ويمنع على القول الآخر؛ لأن السميد إذا سُحق زاد ريعه، وإن كان هذا قول بعض المخالفين، فهو قياس أحد قولي مالك، ولا يجوز الفضل بين العجينين، واختلف عن ابن القاسم في العتبية هل يباع أحدهما بالآخر على التحري؟ والمنع أصوب؛ لأنه لا يبلغ معرفة ما خالط كل واحد من الماء.
وكذلك الدقيق بالعجين لا يجوز على تفاضل، ويختلف إذا كان 1 تحريًا.
واختلف قول مالك في هذا الأصل في اللحم الطري بالقديد على التحري 2، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه تحريًا 3، ولا يجوز الفضل بين الخبز والكعك إلا أن يكون فيه أبزار.
ويجوز ذلك بين الإسْفنجة 4 والخبز والكعك؛ لأن الزيت ينقل طعمهما، كما ينقل الأبزار 5، وبين الخبز والسويق؛ لأن منافعهما وطعومهما متباينة 6، وكره مالك الحنطة المبلولة بالمقلوة حتى تطحن، وأجازه ابن القاسم 7.
واليابسة بالمقلوة كذلك 8، ويجوز الدقيق بالمقلوة قولًا واحدًا؛ لأنه قد فات أن يعمل من أحدهما ما يعمل من الآخر 9، واختلف في الحنطة المبلولة
بالمبلولة فمنعه مالك؛ لأن البلل يحتلف (1). وقيل: ذلك جائز إذا كان ما بُل هذا مثل ما بُل به الآخر (2). وأما المقلوة بالمقلوة، فإن كانا قد بُلا (3) قَبْلُ لم يجز، لإمكان اختلاف البلل، وإن لم يبلا وتساوى القلي جاز؛ لأن البل (4) ينفخ القمح عما كان قبل.
فصل [في أصناف القطاني والتفاضل بينها]
لا خلاف في القطاني 5 أنها لا تضاف إلى القمح وما ذكر معه وأن الفضل بينهما جائز، واختلف هل هي صنف؟ فجعلها مالك مرة صنفًا لا يجوز التفاضل فيها 6، ومرة أصنافًا.
وفرق ابن القاسم في كتاب محمد فقال: القطاني أصناف ما خلا الحمص باللوبيا والبسيلة بالجلبان، فإنهما متشابهان في الأكل والمنفعة 7.
وفي السليمانية: الحمص واللوبيا صنفان، والقول إن جميعها صنف أحسن 8، وهي في تقاربها أشبه من الشعير والسلت بالقمح والترمس من القطنية.
واختلف في الكرسنّة: فقال مالك في العتبية: هي من القطنية وتزكى1234
معها 1. وقال ابن حبيب: هي صنف لا تجمع مع القطنية في الزكاة ولا في البيع 2. واختلف في أخباز القطنية بعد القول: إنها إذا كانت حبًا أصناف فقال ابن القاسم: خبزها مختلف كاختلاف حبها 3. وقاله أشهب مرة، وقال أيضًا: لا يصلح ذلك متفاضلًا 4.
قال محمد: وهذا أحب إلينا، وهو مثل سويقه 5. وأرى أن ينظر في ذلك: فإن كان إذا صار خبزًا تباينت منافعه وطعمه جاز التفاضل، وإن كان الأصل مختلفًا كخبز القمح والذرة والأصل مختلف، فالتفاضل إذا صار خبزًا ممنوعٌ.
واتفقا أن سويق القطنية صنف لا يجوز التفاضل بينهما، وإن جاز في حال كونه حَبًّا.
والسويق والخزيرة صنف، فاجاز ابن القاسم بيع أحدهما بالآخر متماثلًا.
وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يجيز القمح بالدقيق، وعلى القول الآخر يمنع؛ لأن الخزيرة جليل السويق، فلو طحن كالسويق كان له ريع.
ولا يجوز الحمص اليابس بالمسلوق متفاضلا؛ لأن ذلك ليس مما يطول، ولا يتكلف فيه كبير مؤنة، ولا متماثلًا؛ لأنه رطب يابس، وكذلك يباس الفول بمسلوقه، وإن كان الفول أكثر مؤنة، وقد يجوز ذلك في الترمس يابسه بما يصلح للأكل؛ لأنه يطول أمره ويتكلف فيه مؤنة 6.
باب في بيع اللحم باللحم نيئه بمطبوخه
وإذا كان اللحم صنفًا واحدًا، جاز بيع بعضه ببعض إذا كانا ذبحا في وقت واحد أو متقارب، وإن بَعُدَ ما بينهما وجف أحدهما دون الآخر لم يجز مثلًا بمثل.
ويختلف هل يتحرى ذلك النقص أو يكون ذلك على وجه التفضل من صاحب الأول، وهما في الجودة سواء، أو كان الأول أجود فيجوز، كما قال في الدنانير القليلة بأوزن منها، وإن كان الأول أدنى لم يجز وكان ربًا 1.
واختلف هل يتحرى عظم كل واحد من اللحمين؟ فالظاهر من المذهب الجواز من غير اعتبار في ذلك.
وقال ابن شعبان: يتحرى أو يفصل 2 منه.
والأول أحسن إذا كانت شاة بشاة أو نصفًا بنصف، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - التمر بالتمر مكايلة 3، وإن كان مختلف النوى وبعضه منتقى والآخر على غير ذلك.
وإن كان لحمًا معظمًا 1 وأحدهما كثير العظام، لم يجز إلا على وجه المكارمة والتفضل من أحدهما للآخر 2، ويعتبر مثل ذلك في قسمته إلا أن المقاسمة تجوز أن يفضل أحدهما الآخر فيعطى أوزن، فإذا جاز أن يعطى أوزن جاز أن يكون مباينًا للعظام ما لم يكن لحمه أحسن، وقد يكون موضع من الشاة أطيب لحمًا.
وأجاز ابن القاسم بيع الرؤوس بعضها ببعض موازنة، وإن دخل في ذلك رأس برأسين، وعلى القول الآخر لا يجوز إلا أن يتحرى اللحم.
واختلف في بيع الشاة بالشاة إذا ذبحتا ولم تسلخا على التحري على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم: لا بأس به إذا كان يقدر فيه على التحري حتى يكونا مثلًا بمثل 3. قال أصبغ في كتاب محمد: لا يجوز؛ لأنه لا يقدر فيه على التحري ويقع فيه اللحم المغيب.
وقال فضل بن سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما إلا أن يستثني كل واحد منهما جلد شاته.
وأرى أن يمنع ذلك كله؛ لأنهما إن دخلا على تسليم الجلود في المعاوضة كان بيع عرض وطعام بعرض وطعام، وهو في هذا بخلاف حلية السيفين إذا كانت تبعًا؛ لأن تلك للضرورة في نزعها، وإنما تشترى لتبقى على حالها، وهذه تنزع جلودها.
وإن دخلا على أن الجلود لأربابها دخله الفساد من وجهين: الغرر؛ لأنه لحم مغيب.
والآخر: التفاضل؛ لأن التحري لا يأتي على المثل بالحقيقة.
وبيع القديد بالقديد، والمطبوخ بالمطبوخ، والمشوي بمثله جائز مثلًا بمثل.
وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد؛ لأن يابسه يختلف، ولا في المشوي بالمشوي؛ لأنه لا يعتدل 1.
وبيع أحدهما بالآخر وبالنيء مثلًا بمثل لا يجوز؛ لأنه رطب بيابس، وهذا إذا كان لا أبزار 2 فيهما 3، فإن كان الأبزار في أحدهما جاز مثلًا بمثل ومتفاضلًا.
قال ابن حبيب: وذلك إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها المنفعة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا.
وقال ابن القاسم في قلية اللحم بالعسل وقليه بخل ولبن: لا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه مطبوخ كله 4. يريد: إذا تعاوضا اللحم باللحم خاصة، وإن أدخل الأوداك في المعاوضة جرى على الخلاف في بيع قمح ودقيق بقمح ودقيق.
والقياس أن يجوز التفاضل بين قلية العسل والخل؛ لأن الأغراض بينهما متباينة.
قال محمد: لا بأس بالأرز المطبوخ بالهريسة 5 مثلًا بمثل، ولا يصلح
الفضل بينهما (1).
قال أصبغ: وهو مثل عجينهما لا يصلح إلا بالتحري (2). يريد إذا طبخ الأرز باللحم والأرز والقمح وإن كانا صنفين فالأصل: يجوز التفاضل بينهما، فإذا صارا إلى هذه الصفة تقاربت منفعتهما، فلم يجز التفاضل وجاز بيع كل واحد منهما متفاضلا.
والقمح بالهريسة، والأرز غير مطبوخ بالمطبوخ؛ لأن إضافة اللحم إلى أحدهما تخرجه عن أصله؛ لأنه نقله عن طعمه، كإضافة الأبزار إلى اللحم، ويجوز بيعه بما لم يطبخ وبما طبخ بغير أبزار متفاضلا.
ويجوز بيع الهريسة بالخبز متفاضلا كان فيها لحم أو لم يكن؛ لأن كون اللحم فيه صنعة، وصنعته غير صنعة الخبز، وإن لم يكن فيها لحم جاز، كما أجزنا القمح بالهريسة.
فصل [في بيع مد قمح أو دقيق بمثله، ومد حنطة أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق]
قال مالك: ولا يصلح مدا قمح ودقيق بمدي قمح ودقيق، وإن كانت سواء كلها، أو بيضاء كلها، وكذلك مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير 3.
قال ابن القاسم: خشي الذريعة، لما يكون بين القمحين من الجودة أو12 = الُبرَّ الذي هي منه يدق ثم يطبخ.
انظر: لسان العرب: 6/ 247.
لفضل ما بين الشعيرين، فيأخذ فضل شعيره في حنطة صاحبه 1.
قال: وهو مثل من باع مائة دينار كيلًا ومائة درهم بمائة دينار ومائة درهم كيلًا 2.
وقال محمد في مدي قمح أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق: إن كان مدا 3 الحنطة ليس أحدهما أرفع من مدي 4 الحنطة والآخر أدنى، كان الدقيق أو الحنطة فلا بأس به، وإن كان مد الحنطة والدقيق كلاهما أجود أو أدنى مما قابلهما أو أحدهما أجود أو أدنى والآخر مثل ما قابلهما جاز، كما قلنا في المراطلة.
قيل لمحمد: لم 5 كره مالك مد حنطة ومد دقيق بمثلهما؟ قال: كرهه مالك للذريعة، ولا بأس به عندي 6.
قال ابن ميسر: لا يعجبني شيء من ذلك، ولا يعجبني قول محمد 7.
يريد: لأن هذا مما يختلف فيه الأغراض، ولا يقطع أن هذا القمح مثل هذا، ولا أن الدقيق مثل الآخر، بخلاف الدنانير، ولهذا نظرها ابن القاسم بدنانير ودراهم، ولم يرها بمنزلتها إذا كانت دنانير كلها؛ لأنه يقطع إذا كانت إحداهما سكة واحدة، وضرب أمير واحد، وبلد واحد، وعيار واحد، ألا فضل لأحدهما على الآخر، فيتقى الفضل في الأخرى، ولا يقطع بمثل ذلك في
القمحين، فقد نجد قائلًا يقول: هذا أسوأ، وآخر يقول: هذا أفضل، وثالثًا يقول: بل الآخر أفضل، ولا نجد مثل ذلك في الدنانير على أن الصواب في الدنانير المنع، كما قال بعض أهل العلم؛ لأنا لا نجدهما يخرجان عن 1 تلك الذهبين المتساويين 2 إلا لغرض علماه وقصدا به المبايعة، ولولا ذلك لأمسك كل واحد منهما الدنانير المتساوية وتراطلا في المختلفة، وهو في القمحين أبين، لاختلاف الأغراض فيهما، وهو حرام لا يحل.
تمَّ كتاب السلم الثالث
بحمد الله وعونه