعي، ثم قدم الغائب فأثبت ما يسقط الدعوى انتزعها، وإن تداولها رجال بالبيع، وإن بيعت لقضاء دين، فأثبت الغائب أنه قد قضاه بعد أن تداولتها بياعات لم يرد، وإنما يأخذها إذا وجد في يد المشتري من القاضي بعد دفع الثمن.
واختلف إذا ادعى ميراثًا، فرأى ابن القاسم الجواب فيها كالأول لا يقضى بها إلا في ما يقضى به لو ادعيت بغير ميراث.
وقال أشهب في مدونته: إذا ادعيت بغير ميراث سمعت بينة المدعي، وأخر القاضي حتى يقدم أو يكتب إليه، إلا أن يكون كونه في يده قريبًا مثل أن يموت أبوه من سنة أو سنتين، أو يعلم أنها في يد الغائب بميراث وأقام هذا البينة أنه ابن الميت، فيقضى له بنصيبه فيها ولا ينتظر 3 قدوم الغائب؛ إلا أن يطول كون الدار في يد الغائب السنين الكثيرة 4، وينقطع الخبر بما صارت 5 إليه، فيلحق نسب هذا ولا يقضى له بالدار حتى يَقْدَمَ الغائب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: 1 يريد: إذا كان أمر الدار مشهورًا أنها دار الميت قضي له بنصيبه منها 2 الآن، فإن اندرس خبرها وصارت عملها أنها له بالبحث والشهادة، كانت الدعوى فيها بالميراث وغيره سواء.
واختلف بعد القول ألا يحكم على الغائب في الرِّبَاعِ، هل تكون المحاكمة في موضع الدار أو في 3 موضع المحكوم عليه؟
فقال ابن القاسم: إذا كان المدعى 4 عليه غائبًا كتب إليه ليقدم ليخاصم أو يُوَكِّل، وقيل: المحاكمة في موضع المطلوب، والأول أحسن.
ومن حق الطالب أن يسمع بينته ويستقصي منافعه، ثم يكتب إلى الغائب بما ثبت عنده 5 بالخيار بين أن يَقْدمَ فَيَدْفَعَ عن نفسه، أو يكتب إلى القاضي بما عنده ولا يؤخر القضاء بعد ذلك ولا يكلف الطالب أن يخرج فيخاصم؛ لأن ثبات البينات بغير موضع الدار يتعذر ولا يستطاع نقل البينات.
وإن اجتمع المدعي والمدعى عليه في بلد والدار في بلد آخر، فإن 6 كان كل واحد منهما يدعيها لنفسه لم يحكم بينهما؛ لأن البينات ومعرفة الحائز لها يتعذر هناك، وإن كان يدعي أنه باعها منه وأنكر الآخر البيع، كان للمدعي أن يحاكمه ها هنا إن وجد بينة وإلا حلفه، ثم هو على حجته إذا قدم البلد الذي به الدار.
واختلف إذا بعدت الغيبة، هل يقيم القاضي للغائب وكيلا؟
فقال ابن القاسم في الغائب والصغير ينظر لهما القاضي ولا يقيم لهما وكيلًا 1.
وقال أصبغ: يقام لهما 2 وكيل مأمون وهو أبين؛ لأن الوكيل يبلغ من الكشف والبحث ما لا يبلغه القاضي لسبب اشتغاله، ولو وجد القاضي إلى البحث والكشف سبيلًا لاستغنى عن الوكيل، وهذا في الدعوى على الغائب.
وأما الدعوى له فلا تصح إلا بوكالة من الغائب، إلا أن يغصب له شيء في غيبته أو يأبق له عبد، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أنه تُعُدِّي عليه فيها، فينظر له في غير وكالة.
وإن كان له دين على من يخشى فقره، أو على من أراد السفر إلى موضع بعيد، أو كان له طعام يخشى فساده ينظر له في ذلك كله 3.
باب في قسم الثمار والزرع والبقل واللبن
قال مالك: لا يقسم الثمر حتى يحل بيعه، فيقسم كيلًا ولا يقسم الزرع فدادين ولا مزارعة ولا قَتًّا ولا يُقَسَّمُ إلا كَيلًا، وإن طاب التمر والعنب ولم تختلف حاجتهم، وكان جميعهم يريد الجذاذ يابسًا أو الأكل رطبًا أو البيع لم يقسم في رؤوس النخل، وإن اختلفت حاجتهم فأراد أحدهم أن يأكل رطبًا والآخر أن يثمر جاز القسم بالخَرْصِ إذا وجد من يعرف ذلك 1. قال الشيخ: 2 وأرى إن أراد أحدهم أن يبقى 3 نصيبه لييبس والآخر البيع لم يقسم؛ لأن المشتري يبقي نصيبه لمثل ذلك، وإطلاق البيع يقتضي البقاء حتى ييبس، وإن أراد أحدهما أن يبقى 4 نصيبه والآخر الجُذاذ للأكل قسما ما يقابل ما يراد جِذاذه، وإن أراد أحدهما أن يبيع نصيبه والآخر الجِذاذ فكذلك يقسمان ما يراد جذاذه، وكان من أراد الجِذاذ بالخيار بين أن يقاسم شريكه الآن أو يؤخر ذلك فيقاسم المشتري، وإن جذ 5 البُسْر وهو عَرَاجِين وكان إن نشر لم يَفْسد لم يقسم بالخرص، وإن كان يَفْسد قُسم إن اختلفت الحاجة، وإن كان البيع على الجِذاذ أو كان غرض المشتري أن يجذه لم يقسم قبل، إلا أن تختلف الحاجة لكثرة عيال أحدهما وقلة عيال الآخر.
والقسم يجوز على التعديل، وعلى أن يفضل أحدهما الآخر على وجه المكارمة، فيأخذ مما خرصه عشرة أوسق 1 والآخر ما خرصه خمسة؛ لأن ذلك معروف.
كما جاز أن يأخذ أحدهما من صُبْرة؛ 2 بينهما ستين والآخر أربعين، إلا أن يكون فضل الكيل لمكان الدناءة 3، ولا يقسم البلح الكبير متفاضلًا.
واختلف هل يقسم على الاعتدال بالخرص إذا اختلفت الحاجة؟ فأجازه ابن القاسم، قال: والخرص بمنزلة الكيل، وقد قبض كل واحد ما صار له فلا بأس بهذا القسم وإن لم يجذ الذي حاجته للأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة إذا لم يتركه حتى يزهي 4، أنكر ذلك سحنون، وقال: المشتري يجذ 5، فقد اجتمعا على الجذاذ، والأول أصوب؛ لأن المشتري يجذ نصيبه مرة أو مرتين ليدرك به 6 الأسواق، والآخر يجذ شيئًا بعد شيء على قدر حاجته وعياله وكذلك إن لم يبع واحد منهما، واختلفت حاجتهما لفضل عيال أحدهما على الآخر جاز أن يقتسما بالخرص القدر الذي يحتاج إليه 7 أكثرهما عيالًا لأنا إن قصرنا أكثرهما عيالًا على ما يحتاجه الآخر أضَرَّ به وإن كلف الاَخر أن يجذ كثيرًا على قدر ما يحتاج إليه صاحبه فسد عليه وإن جذ أحدهما وأبقى الآخر نصيبه حتى أزهى انتقض القسم، وكان الذي أزهى وقيمة الذي لم يزه شركة بينهما والقيمة يوم كان جذ
على أنه مجذوذ وليس على الرجاء والخوف؛ لأنه جذه بإذن شريكه فأجاز قسمة البلح الصغير متفاضلًا؛ لأنه لا يدخر.
واختلف هل له حكم الطعام؟ فقال مالك: هو علف 1. وقال ابن القاسم هو بمنزلة البَقْل 2، وأرى أن ينظر إلى العادة فيه 3 في ذلك الموضع، فإن كانوا يريدونه للعلف واستعماله للأكل قليل ونادر كان له حكم العروض، وإن كانوا يريدونه للأكل وغيره نادر وكان استعماله في كليهما كثيرًا كان له حكم الطعام، وإذا كان على حكم العلف جازت 4 المقاسمة، وإن لم تختلف الحاجة وإن جذ أحدهما وأبقى الآخر إلى الإتمام 5، وإذا كان ذلك على حكم الطعام لم تجز المقاسمة إلا أن يجذا معًا، ويجوز متساويًا ومتفاضلًا إلا أن تختلف الحاجة فلا بأس أن يجذ أحدهما دون 6 الآخر.
قال ابن القاسم: فإن اقتسماه ولم يجذا حتى صار بلحًا كبيرًا لم ينتقض القسم إذا كانا اقتسماه على التعديل وكان لا يختلف الآن، وإن كانت القسمة على التفاضل وكان إذا كبر تفاضل، نقضت القسمة إلا أن يُزْهِيَ فتنقض إن لم يكن يتفاضل، وإن جذ أحدهما نصيبه حين المقاسمة وترك الآخر حتى كبر ولم يزه لم ينتقض 7 القسم 8.
فصل [في قسمة الفواكه والسمن والزيت والعسل وغيرها بالخرص]
واختلف عن مالك في قسم الفواكه بالخرص إذا اختلفت الحاجة، فمنعه في المدونة وقال: إنما مضى الخرص في النخل والعنب، وليس الخرص في هذا من عمل الناس.
1
وذكر ابن القاسم عنه أنه أرخص 2 فيه، وروى عنه أشهب في المجموعة الإجازة 3. وقال: في الزرع إن كان يستطاع أن يعدل بينهما فيه بالتحري جاز 4.
واختلف عنه في العرايا فيما سوى النخل والعنب هل تشترى بخرصها؟ فأجازه في المدونة 5، ومنعه في كتاب محمد 6، وكل هذا الاختلاف فليس في فقه، فإن كان لقوم 7 عادة في خرص ذلك الصنف
جازت المقاسمة وإلا لم تحبز.
واختلف في قسمة البقل إذا اختلفت الحاجة فيه، فقال ابن القاسم: لا يعجبني؛ لأن مالكًا لم يجز الخرص فيما يجوز فيه التفاضل مثل التفاح وغيره 1.
وقال أشهب في مدونته: يقسم إذا بدا صلاحه وجاز بيعه وليس مثل الزرع؛ لأن الزرع يدخله التفاضل ولا يحاط به كما يحاط بخرص الثمار ويجوز البقل اثنان بواحد، فجعل ابن القاسم المنع لعدم من يعرف الخرص.
وأجازه أشهب إذا تبين 2 الفضل وخرجا عن حد الخطأ، وهو قول ابن القاسم في قسمة اللبن قال: إذا اقتسما الغنم للحلب، يحلب كل واحد غنمًا ناحية لم يجز للمخاطرة، وإن فضل أحدهما الآخر على وجه المعروف، على إن هلك ما في يد أحدهما رجع على صاحبه جاز 3.
وقال سحنون: لا يجوز؛ لأنه طعام بطعام ليس يدًا بيد ولو حلباه قبل التفرق 4 جاز 5 والأول أحسن؛ لأنه على وجه المعروف وليس مما تختلف فيه الأغراض فتدخله المبايعة، والتفاضل يجوز في 6 المقاسمة بخلاف البيع فلو كانا شريكين في قفيز طعام فاقتسماه الثلث والثلثين لجاز والتراخي جائز أيضًا
كما جاز في القرض في أخذ 1 مائة دينار ليردها 2 بعد سنة فلو كان ممنوعًا من أجل التراخي على ما ذهب إليه سحنون لم يمنع لأجل 3 التفاضل وإنما تدخله المبايعة إذا كان متى هلكت إحداهما لم يرجع على الآخر.
وقال ابن القاسم: لا يقتسمان الخس والسريس والسلق فدادين إلا أن يجذا قبل أن يفترقا.
4
وعلى قول أشهب يجوز إذا اختلفت الحاجة وإذا صار مجذوذًا أو محصودًا لم يجز إلا كيلًا أو وزنًا إن كان مما يوزن ولم يجز تحريًا بالخرص بخلافه قبل الجذاذ؛ لأنه إنما أجيز قبل الجذاذ عند اختلاف الحاجة للضرورة، وقد زالت الضرورة لما زال عن الشجر فلا يجوز ذلك، وسواء كان مما يحرم فيه التفاضل أو يجوز، كان مما يكال أو يوزن، طعامًا كان أو غيره؛ لأنه غرر ومخاطرة ويدخله التفاضل إذا كان طعامًا مدخرًا، فإن فضل أحدهما الآخر بالشيء البين حتى خرجا من حد الخطار إلى وجه المكارمة جاز، وإن كان مدخرًا وإن لم يكن على وجه المكارمة، لم يجز إلا أن يكون مما لا يحرم فيه التفاضل.
وقد اختلف فيه قول مالك فقال في كتاب ابن حبيب: كل ما يحرم فيه التفاضل من الطعام فلا يقسم بالتحري وسواء كان رطبًا أو يابسًا.
وكذلك السمن والزيت والعسل فلا يقسم إلا كيلًا أو وزنًا قال: وكل ما يجوز فيه التفاضل فلا بأس بقسمته في شجره على التحري رطبًا أو يابسًا أو
بالأرض مصبرًا مثل الفواكه الرطبة وثمر البحاير ومثل ذلك الكتان والخبط والنوى والتين تحريًا وإن كان الكتان والحناء قائمًا لم يجمع أو جمع ولم يقسم ما يجوز فيه التفاضل تحريًا إلا ما أرخص فيه من قليل اللحم والجبن والبيض؛ لأن التحري يحيط بقليله وكثيره 1.
وفرق محمد بين ما يكال أو يوزن وأجازه فيما يوزن ومنعه فيما يكال، وقال أشهب في المجموعة: إن كان مما يجوز فيه التفاضل جاز قسمه بالتحري طعامًا كان أو غيره ويجوز ذلك فيما يوزن فيقسم تحريًا ويباع بعضه ببعض تحريًا كالخبز واللحم.
2
وقال ابن القاسم في العتبية: يجوز 3 في اليسير وقد 4 قيل: إنه 5 فرق بين ما يُكال أو يُوزن؛ لأن الكيل لا يفقد ولو بالأكف وليس بصحيح؛ 6 لأن الأكف يختلف ملؤها 7 ولو قال: أبيعك هذا الطعام كل عشر حفنات بكذا ما جاز، وقسمه جزافًا أقل غررًا من قسمه حفنات 8.
وقد قال أبو الحسن ابن القصار: اختلفت الرواية عن مالك في بيع اللحم باللحم والخبز بالخبز على التحري بغير وزن فأجازه في البوادي والقوافل
وحيث تتعذر الموازين استحسانًا وروي عنه المنع وهو أحسن ألا يجوز بحال 1. وقال ابن القاسم: لا يجوز بيع جزاف بجزاف من صنف واحد وإن كان ترابًا، ورآه من المزابنة والغرر فكذلك المقاسمة 2.
باب فى قسمة الأصول بالثمار الأرض بما فيها من الزرع
ومن المدونة قال مالك: لا يقسم التمر مع النخل ولا الزرع مع الأرض، ولكن يقسم النخل والأرض 1 ويترك التمر والزرع حتى يقسم بانفراده 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: 3 واقتسام التمر والنخل على خمسة أوجه، فإما أن تكون الثمار غير مأبورة، أو مأبورة، أو بلحًا صغيرًا، أو كبيرًا، أو زهوًا.
فإن كانت غير مأبورة 4 لم يجز القسم بحال عند ابن القاسم 5؛ لأن إطلاق المقاسمة يتضمن دخولها في القسم وهي تئول إلى أن تصير طعامًا ولا يجوز استثناؤها لتبقى لأربابها؛ لأن استثناء ما لم يؤبر في البيع لا يجوز.
وإن كانت الثمرة مأبورة أو بلحًا صغارًا أو كبارًا أو زهوًا كان إطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار في جميع ذلك غير 6 داخلة في المقاسمة، وباقية على الشركة فإن اشترطا دخولها في المقاسمة لم يجز؛ لأنها إن لم تكن الآن طعامًا فهي تئول إلى أن تصير طعامًا، فيدخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد.
قال ابن القاسم: لأن مالكًا قال فيمن يبيع الحائط وفيه ثمر لم يؤبر بقمح نقدًا أو إلى أجل: لا خير فيه 1، فراعى ما يئول إليه وإن كان بلحًا كبيرًا أو زهوًا دخله التفاضل والتأخير، وإن استثنى أحدهما لنفسه ثمرة ما يصير في نصيبه، ويبقى ما 2 في نصيب الآخر على الشركة جاز.
وإن كانت إحدى الثمرتين مأبورة، والأخرى بلحًا صغارًا أو كبارًا أو زهوًا أو كانت إحداهما بلحًا كبارًا والأخرى زهوًا- كان إطلاق المقاسمة على الجواز والثمار غير داخلة في المقاسمة، فإن اشترطا دخولها في القسمة لم يجز، وإن اشترطت إحداهما وبقيت الأخرى على الشركة جاز، وإن كانت إحداهما غير مأبورة والأخرى مأبورة كان إطلاق المقاسمة على الجواز، والتي لم تؤبر داخلة في القسم لمن هي في نخله والمأبورة باقية على الشركة، وإن استثنيا 3 ما لم تؤبر ولم يدخلاها في القسم لم يجز، وإن اشترطت التي أبرت وأدخلت في المقاسمة لم يجز، وهذا كله مذهب ابن القاسم، وقد قيل في جميع هذه المقاسمات: إنها جائزة وهو أحسن إذا كانت الثمار لم تبلغ إلى أن يحرم فيها التفاضل كالزهو والبلح الكبير.
واختلف في استثناء ما لم يؤبر في البيع، فقيل: جائز وهو باق على ملك صاحبه لم يبعه قط، وهو الصحيح من المذهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب البيوع.
وقال محمد بن مسلمة فيمن باع نخلًا وفيها تمر لم يبد صلاحه أبر أو لم
يؤبر: فلا بأس أن يبيعها بالطعام والشراب من قِبَل أن المقصود بالبيع والشراء الأصل، فإن كان التمر قد بدا صلاحه لم يجز إلا أن يباع بالدنانير والدراهم والعروض ولا يباع بشيء من التمر؛ لأنه بيع التمر بالتمر متفاضلًا ولا بأس أن يباع بالحنطة إذا جدّ التمر 1 مكانه وتوضع فيه الجائحة 2 انتهى قوله.
وقال سحنون في السليمانية فيمن اشترى نخلًا فيه تمر قد طاب أو لم يطب بطعام نقدًا أو إلى أجل: لا بأس به؛ لأن التمر تبع للنخل قال: وذلك بمنزلة العبد يباع ويستثنى ماله فلا بأس به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغى.
قال: وكذلك يقول بعض أصحابنا، قال: وكذلك السيف تكون فيه الفضة تبعًا، والنقد فيه أحَبُّ إليَّ، وإذا كان الخلاف حسب ما تقدم جاز قسمة الحائط إذا كانت الثمار لم تؤبر، على أن تبقى الثمار لأربابها وعلى أن تدخل في المقاسمة، وكذلك إذا كانت مأبورة أو بلحًا صغيرًا جاز أن تدخل في المقاسمة على قول ابن مسلمة، ويجوز على قول سحنون إذا كانت بلحًا كبيرًا أو زهوًا أن تدخل في المقاسمة بمنزلة السيفين وحليتهما، وقول ابن مسلمة في هذا كله أحسن؛ لأن التقابض والمناجزة قد وقعت فيما بينهما، فإن كانت في حين المقاسمة طعامًا فقد حصل التناجز، وإن كانت غير طعام فإنما تفسير طعامًا بعد انتقال الملك عند المشتري لها، ولا يجوز إذا كانت مزهية؛ لأنها مقصودة حينئذ في نفسها 3 فيدخلها التفاضل.
فصل [في حكم قسمة الأرض بما فيها من بذر أو زرع]
ويختلف في قسمة الأرض بما فيها من بذر أو زرع، فعلى قول مالك وابن القاسم لا يجوز 1، وسواء كان وقت المقاسمة لم يخرج من الأرض، أو خرج ولم يسبل أو أسبل ولم يبلغ أن يكون طعامًا؛ لأنه يئول إلى أن يكون طعامًا، ويجوز على قول ابن مسلمة وهو أبن وقد تقدم وجه ذلك 2. ويختلف إذا اقتسما على أن استثنى ما فيها ولم يدخلاه في القسم، فجعله ابن القاسم كالذي لم يؤبر 3 إن لم يرز من الأرض وكالمؤبر إذا خرج، وقال محمد 4: هو كالذي لم يؤبر وإن برز ما لم يسبل، وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: هو كالمؤبر وإن لم يبرز 5، فعلى قول ابن القاسم لا تجوز المقاسمة قبل أن يخرج بحال؛ لأنه لا يجوز أن يستئنى ولا أن يدخل في المقاسمة، وإن خرج جاز أن يستثنى ولم يجز أن يدخل في المقاسمة (7) وعلى قول محمد تجوز 6 المقاسمة إن لم يسبل وسواء استثنى أو أدخل في المقاسمة 7 وإن أسبل جاز أن يستثنى ولم يجز أن يدخل في القسم وعلى قول 8 القاضي أبي محمد عبد الوهاب:
يجوز أن يستثنى وإن لم يبرز (1) من الأرض.
ويختلف أيضًا إذا اقتسما ولم يشترطا البذر ولا الزرع.
فعلى هذا القول يكون محمل القسمة على الجواز، وعلى أن البذر باق على الشركة وإن لم يبرز.
وعلى قول ابن القاسم محملها (2) قبل البروز على الفساد، وبعد بروزه على الجواز وعلى أنه باق على الشركة.
وعلى قول محمد يكون (3) محمل القسم على الفساد وإن برز ما لم يسبل والأول أحسن؛ لأن البذر كسلعة أودعت الأرض فوجب حمل المقاسمة على الأرض دون ما فيها، وإن كانت أرضين فيبرز زرع إحدى الأرضين دون الأخرى كان مطلق المقاسمة على قول ابن القاسم على الجواز، ويكون ما لم يبرز لمن صارت له تلك الأرض وما برز على الشركة، فإن استثنى من برز ما في أرضه ذلك الزرع، أو استثنى نصيبه مما لم يبرز لم تجز القسمة على مذهب (4) ابن القاسم.
فصل [في السقي إذا اقتسما الأصول ثم اقتسما الثمار لاختلاف الحاجة]
واختلف في السقي إذا اقتسما الأصول ثم اقتسما الثمار لاختلاف الحاجة، فقال ابن القاسم: على كل واحد منهما أن يسقي نخله وإن كان ثمرها لغيره1234
قال: لأن من باع ثمرة كان سقيها على صاحب النخل.
1
وقال ابن عبدوس: أنكر سحنون ذلك ورأى أن القسمة ليست ببيع 2، وكأن ما صار له من الثمرة عين 3 ميراثه وليس على أحد أن يسقيه له، وإنما السقي على من له الثمرة وليس على من له الأصل، قال: ولو كان حكمه حكم البيع ما كان عليه أن يسقي من الثمرة 4 إلا نصف ما في نخله ونصف ما في نخل صاحبه، وعلى صاحبه أن يسقي النصف 5 من النصيبين جميعًا، والذي يبين الفرق بينهما أن البيع فيه الجوائح؛ لأن السقي على البائع، والمقتسمان ليس بينهما جائحة، ولو كان السقي عليه لكانت عليه الجائحة 6.
وقال عبد الملك بن الماجشون: لو أن رجلين اشتريا ثمرة حائط ثم اقتسماها في رؤوس النخل، ثم أصيبت إحداهما لم يكن على شريكه 7 شيء وإنما يرجع على البائع 8.
قال الشيخ -رحمه الله-: 9 ولم يختلف أن القسمة بالتراضي بيع.
واختلف إذا كانت بالقرعة فقيل: هي 10 تمييز حق وقيل بيع وهو
أصوب؛ لأنه لا يختلف أن كل نخلة قبل القسم مشتركة وإذا كان ذلك كانت المقاسمة بيعًا؛ لأن الذي صار إليه كان له نصفه، ونصفه 1 لصاحبه، وإذا كان ذلك واقتسما الثمرة كان ما صار لكل واحد منهما من الثمرة نصفه له من أصل الميراث، ونصفه لصاحبه فسقيهما عليهما جميعًا النصف بالملك والنصف بالشراء، وسواء صار لكل واحد ما 2 في نخله أو ما في نخل صاحبه.
وقول ابن القاسم ها هنا راجع إلى قول المخزومي فيمن باع نخلًا دون ثمره: أن السقي على المشتري، قال: لأنه يسقي نخله وتشرب ثمرة هذا 3.
باب في قسمة الرباع على الغائب
وقال ابن القاسم في شريكين في قرية 1 غاب أحدهما وهلك الآخر فأراد ورثته القسم فذلك لهم 2 قال: وإنما الذي قال مالك في الدور والأرضين تدعى أنه لا يقضى فيها على الغائب قال: وكذلك إذا حضر شريك الأب وبعض الورثة فإنه يقسم ويعزل؛ لأنه على منكر واختلف 3 نصيب الغائب 4، فأجاز القسمة في الرباع على الغائب؛ لأنه مقر ومنع القضاء؛ لأنه على منكر.
واختلف فيمن يقسم على الغائب فقال مالك: يقسم القاضي ولا يقسم صاحب الشرطة 5، وقال أشهب: إن كان صاحب الشرطة 6 غير مغموز عليه وأصاب وجه الحكم جاز؛ لأنه يحكم كما يحكم القاضي ويحد 7، وقد سمعت مالكًا يقول في بعض ولاة المياه 8 ضرب لامرأة المفقود أجلًا ثلاث سنين 9 ثم أمرها بالنكاح ثم جاءت إلى والي المدينة فقال مالك: يضرب لها أجل سنة تمام
أربع سنين على ما ضرب الأول ورآه جائزًا، وقول مالك الأول أبين؛ لأن الأصل في القضاء إلى أمير المؤمنين وهم الذين كانوا يقضون، ثم أقاموا مكانهم في ذلك لكثرة اشتغالهم 1 وأقاموا قومًا للشرط ولم يقيموهم للنظر في أموال الناس 2 فإذا نظر فيما لم يجعل له فيه نظر كان كالأجنبي، إلا أن يريد أن أمر الأمراء قد فسد، فإذا أقيم لهذا الوجه وكان أهلًا لأن يقام للوجه الآخر مضى فعله.
باب في قسمة الثياب والعبيد والدواب والحلي والطعام
قسمة الديار والأرضين بالقرعة جائزة.
واختلف في قسمة العروض 1 والعبيد وغيرهم من الحيوان وغيره، فأجازها مالك وابن القاسم وغير واحد من أصحاب مالك 2، واختلف فيه عن عبد الملك بن الماجشون فأجاز ومنع وقال: لا يقسم بالقرعة ما سوى الدور والأرضين ولكن يباع ويقسم ثمنه 3، يريد: أن الأصل منع القرعة؛ لأنها تتضمن وجهين؛ أحدهما: بيع ملك الإنسان بغير رضاه، والثاني الغرر 4 فإن كان بين رجلين عبدان وهما متكافئان كان لكل واحد من الشريكين نصف كل عبد، فإذا أجبر من كره القسم على القرعة كان قد أجبر على أن يبيع نصف ما يصير لصاحبه بنصف ما يصير له في القسم 5، وأما الغرر فقد يكون غرض كل واحد منهما في أحد العبدين ويرجو أن يصير له في القسم، ولو علم أنه لا يصير إليه لم يرض بالقسم، واستخف مثل ذلك في الديار والأرضين لعظم الضرر في خروج الملك إن لم يمكنا من القسمة، كما أجبر المشتري على أن يخرج من ملكه مما اشتراه فيؤخذ منه بالشفعة بخلاف العبيد والثياب، ولأنه يرضى بالقسم وإن صار ما كان يرجوه من تلك الديار والأرضين لشريكه، ولا يرضى بالبيع وخروج ملكه عن الجميع ولو علم أنه يصير إليه.
فصل [فيما يجمع في القسم من الثياب]
واختلف بعد القول بجواز القسم بالقرعة في الثياب في الصنف الذي يجمع في القسم على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم فيمن هلك وترك بَزًّا فيه الخَز والحَرير والكَتَّان والقطن والجِبَابُ والأفرية أنه يجمع في القسم، ولا يقسم كل نوع على حدته فتجعل الجباب قسمًا على حدة والسراويل قسمًا على حدة، ولكن يجمع ذلك كله في القسم وقال أيضًا: يجمع في القسم إذا كان كل نوع لا يحمل القسم بانفراده.
1
وقال أشهب في مدونته: كل ما كان من هذا يصلح أن يباع منه اثنان بواحد إلى أجل لم يجمع في القسم؛ لأنه ليس منه ولو كان منه ما جاز أن يسلم واحد منه في اثنين إلى أجل وليس الخز مثل الكتان والصوف، ولا الصوف مثل الكتان وما كان لا يسلم بعضه في بعض فهو صنف يجمع في القسم.
2 فعلى قوله تكون العمائم والأردية والقُمُص والسَّراويلات أصنافًا لا تجمع في القسم وإن كانت كتانًا كلها أو قطنًا؛ لأن منافعها مختلفة ويجوز سلم بعضها في بعض.
وهو أحسن 3 واعتبار ذلك فيما تتقارب الأغراض فيه وتتباين بالسلم صحيح.
وقول ابن القاسم في البُسُط والوسائد لا تجمع مع الثياب، وإذا لم تجمع
مع الثياب فإنه يجمع ذلك كله في القسم على أصله إذا لم يكن كل صنف يحمل القسم.
ويختلف على قوله إذا كانت البسط تحمل (1) القسم بانفرادها والوسائد، وأما على قول أشهب فلا يجبر من أبى من جمعها في القسم إذا كانت بُسطًا ووسائد؛ لأنها مما يسلم بعضها في بعض.
فصل [فيما يجمع في القسم من العبيد والخيل والبغال والحمير]
واختلف في العبيد فقال ابن القاسم: يجمعون في القسم وإن كان فيهم الصغير والكبير والهرم والجارية الفارهة، 2 وقال محمد في غنيمة الرقيق: يقسم النساء المشبهات بعضهن ببعض بانفرادهن والوصفاء كذلك، وأما إذا كان كل صنف لا يحمل القسم الجواري والرجال والصبيان فإنهم يجمعون في القسم على قول ابن القاسم.
ويختلف فيهم على أصله إذا كان كل صنف يحمل القسم على الانفراد هل يجمعون أم لا 3 قياسًا على قوله في المتاع وعلى قول أشهب: يجمع ما تقارب 4 ولم يجز أن يسلم بعضه في بعض ولا يجمع ما تباعدت الأغراض فيه إلا بالتراضي.
وقال ابن القاسم: الخيل والبراذين صنف يجمع في القسم ولا يجمع1
البغال إلى الحمير 1.
قال الشيخ 2 ويختلف في المسألتين جميعًا، فلا تجمع الخيل والبراذين 3 على قول أشهب 4؛ لأنها صنفان في السلم فإن لم يكن في كل صنف ما يحمل القسم بيعا إلا أن يتراضوا بالقسم، فيجوز إن كان بالقرعة وكذلك الخيل إذا كان فيها سابق 5 فلا يجمع مع غيره على قوله 6 بالقرعة بالجبر.
وقال ابن القاسم: البغال والحمير في السلم صنف واحد 7 وإذا منع سلم بعضها في بعض كان القسم أولى بالمنع؛ لأنه أجاز أن يجمع الصنف في القسم وإن تباين تباينًا ويجوز أن يسلم بعضه في بعض ويجمع الإبل في القسم إذا تقاربت صفاتها ولم يجز أن يسلم بعضها في بعض.
ويختلف إذا تباينت وجاز سلم أحدها في الآخر 8 فعلى أحد قولي ابن القاسم: يجوز ذلك اختيارًا وإن كان الجيد يحمل القسم بانفراده وكذلك إذا كانوا صغارًا وكبارا وعلى قوله الآخر: لا يجوز إلا أن لا يحمل كل صنف القسم بانفراده، وعلى قول أشهب: لا يجوز بالجبر وإن لم يحمل القسم على الانفراد.
باب في قسم الحلي والطعام
وقال ابن القاسم في امرأة ماتت وخلفت زوجًا وأخًا وحليًا 1 أنه يقسم وزنًا 2، يريد: ثم يتراضيان فيأخذ هذا هذا ويأخذ 3 الآخر هذا، وبالقرعة إذا استوى الوزن والقيمة، فإن اختلفت لم يجز بالقرعة، ولو تراضيا على أن يأخذه أحدهما ويدفع إلى الآخر مثل وزن نصيبه ذهبًا جاز وإن اختلفت الجودة مع الذهب 4؛ لأن الوزن سواء وإن اختلف الوزن فكان أقلهما وزنًا أجود لم يجز، وإن كان أدنى أو مثله في الجودة جاز، قال: وإن كان في الحلي لؤلؤ وجوهر قيمته الثلثان، والذهب والفضة الثلث فأدنى جاز أن يقسم بالقيمة، وكذلك لو ورثوا سيوفًا حليتها الثلث والنصول الثلثان فلا بأس أن تقسم بالقيمة، ولا بأس إذا كان ما فيه من الفضة الثلث فأدنى أن يباع بالفضة، ولا بأس بهذا السيف بالفضة والعروض والسيفان تكون فضتهما أقل من الثلث، أو فضة أحدهما أقل والآخر 5 أكثر فتبايعاهما يدًا بيد فلا بأس.
6 فأجاز قسمة الحلي والسيوف إذا كانت الفضة الثلث فأقل، كان كان ذلك الثلث كثيرًا في نفسه فلو كان ما فيه من الفضة خمسمائة درهم 7 وقيمة ما سواه ألف لجاز على قوله
إذا كان يدًا بيد ويجوز (1) على القول الآخر، وان كان أحدهما نقدًا والآخر مضمونًا إلي أجل.
واختلف إذا كان كل واحد من العلي ذهبًا وفضة بغير جوهر، والذهب أو الفضة الثلث فأقل فقال عبد الملك (2): هل يباع أحدهما بالآخر وكذلك إذا كانت فضة أحدهما أقل من الثلث وذهب الآخر أقل من الثلث، وأن يجوز جميع ذلك على القول أن الأتباع غير مراعاة في نفسها أحسن، ولا فرق بين أن يكون الثلث فضة والثلثان ذهبًا، أو يكون الثلثان جوهرًا أو نصول سيوف، فإما أن يقال أن الأتباع غير مراعاة فيجوز جميع ذلك أو مراعاة فيمنع الجميع.
فصل [في اقتسام الطعام بين الشريكين]
وإن كانا شريكين في طعام غلث 3 أو عفن وهو صُبرة واحدة جاز أن يقسماها وأجازه ابن القاسم في الصُّبرتين إذا كان الغلث أو العفن يشبه بعضه بعضًا قال: وإن تباين لم يجز 4. وأرى إذا تباين وكان أقلهما غلثًا أو عفنًا وهو أجود 5 أو كانا سواء أن يجوز؛ لأنه تفضل من أحدهما على الآخر وإن كان أدنى جودة لم يجز.12
وإن كانت إحدى الصُّبرتين نقية والأخرى غلثة وهما في الكيل سواء 1 جاز أن يأخذ أحدهما النقية والآخر الغلثة؛ لأن ذلك تَفَضُّل من أحدهما على الآخر ما لم تكن الغلثة أطيب قمحًا 2 فلا تجوز، وإن كانت إحداهما صحيحة والأخرى عفنة جاز أيضًا إذا استوى الكيل، إلا أن يكون قمح العفنة أطيب ويرغب فيه أكثر من الصحيحة فلا يجوز للتفاضل 3؛ لأن العفن والسوس أذهب بعضه، وإن كان أحدهما غلثًا والاخر عفنًا أو مسوسًا لم يجز، إلا أن يكون الغلث إذا أزيل كان الباقي مثل ما يصح من السوس بعد ذهاب تلك الأجزاء التي أذهبها 4 السوس والعفن مساويًا للآخر في الجودة أو هو أجود فيجوز 5، وكل هذا يجوز في القسم ولا يجوز إذا لم تكن شركة، وكان إنما 6 أتى كل واحد منهما بطعام فباعه من الآخر بطعام إلا أن يتساوى الكيل، فقد يستخف ذلك فيما قل إذا أراد أحدهما مُكارمة الآخر ولم يقصد المبايعة، كما أجيز بدل الدينارين والثلاثة على وجه المعروف.
وقال أشهب في مدونته: إذا كان العفن مختلفًا فلا بأس إذا كان الطعام يسيرًا مثل الدنانير اليسيرة بالدنانير، وإن كان الطعام كثيرًا والعفن مختلفا أو كان في أحدهما لم يصلح مثل الدنانير الكثيرة بالدنانير الكثيرة النقص بأوزن 7 منها،
وكذلك القمحان أحدهما كثير التراب فلا يصلح ذلك 1 إلا في اليسير.
وقال ابن القاسم في أخوين ورثا ثلاثين إردَبًّا من قمح 2 وثلاثين درهمًا، فأخذ أحدهما عشرة أرادب وعشرين درهمًا، والآخر عشرة دراهم وعشرين إردبًّا، فلا بأس إذا كان القمح صبرة واحدة، ولا يجوز إذا كانا صبرتين؛ لأنه تدخله المبايعة.
ولو ورثا مائة إردب قمح ومائة إردب شعير، فأخذ أحدهما ستين قمحًا وأربعين شعيرًا جاز 3 ولا يجوز مثل ذلك في البيع 4.
وقال أشهب في خلي عنب وتمر 5: يقسم كل واحد منهما بانفراده؛ لأنه لا يصح 6 متفاضلًا 7 وخل العنب أجود فإن رضيا أن يقسماه مثلًا بالمثل بالقرعة لم يجز؛ لأنه مخاطرة وإن عدلاه بالقيمة لم يجز؛ لأنه تفاضل.
باب في قسمة الجذع والثوب واللؤلؤة والمصراعين والنعلين وما أشبه ذلكـ
وقال ابن القاسم في الجذع والثوب بين الشريكين: ليس لأحدهما أن يدعو إلى قسمه وكذلك الثوب الملفق مثل العدني 1 وكذلك المصراعان والنعلان والخفان والخُرْجُ والحبل 2، وقال في المحمل: ينظر فيه إلى المضرة ونقصان الثمن فإن كان فيه 3 مضرة أو نقصان من الثمن لم يقسم وكذلك الغِرَارَتان ينظر هل في قسمة ذلك فساد أو نقصان من الثمن 4.
وقال في الفص واللؤلؤة والياقوتة 5 والخاتم: لا يقسم، وإن اجتمع من كل صنف شيء كثير، قسم ذلك الصنف بانفراده ولم يجمع بعضه إلى بعض 6.
ومحمل قوله في منع قسم الجذع والثوب والمصراعين والنعلين على أحد قوليه في منع قسم الحمَّام 7، وأما على قوله أن الحمَّام يقسم فإنها تقسم جميع هذه الأشياء، ولا يراعى فساد ولا نقص في الثمن ولا تعطيل استعماله.
وفساد ما يدخل الحمَّام ونقصان الثمن وتعطيله وانتقال ما يراد له أشد.