التبصرة للخميكتاب الجوائح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

الجزء: 10 - الصفحة: 4747

كتاب الجوائح

باب في جوائح الثمار والزرع وغيره، وما يكون جائحته متعلقة بالثلث، وما يوضع قليله وكثيره

1 الأصل في وضع الجوائح في الثمار حديث جابر قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِوَضْعِ الجْوَائِحِ 2. وقال في حديث آخر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا وَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأَخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ". أخرج هذين الحديثين مسلم 3. ولا تخلو جائحة الثمار إذا بيعت بعد الطيب من خمسة أوجه: إما أن تكون الجائحة قبل أن ينقطع عنه السقي، أو بعد أن ينقطع عنه السقي 4، أو قبل أن تنقطع 5 منفعة الأصول وتنقله 6 إلى الطيب أو نضج أو حلاوة وما أشبه ذلك، أو يكون بقاؤه لئلا يفسد إن أزيل الآن كالبقول وما أشبهها، أو تكون الجائحة بعد أن انقطعت منفعة الأصول وكانا شَرَطَا جداد

الجزء: 10 - الصفحة: 4749

الثمرة على البائع، أو كانت تلك العادة عندهم، أو كان الجداد على المشتري وهي محبوسة بالثمن وقد مكّن المشتري من قبضها إما لأنه دفع الثمن، أو لأن البائع رضي بتسليمها قبل القبض 7، أو لأنه اشتراها بثمن إلى أجل.
فإن بيعت الثمار بعد أن أزهت كانت فيها الجائحة، وسواء كانت في ذلك تحتاج إلى السقي 8 أو انقطع عنها أو كانت بعلًا؛ لأن تأخير جدادها لتنتقل من الزهو إلى الإثمار فيتم خلفها، والذي تنتقل إليه ويصير فيه من حلاوة أو ما أشبه ذلك شيء مبيع لم يوجد بعدة وإنما اشتراها ليقبضها على صفة، فمتى لم توجد تلك الصفة كانت المصيبة من البائع.
ويختلف إذا لم تبق حالة ينتقل إليها وكان بقاؤه 9 ليستكمل جفافه أو لئلا يفسد إن جد؛ لأنه حينئذ كالبقل يؤخر 10 ليقبض شيئًا بعد شيء لئلا يفسد إن جد مرة واحدة وليس لينتقل في حاله، فقد اختلف في جائحته هل هي من البائع أو من المشتري؟ فإن تمّ جفافه ولم يبقَ إلا جذاذه، وقد تمكن المشتري منه؛ لأنه نقد الثمن أو كان الثمن إلى أجل وكان الجذاذ على المشتري كانت المصيبة من المشتري.
واختلف إذا كان الجذاذ على المشتري وهي محبوسة بالثمن، هل المصيبة من البائع أو من المشتري؛ لأنها حينئذ كالثوب والعبد؟ واختلف أيضًا إذا لم تكن محبوسة بالثمن وكان الجذاذ على الجائح، هل المصيبة منه أو من المشتري؟

الجزء: 10 - الصفحة: 4750

وكذلك العنب إن أجيح قبل أن يستكمل عسليته (1) كان من البائع، وإن استكمل (2) كان (3) بقاؤه ليأخذه على قدر حاجته لئلا يفسد عليه إن قطعه معًا ثم استعمله على قدر حاجته إليه (4)، كان على الخلاف إذا كانت العادة بقاءه لمثل ذلك، وإن كانت العادة جداده (5) حينئذ معًا فأخَّره ليأخذه على قدر حاجته كان من المشتري، وكذلك الزيتون إن أصيب قبل أن يستكمل زيته كان من البائع؛ لأن الباقي مشترى وهو لم يوجد بعد؛ وإنما يدخل المشتري على قبضه بعد ما يكمل.

فصل [في قدر الجائحة التي توضع في الثمار]

وأما قدر الجائحة التي توضع في الثمار: فإذا بلغت الثلث فصاعدًا، فإن كانت دون ذلك لم توضع وهذا قول مالك 16. قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن المشتري دخل على ذهاب اليسير من الثمرة 17 وأنها لا تسلم كلها 18. ومن قال: إن المشتري دخل على أن يسلم 19 الثمرة من ذهاب رطبه أو1112131415

الجزء: 10 - الصفحة: 4751

بسره أو من احتياز 20 المعافين 21 أو أكل الطير اليسير 22 منها فقد خرج عن العادة.
وليس كذلك البقول لأن العادة سلامة جميعها، فوجب أن يوضع قليلها وكثيرها.
وتعليله بالتفرقة بين البقول والثمار حسن؛ لأن الشأن في البقول ألا يسقط منها شيء، والمعاوضة قائمة 23 في الثمار فينبغي، أن يسقط مقال المشتري في القدر الذي أنه 24 الغالب عليه 25 أنه يهلك وما يبلغ الربع ولا يقارب 26 الثلث.
فإن كان الغالب عندهم سقوط الربع فما دون بخلاف الثلث لزم إذا بلغت الجائحة الثلث، أن يوضع نصف سدس المبيع؛ لأن الربع لم يدخل عنده في البيع، ولم يكن له فيه مقال إن أصيب، وإنما مقاله في الزائد عليه 27 وهو نصف السدس.
ويلزم على قوله أن يفرق بين الثمار وبين كل ثمرة على عادتها.
والزيتون شأنه السقوط كالثمر 28 فيلحق به.
والعنب والرمان ليس ذلك شأنهما، والشأن ثبات جميعه كالبقول فينبغي أن يوضع قليلها وكثيرها.
واختلف في جائحة البقول، فقال مالك في المدونة في السلق،

الجزء: 10 - الصفحة: 4752

والكُرَّاث 29، والجزر، والبصل، يوضع عن المشتري جائحته 30. وذكر ابن الجلاب عنه أنه قال: لا يوضع عنه شيء، كثيره وقليله من المشتري 31. وروى عنه ابن أشرس أن جائحته توضع إذا بلغت 32 الثلث، وإلا لم توضع 33. وقال محمد: إن كان شيء لا بال له لم توضع، وإن كان له قدر وضع 34. وقال ابن القاسم في العتبية: ما جازت مساقاته على الاضطرار وعلى 35 غير الاضطرار 36 فلا جائحة فيه حتى يبلغ الثلث 37 إلا الموز فإنه لا تجوز مساقاته ولا توضع جائحته حتى تبلغ الثلث 38. فرأى أن الجائحة في الجزر والبصل واللفت والفجل وغير ذلك 39 مما لا يجذ ولا يخلف 40 لا توضع إلا أن تبلغ الثلث، وما كان مما يجذ ويخلف فيوضع قليله وكثيره.
ولا وجه لهذا، وليس أصل الجوائح أصل الساقاة، ولا وجه أيضًا لمراعاة الثلث؛ لأن الغالب السلامة وإن أصيب شيء فيسير.

الجزء: 10 - الصفحة: 4753

فأثبت مالك الجائحة مرة لمّا كان بقاؤها للسقي ولمنفعة الأرض لها؛ لأنها إن عجز جزازها فسدت، وأسقطها في القول الآخر بخلاف الثمار؛ لأن الثمار لا 41 تؤخر لينتقل حالها 42 إلى صفة ليست بموجودة وقت البيع، والبقل على حاله قبل وبعد سواء، وإنما يؤخر لئلا يفسد متى تعجل، فإذا كان البائع يسقيه في خلال ذلك حط عن المشتري 43 من الثمن بقدر ما يراد لسقيه، وإن كان لا يسقى -ولو جذ لبقيت الأرض- ذلك القدر بغير عمل لم يحط عنه 44 شيء، وإن كان صاحبها يتعجل الانتفاع بأرضه لحط عنه بقدر ذلك.
وتوضع جائحة المقاثي قولًا واحدًا؛ لأنَّ في بقائه إلى أن يوجد زيادة ونمو، ففارق بهذا البقل.
واختلف في قدر الجائحة، فقال ابن القاسم: توضع إن بلغت الثلث 45. وقال أشهب في "كتاب محمد": هي 46 مثل البقول 47. يريد أنه يوضع قليلها وكثيرها، وهو أقيس؛ لأنها وإن كانت كالثمار فليس الشأن سقوطها وإن كان باليسير 48. وقال ابن القاسم فيمن اشترى مقثاة وهي بطيخ وقثّاء فأجيح جميع ثمرها

الجزء: 10 - الصفحة: 4754

وهي تطعم في المستبقل ينظر كم كان نباتها من أول ما اشترى 49 إلى آخر ما تنقطع ثمرتها، فينظر كم قطف منها وكم أصابت الجائحة، فإن أصابت ثلث الثمرة نظر إلى 50 قيمة ما 51 قطف منها، فإن كانت قيمته النصف أو الثلث أو أقل من الثلث لم يكن له إلا ذلك؛ لأن حملها في المشهور ونفاقها يختلف، ويقوم ما بقي مما لم يأت بعد في كثرة نباته ونفاق أسواقه مما لم يعرف 52 صاحبه نباته به 53 فربما كان الأول أقل وأغلى 54. فالمراعى عنده ثلث النبات فإن بلغه وضع، وإن كان ثمنه أقل من الثلث لأنه آخر بطن، وإن كان أقل من ثلث النبات وثمنه أكثر من الثلث لأنه من أول بطن لم يوضع 55 -قال: وكل ما يحبس أوله على آخره كالنخل 56، والقصيل وما أشبهه فأصيب ثلث النبات وضع ثلث الثمن من غير تقويم.
وما كان لا يحبس أوله على آخره كالمقاثي وما أشبهها يراعى فيها القيم وثلث النبات جميعًا 57.

الجزء: 10 - الصفحة: 4755

قال ابن القاسم: وكذلك الورد والياسمين وكل شيء 58 يُجنى بطنًا بعد بطن فهو كالمقثاة.
قال: وكذلك التفاح والخوخ والتين والرمان وما أشبه ذلك من الفاكهة، وذلك أن الرمان والخوخ وما أشبههما مما لا يخرص، إنما يشترى إذا بدا أوله ويعجل بيعه فيكون له 59 في أول الزمان ثمن لا يكون في آخره.
قال: والذي شبّه مالك من الفاكهة بالنخل مما يخرص وهو مما ييبس ويدخر مثل: الجوز والجلوز 60 واللوز 61. قال: والتين وهو 62 مما ييبس 63 ويطعم بعضه بعد بعض فيسأل عنه أهل المعرفة 64. والتين على وجهين: فما كان منه لا ييبس يكون كالمقثاة يقوّم أول الإبان من آخره، وما كان مما يدخر ويراد به الأسواق ليباع طريًا فكذلك، وما كان بعيدًا من المدن وشأن أهله تيبيسه ولا يجلب إلى الحاضرة فيباع رطبًا كان ثلث النبات بثلث الثمن 65 إلا أن يختلف الأول من الآخر بالجودة والرداءة 66، فيقوّم كل بطن على حاله من الجودة والدناءة من غير مراعاة للأسواق، ويجمع الرمان إلى الخوخ وإن كان الرمان مخالفًا له؛ لأنه يحبس أوله على آخره ولا يكون فسادًا له.
فأرى أن يراعى فيه أيضًا هل هو قريب من المصر ليتعجل بيع 67 أوله،

الجزء: 10 - الصفحة: 4756

أو بعيد فيحبس حتى يجلب 68 مرة واحدة؟ وأما النخل فإن كان صنفًا واحدًا أو بعيدًا من المصر كان ثلث النبات بثلث الثمن، وإن كان قريبًا من المصر يراد 69 تعجيل بيعه رطبًا ولا يشترى ليدخر نظر إلى اختلاف أسواقه وأوله من آخره.
وإن اختلف ألوانه فكان صيحانيًا وبرنيًا وعجوة نظر إلى القيمة قولًا واحدًا.
واختلف بعد ذلك في قدر الجائحة.
فقال 70 ابن القاسم: إنه ينظر إلى النبات فإن لم يبلغ الثلث لم يرجع المشتري بشيء وإن كانت قيمته الثلث 71 فأكثر، وإن بلغ الثلث رجع وإن لم يبلغ في 72 القيمة الثلث 73. وقال أشهب في "كتاب محمد": يقوم كل صنف حتى يعرف قيمة الذي أصيب من قيمة غيره، فإن كان 74 ثلث القيمة وضع، ولا يوضع حتى يكون ثلث القيمة وليس ثلث الثمرة 75. قال أصبغ: وذلك يعجبني وهو القياس عندي، بمنزلة اختلاف الفاكهة في الحائط الواحد 76 يشترى جملة واحدة، وكذلك إذا كانت الثمار

الجزء: 10 - الصفحة: 4757

أصنافًا متفاوتة الأجناس وليست بمتقاربة.
قال محمد: وذلك خلاف قول مالك وابن القاسم وابن عبد الحكم وعبد الملك 77. وقال ابن حبيب: ومن قول مالك في الرجل يبتاع البستان فيه أنواع الثمار من تين وعنب ورمان وما أشبهه، وكل نوع منها قد طاب أوله وحل بيعه وهي في موضع واحد مختلطة أو مواضع شتى إلا أن الصفقة جمعتها في البيع، فأصابت الجائحة نوعًا منها بعضه أو كله، فإن جائحة كل ثمرة منها على حدة في تقديرها لا يضم بعضه إلى بعض وإن جمعته الصفقة، فإن بلغت الجائحة 78 ثلث ذلك النوع 79 قوّم كل نوع منها على حدة 80 ثم تجمع القيم فيرجع بما ينوبه 81. وقال أصبغ في "كتاب محمد" في الحوائط تكون أصنافًا: حائط نخل، وآخر كرم وآخر رمان، أو تكون مختلطة في حائط واحد فإن الأصناف كلها تقوّم فإن كانت الجائحة ثلث جملة القيمة وضع عن المشتري، ولا ينظر إلى شيء من الثمرة، وقيل: ينظر إلى الصنف الذي أصابته الجائحة، فإن كان مبلغ 82 ذلك الصنف 83 دون ثلث الجميع لم توضع وإن أصيب جميعها، وإن كان ذلك الصنف الثلث فأكثر وضعت جائحته إن كانت 84 ثلثه خاصة 85. وهذا

الجزء: 10 - الصفحة: 4758

ضعيف، وقد يكون الحائط ستة 86 أصناف متقاربة القدر فكان كل 87 واحد منها مقصود في نفسه وليس شيء 88 منها تبعًا ولا غير مقصود، وقول ابن حبيب أحسن 89.

الجزء: 10 - الصفحة: 4759

باب في جائحة الخضر وما بيع من الثمار قبل صلاحه، وفي جائحة القصب الحلو والعرايا، وفي جائحة (1) ما تزوجت به المرأة من الثمار، ومن اشترى ثمرة على ألا جائحة فيها

وقال مالك فيما اشتري من الفول الأخضر والقطنية ليؤكل أخضر جاز.
قال ابن القاسم: فإن أصابته جائحة وضعت إذا بلغت الثلث لأنها 91 ثمرة 92. وقال ابن القاسم 93 فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها على أن يجذها 94 من يومه أو من الغد فأصابتها جائحة: توضع إذا بلغت الثلث.
قيل: أفلا ترى مثل البقول؟ قال: لا.
وكذلك بلح الثمار: والتين والجوز، واللوز، والفستق، فيشتريه على أن يجذه 95 توضع جائحته إذا بلغت الثلث 96. وقال ابن عبدوس: قلت لسحنون: كيف جعل فيه الجائحة ولا سقي عليه؟ قال: معنى قوله أن المشتري يأخذ ذلك شيئًا بعد شيء، ولو دعاه البائع إلى أن يجذه مرة 97 واحدة لم يكن له ذلك، بل يمهل في ذلك وهو وجه الشان.
قال: ألا ترى أن الذي يشتري العنب قد طاب كله فيه الجائحة وإن كان لا90

الجزء: 10 - الصفحة: 4760

ينتظر طيب شيء منه؟ لأنه إنما يجذه 98 شيئًا بعد شيء على قدر الجائحة، ولو جذه كله 99 لفسد 100. وكأنه حمل قوله في "المدونة": يجذه 101 من يومه أو من الغد، أن 102 يبتدئ ذلك، ليس له 103 أن يجذه 104 كله، وكل هذه تختلف هل تكون جائحته من البائع أو من المشتري 105 لأنه لم يبق لينتقل إلى حالة الطيب 106 أو حلاوة تصير فيه، وإنما بقاؤه لئلا يفسد إن عجل جذاذه، فأشبه البقل في 107 هذا الوجه؛ لأنه إنما يؤخر لئلا يفسد إذا عجل جذاذه مرة واحدة، وجعل الجائحة بعد إثباتها على الثلث.
وأرى إن كان بقاؤه المدة اليسيرة والشأن فيما 108 يسقط منها يسيرًا أن يرجع بما جاوز المعتاد وإن لم يبلغ الثلث.
وقال ابن القاسم في القصب الحلو: ليس فيه جائحة؛ لأن بيعه بعد أن يمكن قطعه، وليس مما يأتي بطنًا بعد بطن، وهو بمنزلة الزرع إذا يبس.
وقال أيضًا: توضع فيه الجائحة.
109 ولم يذكر قدرها.
وقال ابن حبيب: من 110 قول

الجزء: 10 - الصفحة: 4761

مالك أن فيه الجائحة كالثمار التي تدخر؛ لأن بيع ما يطيب منه يستأخر قطعه ليزداد حلاوة وإنضاجًا، فإذا بلغت جائحته الثلث وضع 111. وهذا صحيح فإن بيع وكان تأخر قطعه ليزداد حلاوة كانت فيه الجائحة.
ويختلف إذا كان لا يزيده حلاوة، وإنما يؤخر ليقطع شيئًا بعد شيء ليباع في الأسواق؛ لأنه يصير في هذا الوجه كالبقول.
وإن كان لا يراد للأسواق، وإنما يراد ليعمل سكرًا أو ما أشبهه وكان بقاؤه ليشغل المشتري عنه، كانت مصيبته من المشتري.
وقال ابن القاسم فيمن أعرى حائطًا 112 رجلًا، ثم أخذ ثمره بخرصه ثم أصابته جائحة، قال: توضع عنه مثل ما توضع في الشراء.
وقال أشهب: لا جائحة فيه 113. يريد: لأن السقي على المعرى 114، وإنما اشترى ما لا سقي فيه على البائع.
والأول أحسن؛ لأن المعرى 115 يسقي الآن لحق العرية المتقدمة، وذلك توفية للمعرى والجائحة للمعرى 116 بالعقد الثاني بمنزلة ما لو اشتراه أجنبي.
واختلف فيمن تزوجت بثمرة بدا صلاحها ثم أجيحت، فقال ابن القاسم: المصيبة من الزوجة، وقال ابن الماجشون: من الزوج وترجع الزوجة عليه كالبيوع 117. وهذا أبين.

الجزء: 10 - الصفحة: 4762

واختلف في من اشترى ثمرة على ألا جائحة فيها، أو على أن السقي على المشتري، فقال مالك في "كتاب محمد": إن اشترط البائع الجائحة على المشتري فشرطه باطل 118. وفي "السليمانية": البيع فاسد، وقال ابن شهاب: البيع جائز 119 والشرط جائز 120. وأرى أن يكون البائع بالخيار بين أن يسقط الشرط وتكون المصيبة منه، أو يرد البيع ويكون له بعد الفوت 121 الأكثر من القيمة أو الثمن، وإنما لم يصح الشرط لأن ما تنتقل إليه الثمرة من حلاوة وإنضاج مشترى، وإنما تشترى 122 الثمرة على أنها على تلك الصفة فاشتراطه 123 الجائحة بمنزلة من اشترط أن يأخذ ثمن ما لم يكن بعد.
واختلف إذا اشترط البائع السقي على المشتري، هل تكون الجائحة منه أو من المشتري؟ لأنَّ السقي والماء هو السبب لانتقال حالها، فإذا زال عن البائع لم يكن عليه تعلق وكانت من المشتري.
ووجه القول أنها من البائع أن للأصول تأثيرًا في انتقال حالها وطيبها وليس ذلك للماء خاصة بل عمدة خلفها وانتقال طعمها للأصول.

الجزء: 10 - الصفحة: 4763

باب في من باع مكيلة من حائط ومكيلة بعد مكيلة، أو باع ثمار حائطه واستثنى منها مكيلة فأجيح بعض الحائط (1) أو جميعه

ومن اشترى عشرة أوسق من حائط بعينه فأجيح بعض الحائط، بدّي المشتري بالباقي من المكيلة التي اشترى، وليس لصاحب الحائط أن يجعل شيئًا من الجائحة على المكيلة.
ولو اشترى رجلان من حائط بعينه اشترى كل واحد منهما مكيلة في عقدين، فأصيب بعض الحائط بدّي المشتري الأول فإن فضل عنه شيء كان للثاني، فإن فضل عنه شيء كان لرب الحائط، وليس للثاني أن يحاص الأول؛ لأنه إنما يحل محل رب الحائط وقد كان حق رب الحائط قبل أن يبيع منه 125 فيما يكون بعد مكيلة الأول.
واختلف في من باع ثمار حائط جزافًا واستثنى منه مكيلة الثلث فأقل فأجيح.
منه شيء على ثلاثة أقوال: فقال مالك 126 مرة: يبدّى صاحب الحائط بالمكيلة التي استثنى لنفسه وتكون الجائحة فيما بعد وهو ما يصير للمشتري 127، فإن كانت أقل من ثلث الباقي 128 لم يكن له شيء، وإن كانت الثلث فأكثر رجع بالجائحة، فإن استثنى عشرة أوسق، وكان جملة ثمرة الحائط ثلاثين وسقًا فأصيب منه تسعة، كانت التسعة تخص المبيع وهي أكثر من الثلث فهي جائحة124

الجزء: 10 - الصفحة: 4764

يرجع به 129. وذكر أبو الفرج في "الحاوي" أن الجائحة تقسم على البائع والمشتري بحساب ما لكل واحد منهما 130. وهو أحسن؛ لأنه أبقى بعض ثمرته لنفسه فأشبه الشريك، ولم يخص بالجائحة أحدهما دون الآخر، فإذا فضت التسعة أوسق كان الذي ينوب المبيع ستة فلم يرجع بشيء؛ لأنها دون الثلث، وإن كانت الجائحة عشرة أوسق كان الذي ينوبه سبعة إلا ثلث وهي ثلث المبيع، ولا تبدأ المكيلة هي هنا بخلاف أن يبيع أوسقًا وهي بعض الحائط فيجاح بعض تلك الثمرة فإن المشتري يبدأ بالمكيلة قولًا واحدًا.
وإن باع صبرة طعام جزافًا واستثنى منها عشرة أوسق وجميعها ثلاثون فأصيب جميعها كانت منهما، وكان على 131 المشتري أن يدفع جميع الثمن ولم يرجع أحدهما على الآخر بشيء.
ويختلف إذا أصيب بعضها، هل يختص المشتري بالجائحة ويبدّى 132 البائع بالمكيلة، أو تكون مفضوضة عليهما حسبما تقدم؟ وقد قيل في هذا الأصل: إن المستثنى مشترى، وكأن البائع باع تلك المكيلة من المشتري ثم 133 اشتراها منه.
وهذا وهمٌ ولا وجه له، ولم يبع البائع تلك المكيلة من المشتري قط بل أبقاها على ملكه الأول، ولو سلم أن المستثنى بيع من المشتري ثم اشتراه البائع منه لكان بيعًا حرامًا؛ لأنه يكون إذا ثمره ودنانيره بثمرة وذلك ربا.

الجزء: 10 - الصفحة: 4765

باب في من اشترى نخلًا بثمارها في عقد أو عقدين فأصيب الثمر

ومن اشترى نخلًا بثمارها فلا جائحة في الثمار، وسواء أصيبت قبل صلاحها أو بعد 134. وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب": إن أصيبت بعد الطيب وكانت مما يطعم قدرها كانت فيه"لجائحة على سنتها، وإن كانت لا قدر لها فهي تبع لا جائحة فيها 135. والأول أحسن؛ لأن كل مبيع سُلم إلى مشتريه وقبضه على ما يقبض عليه أمثاله فأصيب لم يكن على البائع منه شيء، وقد سَلم البائع ها هنا الثمار مع الأصول وكان سقيها على المشتري وإن اشتراهما في عقدين، فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد بدو صلاحها جاز الشراء فيها.
واختلف في جائحتها، وإن لم تكن صلحت كان 136 الشراء مختلفًا فيه.
ومن أجازه أسقط الجائحة، والخلاف إذا صلحت في الجائحة لا في البيع 137، وإذا لم تصلح كان الخلاف في البيع لا في الجائحة، فقال ابن القاسم في "المدونة": إن اشتراها مشتري النخل بعد طيبها ثم أصيبت كانت من المشتري.
وقال في "كتاب محمد": مصيبتها من البائع 138.

الجزء: 10 - الصفحة: 4766

واختلف في تعليل سقوط الجائحة عن البائع، فقيل: لأنها ألحقت بالعقد الأول فتصير بمنزلة ما لو اشتراهما في عقد، وهو ظاهر قوله في "المدونة".
وقال سحنون: لأنه لا سقي 139. على البائع فيها 140. والقول أن مصيبتها من البائع أحسن؛ لأنهما عقدان وأن 141 سقيها على البائع، وهو 142 الذي يقتضيه مجرد العقد إلا أن يشترط سقوط السقي، أو يفهم ذلك بعضهم عن بعض.
ولو قيل: إن السقي عليهما قبل أن يشتري المشتري الثمرة 143 لكان وجهًا؛ لأن منفعته لهما جميعًا للأصول وللثمرة إلا أن تكون الأصول لا تحتاج إلى سقي في تلك المدة أو لم تكن فيها ثمرة، فيكون السقي على البائع أبقاها لنفسه أو باعها بعد ذلك، إلا أن يشترط في حين بيعها ألا سقي 144 عليه.
وأجاز مالك في المدونة إذا اشترى النخل ثم اشترى الثمار قبل زهوها.
ورأى أنه يصير مستلحقًا لها بالعقد الأول 145. وقيل في هذا الأصل: إن قرب ما بين العقدين، جاز أن يلحق بالأول وإن بعد لم يجز.
وقيل: لا يجوز قرب أو بعد.
وهو أحسن؛ لأن البيع الأول قد انعقد وانبرم، وهذا في الحقيقة عقد ثان.
وإذا كان الأول صحيحًا وغير مفتقر إلى لحوق الثمرة به ولا يتعلق جوازه وصحته بإلحاق الثمرة كان بيع الثمرة قائمًا بنفسه وهو فاسد لأنه

الجزء: 10 - الصفحة: 4767

بيع قبل بدو 146 صلاحه.
وإن اشترى الثمرة ثم الأصل، نظرت: فإن كانت الثمار صلحت وقت البيع كانت من البائع والسقي باق عليه، وإن اشترط البائع ألا سقي عليه لم تسقط الجائحة عنه، وهو بمنزلة لو باع الأصول من غير مشتري الثمرة وشرط عليه سقي الثمرة، فالسقي الآن على المشتري بالشرط وانتقال الثمار إلى حلاوة أو نضج بقية البيع الأول وهو من توفيته.
وإن باع الثمار قبل صلاحها على الجداد، ثم باع منه النخل جاز للمشتري أن يسقي 147 الثمار حتى تطيب ومصيبتها 148 منه.
وإن قال المشتري: أنا أجذها حسبما كنت اشتريت عليه، كانت الجائحة من البائع إلا أن يتراخى بالجداد عن الوقت الذي كان 149 يجدها 150 فيه.
وإن باع الثمار قبل صلاحها على البقاء كان فاسدًا، ولم ينظر في نقض البيع حتى انتقلت عن حالها الأول ثم أصيبت كانت مصيبتها من البائع ولا يكون انتقالها فوتًا؛ لأنها على ذلك بيعت لتبقى حتى يبدو صلاحها، وسقيها باق على البائع لها؛ لأن المشتري دخل فيها 151 على عقدين على أن الثمار تبقى لتنضج ثم باع الأصل بعد ذلك، فالسقي في الثمار على البائع دون المشتري؟

الجزء: 10 - الصفحة: 4768

فصل (1) [في جائحة الطير والجراد، وما يصيب الثمار من البرد والجليد وما أشبه]

والطير والجراد والدود جائحة، وكذلك البرد والجليد والمطر والغرق 153 والريح يسقط الثمار، والسموم والغبار جائحة.
وقال ابن شعبان: قلة الريح ليست بجائحة، وأرى أنه إذا عابها ذلك أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له.
والعطش يصيب الثمرة من انقطاع الماء أو سماء احتبست جائحة.
قال مالك في ماء العيون وغيرها: إذا انقطعت وضع 154 قليله وكثيره.
والعفن من نقصها العطش أقل من الثلث وكان ذلك يعيبها كان له أن يرد بالعيب وإن نقصها الثلث فأكثر، فإن أحب رجع بالجائحة ورجع بقدر ما نقص منها العطش، وإن أحب رد بالعيب 155. وكذلك السموم إن لم يسقط 156 ينقص 157 منها شيء وإذا أعابها كان له أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له وإن أسقط الثلث ولم يعب الباقي رجع بالجائحة، وإن عاب الباقي رجع بما ينوب الساقط وكان بالخيار في الباقي هل 158 يتمسك به بجميع ما ينوبه من الثمن أو يرد بالعيب.152

الجزء: 10 - الصفحة: 4769

وكذلك الغبار إن أعابها ولم يسقط 159 منها شيئًا كان له أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له.
واختلف إذا أسقطها الريح ولم تتلف، فقال ابن شعبان: هي جائحة.
وقال عبد الملك ليست بجائحة.
وأرى إن كان ذلك يعيبها 160 أن يكون بالخيار بين أن يتمسك ولا شيء له أو يرد بالعيب وإن أسقط الثلث لم يرجع بشيء على قول عبد الملك، وعلى القول الآخر يكون بالخيار بين أن يقبله بعيبه بجميع الثمن أو يرده ويسقط عنه ثلث الثمن 161. وكذلك الجراد 162 والدود إن أسقط الثلث فأكثر كان جائحة يرد ذلك الساقط أو يمسكه ولا يحط عنه شيء، وإن أسقطها الدود وأذهب منها الثلث فأكثر، كان بالخيار بين أن يمسك ويحط عنه بقدر ما أكل الدود منها، أو يرد الباقي بالعيب ويسقط عنه جميع الثمن.
163 واختلف فيما أكله الجيش أو السلطان أو السارق، فقال مالك فيما أخذه الجيش: هو جائحة.
وقال ابن القاسم في السارق: هو جائحة.
وقال مطرف وابن الماجشون في جميع ذلك: ليس بجائحة 164، وإنما الجائحة ما كان من آفات الثمرة وفسادها الغالب من غير فعل الناس.

الجزء: 10 - الصفحة: 4770

وقال ابن نافع: ليس السارق جائحة (1). والقول الأول أحسن؛ لأن الثمرة في ضمان بائعها وقد بقيت فيها توفية فكل ما أصابها من الله تعالى أو من آدمي حط عن المشتري.
واختلف في الماء يباع ليسقى به شهرًا أو شهرين أو ما أشبهه فنقض بعضه.
فقيل: إن ذلك من البائع قليله وكثيره (2). وقيل: إن كان (3) أقل من الثلث لم يحط عنه شيء.
والأول أحسن، وليس الماء في هذا كالثمار يدخل المشتري على سقوط بعضها.

فصل [في جائحة من اشترط ثمرة في دار مكتراة]

ومن اكترى دارًا وفيها ثمرة فاشترطها، فإن كانت لم تطب وهي الثلث فأقل فلا جائحة فيها إن سقطت، وإن سلمت فأكلها ثم انهدمت الدار غرم ما ينوبها، وإن كانت الثمرة قد طابت في وقت العقد فاستثناها وهي الثلث فأكثر كانت فيها الجائحة، فإن أصيب ثلثها رجع بما ينوبه 168. واختلف إذا كان جميع الثمرة أقل من الثلث فأصيب جميعها أو الثلث فأكثر، فقيل: فيها الجائحة كالأول بمنزلة لو كانت الثلث فأكثر.
وقيل: لا جائحة فيها لأنها تبع.
والأول أحسن؛ لأنها مشتراة وليست بملغاة والمشتري قصد إلى اشترائها اختيارا ليس لدفع مضرة به 169 ففارقت ما165166167

الجزء: 10 - الصفحة: 4771

اشترى قبل صلاحه؛ لأن تلك إنما أجيزت لدفع المضرة في الدخول والخروج، ولو كان لا يكره 170 التصرف إليها، وإنما قصد الشراء لغرض فيها لم يجز البيع 171.

الجزء: 10 - الصفحة: 4772

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل