التبصرة للخميصفحات 5477-5516

كتاب الشهادات الثاني

صفحات 5477-5516

(1)

باب في الدعاوى والأيمان

ومن ادعى قبل رجل دعوى فأنكره، لم يحلفه لمجرد الدعوى، إلا بما ينضاف إليها من خلطة 2 أو شبهة 3 أو دليل، وذلك يختلف باختلاف المدعى فيه.
فأما الدين فاختلف فيه 4، هل المدعى 5 فيما 6 يوجب اليمين الخلطة، أو دعوى الشبهة؟ وأما بياعات النقود والدعوى 7 في المعاملات 8، والصناعات 9 والودائع والغصب والتعدي والجراح، فالمراعى 10 فيها دعوى الشبهة.
واختلف في دعوى القتل، هل يقسم مع الإتيان 11 بما لا يشبه؟ مثل1

أن يرمي به رجلًا صالحًا، أو ادعى القتل على من لا يشبه 1. واختلف في الدين على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم -في العتبية-: لا يحلف إلا أن يكون قد بايعه 2 بالنقد مرارًا، أو بالدين ولو مرة.
يريد أن من داين رجلًا مرة، أشبه أن يداينه أخرى، ومن بايع رجلًا مرة أشبه أن يداينه أخرى ومن بايع رجلًا 3 بالنقد مرارًا، أشبه أن يأمنه ويبايعه إلى أجل.
وقال ابن حبيب: الخلطة أن تكون بينهما مخالطة 4، في حق لا يعرفون له انقضاء 5، فإن انقضى ثم أتى بعد 6 يوم أو يومين يدعي عليه حقًا، لم يحلفه بالخلطة التي كانت.
وقال القاضي 7 أبو محمد عبد الوهاب: من أصحابنا من قال: إنه 8 ينظر إلى الدعوى، فإن كانت مما يجوز أن يدعي مثلها على مثل 9 المدعى عليه أحلف.
ومنهم من قال إذا كان المدعى عليه، يشبه أن يعامله هذا المدعي، فيما ادعى عليه أحلفه وإلا فلا.
ومنع ابن القاسم اليمين، إلا بعد ثبات المعاملة 10 حماية؛ لأن الدعوى تسرع من كثير من الناس، والناس يهابون الأيمان مع صدقهم.
وأجيز 11 في

القول الآخر إذا ثبتت الشبهة؛ لأن كثيرًا يداين بغير بينة.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالهَمْ، وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" 1 أخرجه مسلم.
فأثبت اليمين من غير مراعاة خلطة.
وأرى إن كانت الدعوى من الرجل 2 الصالح، أو ممن يرى أنه لا يدعي باطلًا في الغالب، أن تراعى الشبهة.
وإن كان ممن يظن به الدعاوى أن يثبت الخلطة.
وتراعى الشبهة من ثلاثة أوجه: من جهة 3 المدعي، والمدعى عليه، والمدعى فيه.
فإن أشبه أن يداين هذا المدعي 4 المدعى عليه بمثل، المدعى فيه قدره وجنسه أحلفه، وإن ادعى ما لا يشبه كسبه، أو يشبه كسبه 5 ولا يداين به مثل هذا، أو يداين به مثله في كثرته، ولا يشبه أن يتعامل المدعى عليه إلى أجل لم يحلف، وقد تكون مداينته مثل المدعى عليه، إلى الأيام التي يتقاضى التجار إلى مثلها، فيقول المدعي أخذت مني معاملة إلى سنة، فهذا لا يفعله في الغالب إلا الرجل المحتاج، فإن لم يكن كذلك كان المدعى قد أتى بما لا يشبه.
واختلف بماذا تثبت الخلطة، فقال ابن كنانة -في المجموعة-: بشاهد واحد وامرأة 6 وقال محمد: إن أقام شاهدا واحدة أحلف 7 معه المدعي وتثبت

الخلطة 1، ثم يحلف المدعى عليه.
والأول أحسن 2؛ لأن المراد إثبات لطخ الدعوى، وذلك يوجد بالمرأة 3 إذا كانت عدلة، وإذا ثبتت المبايعة 4 ثم انقضت فتجاحدا أو أيمان، لم يقبل دعوى أحدهما على الآخر في مداينة محدثة، إلا ببينة أو إثبات خلطة محدثة؛ لأن مدعي المداينة بعد المجاحدة أتى بما لا يشبه، فإن ادعى ذلك المجحود أولًا قيل له: لا يشبه أن يجحدك فتحلفه أو يحلفك ثم 5 تعامله، وإن كانت الدعوى من الجاحد أولًا، قيل له: لا يشبه ذلك لأنك تخشى أن يجحدك، ويتأول إمساك ذلك من حقه.
وقال مالك -في المجموعة فيمن أوصى عند موته، أن له عند فلان كذا-: أحلف المدعى عليه، فإن نكل غرم قال: وليس في مثل هذا خلطة.
يريد ما لم يدع ما لا يشبه كسبه، أو فوق ما يداين به مثله مثل هذا 6، أو تكون بينهما عداوة ومباعدة، فلا يحلف؛ لأنه أتى بما لا يشبه.
وقال سحنون -في العتبية، في أهل السوق يدعي بعضهم على بعض، لم تكن خلطة حتى يقع البيع بينهما، وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والأنس، فليس بخلطة توجب اليمين.
وقوله في أهل المسجد حسن، إلا على 7 من راعى الشبهة بانفرادها.

وأما أهل السوق فهم على ضربين: فمنهم 1 من ليس الشأن أن يستقرض منهم، كالعطارين والخياطين فلا أيمان لهم إلا أن تثبت الخلطة، والشأن في البزازين أن يستقرض بعضهم من بعض فالأيمان بينهم.
وأما السماسرة فلهم أن يحلفوا أهل صناعتهم 2، أنهم لم يبيعوا ذلك منهم، ويحلفوا 3 من شأنه التجر بمثل ذلك 4، أو يشبه أن يأتيه به ليبيعه له.
وقال ابن القاسم -فيمن ادعى قبل رجل كفالة-: لا يمين له إن لم تكن له 5 خلطة.
يريد خلطة 6 صحبة ومؤاخاة ليس مداينة؛ لأن مجرى الكفالة مجرى الهبة، يسلفه إن أعسر ويقضيه فيقضى عنه، فقد يعامل الإنسان من لا يسلفه، ويسلف من لا يعامله.
وقد اختلف في دعوى الهبة، فقيل: يحلف المدعى عليه إذا أشبه ذلك، لمؤاخاة بينهما.
وقيل: لا يمين عليه 7. وهذا راجع إلى ما تقدم في المداينة، فمن ألزم اليمين فيها بدعوى الشبهة 8، ألزم اليمين ها هنا بمثل ذلك، ومن منع هناك حماية إلا بعد ثبات المعاملة منه ها هنا، وإن أتى بما يشبه.
وهو في الهبة أولى بالمنع؛ لأن المداينة تجري بين الناس ما لا تجري الهبات، فإن كان بين

الغريم والمدعى عليه (1)، الكفالة من المؤاخاة ما يشبه أن يتكفل عنه (2) بمثل ذلك (3) المال، والمدعى عليه الكفالة ممن يخشى منه، ويتوثق منه بالحيل في حين المداينة حلفه، وإن كان موسرًا لا يتكفل بمثله، ثم ذهب ماله لم يقبل قول هذا: إني عاملته بكفالة.

فصل [في الدعوى على الصناع، وما يراعى في الوديعة]

وإن ادعى على صانع فأنكر، كان له أن يحلفه فيما يكون من صنعته، إذا ادعى ما يشبه أن يتجر به، أو لباسه أو لباس أهله وإلا لم يحلفه، ويراعى في الوديعة ثلاثة: أن يكون المدعي يملك مثل ذلك، في جنسه وقدره ويكون حكمه 4 هناك ما يوجب الإيداع، والمدعى عليه ممن يودع عنده 5 مثل ذلك، فليس الغالب من المقيم في بلده، أن يخرج ماله من داره فيودعه 6، إلا لسبب خوف طلب سلطان أو عند سفر، أو يكون ذاهبًا إلى موضع، فيقول تركت كيسي عندك.
وأما الطارئ فيشبه أن يكون 7 يودع مع الإقامة؛ لأنه ينزل في المواضع123

التي يخشى على ماله إذا انصرف عنه، وإن ادعى غصبًا أو تعديًا لم يحلفه، إلا أن يكون المدعى عليه ممن يشبه ذلك، والمدعى فيه مما يشبه كسب المدعي، وإن ادعى استهلاك شيء خطأً أو غلطًا حلفه، من غير مراعاة لحال المدعى عليه 1، وإن ادعى رسالة أرسلت إليه لم يحلفه، إلا أن يثبت أن الغائب 2 ادعى الإرسال معه، بشاهدين أو بشاهد أو بكتاب، يثبت أنه من قبله أو بسماع بين، ويكون ذلك الشيء مما يشبه أن 3 يرسله الغائب مع هذا، والرسالة ملكًا للمرسل إليه 4، أو يكون وكيلًا مفوضًا إليه، وإلا لم يحلفه؛ لأنه لم يوكل على الخصومة ولا على اليمين.
وقال مالك -في المدونة في رجلين اشتريا سلعة، فقال أحدهما للبائع دفعت نصيبي من الثمن، لشريكي ثم غاب وأنكر الشريك-: قال: لا أرى هذا خلطة ولا يمين عليه.
فراعى في هذه الدعوى الخلطة وهي دعوى أمانة، والأصل في مثل هذا مراعاة الشبه.
وقال -في امرأة ادعت أن رجلًا استكرهها-: تجلد الحد إن كان ممن لا يشار إليه بالفسق، وإن كان ممن يشار إليه بالفسق 5 نظر السلطان في ذلك.
وقد مضى ذكر ذلك في كتاب إرخاء الستور.
وإن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها، أو عبد على سيده أنه أعتقه، لم يحلف إلا أن يشهد بذلك شاهد.
وقال

أشهب -في مدونته-: لا يحلف الزوج إلا أن يكون لدعواها وجه تهمة فيحلف.
يريد مثل حدوث شراء والرجل يسرع إلى (1) الأيمان بالطلاق، أو يعلم منه كراهة لها، وقد مضى في كتاب أمهات الأولاد، ذكر الأمة تدعي أنها ولدت من سيدها.

فصل [فيما يراعى في بيوع النقود]

والمراعى في بيوع النقود 2 الشبهة 3 دون الخلطة، فإن ادعى على رجل أنه باعه ثوبًا، أو عبدًا أو دارًا، وعلم من المالك أنه عرضها للبيع أو أراد ذلك، حلفه وإن لم يعلم ذلك، وكانت دار سكناه أو ثوبًا عليه هو لابسه وما أشبه ذلك 4، ولا سبب هناك يوجب البيع لم 5 يحلفه؛ لأنه أتى بما لا يشبه، وكذلك إن كان المدعى عليه، ممن لا يشبه أن 6 يبايع المدعي؛ لأنه مستغرق الذمة بالغصوب، أو خبيث الكسب أو شريرًا ملدًا أو فقيرًا، أو قال بعتني بعشرة ما ثمنه مائة فلا يحلف، وعكسه أن يدعي المالك على رجل 7، أنه 8 اشترى منه وينكره الآخر فيراعى فيه مثل ذلك، فإن قال جئتني إلى دكاني فبعت منك 9،1

ومعلوم من المدعى عليه، أنه لا يتصرف إلى الأسواق أو لا يعامل مثله، أو قال اشتريته مني (1) بمائة وثمن مثله (2) عشرة أو عشرون، أو قال اشتريت مني هذه الدار أو هذا (3) الحمام (4)، وليس ذلك من كسب المدعى عليه، ولم يبلغه كسبه لم يحلف.

فصل [في دعوى عبد في يدي رجل]

وإن ادعى عبدًا في يدي رجل، وقال أبق مني، فإن كانا من بلد واحد كلف أن يأتي بلطخ أنه ملكه؛ لأن ملك 5 ذلك لا يخفى على جيرانه وأهل سوقه، وإن كان أحدهما طارئًا لم يحلف أحدهما للآخر؛ لأنه إن ادعى الطارئ على المقيم، قال المقيم المدعى 6 عليه، أنت لا تدعي علي معرفة ذلك لأني لست من بلدك، ويجوز أن تكون صادقًا، وكذلك إن ادعى المقيم عبدًا، أتى به طارئ لم يحلفه؛ لأنه لا علم عنده هل هو ملكه أم لا؟ فإن أقام شاهدا أنه عبده حلف معه، فإن نكل لم يرد اليمين؛ لأن الآخر لا علم عنده، فلا يحلف على تكذيب الشاهد، وإن أراد المدعي وقف العبد ليثبت ملكه فيما قرب، كاليوم وشبهه وقف له، فإن أتى بلطخ بسماع أو شاهد عدل، على 7 أنه له أو أنه أبق له عبد،1234

كان الواقف 1 أوسع من ذلك الشهر ونحوه.
وقال غيره يوقف الخمسة أيام والجمعة، فإذا مضى الأجل ولم يأت تلوم له، فإن لم يأت سلم العبد إلى من كان بيده، بعد يمينه إذا أشبه أن يكون عنده من ذلك علم، وإن لم يكونا من بلد واحد 2، أسلم إليه من غير يمين، فإن أتى بعد ذلك بشاهد وكان أوقف بسماع، أحلف مع هذا واستحق، فإن نكل لم يكن له أن يرد اليمين؛ لأن المدعى عليه لا علم عنده من ذلك 3، من صدق الشاهد ولا من كذبه، وإن كان الوقف بشاهد ولم يأت بشيء، فإن كان قدم له عند الوقف، إن قال إن لم آت بشيء حلفت، كان له أن يحلف مع الشاهد، فإن قال إن لم أجد شاهدًا آخر حلفتك أجزأ 4 يمين السلطان 5. فإن أتى بشاهد ضمه إلى الأول.
واختلف إذا أراد أن يوقف القيمة ليمضي به إلى بلده فيثبت ملكه فيه 6. فقال ابن القاسم: ذلك له.
وقال سحنون: لا يدفع إليه العبد، وإن أقام شاهدا ثم 7 قال وعلى من يقيم البينة، والمدعى عليه مقيم.
وإن رفعًا جميعًا إلى ذلك البلد كان خطأ.
والمسألة يحسن فيها الخلاف، ويتخرج 8 فيها القولان؛ لأن من حق 9 المدعى عليه أن يعلم البينة، وينظر في تجريحها 10 وهذا لا يقدر عليه إلا

أن يخرج، ومن حق المدعي أن لا يبطل حقه، وهو يقول عندي بينة تشهد به، وإشخاصها يتعذر فكان وضع قيمته 1 لتغليب أحد الضررين أقرب.
واختلف في النفقة على العبد في حال الوقف، ولمن غلته إن ثبت الاستحقاق، وفي مصيبته إن هلك.
فقال مالك -في المدونة-: نفقته على من يقضى له به، وغلته لمن هو في يديه؛ لأنه إن هلك كان في ضمانه.
وقال ابن القاسم -في العتبية-: نفقته الآن عليهما، فمن قضي له به، رجع على صاحبه بتمام النفقة.
وقال مالك -في العتبية-: إن هلك في الوقف ثم ثبت 2 للمستحق كانت مصيبته منه، وقاله ابن القاسم 3 قال: إلا أن تكون جارية والمشتري مقر بالوطء، وأنه لم يستبرئ فتكون المصيبة من المشتري، ولا يرجع بالثمن.
وعلى قول مالك هذا أن المصيبة من المستحق، إن ثبت له تكون الغلة له.
وقال سحنون: المصيبة من المشتري حتى يحكم به للمستحق.
وأرى أن المصميبة من المستحق؛ لأن المشتري يقول، أخرجته من يدي وحلت بيني وبينه، فإذا ثبت لك 4 كانت المصيبة منك، وإذا كانت المصيبة منه، كانت الغلة له بالضمان 5، وقد قال بعض أهل العلم، في الغلة التي كانت قبل الاستحقاق، أنها للمستحق وهو ها هنا أبين.

فصل [فيمن ادعى عبدًا فزعم الذي في يديه أنه لِغائب]

وقال سحنون -فيمن ادعى عبدًا وأقام لطخا- فقال الذي هو في يديه: هو لفلان الغائب، فإن أثبت ذلك كانت الخصومة بين المدعي والغائب، وإن لم يثبت ذلك لم يصدق، وحلف فإن نكل دفعه إلى المدعي بغير يمين، فإن جاء المقر له فصدق المقر أخذ العبد؛ لأن من هو في يديه يتهم، أن يكون أراد إبطال الخصومة عن نفسه.
وأرى إذا كان مدعي العبد، لا يقول لمن هو 1 في يديه إني أودعتك إياه ولا رهنتك، فإن صفة يمين من هو في يديه، أن فلانًا أودعه إياه، فإن حلف بقي في يديه حتى يقدم الغائب، وإن نكل سلمة ولا شيء عليه 2 للغائب، ولم يكن عليه أن يحلف ليبقى في يديه، وكذلك إن قال المدعي إنك تعلم أنه لي، ولم يدع أنه أودعه عنده 3 ولا رهنه؛ لأنه يقول للغائب أنا شاهد لك 4، فإن صحت شهادتي حلفت وأخذته، وإن لم يشهد كان بمنزلة من كتم شهادته، وإن قال أنا دفعته إليك، كان له أن يحلفه، وإن كان المقر له به 5 حاضرا؛ لأن المدعي 6 يقول أنت أتلفته علي، بإقرارك أنه لفلان، فإن نكل حلف المدعي أنه

دفعه إليه وأغرمه قيمته، وله أن يحلف المقر له به (1) أنه لا يعلم أنه له، فإن نكل حلف المدعي وأخذ عبده، ولا يكون له على من كان في يديه شيء.

فصل [العبد أو الجارية يدعيان الحرية]

وقال مالك -في كتاب محمد في العبد أو الجارية، يدعيان الحرية ويذكران أن لهما بينة غائبة، ويريدان أن يمكنا من طلبهما-: فلا أرى ذلك لهما، إلا أن يأتيا بأمر فيه شبهة الحق ويأتيا بحميل، وإن ثبت أحدهما وادعى آخر بعيد الغيبة، لم يقبل منه ومكن سيده منه، إلا أن يأتي بشاهد آخر.
وقال أيضًا: يحبس ولا يخلى يذهب، ويوكل من يطلب شهوده، وإن كانت جارية وأثبتت شاهدا 2، وقف السيد عنها فإن كان مأمونًا أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون رأيت أن توقف، ويضرب له أجل الشهرين ونحوهما.
وقال أصبغ: إن كانت من الوخش، رأيتها مثل العبد يخلى سبيلها تطلب منافعها 3 إذا جاءت بحميل، وإن كانت رائعة فلا، وتؤمر أن 4 توكل أو يجعل لها السلطان محتسبًا.
ومن ادعى عقارًا أو أتى بلطخ، منع المدعى عليه من أن يحدث فيها هدما أو بناءا.
قال -في المدونة-: ولا يؤخذ منه الحميل.
وقال سحنون: يؤخذ منه حميل لأن مالكًا لا يرى القضاء على الغائب في الرباع، حتى يعذر إليه ويكاتب، إذا كان قريب الغيبة، ويضرب له الأجل،1

وإن كان قريبًا انتظر 1. قال محمد: إن هرب بعد أن ذكر حجته واستقصى التلوم 2 حكم عليه.
وأرى أن يؤخذ منه حميل 3، إن طلب ذلك المدعي في أول الخصومة، وليس ذلك له إن استقصى حجته؛ لأنه إن هرب حكم عليه على قطع دعواه، ولم يوقف على حجته 4. ومن المدونة فيمن ادعى ما لا يبقى، وشرع إليه الفساد كاللحم ورطب الفواكه، وأتى 5 بلطخ أو بينة لا يعرفها القاضي، وقال الجاحد وهو البائع، أو المدعي وهو المشتري، يخاف فساده أولم يقولاه، فإن أثبت لطخًا وقال لي بينة حاضرة، أو أقام شاهدًا وقال عندي 6 شاهد آخر ولا أحلف، فإن أيحضر ما ينتفع به وخشي عليه الفساد، خلي بين البائع وبين مبتاعه، وأما الشاهدان ينظر في عدالتهما، فإن خشي الفساد 7 بيع ووقف الثمن، فإن زكيت 8 قضي به للمشتري، إن كان هو المدعي ويدفع الثمن الذي اشترى به، كان أقل أو أكثر، ويقال للبائع أنت أعلم بما زاد ثمن المشتري عندك، وإن لم تزك البينة دفع الموقوف للبائع، وإن ضاع الثمن قبل ذلك، كان ممن يقضى له به.
فأجاز 9 الشهادة على ما لا يعرف عينه، بعد

المفارقة إذا أثبت لطخًا، أو أقام شاهدًا وقال آتي بآخر، ولم ير أن يباع إذا أثبت لطخًا؛ لأنه لا يباع على إنسان ملكه باللطخ، وكذلك الشاهد إذا قال لا أحلف معه، ولو قال إن لم أجد آخر حلفت معه لبيع.
وأرى إذا بيع لينظر في البينة ثم عدلت، أن يكون المشتري بالخيار بين ثلاثة أوجه 1: بين أن يفسخ عن نفسه؛ لأن البائع لم يمكنه منه 2، ويغرمه مثله أو يأخذ ما بيع به، إذا كان الأول جزافًا، ويغرم الثمن الذي اشترى به، وإن لم تزك البينة كان الموقوف للبائع، ولا شيء له على المشتري إن بيع بأقل، والفرق بين الموضعين، أنه في الأول إذا أثبت البينة بالبيع، كانت شهادته على البائع بالتعدي فأجري على حكم المتعدي، وإن لم تعدل كان الأمر محتملًا، هل تعدى المشتري في دعواه؟ والاختلاف شبهة، وأرى 3 إن أتى بلطخ فسلم إلى البائع، لما خشي عليه ثم ثبتت البينة بالبيع، كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه البيع أو يغرمه المثل، ولا تقبل الشهادة فيه على الصفة بعد تسليمه، وإن كان البائع المدعي للبيع، وأنكر الآخر الشراء، وبيع لتعديل البينة، فإن عدلت كان ما بيع به للمشتري وغرم الثمن، وإن لم تعدل كان ما بيع به لصاحبه.

فصل [فيمن ادعى على رجل أنه قذفه]

ومن ادعى على رجل أنه قذفه لم يحبس 1 له، قال ابن القاسم: فإن قال بينتي قريبة، أجيئك بها العشية أو غدًا، وقف ولم يحبس.
قال: وكذلك القصاص في الجراح وما يكون في الأبدان، فلا يأخذ به كفيلًا.
يريد أنه يجعل معه من يلازمه ليلًا، يغيب ولا يحبس؛ لأن في الحبس معرة 2، فإن أثبت لطخًا بينًا أو بينة يحتاج إلى تعديلها حبس، فإن ثبت حد، وإن لم يثبت كان فيما تقدم من الحبس عقوبة.
وأما الجراح فإن أتى بأثر الجرح، وهو متعلي به كان لطخًا ويسجن، وإن ادعى ذلك عن يوم فرط 3 لم يسجن، إلا أن يأتي بلطخ.

باب في الشاهد يشهد بمال، أو نكاح، أو طلاق، أو تمليك، أو عتق أو نسب، أو ولاء، أو سرقة، أو قذف، أو شرب خمر، أو زنا، أو قتل، أو جرح 1، أو وكالة، أو يشهد لصبي، أو لسفيه، أو غائب أو مديان، أو لعبد، أو ذمي، أو على حبس، أو صدقة

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: قضى بشاهد ويمين.
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فقال ابن عباس -في كتاب مسلم-: "قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ" 2. وقال أبو هريرة -في الترمذي-: "قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ" 3. وعن سعد بن عبادة [قال] 4: "قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ" 5. فأتى في الحديث الأول بلفظ النكرة، فعلم أنه لم يرد الجنس.
وفي حديث أبي هريرة قال بالشاهد الواحد، وهو نص منه 6 على جواز الاقتصار عليه مع اليمين.
وكذلك حديث سعد، ولا يعترض هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم -:

﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]؛ لأن المراد بالآية الاستعداد بالشهادة وقت المداينة، أن تكون على صفة ترفع الاختلاف والأيمان والجحود والشنآن لئلا يتلف مال الطالب، أو يتكلف اليمين أو يحلف الآخر إنما ورد الحديث فيمن لم يفعل ذلك، إما لأن الطالب فرط فأشهد واحدًا، أو لأنه عدم تمام الشهادة، أو لأن ذلك كان باعتراف المدعى عليه، أو جرح أحد شهوده أو غاب أو مات، ولم يجد من يشهد على خطه 1، والشاهد مع اليمين يصح في الأموال، ولا يصح في النكاح والطلاق 2 والتمليك والعتق والولاء والنسب، فإن شهد على نكاح لم يحلف المشهود له مع شهادته، ليثبت النكاح.
واختلف في يمين المشهود عليه، فقال ابن القاسم: إن أقام رجل شاهدًا بنكاح، وأنكرت 3 المرأة لم يحلف.
وقال -في كتاب محمد-: إن ادعت امرأة على رجل، أو رجل على امرأة النكاح، فلا يمين بينهما ما لم يكن شاهدا.
يريد فيحلف المشهود عليه من رجل أو امرأة.
وقال -فيمن زوج رجلًا أو امرأة، وزعم أنه وكيل على ذلك، فأنكر المدعى عليه الوكالة بعد أن قدم-: أنه يحلف الرجل أو المرأة، أنه لم يوكله.
فإذا حلف بدعوى الوكالة، مع كون الوكيل غير عدل، وهو يدفع عن نفسه التعدي، كان أحرى أن يحلف المدعى عليه مع الشاهد العدل.
وقال ابن حبيب: يحلف الرجل أنه ما وكل، ولا تحلف المرأة أنها ما وكلت؛ لأنها إن نكلت لم تكن زوجة.
وهذا أحسن؛ لأن المطلوب منها لا يصح تسليمه مع النكول.

وأرى أن تطلب باليمين رجاء أن تقر 1، ويحلف هو إن ادعت عليه الوكالة؛ لأن المطلوب منه مال، فإن نكل حلفت وغرم نصف الصداق على قول ابن القاسم، إلا أن يحب هو البقاء على النكاح، فيحضر الولي ويجدد العقد، وتجبر هي 2 على ذلك.
واختلف إذا شهد شاهد 3 بعد موت الزوج، أو الزوجة فقال ابن القاسم: لمجلف المشهود له ويستحق الميراث والصداق، و 4 إن كان الشاهد لها.
وقال أشهب: لا يستحق ذلك 5 إلا بشاهدين، وقد تقدم ذلك، وإن شهد بطلاق أحلف الزوج.
واختلف إذا نكل فقال مالك: تطلق، وبه أخذ أشهب.
وقال أيضًا: يسجن أبدًا حتى يحلف.
وقال: إن طال سجنه خلي.
وبه أخذ ابن القاسم، قال: والطول سنة.
فرأى أشهب أنه لما اجتمع قول العدل والنكول، قويت الظنة ففرق بالشك ولم يثق به 6 واستحسن محمد قول ابن القاسم وقال: لأني لو حكمت عليه بالطلاق لكنت حكمت 7 عليه 8 بشاهد بلا يمين، وذلك في الحكم أدنى من الحكم في دينار أو 9 درهم.

وأرى أن يخرج بعد السنة ولا يمكن منها؛ لأن الشهادة تتضمن حقًا للمرأة وحقا لله -سبحانه-، والأصل فيمن تعلق له حق قبل آدمي، فنكل عن اليمين أن لا يسقط ذلك الحق بالنكول، وهو مطالب به أبدًا، فمن حقها أن لا تمكنه حتى يحلف، فإن أسقطت حقها ووضعته 1 منع لحق الله -تعالى- قياسًا على حق الآدمي، وكذلك إن شهد شاهد بعتق فنكل السيد، أعتق عليه على أحد القولين، وإن شهد بتمليك كان كشاهد على طلاق، ويحلف الزوج ويبرأ 2. ويختلف إذا نكل الزوج 3 واختارت الزوجة الطلاق، هل تطلق عليه؟ فإن شهد بخلع فإن كان هو القائم بالشاهد، كان كشاهد على مال؛ لأن الطلاق بيده، وهو مقر بالطلاق فيحلف ويأخذ المال، وإن كانت المرأة هي القائمة به كان كشاهد على طلاق، فيختلف إذا نكل الزوج هل تطلق عليه؟ 4، وأرى أن يمنع منها 5 حسب ما تقدم.
وإن شهد على نسب أو ولاء، لم يحلف مع الشاهد، إن كانت الشهادة على حي، وإن كانت على ميت ليرث منه، وكان للميت ولد ثابت النسب، أو مولى 6 معروف وأثبت هذا أنه ولد الميت، أو مولى مع الأول حلف من ثبت نسبه، أو ولاؤه وكان أحق بالميراث، واليمين إن ادعى الطارئ المعرفة 7.

واختلف إذا لم يكن هناك نسب ثابت سوى الطارئ، هل يحلف ويرث أو يكون الميراث لبيت المال.
وأرى أن من أقام شاهدًا أولى، وقال ابن القاسم -فيمن ادعى على رجل أنه عبده فأنكر وقال أنا حر-: فليس له أن يحلفه إلا أن يقيم شاهدًا فيحلف ويستحق.
وقال سحنون: ليس ذلك له إذا كان معروفًا بالحرية.
وأرى إن لم يكن معروفًا بالحرية، ولا عبودية أن يحلف ويستحق، وإن كان مشهورًا بحرية وأنه ابن فلان الحر، لم يستحق بشاهد ويمين ولا بشاهدين، إلا أن يثبت استحقاق أمه، أو ما أشبه ذلك مما يخفى، ويبطل ما كان به معروفًا.

فصل [في الشهادة بحد والإشهاد عليه]

ويفترق الجواب إذا شهد بحد، فإن شهد بزنا على المعاينة أو الإقرار حد.
واختلف إذا نقل ذلك عن غيره.
فقال ابن القاسم: يحد 1. وقال محمد: لا يحد إذا قال أشهدني فلان، إلا أن يقول هو زان 2 أشهدني فلان.
وهو أحسن؛ لأنه إذا قال أشهدني فلان ولم يقل هو زان 3 ليس بقاذف؛ لأنه يقول لا نعلم المنقول عنه صدق أو كذب، وإنما أنقل كلامًا والله حسيبه إن كذب.
وإن قال هو زان 4 أشهدني فلان بذلك، كان قد صدق المنقول عنه 5.

واختلف إذا قال رأيت فلانا مع فلانة، أو بين فخذيها، فقال ابن القاسم: يعاقب الشاهد.
وقال غيره: لا يعاقب.
ويجري فيها قول ثالث: أنه إن كان الشاهد عدلًا لم يعاقب.
ورابع: إن كان المشهود عليه ممن لا يظن به ذلك، عوقب الشاهد.
وإن كان ممن يظن به لم يعاقب.
واختلف إذا شهد على رجل أنه شرب خمرًا، فقال -في المدونة -: ينكل الشاهد.
وقال -فيمن شهد على رجل بالسرقة-: إن كان لها من يطلبها 1 لم يعاقب.
يريد عدلًا كان أو غير عدل.
قال: وإن لم يكن لها 2 من يطلبها والشاهد عدل لم يعاقب 3. وإن لم يكن 4 عدلًا عوقب.
وعلى قوله في عقوبة 5 الذي قال رأيته بين فخذيها، يعاقب الشاهد ها هنا وإن كان عدلًا.
وقال مالك -في المبسوط فيمن شهد 6 بالسرقة، أو بشرب الخمر-: لا عقوبة عليه.
وقال ابن نافع -في كتاب المدنيين -: إن شهد بذلك على من له هيئة نكل، وإن كان ممن يتهم 7 بذلك فلا شيء عليه.
فأوجب 8 العقوبة في القول الأول، قياسًا على شاهد الزنا، ولم يجعل عليه عقوبة في القول الآخر؛ لأن الأصل في البينات إذا لم تثبت شهادتها أن لا عقوبة، فكان الحد على من

شهد بالزنا، تسليما لقول عمر - رضي الله عنه -، وما سواه باق على الأصل 1، وفرق في القول الآخر بين العدل وغيره؛ لأن العدل لا يتهم، إلا 2 أن يكون قصد أذى المشهود عليه، ويتهم بذلك من ليس 3 بعدل.
وأرى أن يعاقب إذا كان غير عدل، والمشهود عليه ممن لا يظن به ذلك، ولا يعاقب العدل، وإن شهد على من لا يظن به 4، ولا غير العدل إن شهد على من يظن به ذلك 5، وإن شهد بقذف أحلف المقذوف عليه وبرئ.
ويختلف إذا نكل، هل يحد أو يسجن أبدًا حتى يحلف، أو يخرج بعد سنة قياسا على الطلاق والجراح؟ هل يطلق عليه ويقتص منه عند النكول؟ واختلف إذا شهد بما دون القذف من الشتم، فقال مالك -في العتبية-: لا يقضى في هذا بشاهد ويمين، ولكن إذا كان الشاتم من أهل السفه والفحش عزر.
قيل له: أفعلى الشاتم يمين.
قال: نعم.
وقال -في كتاب ابن حبيب-: يحلف 6 مع الشاهد فيما عدا الفرية.
وقال أبو مصعب: إن شهد بحد أو شتم 7 حبس، فإن لم يثبت غير شاهد، أحلف وخلي عنه، وإن لم يحلف ألزم السجن أبدًا، حتى يحلف أو يقر.
يريد 8

فيؤخذ بإقراره، وكذلك إن شهد بالطلاق، أو العتق فأقر بعد طول السجن، أخذ بإقراره 1 لأن السجن إكراه بحق، بخلاف الإكراه ظلمًا، وإن شهد بقتل خطأ أو عمد أقسم مع شهادته 2، وكان العقل على العاقلة في الخطأ، والقصاص في العمد، فإن نكل الأولياء ردت القسامة في الخطأ على العاقلة، فإن نكلوا غرم 3 الدية مؤجلة 4، وردت القسامة في العمد على القاتل.
واختلف إذا نكل، فقال مالك: يسجن أبدًا حتى يحلف.
وقال أشهب: إذا طال سجنه وأيس أن يقر أو يحلف 5، ألزم 6 الدية في ماله 7. واختلف إذا شهد بجرح، هل يحلف معه المجروح أو لا يحلف، أو يفرق بين ما صغر أو عظم؟ وإذا ثبتت اليمين على المشهود عليه، لنكول المشهود له، أو لأنه لا يمكن من اليمين، على القول الآخر، فنكل المشهود عليه سجن أبدًا حتى يقر أو يحلف 8. وعلى القول 9 الآخر يخرج بعد سنة.
وقال أشهب -في مدونته-: يقطع وذكر ذلك عن ابن القاسم، في كتاب الأقضية من المدونة 10.

في بعض الروايات أنه يقطع (1). وأرى أن يسجن أبدا حتى يقر أو يحلف، إلا أن يكون الشاهد مبرزًا في العدالة، والمشهود عليه ممن يظن (2) به فيقتص منه.

فصل [في الشهادة بصدقة لمعين]

وإن شهد بصدقة لمعين، حلف المشهود له واستحق، وإن كانت على الفقراء والمساكين، حلف المشهود عليه وبرئ، وإن كانت الشهادة على ميت، أنه أوصى بذلك والورثة ممن لا يظن بهم العلم، بطلت الشهادة؛ لأن الفقراء والمساكين 3 لا يحلفون في مثل هذا 4، والورثة لا علم عندهم.
وإن كانت الوصية لمعين حلف واستحق، فإن نكل لم يكن له شيء، ولم ترد اليمين على من لا علم عنده، وإن شهد بحبس على معينين حلفوا واستحقوا، ومن نكل سقط حظه 5 وحده وردت اليمين على المحبس، وإن كانت على غير معينين، كالسبيل والفقراء والمساكين، حلف المشهود عليه وبرئ، فإن نكل ألزم الحبس.
واختلف إذا كان على بني فلان أو عقبه، فقال محمد: الذي يقول به أصحابنا أنه لا يصلح 6 فيه اليمين، وأخبرني ابن الماجشون عن مالك أنه قال:12

إذا حلف الجل 1، نفذ لهم ولغيرهم من غائب، ومن يولد وللسبيل بعدهم.
وقال مالك -في كتاب ابن حبيب-: إن حلف رجل واحد، استحقها حبسا لنفسه ولجميع أهلها 2، ولمن يأتي ممن شرطت عليه من صغير أو كبير 3 أو غائب، قال: وإذا باد شهودها فلم يثبت إلا بسماع، حلف أيضًا واحد من أهلها، مع الذين شهدوا على السماع، أنهم لم يزالوا يسمعون من 4 أهل العدل، أنها حبس على بني فلان ثم يستحقها حبسا.
وكان بعض شيوخنا يقول: إذا شهد شاهد بالحبس على العقب، فمن حلف منهم ممن حضر ثبت نصيبه وحده، ومن نكل سقط حظه وحده 5، وردت اليمين على المشهود عليه، وهو أقيس وهو بمنزلة من شهد لورثة، منهم الحاضر والغائب وحمل لم يولد، فإن لمن كان حاضرًا بالغًا أن يحلف ويستحق نصيبه، ومن نكل ردت له 6 اليمين على المشهود عليه، ومن كان غائبًا أو صغيرًا كان على حقه فيما بعد ولا يستحق يمين غيره 7 ولا يسقط حقه بنكول غيره.

فصل (1) [فيمن شهد على وكالة من غائب]

واختلف إذا شهد على وكالة من غائب، هل يحلف الوكيل؟ والمشهور أنه لا يحلف.
وهو أحسن إذا كانت الوكالة لحق الغائب خاصة، فإن كانت مما يتعلق فيها حق الوكيل؛ لأن له على الغائب دينًا، أو ليكون ذلك المال في يديه قراضًا، أو تصدق به عليه حلف 2 واستحق، إذا كان الموكل عليه 3 مقرًا بالمال للغائب.
وإن كان 4 وكل على قضاء دين، فقضاه بشاهد فجحد القابض، حلف الوكيل وبرئ الغريم، فإن نكل حلف الطالب وغرم الوكيل، إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا حلف المطلوب وبرئ، وكانت تباعة الطالب على الوكيل متى أيسر.
وإن شهد لعبد 5 مأذون له بمال، كان كالحر يحلف ويستحق، فإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ ولا مقال لسيده، وإن كان غير مأذون له حلف واستحق، فإن نكل حلف سيده واستحق.
وإن دفع السيد إلى عبده مالاً، ليقضيه عنه لغريم فقضاه بشاهد، حلف العبد وبرئ السيد، فإن نكل حلف المشهود عليه 6 وغرم العبد، إذا كان مأذونا له موسرًا، فإن كان معسرًا أو 71

غير مأذون له، حلف السيد وبرئ، وإن وكله غير سيده فقضاه (1) بشاهد ونكل عن اليمين، حلف الطالب وغرم العبد إذا كان مأذونا له.
قال محمد: مثل الحر يوكله رجل (2). قال الشيخ: وإن كان فقيرًا أحلف الموكل وبرئ، وكذلك إذا كان غير مأذون له وهو موسر (3) يحلف الموكل.

فصل [في الشاهد الواحد يشهد لصغير بمال]

واختلف إذا شهد شاهد 4 واحد 5 لصغير بمال.
فقال محمد: يحلف المشهود عليه، ويترك حتى يحتلم الصبي فيحلف مع شاهده ويستحق، قال: ويكتب له 6 القاضي قضيته بما يصح عنده، لينفذه له 7 من بعده من القضاة، مات شاهده بعد ذلك أو فسق، فإن نكل الغريم غرم مكانه، ولم يحلف الصغير متى كبر.
وقال مطرف -في كتاب ابن حبيب-: إن حلف 8 المطلوب أخر حتى يبلغ الصبي، فإن نكل 9 أخذ منه الحق إلى بلوغ الصبي 10. وهذا أصوب؛ لأن المطلوب يقول، إنما أحلف يمينًا واحدة 11 تبرئني، وإذا كانت123

يميني الآن لا تبرئني لم أحلف، ويوقف ذلك الحق، فإن نكل الصبي 1 بعد بلوغه، حلف المطلوب وبرئ.
واختلف إذا كان له أب، فصار له مال من أمه، فأراد الأب أن يحلف، لأجل نفقته على الابن.
فقال مالك -في كتاب محمد-: لا أظن ذلك له.
يريد لأن اليمين للصبي، فقد نزع عنها 2 ولا يحلف.
وفي كتاب المدنيين: ذلك للأب.
وإن شهد شاهد لسفيه، حلف معه الآن واستحق؛ لأنه مخاطب بالشرع، وهو كالرشيد في اليمين.
واختلف إذا نكل فقال ابن القاسم -في كتاب ابن سحنون-: يحلف المطلوب ويبرأ ولا يحلف 3 السفيه إن رشد.
قال: وكذلك البكر المولى عليها، تنكل عن اليمين مع شاهدها، فلا يمين لها إذا رضي حالها.
وقال ابن كنانة: لهما أن يرجعا إلى اليمين إذا رضي حالهما، وإن كان قد حلف المطلوب 4. وقال مطرف -في كتاب ابن حبيب-: إن حلف المطلوب ثم رشد السفيه، حلف وقضي له بالمال، وإن نكل المطلوب أولًا أخذ منه المال، فإن حلف السفيه بعد رشده مضى له، وإن نكل رد المال إلى المطلوب.
يريد بعد يمينه، ولم يجعل ما تقدم له 5 من نكول المدعى عليه، يسقط قيامه إذا رشد السفيه.
وهو أحسن 6؛ لأنه يقول إنما أحلف 7 في موضع تسقط عني الدعوى.

وأما إذا كان الطالب باقيًا على حاله، فلا تعجل اليمين في موضع لا تنفعني.
واختلف إذا شهد شاهد لصبي، وحلف المشهود عليه وأخر الأمر إلى أن يبلغ الصبي، هل يوقف الدعى فيه 1 إذا كان معينًا؟ عبدًا أو دارًا أو كان عينًا، والمدعى عليه يخشى فقره أو لا يوقف؟ ويمكن من المدعى فيه حتى يرشد الصبي، وكذلك إذا كان الشاهد لسفيه فنكل على قول ابن كنانة، يختلف 2 هل يوقف له 3 ذلك؟ وإن ثبت على الميت دين بشاهدين 4، وشهد شاهد بالقضاء والوارث صغير، حلف الطالب وأخذ ذلك، فإن بلغ الصغير حلف 5 واسترجع المال، وإن نكل الطالب لم يكن له شيء، وهذا على 6 القول بالوقف 7، إذا كان الشاهد للصبي بدين، أن لا يوقف له من ذمة الغريم.
وعلى القول بالوقف لا يقضى به للطلب ها هنا، وتوقف على يدي عدل، وإن ثبت للميت دين بشاهدين، وثبت للمطلوب شاهد بالقضاء، حلف المطلوب معه وبرئ، فإن نكل أغرم إذا كان الوارث صغيرا، ممن لا يدعى على مثله 8 العلم، فإن كان كبيرا وكان ممن يظن به العلم لمخالطته للميت كالولد وما أشبهه حلف 9.

ويختلف هل يوقف المال من ذمة المطلوب؟ 1 وقال ابن 2 سحنون -فيمن شهد لميت بدين ووارثه أخرس، لا يفهم ولا يفهم عنه-: يحلف المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل غرم.
قال: وكذلك المعتوه يحلف المدعى عليه، فإن نكل غرم، وإن حلف ثم عقل المعتوه حلف واستحق.
وإن شهد شاهد لغائب بدين 3، لم يطلب الغريم من غير وكالة، وإن شهد أن هذا 4 غصب له شيئا في غيبته 5، كان للحاكم أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل وقف الشيء المغصوب حتى يغرم، وفي كتاب القذف ذكر من قذف غائبا، وهل يقام له به 6 من غير وكالة؟ وقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب فيمن عليه دين-: وشهد له شاهد بدين ونكل المشهود له فإن لم يكن ضرب على يديه لم يكن لغرمائه أن يحلفوا مع الشاهد ويستحقوا، ونكوله كإقراره، وإن ضرب على يديه كان لهم أن يحلفوا مع الشاهد ويستحقوا، ويحلف كل واحد منهم، أن الذي شهد به شاهده حق 7، فيحلف على جميع الحق، وليس على ما ينوبه، ومن نكل لم يكن له أن يحاص من حلف.
قال مطرف ومن رجع من الغرماء 8

بعد نكوله لم يقبل.
وقال ابن الماجشون: يقبل 1 وليس كنكوله عن حق نفسه ما لم يحكم، فلا يكون له أن يحلف.
واختلف فيمن حلف فقال ابن الماجشون: يكون له بقدر نصيبه 2. وقال محمد بن عبد الحكم: له 3 جميع حقه من ذلك الدين.
وقال أصبغ: إن شهد شاهد أنه قضى دينًا عليه ثم نكل، لم يكن لغرمائه ولا لورثته أن يحلفوا مع الشاهد، بخلاف أن يشهد بحق لغريم، قال: لأنهم ها هنا يحلفون لقد دفع، وهذا من الغيب فلا يحل، إلا فيما جاء من القسامة.
يريد إذا كان عندهم علم 4 أن للغريم الدين 5 الذي شهد به الشاهد، ولا علم عندهم مما شهد به في القضاء، وإن كان عندهم علم حلفوا، وإن كان لا علم عندهم بما شهد به الشاهد، من الدين لم يحلفوا.
وقد اختلف عن مالك في هذا الأصل: فأجاز مرة أن يحلف مع الشاهد، وإن لم يكن عند الحالف علم، كالشهادة للصغير إذا كبر 6. وقال أيضًا: لا يحلف إلا أن يستيقن صحة الشهادة.

فصل [في الشهادة بمال ونكول المشهود له عن اليمين]

واختلف إذا شهد شاهد بمال، فنكل المشهود له عن اليمين، وحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهدًا آخر بمثل ذلك الحق.
فقال محمد: يستأنف الحكم ويحلف مع هذا الثاني، وإلا رد اليمين فيحلف المدعى عليه ثانية.
قال: لأن يمين المدعي لو حلف مع شاهده الأول، يحلف أن له هذا الحق عليه، وأن الذي شهد له به شاهده حق، فإن نكل حلف المطلوب ما له عليه ما ادعاه 1، وأن الذي شهد به شاهده 2 لباطل.
وقال ابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب عن مالك 3 عن هذا 4 -: أن الشهادتين تضمان ويقضى بهما وتبطل يمين المطلوب.
وذكر ابن كنانة عن مالك: أنه قال: لا يضم الثاني إلى الأول، ولا يحلف مع الثاني؛ قال 5 لأن يمينه كانت قائمة 6 مقام الشاهد، فلما أبى أن يحلف لم يكن له أن يرجع فيحلف ويأخذ بها.
فرأى محمد أن المدعي يحلف لقد صدق الشاهد، وإذا رد اليمين حلف الآخر لقد كذب الشاهد، وإذا حلف على تكذيبه لم يصح أن يرجع فيأخذ به.

ورأى 1 ابن كنانة أن يمين الدعي 2 كانت على الوجهين، لقد صدق الشاهد وأن الذي أدعيه 3 حق، فلما نكل حلف المدعى عليه، على تكذيبه في الوجهين جميعا 4، أن الشاهد شهد بباطل وأن دعواك باطلة، فلم يصح أن يحلف مع الثاني؛ لأنه إن حلف يحلف أن الشاهد شهد بحق وأن دعواي حق، والمطلوب يقول قد تقدمت يميني، أن دعواك كانت باطلًا، فلا يصح أن ترجع وتحلف، أنها حق بعد ما حلفتني أنها كذب، فلا يأخذ هذا 5 الحق إلا بشاهدين غير الأول.
ويختلف إذا كان لطخ من غير شاهد، فحلف المدعى عليه، ثم وجد المدعي شاهدًا، فقول ابن القاسم وغيره: أنه يحلف مع الشاهد ويستحق.
وقول ابن كنانة في كتاب ابن حبيب: ليس ذلك له.
قال: لأنه لا يسقط يمينًا قد درأ بها حقًا بيمينه مع شاهده، ولكن إن أتى بشاهدين.
قال الشيخ 6: وقوله في هذا ضعيف وليس كالأول؛ لأن الأول كان له أن يحلف فنكل، والمدعي ها هنا غير قادر على اليمن ولم ينكل، فأشبه الشاهد على الطلاق، فحلف الزوج ثم وجد شاهدًا 7 آخر، فإنه يضم إلى الأول قولًا واحدًا؛ لأن المرأة لم تنكل، والصواب في الجميع أن تضم الشهادتان، والبينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة.

وكذلك إن شهد شاهد بعتق، فحلف السيد ثم وجد آخر ضم إلى الأول، وقضى بالعتق كالطلاق، وكذلك إن شهد شاهد بصدقة، أو حبس على الفقراء، أو شهد لصغير، فحلف المشهود عليه في جميع ذلك، ثم شهد آخر بمثل ذلك، تضمان ويقضى بهما، وكذلك كل موضع لم (1) ينكل المشهود له عن الأول، إلا أن يفسد الشاهد الأول، فلا يقضى به الآن، إلا أن يكون قد حكم القاضي للصغير، وأوقف الأمر ليكبر ويحلف، فلا تسقط شهادته بجرحة حدثت، بخلاف الشاهد على الطلاق.

فصل [في حلف المدعى عليه باللطخ]

وإذا حلف المدعى عليه باللطخ، ثم أثبت المدعي شاهدين على ذلك الحق، ولم يعلم بهما أو علم وكانا بعيدي الغيبة أخذ بهما.
واختلف إذا كان عالما 2 وهما حاضران، فقيل: لا يغرم 3 بهما ويحمل تحليفه على الترك للبينة.
وقال مالك وابن وهب -في كتاب محمد-: يقوم بهما.
وقال أبو الحسن ابن القصار: ووافق مالكًا على هذا القول الشافعي وأبو حنيفة.
وأرى أن يسأل لم حلفه مع علمه بالبينة؟ فإن قال رجاء أن ينكل ولا أتكلف بينة، أو لأن ذلك أقرب لأخذ حقي من ضرب الآجال، إن ادعى منفعة في البينة، أو خوف أن يجرحها، أو ليتبين أنه ممن يحلف كاذبًا، أو لأن السعي في التعديل يشق علي، إذا كانا لا يعرفان بعدالة، قبل قوله ويستظهر1

بيمينه 1 في مكانه، أنه لم يكن تاركا لها، وإن أشهد أنه يحلفه ليقوم بالبينة، كان ذلك قولًا واحدًا ولم تسقط البينة 2، ومن حق المطلوب إذا قال الطالب لي بينة، أن يقول له أقمها وإلا 3 أحلف، إلا أن يسقطها، إلا أن يعلم من المطلوب 4 الشرور 5 والأذى للبينة إن شهدت، فله أن يبتدئ بيمينه، فإن نكل كان الطالب بالخيار بين أن يحلف أو يقيم البينة.

باب [في اختلاف البينات]

وإن ادعى رجلان دارًا أو عبدا، فأقاما البينة اعتبر أربعة أوجه: هل هو في يد أحدهما؟ أو في أيديهما جميعًا 1؟ أو تحت يد ثالث؟ أو لا يد عليه 2؟ والبينة مختلفة العدالة والعدد 3 أو متساوية؟ فإن كان بعضها أعدل قضي بها، من غير مراعاة للمدعى فيه حيث هو، ولا يد من هو 4 عليه؟ وإن تكافأتا في العدالة افترق الجواب.
فإن كان بيد أحدهما كان له بعد يمينه وإن كان بأيديهما حلفا وكان بينهما، وإن كان تحت يد ثالث يدعيه لنفسه، كان فيها 5 قولان: فقيل: ينتزع من يده ويكون بينهما؛ لأن البينتين اتفقتا على انتزاعه من يده.
وقيل: يبقى لمن هو تحت يده؛ لأنه يقول البينتان جرح بعضها بعضا، أو أوقف بعضها بعضًا، وأي ذلك كان فلا ينتزع شيء 6 من يدي.
وإن اعترف به لأحدهما كان على القولين، فمن قال أنه إذا 7 ادعاه لنفسه يقر في يديه، يجعله الآن لمن أقر له به, ومن قال أنه ينتزع منه ويقتسمانه بمنزلة ما لو لم يقر؛ لأن البينتين اتفقتا أنه لا حق له فيه،

وإن لم تكن عليه يد لأحد 1 وقف خيفة 2 أن يأتي من هو أحق به منهما، وبأثبت مما أتيا به وإلا كان بينهما.
واختلف إذا تنازعا عفوا من الأرض، فقيل: هو بينهما 3 بمنزلة ما لا يد عليه فيقتسمانه.
وقال -في المدونة-: تبقى كغيرها من عفو بلاد المسلمين.
يريد لأن العبد والدار لابد أن يكون لهما مالك، وعفو الأرض يصح أن يكون لا مالك لها، فيكون خراجها لبيت المال، وعلى قوله في الأرض أنها تبقى، يكون العبد والدار لمن هما في يديه.
واختلف في الترجيح 4 بالأكثر والأعدل إذا تكافئا، على ثلاثة أقوال: فرجح في المدونة بالأعدل ولم يرجح بالأكثر.
قال ابن القاسم: وكذلك لو شهد لهذا شاهدان، ولهذا مائة وتكافؤوا في العدالة.
ومحمل قوله على 5 الغايات 6 ولو كثروا، حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بهم؛ لأن القضاء بالاثنين، لغلبة الظن.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه قال: إذا تساووا في العدالة قضي بالأكثر، فإن كان كلاهما كثيرا 7، يكتفي بهم الحاكم فيما يلتمسه من الاستظهار بالاستكثار، لم ينظر إلى الأكثر.
قال 8: وسمعت غير واحد 9 من علمائنا

يقول 1: إذا شهد عدلان ومن هو أعدل منهما، أو أكثر عددًا سواء.
ويختلف إذا أقام أحدهما شاهدين، والآخر رجلًا وامرأتين، أو شاهدًا واحدًا وقال أحلف معه، فأوقف ابن القاسم شهادة رجلين، بشهادة 2 رجل وامرأتين، إذا تكافؤوا في العدالة، وبداهم على الرجلين إذا كانوا أعدل، وإن تضمنت تجريح الآخرين؛ لأن كل فريق يقول إن الآخرين كذبة مجرحون، لا تجوز في هذا ولا في غيره.
وقيل: في هذا الأصل إنه تجريح، فينبغي أن تقدم شهادة الرجلين.
واختلف إذا شهد لأحدهما شاهدان، وللآخر شاهد.
فأجرى ابن القاسم شهادة الواحد مع اليمين مجرى الشاهدين فإن كان أعدل قضى به مع اليمين القائم به وإن كان مكافئا للآخرين، ولا يد على المدعى فيه، حلفا وكان بينهما، وإن كان بيد من أقام الشاهد حلف وكان له.
وقاله أشهب مرة، وقال أيضًا: الدار لصاحب الشاهدين.
قال محمد: مذهب أشهب أن لا ترد شهادة الرجلين بواحد؛ لأنها جرحة.
فعلى قوله أنها جرحة، يقضى بشهادة الرجلين دون الرجل والمرأتين؛ لأن النساء لا يجرحن الرجال.
وإن أرختا قضى بالأقدم، وإن كانت الأخرى أعدل 3، وسواء كانت الدار 4 تحت يد أحدهما، أو تحت أيديهما، أو تحت يد ثالث، أو لا يد عليها.
واختلف إذا أرخت إحداهما، هل تكون لمن أرخت، أو بمنزلة ما لم يؤرخ؟ وقد ذكرت الروايات على 5 ما وردت.

وأرى إذا كان العبد في يد أحدهما، أن تسأل البينتان 1 عن تقدم التاريخ، وإن لم يعلموا حقيقته؛ لأنه لا يصح أن يجهلا 2، هل ذلك خمس سنين، أو عشرة؟ فإن قالا جميعا هو نحو عشرة سنين 3 تزيد سنة أو تنقص سنة، وإن يد كل واحد عليه إلى الآن كان تكاذبا فيقضى بالأعدل، فإن تكافئتا بقيت اليد واقتسماه إن كان في أيديهما، وإن كان بيد ثالث بقي له، وكذلك إذا قدرا ذلك، وقالت إحداهما لم تزل يده عليه 4. وقالت الأخرى خفي عنا 5 تمادي يده، وقال القائم بها لم تزل يدي عليه 6، فهو تكاذب من إقرار القائم بها، وإن قالتا كان ذلك من 7 ذلك الوقت جميعه يملكه أحدهما 8، ثم أبق منه أو غصب 9 صح، أن لا يراعى الأعدل كما ذكر ابن حبيب، لإمكان صدق جميعهما، وأن يكون قد ملكه أحدهما 10، ثم أبق منه ثم ملكه الآخر فأبق منه، فلا يرجح باليد لأنه إن 11 قال لم يزل يدي عليه إلى الآن، كان قد كذب بينته؛ لأنها قالت أبق منه وزالت يده عنه، ولا نعلم متى رجع، وإن كان بأيديهما الآن بعد

جارٍ التحميل