النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب الرهن
باب في الرهن في السفر والحضر وفي حوزه وصفة الحوز وعلى يد من يكون
الرهن في السفر جائز، لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وفي الحضر حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "اشْتَرَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ وَهُوَ بِالمدينةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 1.
وأجمع أهل العلم على جوازه في السفر والحضر، إلا مجاهد فإنه منعه في الحضر 2، وإذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوازه لم ينظر إلى من خالفه فيه.
والرهن جائز في 3 أصل عقد البيع والقرض، وبعد ثبوت الدين وتقرره في الذمة.
فصل [الشرط في صحة الرهن]
الرهن يصح إذا رفع الراهن يده عنه وحازه المرتهن، أو جعل على يد عدل، وإن بقيت يد الراهن عليه مع القدرة على الحوز 1 حتى فلس الراهن أو مات، بطل الرهن.
واختلف إن لم 2 يفرط المرتهن في القبض حتى فلس الراهن أو مات، فقيل: يبطل لعدم الحوز.
وقيل: يصح ولا يبطل، إلا 3 أن يكونا قصدا إلى بقائه، وهو أحسن، وإن كان الرهن شرطًا في أصل البيع أو القرض، كان أبين 4 لأنه يجري في الجبر 5 على تسليمه 6 مجرى البياعات، وإذا كان بعد العقد كان في الجبر على حكم الهبات، وإن اختلفا فادعى أحدهما إلى كونه عند المرتهن، والآخر إلى أن يكون بيد عدل، كان القول قول من دعا 7 إلى العدل وهو قول ابن القاسم في العتبية 8. لأن المراد من الرهن التوثق به، وهذا يحصل بكونه على يد عدل، إلا أن تكون العادة تسليمه إلى المرتهن، وإن لم تكن
عادة، كان للراهن ألا 1 يسلمه إليه؛ لأنه يقول: لا آمنك عليه، وللمرتهن ألا يقبضه؛ لأنه يقول: عليَّ في قبضه مضرة، أضمنه إن كان ما يغاب عليه، أو أتكلف حفظه إن كان حيوانًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن اختلفا في العدل الذي يكون 2 على يديه، جعله القاضي على يد عدل.
وليس بالبَيِّنِ، وأرى أن يقدم قول الراهن إذا دعا 3 إلى ثقة؛ لأنه ماله وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به.
وإذا خالفه المرتهن في ثقة أو في القيام بمثله- دفع 4 إلى الحاكم، فإن كان على صفة من يوثق به 5، وإلا أوقفه الحاكم حيث يرى.
وإن كان المرتهن رجلين، قال ابن القاسم: يجعلانه حيث شاءا وأحدهما ضامن له.
يريد: ويبقى تحت نظرهما ولا يخرجانه إلى يد ثالث، فإن فَعَلا ضَمِنَا، وإن جعلاه عند أحدهما والآخر ينظر فيه ويتفقده ولم يرفع 6 يده عنه، جاز، فإن ضاع وكان مما يغاب عليه، ضمناه للراهن وكان من هو على يده نصيب شريكه مؤتمنًا.
وإن اختلف المرتهنان وربه، فقال ربه: يكون على يد هذا، وقال الآخران: بل 7 تحت أيدينا، فإن كانت العادة كون الرهن عند المرتهن، كان القول قول
من قال: تحت أيدينا، فإن لم تكن له عادة، جعله القاضي حيث يرى على قول ابن عبد الحكم.
وأرى أن يكون القول 1 قول المالك إذا ادعى إلى ما لا ضرر فيه على الآخر.
باب في رهن المشاع
وقال ابن القاسم فيمن ارتهن سدس دار أو حمَّام، أو نصف ثوب، أو نصف سيف: ذلك جائز، وحوزه أن يحوزه عن صاحبه 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: رهن المشاع على ضربين 2، فإن كان الرهن شركة بين الراهن وغيره، صح حوزه إذا رفع الراهن يده عن نصيبه، ثم هما بالخيار بين ثلاثة: بين أن يكون ذلك النصيب على يد المرتهن، أو الشريك، أو على يد ثالث غيرهما، وسواء كان الرهن دارًا أو عبدًا أو دابة أو ثوبًا، وهذا قول ابن القاسم، ووافقه أشهب فيما لا بيان به كالدار والحمام أنه يكون محوزًا وإن كان تحت يد المرتهن والشريك 3.
واختلف فيما يبان به كالعبد والدابة والثوب، فرأى ابن القاسم أنه حوز وإن كان تحت أيديهما، ومنعه أشهب؛ وقال: لا يكون حوزًا إلا أن يكون على يد المرتهن أو على يد الشريك أو على يد غيرهما 4. والأول أحسن، ولو كان ذلك الثوب أو العبد عند الشريك ولم يجعل المرتهن يده معه عليه، ولا رضي الشريك أن يكون حائزًا للمرتهن، لم يكن محوزًا، وإن كان جميع الثوب أو الدار أو العبد للراهن، رهن نصف ذلك فرفع يده عن جميع الرهن، كان محوزًا.
واختلف إذا كانت يدهما عليه، هل يكون محوزًا؟ وكذلك إذا تصدق
بنصيب من دار أو عبد أو ثوب وكانت أيديهما على تلك الصدقة.
وقال ابن القاسم فيمن ارتهن نصيبه من دار واكترى نصيب شريكه أو أرهنه 1: أرى رهنه فاسدًا حين سكن إذا لم يقم المرتهن فيقاسمه هذا 2؛ لأنه صار ساكنًا في نصف الدار، والدار غير مقسومة 3.
قال الشيخ -رحمه الله-: لو حاز المرتهن ما لم يسكنه الراهن بغلق أو غيره، صح ارتهانه لنصف ما حاز؛ لأنه بقيمة ذلك المحوز على المشاع، وكذلك لو قاسم المرتهن الشريك البائع، لم يكن له مما صار إليه إلا نصفه.
وللمرتهن أن يمنع الراهن من السكنى حتى يقاسمه الرقاب، فما صار للراهن حازه المرتهن، وما صار للشريك سكنه الراهن، فإن كانت الدار لا تنقسم، منعه من السكنى، ويكرى جميعها ويكون الكراء للراهن، فيكون له نصفه باكترائه من الشريك ونصفه عن نصيبه؛ لأن الكراء غير داخل في الرهن.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن ارتهن دارًا في دين له إلى أجل، ثم اكتراها المرتهن من رجل، ثم اكترى المكتري من الراهن، قال: إن كان من سبب صاحب الدار فالكراء لازم، وذلك فاسد لرهنه ما دامت في يده، وإن كان أجنبيًا وصح ذلك، فذلك جائز 4.
ومن ارتهن نصف ثوب فادعى ضياعه، ضمن نصفه وكان في نصفه مؤتمنًا، بخلاف المثال في الصانع أنه يضمن في أحد القولين؛ لأنَّ الغالب في
الصانع عدم الأمانة والناس مضطرون إليهم، والمداينات على غير ذلك، وليس بالعامل ضرورة إلى غير أمين، وإن عامل غير مأمون فقد كان في مندوحة عنه إلى غيره.
فصل [في حوز الرهن]
وإن كان الرهن يبان به كالثوب والعبد، لم يصح الحوز إلا بمعاينة البينة لقبض المرتهن أو العدل، وأما الأعدال والسفن والبوار إذا دخل على أن تبقى موضعها، يجزئ من ذلك الإقرار والتسليم، ويكون للمرتهن دوابًا ورقيقًا أن يضع المرتهن يده عليهما، وكذلك الأرضون والشجر والبساتين فالإقرار بالتسليم من ذلك جائز، والمرتهن يمنع الراهن في المستقبل من التصرف فيه، وإن كان فيها للراهن عبيد أو دواب؛ كان المرتهن أو وكيله -برضا الراهن- الناظر في ذلك، وسواء ارتهن الأصل أو الثمرة.
وإن ارتهن رجل الأصل وآخر الثمرة، كان لمرتهن الثمرة أن يمنع الراهن من التصرف فيها، ولا يضره إن تصرف ببيع أو هبة.
ولمرتهن الأصل أن يمنع الراهن من التصرف في الثمار والرقاب، فأما مسكن الدار فلا يصح حوزه إلا بخروجه عنه وأن يخليه من شواغله، وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين ما فيه، جاز، وكذلك إذا ارتهن تابوتًا دون ما فيه فحازه 1 عنه، جاز، وكذلك الحائط دون ثمرته وفيه رقيقه ودوابه، وإنما يفسد الرهن بتصرف الراهن فيه، وكما لو ارتهن نصف ثوب وحاز جميعه، لم يُفْسِد الرهن كون بعضه غير داخل في الرهن.
وكذلك كل ما كان مختزنًا في بيت أو غيره، فإذا حال بينه وبين الرقاب وما
فيها، صح، كان المرتهن الأصل وما (1) فيه، وإن كان الرهن حانوتًا أو ما له غلة ولم يكن ساكنًا فيه في حال الرهن، أجزأ الإشهاد على القبول، وإن كان في كراء بغير وجيبة، فحوزه أن يجمع بينه وبين المكري ويقدم إليه أن يكون قبض الكراء إلى المرتهن أو من يرضيان بإقامته لذلك.
واختلف إذا كان الكراء وجيبة وقد قبض المكتري الكراء أو لم يقبضه، هل يصح فيه حوز الكراء؟ وذكر ذلك في كتاب الصدقة، وإن كان طعامًا مخزونًا (2) فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين، جاز.
فصل [في صحة رهن الوديعة]
رهن الوديعة يصح بشرطين: أن يرهن جميعها، ويعلم بذلك المودع فيحوزها المرتهن.
وإن لم يعلم أو علم وقال: لا أحوز مَالَكَ، لم يصح الرهن، إلا أن يكون المودع غائبًا، أو يفلس الراهن قبل قدوم الغائب فيختلف فيه؛ لأنه لم يفرط.
واختلف إذا رهن بعض الوديعة ورضي المودع أن تكون يده لها جميعًا، فقيل: ذلك جائز.
وقال عبد الملك في المبسوط: لا 3 يجوز.
واختلف في حوز الأب لولده 4 الصغير إذا تصدق عليه ببعض دار فكانت يده عليه ولولده.12
باب في الرهن يستحق
قال: ومن ارتهن ثيابًا فاستحق نصفها، كان الباقي رهنًا بجميع الحق، فإن ضاع وهو في يد المرتهن، ضمن نصفه للراهن، فإن وضعه على يد المستحق أو غيره لم يضمن 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو كان الراهن غائبًا، وقال المستحق: يكون على يدي أو على يد فلان، لم يكن للمرتهن ذلك دون نظر الحاكم، فإن وقفه على يد المستحق أو غيره فضاع، لم يضمن المرتهن، وإن ادعى المرتهن ضياعه قبل الاستحقاق وضمن نصيب الراهن.
واختلف في نصيب المستحق، فقال ابن القاسم: يضمنه 2. وقيل: يحلف لقد ضاع ولا شيء عليه.
وقال مالك، وإن قال المستحق: وأنا أبيع نصيبي 3، قيل للراهن والمرتهن: بِيعَا معه، وقيل للمرتهن: لا تسلم رهنك، فإذا بيع كان ثمنه رهنًا في يده بجميع حقه 4.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن بيع بمثل الدين يعجل ذلك المرتهن في دينه 5. إذ لا منفعة للراهن في وقفه إلا أن يأتي الراهن 6 برهن ثان 7، أو يقول:
أنا آتي (1) به في المستقبل، أو يكون الدين مخالفًا لما بيع به فلا يعجل.
فصل [في استحقاق الرهن]
يراعى في استحقاق الرهن ثلاثٌ: هل هو مضمون أو معين؟ وهل استحق قبل القبض أو بعده؟ وهل غرمه الراهن أو لا؟
فإن كان غير معين فأتى الراهن برهن ورضي المرتهن ولم يقبضه حتى استحق، خُيِّرَ الراهن على أن يأتي بغيره.
واختلف إذا استحق قبل القبض، فقال سحنون: عليه أن يخلفه، وهو كموته.
وقيل: لا يخلفه.
والأول أصوب؛ لأن المرتهن رهن في الذمة, فإذا أعطاها لغيره بقي الرهن في الذمة على حاله، والغرور في المضمون وغيره سواء, فإن كان الرهن معينًا واستحق قبل القبض، كان فيه قولان، فقال ابن القاسم: البائع بالخيار في سلعته بين أن يضمنها بغير رهن، أو يردها إن كانت قائمة، أو يأخذ قيمتها إن كانت فائتة، سواء أطاع الراهن برهن آخر أم لا 2.
وقال عبد الملك بن الماجشون: وإن أطاع برهن آخر خُيِّرَ على قبوله، وإن لم يطع كان بالخيار في سلعته.
وعلى قول مالك لا يكون له مقال في سلعته، ولا في قيمتها إن فاتت، ولا في رهن ولا في غيره؛ لأنه قال: إن تعدى الراهن على الرهن فباعه قبل القبض لم يكن للمرتهن مقال في رد 3 بيع الرهن ولا في أخذ ثمنه ولا في سلعته ولا في1
ثمنها 1. وإذا لم يكن له مقال إذا تعدى عليه بالبيع كان إذا استحق أبين، وإن استحق بعد القبض، لم يكن له مقال في ذلك إذا لم يغره، وإن غره كان الاستحقاق قبل القبض وبعده سواء.
واختلف في ذلك، فقال ابن القاسم: لا يجبر الراهن على خلفه ويكون مقال المرتهن في سلعته إما 2 أن يضمنها أو يردها 3.
وقال عبد الملك: يجبر على خلفه 4. قال محمد: لا يخير فإن أخلفه أجبر الآخر على قبوله، وإن لم يخلفه عاد مقاله في سلعته 5. وقال سحنون: يجبر على تعجيل الحق 6.
وأرى أن استحقاقه قبل القبض وبعده سواء وإن لم يغره، فإن أخلفه أجبر 7 البائع على قبوله؛ لأن الغرض من الرهن ثمنه، ولا فرق بين 8 أن يأخذ ذلك من الأول أو من الثاني، وإن لم يرض بخلفه، كان البائع 9 بالخيار في سلعته بين أن يمضيها 10 بالثمن إلى أجل، أو يأخذها إن كانت قائمة، أو
قيمتها إن كانت فائتة 1، والاستحقاق قبل 2 القبض بخلاف الموت؛ لأن الموت أمر طرأ بعد صحته والاستحقاق نقض له من أصله، وإن غيره كان بالخيار بين أن يجبر على مثله أو لا يجبره ويعود مقاله في سلعته حسب ما تقدم.
واختلف فيما يفيت السلعة، فقيل: حوالة الأسواق، وهو المشهور من المذهب.
وقال محمد: لا يفيتها إلا العيوب المفسدة 3. ويلزم على هذا فيمن باع سلعته بسلعة ثم استحقت إحداهما لا يفيت الأخرى إلا العيوب، ولا يكون مقال المرتهن في الرهن 4 أعلى رتبة ممن اشترى سلعة فاستحقت من يده.
باب في ضمان الرهن
الرهن على ضربين: مضمون، وغير مضمون.
فالمضمون: كل ما يغاب عليه وهو غير مستقل بنفسه، كالبسط والثياب والسلاح وما أشبه ذلك.
وغير المضمون أربعة:
أحدها: أن يكون مما لا يغاب عليه ودخل على ألا يغيب عليه، وعلى أن يبقى في موضعه، كالثمار في رؤوس النخل والشجر والزرع القائم، أو ما كان في الجرين والأندر؛ لأن المرتهن يغيب عنه في الليل والنهار وهو موكل إلى أمانات الناس.
والثاني: ما يغاب عليه وهو مستقل بنفسه، وهو الحيوان على اختلاف أجناسه من: عبد وفرس وشاة وطير، فقوله مقبول أنه ذهب بنفسه مع إمكان أن يكون باع هذا أو ذبح الآخر 1 وأكله، ويلزم على القول في عارية الحيوان أنه يضمن الرهن إذا كان حيوانًا.
وأرى: أن يضمن كل ما استخف ذبحه وأكله.
والثالث: ما يبان به ولا يغاب عليه، كالسفن ترتهن وهي على ساحل 2 البحر، وكبيرها وصغيرها سواء، وكذلك ما كان من آلاتها من صَارٍ 3 أو
رجل (1) أو مرسى إذا دخل على أن يبقى في موضعه على الساحل أو غيره، كما يصدق في الطعام في الجرين، وكذلك أعدال الكتان في قاعات الفنادق.
وإن كان طعامًا وزيتًا مختزنا (2) في دار للراهن (3)، وكان مفتاحه بيده أو طبع عليه، كان في ضمان الراهن، وكذلك إن كان في دار غيره أو في مخزن في مثل هذه الفنادق، لم يضمنه وإن كان مفتاحه بيده، إلا أن يعلم أنه كان يتصرف إليه ويفتحه (4)، فإنه ينظر هل يشبه أن يكون أخذ مثل ذلك في تكرره إليه، وإن كان في مخزن المرتهن، لم يصدق في ضياعه.
والرابع: ما لا يبان به، وهو العقار على اختلاف أنواعه من: دار وحانوت وفندق وفرن وحمَّام وأرض عامرة أو غير عامرة، فهو مصدق إن نزل بشيء من ذلك فساد أنه من غير فعله، وإن تلف شيء من أبوابها أو أغلاقها وآلاتها، كان القول قوله أنه لم يجر في شيء من ذلك ويحلف (5) إن كان ممن يتهم بمثل ذلك.
فصل [في المسائل المختلف فيها]
واختلف في خمس مسائل:
- في سقوط الضمان إذا قامت البينة على تلف الثياب وإذا اشترط المرتهن أنه مصدق في تلفها، أو اشترط الراهن أنه غير مصدق في تلف الحيوان.12345 = الصاد، باب: الصاد مع الراء.
- وفي ضمان ما أصاب الرهن من سوس أو قرض فأرٍ أو حرق نار.
فقال مالك وابن القاسم: لا ضمان على المرتهن إذا قامت البينة على تلف الثياب 1. وإن اشترط أنه مصدق من غير بينة لم ينفعه شرطه.
وخالف أشهب في الوجهين جميعًا 2، وأرى 3 أن الضمان باق مع وجود البينة على التلف، ورواه عن مالك، وساقط بالشرط مع عدمها.
وأرى أن يسقط مع قيام البينة؛ لأن الرهن لم ينقل الملك، وهلاك كل ملك من مالكه إذا 4 كان في يد الآخر بإذن مالكه، وليس بتعدٍ وإن سقط الضمان مع الشرط؛ لأنه شرط صحيح لا فساد فيه فوجب الوفاء به، ولهذا إذا كان الرهن شرطًا في عقد البيع والقرض وإن كان بعد تقرر 5 الدين في الذمة، كان له شرط على كل حال؛ لأن تطوعه بالرهن معروف منه 6، وإسقاط الضمان معروف ثان، فأشبه العارية إذا شرط ألا ضمان على المستعير، فاتفق ابن القاسم وأشهب ألا ضمان عليه؛ لأن العارية معروف وإسقاط الضمان معروف ثان.
وقال ابن القاسم: إذا شرط ضمان الحيوان، شرطه باطل 7. ويجري فيها قول آخر أنه ضامن؛ لأن الحيوان يختلف في ضمانه من غير شرط، فالشرط ها هنا أخذ بأحد القولين.
وقال مالك في كتاب محمد في الساج 1 يرهن فيتآكل من السوس: لا ضمان عليه ويحلف ما أضعت ولا أردت فسادًا، قال: وإن أضاعه 2 ولم ينظر في شيء من أمره فيشبه أن يكون فيه شيء 3.
وقال ابن وهب 4 في الدمياطية: المرتهن ضامن، ورأى أن عليه أن ينفضه ويتفقده، وأن السوس لا يكون إلا مع الغفلة.
والقياس: أن لا شيء عليه؛ لأن مقتضى الارتهان حوزه عن صاحبه وثيقة في الدين، والنفض أمر زائد على وضع اليد، إلا أن تكون في ذلك عادة.
وأما الخشب وما أشبهها، فإن الضمان من الراهن؛ لأن سوسه ليس من عدم التفقد.
وفي كتاب تضمين الصناع الكلام على قرض الفأر وحرق النار والحكم في ضمان الصانع والمرتهن في ذلك سواء 5.
باب في الراهن أو المرتهن يتعدى على الرهن فيبيعه قبل الأجل أو بعده
قال مالك فيمن ارتهن رهنًا فباعه الراهن بعد حوزه بغير إذن 1 المرتهن، لم يجز بيعه، فإن أجازه المرتهن، جاز وعجل له حقه ولم يكن للراهن أن يأبى 2 من ذلك، وإن باعه بغير أمر 3 المرتهن وقال: لم آذن في البيع ليأخذ الراهن الثمن، حلف على ذلك، فإن أتى الراهن برهن ثقة يشبه المبيع، أخذ الثمن، وإن لم يقدر على ذلك، وقف هذا الثمن إلى محل الأجل 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن بيع بغير أمره بمثل الثمن والدين عين، لم يرد البيع وعجل الدين، وكذلك إذا كان الدين عرضًا من قرض فرضي الراهن أن يشتري بثمنه ويعجله وفيه وفاء، وإن لم يوف بالدين وهو عين، أو كان فيه وفاء بالقرض ولم يرض الراهن بتعجيل الدين، أو كان الدين عرضًا من قرض ولم يجتمعا على تعجيل الدين، لم يجز البيع، وإن كان ذلك وقت نفاق ذلك الرهن أو موسم بيعه، لم يرد البيع وإن 5 لم يوف بالدين؛ لأن المنع ضرر على الراهن من غير منفعة المرتهن، وإن بيع بأمره وكان ذلك وقت بقائه، وقال: آذنت له، فإنه يصدق.
وإن لم يكن وقت بيعه، وقال الراهن: أردت أن أتصرف في ثمنه، فإن كان سلمه إليه، كان رضًا بإسقاط رهنه، وإن بيع وهو في يده لم
يخرجه، صُدِّقَ المرتهن أنه لم يأذن في بيعه ليسلم الثمن إليه 1، وهذا إذا بيع بعد الحوز.
واختلف إذا باعه قبل الحوز، فقال مالك: البيع ماض 2. وقال ابن القاسم: وليس عليه أن يعطيه رهنًا غيره؛ لأنه إذا 3 تركه حتى باعه فكأنه ترك الرهن 4.
وقال مالك في كتاب محمد: يمضي البيع والثمن للراهن، ولا يعجل المرتهن منه حقه ولا يوضع له رهن مكانه، ولا ينقض ما بينهما من بيع أو سلف، وقد كان للمرتهن لو لم يبعه أن يقوم فيأخذه رهنًا، وقاله ابن القاسم وأشهب 5.
وفي كل هذا اختلاف: في نقض 6 البيع، وفي تعجيل الدين، وفي إلزامه رهنًا مكانه، وفي أخذ سلعته إن لم يصح الرهن.
فقال ابن القاسم في العتبية: إن كان الراهن موسرًا أخذ منهما عليه من
الدين وعجل للطالب حقه، وإن كان معسرا 1 لم ينقض البيع للراهن 2. وأرى أن يرد بيعه إذا كان الرهن شرطًا في أصل العقد 3 أو القرض إن باعه مبادرة أو التراخي اليسير 4 مما يرى أن المرتهن لم يسقط مقاله فيه، وإن فات مشتريه كان الثمن رهنًا، وقد قال ابن القاسم فيمن وهب هبة ثم باعها وقد فرط الموهوب له في القبض: إن البيع ماض ويكون الثمن للموهوب له 5. فهو في هذا أبين، وإن أحب ألزمه رهنًا آخر مكان الأول 6. وقد قال عبد الملك بن الماجشون فيمن غير 7 من الراهن: أن يجبر على رهن آخرة فهو في التعدي على الرهن بعد صحته أبين، فإن لم يجد 8 له شيئًا، كان بالخيار في سلعته إن كانت قائمة بين أن يمضيها إلى الأجل أو يأخذها، وهو قول ابن القاسم وغيره في الاستحقاق، إذا استحق قبل الحوز فهو في التعدي على الرهن أحرى ألا يسقط حقه 9 في سلعته، وإن تطوع بالرهن بعد العقد ثم باعه قبل القبض، لم يكن له مقال في نقض البيع في سلعته ولا في ثمنها، ويجري الجواب في نقض البيع في الرهن، وفي تعجيل ثمنه أو إلزامه رهنًا آخر على ما تقدم، وهو بمنزلة من وهب هبة ثم باعها مبادرة بعد التراخي.
والجواب عن هبة الراهن وعتقه وتدبيره وكتابته وإيلاده يأتي فيما بعد إن شاء الله، وهذا الجواب إذا تعدَّى الراهن في البيع، وأما إن تعدى المرتهن وباع الرهن قبل الأجل، نقض بيعه ووقف على يد عدل غيره، لئلا يتعدى فيه مرة أخرى، فإن فات به مشتريه وقفت قيمته.
وقال مالك في المرتهن يوم التعدي 1 عليه: إلا أن يكون الثمن الذي باعه به أكثر فيوقف الثمن.
وقال مالك في المرتهن يبيع الرهن أو يهبه: إن للراهن أن يأخذه حيث وجده ويدفع ما عليه فيه، ويتبع الذي اشتراه الذي غيره 2 منه بحقه 3.
يريد: إذا بيع بعد الأجل فيدفع الراهن للمرتهن ما عليه، ويأخذ رهنه ويتبع المشتري المرتهن بالثمن.
وإن كان وهبه، دفع الدين للمرتهن وأخذه من الموهوب له، ولا شيء للموهوب له 4 على الواهب، وإن غاب المرتهن واختلف الدين والثمن، فإن كان الدين أكثر، دفع إلى المشتري ثمنه ووقف السلطان الفضل، وإن كان الثمن أكثر، أخذ الدين وأتبع البيع بالفضل 5، وإن باعه بعرض أو مكيل أو موزون ثم غاب، فإن السلطان يقبض الدين من الراهن ويدفع إليه الرهن ويشتري من الدين مثل ما قبضه المشتري من المرتهن 6، فإن
فضل للغائب شيء وقفه له، وإن فضل عنده شيء أتبعه به، وإن كان 1 باعه بعرض دفع إليه قيمته.
وقال ابن القاسم في العتبية في المرتهن يبيع الرهن ولا يعلم له المرتهن ولا الراهن صفة ولا قيمة: إن المرتهن يحلف على ما باعه به ويجعل ما بيع به ثمنه 2.
وقال عبد الملك بن الماجشون 3 إذا فات كان عن المرتهن الأكثر من قيمته أو الثمن.
وقاله أصبغ إذا كانت للمرتهن بينة على صفته يوم باعه، فإن لم تكن له 4 بينة، كانت عليه قيمته يوم باعه على صفته التي كان عليها يوم ارتهنه 5، إلا أن تكون 6 صفته يوم باعه كانت أفضل من صفته يوم ارتهنه، فيكون عليه قيمة صفته يوم باعه، إلا أن يكون الثمن أكثر، وهذا إذا كان الرهن مما يغاب عليه، وإن كان مما لا يغاب عليه، كان عليه الأكثر من قيمة صفته يوم باعه أو الثمن الذي باعه به 7.
يريد: لأن الثياب مضمونة بنفس القبض فلا يُصَدَّقُ في نقص القيمة، كما لا يصدق في ذهاب بعضه، والحيوان غير مضمون فكان 8 القول قوله إذا تعدى عليه هو على الصفة التي اعترف بها.
باب في غلات الرهن
غلات الرهن على وجهين، فغلات الديار والعبيد والحيوان غير داخلة في الرهن، وكذلك الثمار حدثت بعد العقد أو كانت مأبورة، وما كان منها يتضمنه مطلق البيع يتضمنه مطلق الرهن، وكذلك الزرع إذا زرع بعد العقد فهو غلة، وإن كان بعد العقد وبرز لم يدخل في الرهن إلا بشرط، وإن كان فيه ولم يبرز دخل في الرهن إذا أقام بالبيع قبل بروزه.
ويختلف إذا برز قبل البيع هل يدخل في الرهن ويباع للمرتهن، أو يدخل الغرماء معه فيه؟
وقد 1 اختلف فيمن ارتهن 2 أرضًا وفيها زرع لم يبرز ثم برز وحده ثم ظهر على عيب هل يكون غلة إذا تم، أو حتى يتعسل 3؟ والصوف الحادث بعد الرهن غلة إذا جز قبل بيع الرهن.
ويختلف إذا قام المرتهن بالبيع قبل جزازه هل تكون غلة إذا تم، أو حتى يتعسل، أو حتى يجز؟
ويختلف إذا كان الصوف قد تم بعد الرهن ثم جز، فقال ابن القاسم: هو داخل في الرهن 4، وعلى قول أشهب هو غلة.
وولادة الأمة وغيرها من الحيوان إذا كان حملًا يوم الرهن فولد قبل البيع أو حملت به بعد الرهن، داخل في الرهن، وكذلك ولادة الشجرة.
باب فيمن تكفل بكفالة وأعطى رهنًا أو استعار ثوبًا فرهنه أو ادعى دينًا فأخذ به رهنًا
ومن تكفل بمال وأعطى به ثوبًا رهنًا فضاع عند المرتهن ضمنه، فإن كانت قيمته والدين سواء، كان قصاصًا بالدين ويرجع الكفيل بذلك على الغريم، وإن كان فيه فضل عن الدين وكان رهنه بغير أمر الغريم، أتبع بذلك الفضل المرتهن، وإن كان بأمره، كان بالخيار بين أن يتبع به الغريم 1، وإذا كان بأمره صار الأمر كأنه للراهن وضمنه المرتهن للآمر، وإن كان مضمونًا للآمر ضمنه الآمر لصاحبه؛ لأنه لا يصح أن يكون مضمونًا له ولا يضمنه هو.
ومن استعار ثوبًا ليرهنه فضاع عند المرتهن، وكانت قيمته يوم استعاره خمسة عشر ويوم سلمه للمرتهن عشرة، فإن تعدى في حقه ثم سلمه ضمن هو خمسة عشر 2، لم يكن له على المرتهن إلا عشرة، وإن كان نزل السوق 3 بقدر قبضه لم يكن عليه 4 سوى عشرة، ولم يضمن للمستعير إلا ما ضمن له المرتهن، وإن كانت قيمته يوم قبضه عشرة فتعدى 5 المرتهن عليه وقيمته خمسة عشرة ضمن المستعير عشرة، وأتبع المعير المرتهن بخمسة 6.
وقال ابن القاسم فيمن ادعى على رجل بألف درهم فأنكره وأخذ بها رهنًا فضاع عنده ثم قال كنت أقتضيه ولم أعلم: إنه ضامن لقيمة الرهن 1. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما 2 إن لم يعلم الضياع إلا من قوله، فهو ضامن، وإن قامت له بينة على هلاكه من غير سبب له فيه، أو كان حيوانًا فمات، لم يكن عليه شيء، وكذلك كل ما كان يصيبه لو كان يصيبه بيد صاحبه، وأما كل 3 ما أصابه بسبب انتقاله إلى يده فهو ضامن؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وإن اعترف أنه كان عالمًا بقضاء دينه أو شهدت عليه بينة لذلك، كان 4 غاصبًا وأجرى فيه أحكام الغاصب.
باب الحكم فيمن إليه بيع الرهن وإذا باعه المرتهن أو العدل بغير أمر السلطان
وإذا حل أجل الدين لم يكن للمرتهن أن يبيع بغير إذن الراهن، فإن لدَّ عن البيع أو كان غائبًا فالسلطان (1)، فإن لم يكن سلطان أو كان تناوله (2) شاقًا فأرى بيعه جائزًا إذا كان بيعًا صحيحًا، وبعد أجل فيهما هو (3) بينه وبين الراهن، قال: فإن كان الرهن مما يسرع إليه الفساد مقثأة (4) أو قضبًا (5)، باعها من غير سلطان ولا يطالع ربها؛ لأن حبسها فساد.
فصل [في المرتهن يشترط أن يبيع الرهن من غير مؤامرة صاحبه أو العدل]
وإن شرط إليه 6 المرتهن أن له أن يبيع الرهن من غير مؤامرة صاحبه، أو12345
العدل إذا كان على يد عدل، جاز إذا كان الرهن بعد عقد البيع؛ لأن كل ذلك معروف من الراهن والإذن في بيعه.
واختلف إذا كان ذلك شرطًا في أهل العقد، فقال مالك: لا يباع إلا بإذن السلطان، كان الرهن على يد المرتهن أو على يد عدل 1، فإن بيع بعد البيع لم يرد ولم يفرق بين عظيم البيع في ذلك ولا حقيره.
وقال في كتاب محمد: إن كان من الأشياء التي لها بال مثل الدور والأرضين والحيوان، فإنه يرد ما لم يفت، فإن فات مضى 2.
وقال ابن القاسم في العتبية: أحب قوله أن يمضي إذا أصاب وجه البيع وإن كان له بال؛ لأنه بيع بإذن صاحبه وضمنه مشتريه 3، ويلزمه على قولهما أن يكون للراهن أن يغر لهما المرتهن والعدل.
وقال إسماعيل القاضي، وأبو الحسن بن القصار، وأبو محمد عبد الوهاب: يجوز للراهن أن يجعل للمرتهن أن يبيع الرهن، وليس له أن يفسخ وكالته ولا يعزله 4 من بيعه 5 وهو أقيس؛ لأن في ذلك حقًا للطالب جعل إن كان حاضرًا فله أن لا يتكلف مطالعة السلطان، وإن غاب ألا يتكلف إثباتًا، وقول مالك ألا يفعل، فإن فعل مضى، وهذا دليل على ذلك عنده على وجه الاستحسان.
فصل [في الرهن يوقف على يد عدل]
وقال ابن القاسم في الرهن يوقف على يد عدل: فإن تعدى العدل بدفعه إلى الراهن فضاع ضمنه للمرتهن، فإن دفعه للمرتهن ضمنه للراهن، وإن كان كفافًا بالدين سقط عن 1 المرتههن، وإن كان في الرهن فضل غرمه العدل 2؛ لأن الراهن لم يرض أن يكون رهنه عند المرتهن، وهذا إذا سلمه المرتهن 3 بعد الأجل أو قبله ولم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فأما إن علم بذلك قبل الأجل، كان له أن يغرم قيمة أيهما شاء؛ لأنهما متعديان عليه، هذا متعد في دفعه، وهذا متعد في أخذه، وتوقف 4 القيمة على يد عدل غير الأول خيفة أن يتعدى عليه ثانية، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ليأخذ 5 القيمة، وإن ابتدأ بالعدل لم يكن للعدل أن يرجع على المرتهن بشيء 6؛ لأنه سلطه عليه، وهذا إذا قامت على ضياعه بينة.
ويختلف إذا لم تكن بينة هل للعدل أن يغرم قيمته للمرتهن 7 إلا أن يكون قصاصًا؛ لأنَّ العدل يغرم بالتعدي حقيقة والمرتهن يغرم له من باب التهمة ويمكن أن يكون صدق، ولا خلاف في المرتهن إذا غرم بالتعدي أنه تؤخذ منه
القيمة الآن قبل الأجل.
واختلف إذا غرم بالتهمة هل تؤخذ منه القيمة، أو يكون قصاصًا بالدين؟ فإن أسلمه العدل إلى الراهن، كان للمرتهن أن ينتزعه ويكون على يد عدل.
واختلف إذا لم ينزعه حتى فلس الراهن، فقال ابن القاسم في العتبية: هو أحق به 1، وقال محمد: يكون أسوة 2، ثم لا يخلو الرهن من أن يكون قائم العين، أو غير موجود وقد صون الراهن به ماله أو لم يصنه، فإن كان موجودًا وقيمته عشرة وفي يده خمسة وعليه عشرون، للمرتهن عشرة ولآخر عشرة، اقتسما جميع ذلك، فيأخذ المرتهن سبعة ونصف ويرجع على العدل بتمام دينه، وإن كانت قيمة الرهن خمسة وفي يده عشرة، أخذ نصف جميع ذلك سبعة ونصف، يرجع على العدل بخمسة أسداس دينار؛ لأنه لو لم يسلم الرهن لأخذ المرتهن خمسة وهي قيمة الرهن وتبقى له خمسة وللآخر عشرة وفي يد الغريم عشرة فيقتسمانها أثلاثًا، فينوب المرتهن منها ثلاثًا وثلثا وفي يده من الرهن خمسة فجميع ذلك ثمانية وثلث، وقد صار له بالمحاصة سبعة ونصف، فالذي أضر به تسليم الرهن خمسة أسداس دينار.
وإن هلك الرهن ووجد بيد الغريم عشرة، كان له نصفها بالمحاصة ثم يرجع على العدل بثلاثة وثلث، وإن صون به الراهن ماله كان طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه أو باعه فاشترى بقيمته 3 ما أكله؟ رجع على العدل بدينارين إلا
ثلث؛ لأنه لو لم يسلم لأنفق الغريم من العشرة التي وجدت في يديه خمسة ولم يجد المرتهن إلا خمسة.... يريد بأنها ثلث ديناران إلا ثلث وخمسة من الرهن فجميع ما كان يصير إليه بالمحاصة سبعة إلا ثلثا بالذي أضر به وتسليم الرهن ديناران إلا ثلث (1)
فصل [في الرهن يوقف على يد عدل فيبيعه ويدفع ثمنه للمرتهن]
وإذا قال العدل: بعت الرهن بمائة ودفعتها إليك، وقال المرتهن: بخمسين وهي التي دفعتها إلي، كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه لم يقبض منه إلا خمسين وكان على العدل غرم خمسين، ثم ينظر في ذلك، فإن قال المرتهن: لا أدري ما بعت به إلا من قولك أنه خمسون، ثم أقررت الآن أنه مائة، أخذت 2 تلك الخمسين الأخرى إذا كان دينه مائة.
واختلف إذا قال المرتهن: كنت حاضرًا ولم يبع إلا بخمسين، هل يكون له أن يأخذه، أو تكون للغرماء دونه؟ ولا شيء له فيها أصوب؛ لأنه مقر أنها أخذت من العدل ظلمًا، فإن قال العدل: بعت بخمسين، وقال المرتهن: بمائة، كان القول قول العدل مع يمينه، إلا أن يأتي بما لا يشبه وأن يكون ثمنه مائة، فيكون القول قول المرتهن، ولأنه لو شهدت له بينة أنه باعه بخمسين كان متعديًا وعليه تمام القيمة، وإن باعه العدل بحنطة أو شعير أو عرض، رد بيعه،1
وإن فات بيد مشتريه (1) أسلم ذلك وأغرم القيمة، إلا أن يكون فيه فضل على القيمة فيباع ذلك (2) للراهن.
وقال أشهب في كتاب محمد (3): فإن باعه بمثل ما على الغريم ولم يكن به فضل، جاز، وإن كان فيه فضل، رد ذلك الفضل وكان المشتري بالخيار في الباقي كله (4) إن شاء رده كله لما دخل عليه من الشركة (5).
فصل [في أن الرهن مضمون]
الرهن مضمون وإن قضى ما هو فيه إذا كان غائبًا عنهما، إلا أن يقول الراهن: أتركه عندك وديعة، فيكون ذلك له تصديقًا أنه كان وقت القضاء موجودًا، وإن كان موجودًا 6 بين أيديهما فقضى ما رهن فيه ثم قام الراهن وتركه، كان وديعة، ويصدق المرتهن إن قال: ضاع بعد ذلك.
وقال ابن القاسم: إذا قضى الغريم الدين، وقال المرتهن: تعال خذ رهنك، فقال الراهن: دعه عندك حتى أجيئك غدًا فآخذه، فلما جاء من الغد قال: قد ضاع عندي بعدما قضيتني ودعوتك له 7، قال: أرى أن يحلف لقد ضاع ويبرأ وأراه أمينًا 8.12345
وقال في المدونة فيمن ارتهن ثوبًا بألف درهم وقيمته ألف فوهب 1 الطالب دينه للغريم ثم رجع ليدفع الثوب فضاع، قال: هو ضامن 2. وقال أشهب في كتاب محمد: هو ضامن ويرجع على الراهن فيما وضع من حقه؛ لأنه لو لم يضع لينتفع 3 بقيمة الثوب فيقاصه بقيمته، فإن كان الثوب أكثرة غرم ذلك، وإن كان الدين أكثر، لم يكن على الراهن شيء 4. يريد: بعد أن يحلف.
باب فيمن ارتهن رهنًا بدين فقضى بعضه أو بدينين فقضى أحدهما هل يرجع في الرهن بقدر ما سقط من الدين؟
وإذا أرهن رهنًا بمائة فقضى خمسين، لم يكن له أن يأخذ من الرهن بقدر ما قضى؛ لأن العادة جارية ألا يسترجع منه شيئًا حتى يقضي آخر الدين.
واختلف إذا كان الرهن بدينين فقضى أحدهما، أو بعبدين فاستحق أحدهما أو رده بعيب، أو كان عبدًا واحدًا بيع بمائة بيعًا فاسدًا فكانت قيمته خمسين، فقيل في جميع ذلك: يكون جميع الرهن رهنًا بالباقي.
وحكى ابن شعبان إذا كان الرهن في حقوق ثلاثة فقضى أحدها 1 أنه يخرج من الرهن بقدره.
وفي كتاب محمد فيمن له على رجل مائة دينار، ثم أقرضه مائة على أن يرهنه رهنًا بالأول والثاني قولان، فقيل: يفض الرهن ويسقط نصفه وهو ما قابل الدين الأول.
واختار محمد أنه يكون جميعه رهنًا بالثاني مثل ما في المدونة 2، وعلى هذا يفض الرهن في الاستحقاق إذا استحق أحد العبدين أو رده بعيب.
وفي الطلاق إذا أرهن بالصداق ثم طلق قبل الدخول، والفض أحسن إلا أن تكون هناك عادة أنه يبقى رهنًا في الباقي.
ومن أسلم دينارًا في ثلاثين درهمًا إلى أجل وأخذ عنها رهنًا ثم فسخ ذلك، فإن كان قدر الدينار والدراهم سواء، كان أحق به حتى يعود إليه ديناره، وإن
كان قيمة الدينار أربعين، كان أحق بثلاثة أرباع الدرهم والباقي هو فيه أسوة؛ لأنه إنما دخل على أنه يكون رهنًا في ذلك القدر ثم يسلمه.
واختلف إذا كانت قيمته عشرين، هل يكون أحق لجميعه، أو بثلثيه يسقط من الرهن ما ينوب العشرة الزائدة فالمستحقة؟
باب في اختلاف الراهن والمرتهن
وذلك في ثلاثة: في الدين، أو في الرهن، أو فيهما جميعًا.
الدين والرهن وجهان من غير اختلاف، وهو أن يتفقا على الرهن ويذهب عنهما ما رهن فيه، أو يتفقا على الدين ويهلك الرهن ويذهب عنهما صفته.
فإن اختلفا في الرهن، فقال المرتهن: هو في عشرة.
وقال الراهن: هو في خمسة، وقيمة الرهن عشرة، كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه في عشرة.
قال مالك: ويكون أحق به ليقبضه وحوزه إياه، فإن كانت قيمته خمسة، كان القول قول الراهن مع يمينه، وإن كانت قيمته فوق خمسة ودون عشرة، حلفا جميعًا وكان رهنًا في قدر قيمته 1.
واختلف في أربعة مواضع:
أحدها: إذا كانت قيمته عشرة وحلف المرتهن، هل يكون شاهدًا على نفسه فيحبسه لا غير ذلك، أو يكون شاهدًا على الذمة ويأخذ العشرة من المطلوب؟
والثاني: إذا كان شاهدًا على نفسه وحلف المرتهن هل له أن يحلف الراهن؟
والثالث: إذا كان الرهن على يد عدل، هل يكون القول قول المرتهن إذا ادعى مثل قيمته أو قول الراهن.
والرابع: إذا كانت قيمته خمسة، هل يكون القول قول المرتهن أو الراهن؟ فقال محمد: إذا كانت قيمته عشرة، حلف المرتهن وحده وكان الرهن على يده أو على يد غيره ويكون له، ولا يجعله شاهدًا على الذمة فيستحق منها ما حلف
عليه، فإن استحق الرهن أو ضاع ببينة أو ادعى هلاكه وهو حيوان، كان القول قول الراهن أنه لم يكن له 1 إلا في خمسة؛ لأن حكم الرهن قد يسقط فيرجعان إلى ما يغرمه الراهن من ذمته، بمنزلة ما لم يكن فيه رهن؛ لأنه يشبه أن يرهن الرهن في مثل قيمته أو أقل أو أكثر، فجعل القول قول المرتهن لأجل الحوز، فإذا سقط الرهن رجع إلى قول الغريم.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: العادة جارية أن الناس يرهنون ما يساوي ديونهم أو يقاربها لا ما لا يفي بها 2. فعلى قوله يكون شاهدًا على 3 الذمة وإن هلك الرهن أو استحق.
وقول محمد: يحلف المرتهن 4 وحده استحسانٌ؛ لأنه قادر على أن يبيع ذلك الرهن 5 فيأخذ العشرة.
وقيل: إذا حلف المرتهن أنه في عشرة، حلف الراهن أنه لم يرهنه في عشرة، ثم يسلم الرهن؛ لأن المرتهن يقول: لا أتكلف بيعه؛ لأنه يمكن أن يستحق أو يوجد به عيب، والقول الأول أحسن؛ لأن الاستحقاق نادر وليس عليه في تكليف البيع كبير مئونة، فكان ذلك أخف من أن يحمله على اليمين كاذبًا على قول المرتهن.
قال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان على يد عدل، كان القول قول الراهن 6.
وقول محمد: إنَّ القولَ قول المرتهن وإن كان على يد غيره أصوبُ؛ لأنه إنما أخذ توثقة للدين، فلا فرق بين أن يكون على يده أو على يد غيره.
وإن كانت قيمته خمسة، كان القول قول الراهن.
وفي العتبية: القول قول المرتهن (1)، وهذا من نحو ما تقدم أن الرهن لم يكن شاهدًا على الذمة؛ لأنه يرهن في أقل من الدين وأكثر، ولا يسقط حق (2) بشك، والمرتهن يقول: رضيت إن أخذه في عشرة، فإن كرهت أن تفتديه فدعه.
فصل [فيما إذا هلك الرهن وتصادقا على قيمة الدين ثم اختلفا في قيمة الرهن]
واختلف إذا هلك الرهن وتصادقا على أن الدين عشرة، وقال الراهن: قيمته عشرة، وقال المرتهن: قيمته خمسة، فقال مالك: القول قول المرتهن 3، وهذا يؤيد ما تقدم أن الرهن يرهن في أقل من الدين وأكثر وإذا كان القول قوله لموضع الحوز.
وقال ابن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب: القول قول المرتهن وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن الرهن قد يؤخذ لليمين، وقال أصبغ: القول قول الراهن 4. وهذا يصح على القول أنه شاهد على الذمة، فإن قال المرتهن: هو في عشرة، وقال الراهن: هو في خمسة وقيمته سبعة، تحالفا وكان في سبعة، فإن ابتدأ12
بالمرتهن، كان بالخيار بين أن يحلف أنه في عشرة، فإن نكل بعد ذلك الراهن، أخذ المرتهن عشرة بتلك اليمين، أو يحلف 1 المرتهن أنه لم يرهن في دون سبعة، فإن نكل الراهن حلف المرتهن يمينًا ثانية أنه في عشرة وأخذها، فإن ابتدأ الراهن باليمين، كان بالخيار بين أن يحلفه أنه لم يرهنه إلا في خمسة، وإن نكل بعد ذلك المرتهن دفع الراهن خمسة وأخذه، وإن شاء حلف أنه لم يرهنه في عشرة وبرئ منه، فإن نكل بعد ذلك المرتهن حلف يمينًا ثانية أنه لم يرهنه إلا في خمسة وأخذه.
وإن اختلفا فيمن يبتدئ باليمين اقترعا؛ لأن المرتهن يجب أن يبتدئ الراهن باليمين، فإن نكل حلف هو يمينًا واحدة وأخذ بها 2 عشرة، والراهن يجب أن يبتدئ المرتهن باليمين، فإن نكل حلف هو يمينًا واحدة وأخذ الرهن 3 وغرم خمسة، ونكولهما كيمينهما.
وإن اختلفا في الدين وفي قيمة 4 الرهن وقد ضاع، فقال الراهن: الدين خمسة وقيمة الرهن عشرة، وقال المرتهن: الدين عشرة وقيمة الرهن خمسة، كان القول قول الراهن ويحلف أن الدين خمسة، والقول قول المرتهن ويحلف أن قيمة الرهن خمسة، ثم لا تباعة بينهما.
وإن قال الراهن: إنه في ثلاثة، حلف ولم يكن علي الراهن إلا خمسة التي حلف أنها صفة الرهن ولم يكن للراهن فيها شيء؛ لأنه لا يقبل قوله أن الدين
أقل منها 1.
وإن قال الراهن: هو 2 في سبعة، حلفا وكان للمرتهن أن يأخذ منه دينارين بإقراره، وعلى القول الآخر لا يكون له شيء؛ لأن المرتهن لا يصدق أن الرهن أقل من الدين.
وقال ابن القاسم: ومن مات عن رهن قيمته أقل من 3 عشرة، فقال الراهن: هو في خمسة، وقال ورثته: لا علم لنا فيما رهن فيه، كان القول قول الراهن، وهذا راجع إلى الأصل الأول أن الرهن لا 4 يرهن في أقل من الدين 5 وإنما يكون في قيمته إذا ادعى ذلك المرتهن، فإن لم يدع لم يغرم الآخر 6 إلا ما أقر به؛ لأنه إنما أقر 7 بما يشبه.
وعلى ما قال أبو محمد عبد الوهاب: لا يقبل قوله، قال محمد، قال أشهب: فإن كان الورثة صغارًا حلف الراهن ودفع ما أقر به، ولم يكن له إلى الرهن سبيل حتى يكبر الصغار فيحلفوا 8. يريد 9: إذا ادعوا علمًا وأمكن أن يكون عندهم علم، وإلا فيمين هذا الآن تجزئ ويحلف ويأخذ رهنه.
وإن هلك الرهن وجهلت صفته، كان رهنًا (1) بما رهن فيه ولم يرجع منهم أحد على صاحبه؛ لأنَّ كل واحد منهما لا يدري هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا؟.
وقال أشهب: القياس أن يجعل من أدنى الرهون (2). يريد: أدنى ما يرهن في مثل ذلك الدين.
واختلف في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة الرهن (3)، فقال ابن القاسم: إنما ينظر في (4) قيمته يوم الحكم (5)، فإن كانت قيمته يوم قبض عشرة ويوم الحكم عشرين، كان القول قول الراهن أنه في عشرة، وهذا صحيح على أصل مالك؛ لأنَّ المرتهن قدم لأجل الحوز وإن كان يشبه أن يرهن في أقل.
وقال غيره: إنما ينظر إلى القيمة يوم القبض، قال: وكذلك لو نتجت الدابة في يده.
يريد: إنما تقوم الأم بانفرادها، وهذا موافق لما قال أبو محمد عبد الوهاب أن الرهن يرهن في مثل الدين، وعلى قول ابن القاسم يراعى قيمة الأم والولد.
فصل [فيما إذا اختلف قول الراهن والمرتهن]
وقال ابن القاسم: وإن كان للرجل دين بذكر 6 حق بمائة وفي يده رهن قيمته مائة، وقال: هو رهن في مائة أخرى، وقال الراهن: بل تلك المائة التي12345