النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
كتاب الحج الثاني
باب في المبيت ليلة عرفة, أو ليالي منى, أو غيرها, وذكر أيام الحج، وموضع الوقوف بعرفة, وخطب الحج، ومتى يقطع التلبية
ومن المدونة قال مالك: يكره أن يدع الرجل المبيت بمنى ليلة عرفة، كما يكره أن يبيت ليلة من ليالي منى إلا بمنى، وعليه الدم إن فعل، وإن ترك المبيت ليلة عرفة لم يكن عليه دم 1. فلم يرَ في الليلة 2 الأولى دمًا؛ لأن مبيت تلك الليلة ليس لأمر يفعل فيها ولا في غدها، وإنما هي جواز لعرفة.
وأيام الحج فيما بعد؛ وهي خمسة: يوم عرفة ويوم النحر وأيام الرمي الثلاثة.
ويستحب أن يكون يوم التروية -وهو اليوم الثامن- بمنى 3 يخرج من مكة إلى منى 4 بقدر ما إذا بلغ منى صلى بها الظهر، ثم يغدو من منى بعد طلوع الشمس؛ لحديث جابر - رضي الله عنه -، قال: "لمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مِنًى وَتَوَجَّهَ النَّاسُ مَعَهُ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالعَصرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَاَلصُّبْحَ".
أخرجه مسلم 1. وكره مالك أن يقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية، وإلى عرفة قبل يوم عرفة 2.
واختلف في تقدمة 3 الأثقال، وكره ذلك مالك حماية أن يتقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية بأنفسهم 4، ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب في المجموعة.
وكره مالك في البنيان الذي أحدث في منى 5، قال في كتاب محمد: لأنه يضيق على الناس 6.
وكره بنيان مسجد عرفة، قال: وإنما أحدث بعد بني هاشم بعشر سنين 7.
وقيل في يوم التروية: إنما سمي بذلك لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى لحاج العرب يسقونهم مع الزاد، فقيل: رَويَّ الحاج.
فصل [في منازل الحج وحدودها وخطبة الحج]
عرفة كلها منزل وموقف، ما خلا بطن عُرَنَة 1؛ فإنها من الحرم وليست من عرفة، والمزدلفة كلها منزل ما عدا بطن مُحَسِّر، فإنه ليس من المزدلفة، ومنى كلها منزل ومنحر ما خلا ما خلف العقبة إلى مكة فإنه ليس من منى، فلا ينحر فيه، ولا يبيت فيه.
ويستحب أن ينزل الناس من عرفة بنمرة؛ لحديب جابر - رضي الله عنه -، قال: "أَمَرَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَتُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا" أخرجه مسلم 2. فإذا زالت الشمس اغتسل الناس، وجمع بهم الإمام حينئذٍ 3 الظهر والعصر.
قال ابن حبيب: ولا ينبغي لأحد أن يترك الجمع مع الإمام 4. ويبتدئ الإمام الخطبة قبل الصلاة ويخطب خطبتين.
وخطب الحج ثلاث: الأولى يوم السابع بمكة، والثانية يوم عرفة بعرفة، والثالثة أول أيام الرمي، وهو الحادي عشر.
قال ابن شهاب: كانت يوم النحر فأخرتها الأمراء للشغل.
والأولى والثالثة خطبة واحدة بعد الصلاة، والثانية خطبتان قبل الصلاة.
ولا يجلس إلا في خطبة يوم عرفة 5، وكل واحدة تتضمن ما يفعل من يوم يخطب إلى التي
تليها، والأخيرة ما يفعل إلى انقضاء الحج.
قال ابن حبيب: تفتتح الخطب الثلاث بالتكبير كالأعياد، ويكبر في خلال كل خطبة 1. واختلف في وقت قطع التلبية، فقال مالك مرة: يقطع إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة.
وقال: إذا راح إلى الموقف 2. وقال في كتاب محمد: إذا وقف.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة 3.
وهذا أحسن؛ للحديث: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ - رضي الله عنه - مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنى، فَكِلاهُمَا قَالَ 4: "لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 5. ولأن التلبية إجابة إلى ما دعي إليه، وقد اتفقوا على أنه لا يكتفي من ذلك بالتلبية عند ما يعقد الإحرام ثم يقطع.
وإذا كان ذلك فينبغي أن يلبي حتى يتلبس بالفعل الذي دعي إليه.
ويوم النحر: يوم الحج الأكبر، فيه الرمي والنحر والحلاق والإفاضة.
ويقال: حتى يتلبس بالوقوف بعرفة، كما قال محمد.
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا قطع التلبية بعرفة؛ فليهلل وليكبر وليذكر الله.
وقيل: يكثر الذكر والتهليل والتكبير والتحميد والتمجيد والتعظيم والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويفعل مثل ذلك إذا دفع من عرفة، وفي مبيته
بمزدلفة، وفي مقامه بمنى، كما يفعل من رفع الصوت بالتلبية؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]. وفي "الموطأ": "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خَرَجَ أَيَّامَ مِنىً بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ جِدًّا، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ جِدًّا، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكبِيرِهِ، حَتَّى بَلَغَ التَكبِيرُ للْبَيْتِ، فَعُرِفَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ لِرَمْيِ الجِمَارِ" (1).
فصل [في مكان الوقوف بعرفة]
وقال ابن حبيب: يقف بعرفة عند الهضاب من سفح الجبل، وحيث يقف الإمام أفضل 2. وفي كتاب مسلم: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ 3، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ" 4.
وقال مالك في كتاب محمد: لا أحب أن أقف على جبال عرفة، ولكن مع الناس، وليس في موضع من ذلك فضل 5 إذا وقف مع الناس.
واختلف فيمن وقف بمسجد عرفة على ثلاثة أقوال: فقال مالك في كتاب1
محمد: لم يصب من وقف به.
قيل له: فإن فعل حتى دفع الإمام؟ قال: لا أدري.
فكأنه شكَّ هل هو من الحل أو من الحرم.
وقال أصبغ: لا حج له.
ورآه من غير عرفة 1. وقال محمد: ويقال إن حائط المسجد القبلي على حده، ولو سقط لسقط في عرنة 2. وعلى هذا يجزئ الوقوف فيه؛ لأنه من الحل.
وكذا عند ابن مزين: أنه يجزئ 3 الوقوف فيه.
واستحب مالك أن يقف راكبًا؛ للحديث: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ رَاكِبًا" 4. ويقف على الدواب ما لم يضر بها؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ ظهورها كراسي 5. ومن لم تكن له دابة فقائمًا، ولا يجلس إلا لعلة، أو لكلال.
باب فيمن وقف بعرفة مغمى عليه، أو مر بعرفة وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولم يقف بها، ومن أخطأ العدد فوقف بعد يوم عرفة, أو أتى مفاوتًا وعليه صلاة
واختلف في وقوف عرفة لثلاثة:
أحدها: هل يجزئه إذا كان مغمى عليه؟ والثاني: إذا كان في عقله هل يجزئه كونه بها وإن لم يعرفها أو حتى يعرفها؟ وإن لم يقف أو حتى يقف؟ والثالث: هل يجزئه وقوف النهار؟
فقال مالك فيمن أُتي به إلى عرفة وهو مغمى عليه، ووقفوا 1 به على حاله تلك: أنه يجزئه 2. وروى عنه مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أغمي عليه بعرفة قبل الزوال لم يجزئه، وإن أغمي عليه بعد الزوال، فإن كان ذلك قبل أن يقف أجزأه، وإن اتصل به الإغماء حتى دفع به، وليس عليه أن يقف ثانيًا إن أفاق من بقية ليلته.
قالا: وهو كالذي يغمى عليه في رمضان قبل الفجر، فلا يجزئه.
وإن طلع الفجر وهو في عقله، ثم أغمى عليه بعد ذلك لم يضره.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إن وقف مفيقًا ثم أغمى عليه أجزأه، وإن وقف مغمى عليه فلم يفق حتى طلع الفجر لم يجزئه 3.
وقال أشهب في مدونته: ووقف في المدونة فيمن مر بعرفة ولم يقف بها، فلم يقل: إنه يجزئه أو لا يجزئه 1. وعلى قوله في المغمى عليه أنه يجزئه، ولو لم يكن في عقله - يجزئ هذا وجوده من الوقوف.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن دفع إلى عرفة قبل غروب الشمس، ثم لم يخرج منها حتى غربت الشمس: أنه يجزئه 2. وإن خرج قبل أن تغرب الشمس، ولم يرجع حتى طلع الفجر لم يجزئه 3، وهذا إنما حصل منه المرور بغير نية الوقوف؛ لأنه على نية الانصراف.
وقال محمد فيمن مر بعرفة ليلًا، وشقها وهو يعرفها، ولم ينزل بها: أنه يجزئه إذا نوى به الوقوف، وذكر الله.
ولو كان مروره وهو لا يعرفها، ولم ينزل بها لم يجزئ، وبطل حجه.
يريد: بعدم النية، وهذا أحسنها، فلا يجزئه إلا أن ينوي الوقوف، ويذكر الله تعالى، عرفها أو لم يعرفها.
وإن لم ينو الوقوف، أو نواه ولم يذكر الله لم يجزئه.
وقد أوجب الله تعالى وقوف عرفة 4، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم - صفته, فعلم أن الفرض ليس بأن يمضي لذلك الوضع فيمشى فيه، أو ينام فيه ثم ينصرف.
وكذلك أرى في المغمى عليه أنه لا يجزئه إذا زالت الشمس وهو مغمى عليه، أو كان في عقله ثم أغمي عليه قبل أن يقف؛ لأن ذلك يرجع إلى أن الفرض وجود جسمه لا غير ذلك.
والمغمى عليه أبين ألا يجزئه؛ لأنه مخاطب
أن يتقرب إلى الله بالوقوف، والمغمى عليه غير متقرب إلى الله.
وقوله الآخر: إذا كان في عقله ووقف أحسن.
وقوله في المغمى عليه عند ابن حبيب دليل أن الوقوف بالنهار يجزئ؛ لأنه بمنزلة الصائم في طلوع الفجر، ولو كان الفرض الليل دون النهار لقال: إذا كان في عقله بعد غروب الشمس أجزأه، وإن غربت وهو مغمى عليه لم يجزئه.
وقال يحيى بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سَنَةَ العلوي، وهروبهم من عرفة قبل أن يتموا الوقوف: أنه يجزئهم ولا دم عليهم 1، إنما يصح على القول: أن وقوف النهار دون الليل يجزئ.
وفي الترمذي: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ: يَا رسُولَ الله، جِئْتُ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ، مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، هَلْ لِى مِنْ حَجٍّ؟ فَقَاَلَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ بِهَا مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" 2. وهو حديث صحيح.
وأيضًا فلا يشبه أن يكون الفرض من غروب الشمس إلى ما بعد، ويكون ما قبله من عند الزوال إلى غروب الشمس تطوعًا، ويكلف أمته الوقوف من الزوال إلى الغروب، مع كثرة ما فيه من المشقة فيما لم يفرض عليهم، ثم يكون
حظه من الفرض لما دخل بغروب الشمس الانصراف إلى ما سواه؛ لأن الأحاديث إنما جاءت: أنه لما غربت الشمس دفع ولم يقف.
ويكون الفرض المشي حتى يحل.
يخرج من الحل.
والوقوف عبادة يؤتى بها على صفة ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أتى الناس يبين لهم معالم دينهم، وقد علموا أنه فرض عليهم الوقوف بعرفة، وأتوا لامتثال ما فرض عليهم، وهو المبين لأمته.
ولو كان في تطوع والفرض من غروب الشمس لبينه؛ لأنه ليس يفهم من مجرد فعله أنه كان في تطوع، بل المفهوم أنهم كانوا في امتثال ما أمروا بمع وما أتوا إليه، وقد احتج في القول الأول: أن الفرض في الليل دون النهار بأشياء، منها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 1. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَفاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" 2. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَات بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ" 3. معلق الفوات بالليل والاحتجاج بهذا ليس بالبين؛ لأن الوقوف له أول، وهو من الزوال،
وآخر وهو ما لم يطلع الفجر.
وإنما تضمنت هذه الأحاديث معرفة آخر الوقت، وقد كان وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في أول الوقت، فأخبرهم: أنه من فاته الوقوف معه لم يفته الحج، وأن الوقوف 1 باقٍ إلى طلوع الفجر، وهو مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 2. وأول العصر إذا دخلت القامة الثانية، وكذلك قوله قي: "فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 3، ولفظة الإدراك إنما يعتد بها في الغالب عما يخشى فواته، ويدل على ذلك: الإجماع على أنه لا يجوز أن يتعمد الناس باجتماعهم للوقوف قبل الفجر، ويدَعُونَ النهار.
واحتج للقول الأول في ذلك أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة بليل، ولم يأذن بذلك من عرفة 4. ولو كان النهار فرضًا لأذن لهم.
وهذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنهم استأذنوه في جمع، ولم يستأذنوه بعرفة، فمنعهم، فيعلم افتراق الحكمين.
والثاني: أنهم لو استأذنوه فمنعهم لأمكن أن يكون ذلك لأنهم في أفضل يوم وأفضل الساعات، ولما يرجى من الغفران والرحمة، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا رُئيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ
عَرَفَةَ" 1. وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، وليس المبيت بالمزدلفة كذلك.
والثالث: أنه لا مضرة عليهن في الدفع من عرفة باتساع الموضع، وتدركهن 2 المضرة إذا دفعن 3 من المزدلفة؛ لازدحام الناس عند الجمرة.
ولم أرَ نصًا في القَدْرِ الذي يجزئ من الذكر، إلا ما قاله محمد: إذا ذكر الله.
ولم يزد على هذا، فظاهر قوله: أنه يجزئه من ذلك ما قل.
وقد اختلف في مثل هذا في الخطبة في الجمعة، هل يكفي من ذلك ما قل، أو لا يجزئ إلا ما له بال وقدر؟
وقال محمد بن المواز فيمن أتى عرفة مقاربًا للفجر وهو ناسٍ لصلاة، فإن صلى فاته الوقوف وطلع الفجر وبطل، فقال: إن كان قريبًا من جبال عرفة وقف ثم صلى.
وإن كان بعيدًا بدأ بالصلاة، وإن فاته الحج، قال محمد بن عبد الحكم: إن كان من أهل مكة وما حولها بدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة فوقف وصلى 4.
فغلَّبَ أحد الضررين، وأرى إن ذكر وقد دخل أول عرفة فصار إلى الحل بدأ بالصلاة، وأجزأه المرور من الوقوف على القول أنه إذا مر بها مارًا ولم يقف أنه يجزئه.
وعلى القول: أنه لا يجزئه المرور 5 من الوقوف؛ يختلف بأي ذلك يبدأ؟ وأرى أن يبدأ بالوقوف؛ لأنه قد تزاحم الفرضان، فيبتدئ بما يدركه بتأخيره
ضرر، وهو الحج، ثم يؤخر الصلاة.
ولأنه قادر على أن يأتي بها بفور الوقوف من غير تراخٍ، فكان ذلك أولى من تأخير قربة لا يقدر على أن يوفي لها إلا العام.
ومثله لو ذكر الصلاة قبل أن يبلغ عرفة، وكان متى اشتغل بها فاته الوقوف، فإنه يتمادى ويقف، ثم يقضي الصلاة، وعلى القول الآخر: يتمادى فإذا فى خل أول عرفة صلى، وأجزأه عن الوقوف.
فصل [الخطأ في عرفه]
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر إذا وقف الناس يوم الجمعة، ثم تبين أن التعريف كان يوم الخميس: أنه يجزئهم الحج 1. وقاله ابن القاسم في العتبية 2. وقال أيضًا: لا يجزئهم.
واختلف فيه قول سحنون.
وألَّا يجزئ أحسن؛ للحديث: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصّبْحِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 3. ولا خلاف أن آخر وقت الوقوف بعرفة ما لم يطلع الفجر، وإذا كان ذلك كان الوقوف بعد خروج الوقت قضاء.
وليس هذا مما يصح به القضاء في الصلاة، ولو جاز أن يقضي في اليوم الثاني لقضى في الثالث والرابع.
باب في الدفع من عرفة ونزول المزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام
وإذا غربت الشمس دفع 1 الناس من عرفات، فإذا أتوا المزدلفة جمعوا بين المغرب والعشاء، ويبدؤوا بالصلاة قبل أن يحطوا رحالهم، قال مالك: إلا أن يكون الرحل الخفيف، وأما المحامل والزوامل فيبدؤوا بالصلاة 2. وفي الحديث: أنه بدأ بالمغرب، ثم حطت الرحال، ثم صليت العشاء 3. واختلف فيمن صلى المغرب قبل المزدلفة، أو جمع الصلاتين بعد مغيب الشفق وقبل المزدلفة، فقال ابن القاسم: يعيد الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ".
قال: إلا ألا يستطيع أن يمضي 4 مع الناس لعلةٍ به أو بدابته، فإنه يمهل حتى يغيب الشفق، ثم يصليها.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا إعادة عليه، إلا أن تكون صلاته قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها.
وهو أحسن؛ لأن الإتيان بالصلاة في وقتها أفضل، والتأخير إلى المزدلفة رخصة؛ لأن الناس بعرفة عند الغروب 5 بمنزلة من غربت عليه الشمس وهو على ظَهْر، فيوسع له أن يؤخر حتى يبلغ المنهل، وهذا فيمن أدرك الوقوف مع الإمام، فأما من لم يقف مع الإمام فإنه يصلي كل صلاة لوقتها.
وقال ابن
القاسم: إن طمع أن يقف ويرجع إلى المزدلفة في ثلث الليل رأيت أن يؤخر حتى يأتي المزدلفة، ويجمع بينهما.
ويقيم الناس بالمزدلفة حتى يصبحوا ويصلوا 1 الصبح، ثم يقفوا بالمشعر الحرام، ثم يدفعوا قبل الإسفار الثاني.
واختلف في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا دفع من عرفة إلى منى، ولم ينزل بالمزدلفة.
فقال مالك: عليه الدم 2. فإن نزل بها ثم دفع أول الليل ووسطه فلا دم عليه.
وقال عبد الملك ابن الماجشون في المبسوط: لا دم عليه إن دفع من عرفات إلى منى.
والثاني: إذا أتى بعد الفجر، ثم نزل بالمزدلفة، فقال ابن القاسم: لا دم عليه.
وقال أشهب: عليه الدم.
والثالث: إذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام، فقال مالك وابن القاسم: لا دم 3 عليه، وإن وقف بالمشعر الحرام ولم ينزل بالمزدلفة كان عليه الدم 4. وجعلوا النزول بالمزدلفة آكد من الوقوف بالمشعر الحرام.
وقال عطاء وابن شهاب وغيرهما: عليه الدم.
وقال علقمة والشعبي والنخعي: إذا لم يقف بالمشعر الحرام فقد فاته الحج.
وهذا الأمر لقول الله تعالى في الوقوف بالمشعر الحرام 5: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ شَهِدَ
صَلاَتَنَا هَذِهِ, وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ، وَوَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" 1، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك جمعًا فوقف 2 مع الناس حتى يفيض فقد أدرك، ومن لم يدرك ذلك فلا حج له" 3. وفي كتاب مسلم: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ, فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِاللَّيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجمْرَةَ, وَكَانَ يَقُولُ: أَرْخَصَ لأُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -" 4. فأمر أهله بالوقوف قبل الفجر، وجعل الرخصة في تعجيل الوقوف ليس في إسقاطه، وذكر محمد بن المواز عنه مثل ذلك.
باب فيما يفعله الحاج يوم النحر من رمي ونحر وحلاق ولباس وطوف, وهل يحل له النساء والصيد؟
ومن دفع من المشعر الحرام ثم أتى منى رمى جمرة العقبة، ثم ينحر أو يذبح إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يلبس المخيط، ثم يطوف طواف الإفاضة, فيحل له إذا طاف: النساء والطيب والصيد، ثم يعود إلى منى فيصلي بها الظهر.
فإذا 1 أخطأ فقدم النحر على الرمي رمى ولا شيء عليه، وإن قدم الحلاق على الرمي رمى وعليه الفدية 2.
واختلف إذا قدم الإفاضة على الرمي، فقال مالك وابن القاسم: تجزئه الإفاضة، وعليه الهدي.
وقال أيضًا: لا تجزئه، وهو كمن لم يفض 3. وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يعيد الإفاضة، وهو في يوم النحر آكد.
واختلف إذا قدم الحلاق على الذبح، فقال مالك: يذبح، ولا شيء عليه 4. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: عليه الفدية 5: لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. يريد: فينحر.
وحمل مالك الآية على بلوغه المحل وإن لم ينحر، وإن قدم الإفاضة على الذبح
أجزأته الإفاضة ويذبح، ويجري فيها قول 1 آخر: أنه يعيد.
واختلف إذا قدم الإفاضة على الحلاق، فقال مالك: يجزئه.
وقال في كتاب محمد: قول ابن عمر أحب إليّ، فيحلق بمنى، ثم يعيد الإفاضة.
فإن لم يعد أجزأه، وعلى قوله هذا يعيد من قدم الإفاضة على الذبح، وقد جاءت السنة في هذه الأربعة أن الترتيب فيها حسبما تقدم في أول الباب: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلاق، ثم الإفاضة، وجاء القرآن بتقديم الذبح على الحلاق والإفاضة 2 في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وكذلك قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
فيه: تقديم الذبح، ثم الحلاق والإفاضة.
وجاءت السنة في التوسعة فيمن خالف ذلك وهو غير عالم، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان في حجة الوداع يوم النحر بمنى، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ".
وقال آخر: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ".
وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ".
قال: فما سئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ" اجتمع عليه البخاري ومسلم والموطأ 3، وبعضهم يزيد على بعض.
والرمي والنحر يبيحان الحلاق دون إصابة النساء والصيد والطيب.
واختلف في اللباس والاغتسال وإماطة الأذى من قص الأظفار وغير ذلك، فقال مالك: جائز (1).
فصل [فيمن وطئ أهله في الحج]
الوطء في الحج محرم، لقول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ...﴾ الآية [البقرة: 197]. ولا يحل لمن أحرم بالحج أَهْلَهُ 2 حتى يقف بعرفة، ويرمي جمرة العقبة، ويطوف ويسعى.
فإن وطئ قبل عرفة فسد حجه وأبدله.
واختلف إذا وطئ بعد الوقوف على أربعة أقوال: فقال مالك في المدونة: إن وطئ بعد الوقوف يوم النحر قبل الرمي والطواف فسد حجه وأبدله 3.
فإن وطئ يوم النحر بعد أن رمى، أو طاف للإفاضة ولم يرم، أو وطئ في اليوم الثاني ولم يرم ولم يطف، فسد حجه 4. قال أبو محمد عبد الوهاب عنه: أنه قال: إن وطئ بعد الوقوف وقبل أن يفعل شيئًا لم يفسد 5.
وذكر ابن الجهم 6 عن أبي مصعب عن مالك: أن حجه يفسد إذا وطئ قبل طواف الإفاضة، وإن كان قد رمى.
قال: وهذا أقيس؛ لقول الله تعالى:1
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ...﴾ الآية [البقرة: 197]، وما لم يحصل كمال تحلله فقد أرفث في الحج فيجب فساده، ولأنها حال ممنوع فيها الوطء لبقاء الإحرام، فوجب أن يفسد اعتبارًا لوقوعه قبل الرمي، ولأنها حال لو قتل فيها الصيد لوجب فيه الجزاء، ولأنها عبادة من شرطها الطواف أصلها العمرة، ولأن الوطء مع بقاء نسك من مناسك الحج يفسد أصله إذا وطئ قبل الوقوف، ولأن أول الإحرام مرتبط بآخره، فلما كان الوطء محُرَّمًا في آخره كما هو محرم في أوله فسد حجه، فسد أوله بآخره كالصلاة، والصوم.
انتهى قوله.
قال عبد الملك بن الماجشون: من وطئ قبل جمرة العقبة فسد حجه، وإن كان وطؤه بعد الطواف وبعد أن خرجت أيام منى.
واحتج من قال: ألا يفسد إذا وطئ بعد الرمي وقبل الطواف، قال: لأنه إنما أفسد طوافًا في إحرام، فإذا أحرم بعمرة كان قد وفَّى به، وهذا فاسد؛ لأن العمرة لا تنوب عن الحج، ولا يستطيع أن يأتي بطواف حج إلا أن يحرم بحج.
كما لا يجبر من أكل من جزاء الصيد إلا أن يأتي بجزاء صيد، ولو ذبح نسكًا لا يريد به جزاء صيد فأخرج قدر ذلك من لحمه لم يجزئه.
وقال ابن وهب وأشهب في كتاب محمد: وإن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة قبل الرمي أفسد؛ لأن الإفاضة قبل الرمي لا تجزئ عنه، فصار بمنزلة من وطء قبل الرمي والإفاضة.
وإن وطئ في العمرة قبل الطواف، أو قبل أن يركع، أو قبل السعي أفسد.
واختلف إذا وطئ ولم يبقَ إلا الحلاق، فقال مالك: يهدي ويجزئه.
وقال في كتاب محمد: أفسد العمرة 1. والأول أبين؛ لأنه لم يبق عليه عمل للعمرة.
وقد قال: ينحر المعتمر هديه قبل الحلاق؛ لأنه قد حل.
فصل [في الحلق والتقصير في الحج]
الناس في الحلاق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق، وتقصير، ومخير بين الحلاق والتقصير.
فالحلاق لمن لا وفرة 1 له وللأقرع ولمن لبد أو عقص أو ضفر من الرجال.
والتقصير للنساء، ولا يجوز أن يحلقن؛ لأنه لهن مُثْلَة، إلا لمن كان برأسها أذى وفي الحلاق صلاح لها 2. وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق إلا لعذر، وإن كانت صغيرة جدًا جاز أن تحلق أوتقصر.
والخيار لمن له وفرة من الرجال ولم يلبد، ولا ضفر ولا عقص؛ لقول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27].
والحلاق أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ".
قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ..." الحديث.
3 وفيه: بيان أن الحلاق والتقصير سنة، ليس إباحة بعد حظر؛ لأن حلاق من له وفرة مثلة.
وقال روح بن يزيد: قال لي عمر بن عبد العزيز: إياك والمثلة؛ حلاق الرأس واللحية 1. فجعله مثلة وقرنه بحلاق 2 اللحية, وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وفرات 3 فحلقوا 4. ويؤيد 5 ذلك تقصير النساء، فلو كان مباحًا لم يقصرن؛ لأن ذلك لا يقصد به إماطة الأذى.
قال مالك في تقصير الرجال: يجزئ ذلك يجز، وإن أخذ من أطرافه أخطأ ويجزئه 6.
وليس كذلك المرأة، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: يجزئهن قدر التطريف 7. قال مالك: وحلاق المعتمر أحب إليّ إلا 8 أن تتقارب أيام الحج، فيقصر أحب إليَّ 9.
واختلف فيمن حلق بالنُّورة، وأرى أن يجزئه، واستحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، وذكر أن ابن عمر - رضي الله عنها - كان يفعله (1).
فصل [في رمي الجمار]
الجمار ثلاثة: الأولى، وهي تلي مسجد منى، والوسطى وجمرة العقبة.
والرمي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، إلا لمن تعجل، فيرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها، ويرمي فيما بعد الثلاثة؛ يبتدئ بالتي تلي مسجد منى ثم الوسطى ثم العقبة، كل واحدة بسبع، فذلك سبعون حصاة.
واختلف فيمن تعجل، فالظاهر من المذهب أن يسقط اليوم الرابع.
وقال ابن حبيب: يرميه في الثالث.
وأظنه قاسه على رعاة الإبل.
ويرمي جمرة العقبة يوم النحر على هيئة ما يأتون عليه من المزدلفة، فلا ينزل للرمي من أتى راكبًا، ولا يركب له من أتى ماشيًا.
ويرمي الأيام الثلاثة ماشيًا؛ لأن الناس نازلون في منازلهم، فيمضون للرمي مشاة ولا يركبون؛ لأنه خارج عما يراد من التواضع لله تعالى.
والرمي متوالٍ، يكبر مع كل حصاة، ويرفع صوته بالتكبير، ويرمي جمرة العقبة يوم النحر من أسفلها لا من فوقها، وفي الأخيرتين من فوقهما، فإذا رماهما تقدم أمامهما واستقبل القبلة، ووقف للدعاء والذكر والحمد والثناء على الله تعالى.
وقال محمد في الوسطى: إذا رمى ينصرف منها ذات الشمال في بطن المسيل فيقف، ولا وقوف عند جمرة العقبة إذا رميت، لا في1
أول يوم ولا فيما بعد 1.
ويجوز لرعاة الإبل إذا رموا يوم النحر أن يتأخروا عن رمي الغد؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد، أو من بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر 2.
قال مالك في الموطأ: يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم 3 الذي يليه رموا من الغد لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم 4. وذلك أنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يقضي ما 5 يجب عليه.
وقال في مسند الترمذي: يرمون يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم، فيرمونه في أحدهما.
قال مالك: ظننت أنه قال: اليوم الأول، ثم يرمون يوم النفر 6.
وقوله في الموطأ أتى به على وجه الشك أو على وجه التخيير، فلو كانت الرواية "يرمون الغد ليومين" لكانت تعجيلًا.
ولو كانت من بعد الغد ليومين
لكانت تأخيرًا، فلما أشكل الأمر في الحديث لقوله: "أو من بعد الغد" أمره بالتأخير؛ ليكون قد أتى به بعد الوجوب.
وإن عجل أجزأه، ولم يكن بمنزلة من لم يرم؛ لإمكان أن يكون ذلك من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون تخييرًا.
فصل [في الحصى التي يُرمى بها]
واللقط أحب إلى مالك من الكسر 1. وفي كتاب مسلم: أنها تكون مثل حمى الخذف 2. ولا يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رمي بها، فإن فعل أجزأه عند مالك 3. وقال ابن شعبان: لا يجزئه.
لأنه قد تعبد به مرة كمن توضأ بماء قد توضأ به مرة 4. قال: ولأن المعروف أن ما يتقبل من الحصى يرفع، فيكره أن يرمي بما لم يتقبل.
وكرهه أيضًا مالك في الحصاة الواحدة 5. وهذا إذا كانت مما رمى به غيره، ولو كرر الرمي بحصاة واحدة سبع مرات لم يجزئه.
وأول وقت الرمي يوم النحر بعد الفجر، فمن رمى قبل لم يجزئه.
ويستحب أن يؤخر حتى تطلع الشمس، ثم له سعة في التأخير ما لم تزل الشمس فلا يؤخر عنه.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن زالت الشمس 6؛ فات الرمي، إلا لمريض أو ناسٍ 7. وأول وقت الرمي في أيام التشريق بعد الزوال،
فمن رمى قبل ذلك لم يجزئه، ثم له سعة ما لم تصفر الشمس.
قال ابن القاسم: فإن اصفرت فقد فات الوقت إلا لمريض أو ناسٍ.
والمذهب: على ألا دم عليه حتى تغرب الشمس.
وقال ابن القاسم فيمن نسي حصاة من الجمرة الأولى، وقد رمى بعد ذلك الوسطى وجمرة العقبة: أتم على الأولى فرماها بحصاة، وأعاد رمي اللتين بعدها 1. وسواء ذكر ذلك في بقية يومه أو من ليلته أو من الغد أو في الليلة التي تليها فإنه يتم الأولى، ويعيد رمي اللتين بعدها، إلا في وجه واحد فإنه إذا ذكر بعد أن رمى اليوم الثاني قبل أن تغرب الشمس فإنه يتم الأولى، ويعيد رمي اللتين بعدها ثم يعيد رمي جميع الثلاث، فإذا غربت الشمس لم يعد رمي يومه ذلك 2. وكذلك إذا ذكر في اليوم الثالث بعد أن رمى الثلاث فيه، فإنه يتم الأولى ويعيد رمي اللتين بعدها، ثم يعيد رمي يومه.
وإن غربت الشمس لم يكن عليه شيء لا لليوم الأول الذي أسقط منه ولا لغيره؛ لأن أيام الرمي قد خرجت بغروب الشمس.
وقال فيمن نسي حصاة فلم يدرِ هل هي من الأولى أو من الثانية أو الثالثة: يتم الأولى بحصاة، ثم يعيد اللتين بعدها.
وقال أيضًا: يبتدئ رمي جميع الثلاث.
وجوابه هذا يحتمل أن يكون لأن الرمي عنده يكون متواليًا، ويستأنف الجميع في هذه وفي المسألة التي قبل.
أو يكون قال ذلك لأنه يمكن أن يكون نسي أول حصاة ثم ابتدأ الرمي ليوم ثانيه حصاة، وهو يظن أنه رمى الأولى، فإن كل 3 حصاة تحتاج إلى نية.
وقال أبو مصعب: من نسي رمي جمرة من الجمار فليرمِ متى ذكر.
وإنما هو بمنزلة الصلاة يصليها متى ذكر، ولم يقل إن كانت الأولى أعاد ما بعدها.
وقال مالك: فيمن ترك حصاة أهراق دم، وإن ترك جمرة أو الجمار كلها فبدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة 1.
قال أحمد بن المعذِّل: والهدي ما سيق من الحل، وما لم يسق من الحل فلا يقع عليه اسم هدي.
يريد: أن قول مالك "يهريق دما" ليس عليه أن يجمعٍ بين حل وحرم، ولا أن يقلده.
وقال الطبري: الهدي عندي إنما سمي هديًا لأنه يتقرب به مهديه إلى الله تعالى، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربًا بها إليه 2. وعلى قوله يصح أن يسمى هديًا ما لم يجمع فيه بين حل وحرام.
ومن فرق رميه فرمى كل جمرة بحصاة، ثم كرر 3 حتى أتمّ سبعًا، احتسب بالأولى وبحصاة واحدة من الثانية، وأتمّها، واستأنف الثانية بسبع، وإن نكس رميه فرمى الأولى ثم الثالثة ثم الثانية أعاد الثالثة.
وإن ابتدأ بالثانية ثم الثالثة ثم الأولى أعاد رمي الثانية ثم الثالثة.
وكذلك إن ابتدأ بالثانية ثم الأولى ثم الثالثة احتسب بالأولى، ثم أعاد الثانية والثالثة.
وكذلك إن ابتدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى احتسب بالأولى وحدها.
وإن ابتدأ بالثالثة ثم الأولى ثم الثانية أعاد الثالثة وحدها.
فصل [في رمي المريض للجمار]
ويرمي المريض إذا قدر على الرمي ووجد من يحمله، فإن لم يستطع الرمي، أو لم يجد من يحمله، أو يخشى متى حمل زيادة مرض، رُمي عنه.
قال مالك في كتاب محمد: وأحب إليّ إن طمع أن يصح أن ينتظر إلى آخر أيام التشريق (1).
واختلف في موضعين: إذا رمي عنه, هل يوقف عند حد الجمرتين؟ فقال ابن القاسم في المدونة: يوقف عنه (2). وقال في كتاب محمد: لا يوقف عنه.
وبالأول قال أشهب وهو أحسن، ولا فرق بين الرمي عنه والوقوف.
والثاني: هل يسقط عنه الدم إذا صح قبل ذهاب أيام الرمي فرمى بنفسه؟
فقال مالك: لا يسقط عنه.
وقال في كتاب محمد: لا هدي عليه.
وهو أحسن.
وإذا جاز لرعاة الإبل التأخير مع القدرة على الرمي لاشتغالهم بشيء من أمر الدنيا كان المريض أعذر، وألا دم عليه.
ويرمى عن المجنون، والمغمى عليه، واختلف في الوقوف عنهما حسبما تقدم في المريض، ويهدى عنه, إلا أن يفيق قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريق؛ فيرمي بنفسه، ويسقط عنه الدم على المستحسن من القول.
فصل [في ترتيب أعمال الحج: جمرة العقبة والحلاق والإفاضة]
تقدم القول أن رمي جمرة العقبة والحلاق والإفاضة يُؤتى بها يوم النحر، فمن أَخَّرَ الرمي عن ذلك اليوم، أو أخر رمي الثلاث عن أن يرميها في أوقاتها،12
رمى إن لم تخرج أيام التشريق، فإن خرجت فلا رمي عليه.
ومن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده، أو خرجت أيام منى، حلق وأهدى، وإن كان بمكة حلق ولا شيء عليه.
وقال في كتاب محمد فيمن نسي الحلاق: إن ذكر في أيام منى حلق ولا شيء عليه، وإن ذهبت أيام منى حلق وأهدى 1. وقال فيمن أخّر طواف 2 الإفاضة فطاف بعد أن ذهبت أيام منى: فإن قرب فلا شيء عليه، وإن تطاول فعليه الهدي.
وقد اختلف قوله في معنى قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فقال مرة: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة.
وقال مرة: شهر ذي الحجة كله 3.
فعلى هذا لا يكون عليه هدي إلا أن يؤخر الحلاق والإفاضة حتى يخرج ذو الحجة.
وعلى القول الآخر عليه الدم إذا خرجت أيام منى.
وقوله في المدونة: لا دم عليه في تأخير الطواف وإن خرجت أيام منى ما لم يطل 4 - استحسان للخلاف في الأصل.
باب الاشتراك في الهدي، ومواضع النحر, ومن نحر هدي غيره تعديًا، أو بوجه شبهة
ولا يشترك في هدي الواجب كجزاء الصيد والمتعة وتعدي الميقات وفدية الأذى، وسواء كانوا أهل بيت أو أجنبيين.
فإن اشترك سبعة في بدنة أو بقرة عن واجب لم يجز، واختلف في التطوع، فقال مالك في المدونة: لا يشترك فيه؛ كانوا أجنبيين أو أهل بيت 1. وقال في كتاب محمد: لا بأس أن يشترك في التطوع، وأما الواجب فلا.
قال: ومعنى حديث جابر - رضي الله عنها -: "نَحَرْنَا البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" 2 - في التطوع، وكانوا معتمرين 3. وفي كتاب مسلم: "قال جابر - رضي الله عنهما -: أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ.
قَالَ: وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ" 4.
وأجاز مالك لأهل البيت الاشتراك في الأضحية، ومنعه في الأجنبيين، وليس للعدد الذي يشترك فيه عنده 5 حد.
قال: ويجوز أن تذبح البدنة عن سبعة وأكثر.
وكذلك هدي التطوع يجوز على هذا أن يشترك في البدنة والكبش سبعة وأكثر.
ويجوز أن يشتركوا في الثمن؛ لأنه إذا جاز للأجنبين أن يتطوعوا بذبح ما هو شركة بينهم جاز أن يشتروه لمثل ذلك، وأن يخرجوا الثمن قبل
الشراء، وأن تكون أجزاؤهم فيه متفقة ونحتلفة.
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وأنس - رضي الله عنهم - وعطاء ابن أبي رباح والحسن وطاووس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي: أنهم أجازوا الاشتراك في الواجب البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وهذا في المتعة دون جزاء الصيد، وهو مقصور عندهم على هذا العدد، لا يزاد على سبعة، ويجوز أن يكون عن ستة وخمسة وأقل.
ولا يجوز الاشتراك في الشاة عن الواجب، وأصلهم في ذلك حديث جابر، وقد نحا مالك إلى مثل ذلك فيمن نذر بدنة فلم يجدها أنه يهدي بقرة، فإن لم يجد فسبعة من الغنم.
فجعل بدل البدنة سبعًا من الغنم، وإذا كان ذلك وكانت الشاة تجزئ عن التمتع كان السبعة بالخيار بين أن يأتي كل واحد بشاة، أو يأتوا ببدنة.
فصل [في النحر بمنى]
النحر والذبح بمنى ومكة مختلف، فأما منى فيختص ذلك فيها بأيام معلومة؛ وهي: يوم النحر ويومان بعده، فإن ذهبت لم تكن منحرًا ولا مذبحًا إلا لمثله من قابل.
وأما مكة فكل أيام السنة منحر ومذبح.
ومن كان معه هدي في الحج، وفاته أن ينحره بمنى في تلك الأيام، نحره بمكة.
ويفترقان أيضًا في وجه آخر: أنه لا ينحر بمنى عند مالك إلا إذا وقف به بعرفة.
وأجاز ابن الماجشون أن ينحر بمنى وإن لم يوقف به، وهو أحسن؛ لأن
الهدي لم يتقيد 1 بوقوف، ولا تعبد الناس فيه بذلك، وما روي من كون هدايا الناس معهم في الموقف، فلأن ذلك لأن منى لم يكن بها ساكن يحفظها فيها إن بات هناك، والناس حينئذٍ بعرفة، فلو تركت بمنى لضاعت.
واختلف بعد القول أَنَّ مِنْ شرط النحر بمنى الوقوف به في ثلاث مسائل:
أحدها: إذا ساق الهدي في حجّ فضلَّ قبل الوقوف ثم وجده في أيام منى، فنحره بمكة.
والثاني: إذا أوقفه ثم ضلّ، فوجده بعد أيام منى.
والثالث: إذا أوقفه، ثم نحره بمكة في أيام منى أو بعدها، هل يجزئه في جميع ذلك؟ فقيل: يجزئه، ولا بدل عليه.
وقيل: عليه البدل؛ لأنه لما ساقه في حج وجب نحره بمنى، فلما لم ينحر بها لم يجزئه.
وقال أشهب: إن فاته الوقوف نحره بمكة، وأجزأه، وإن كان في أيام منى، وإن وقف به لم يجزئه بمكة في أيام منى، وإن كان بعد أن ذهبت أيام منى أجزأه.
وإنما لم يجب عند البدل إذا لم يقف به أو وقف وخرجت أيام منى؛ لأن الحكم أن ينحر بمكة، وإذا وقف به ولم تخرج أيام منى كان الحكم أن ينحره بمنى، فإن ترك منى ونحره بمكة كان متعديًا وأبدله.
وأرى أن يجزئ ذلك كله؛ لأنها مواضع للذبح، وكلها يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى فيها بالذبح، ولا خلاف أن لمن أتى بجزاء الصيد في الحج 2 أن ينحره بمنى، وإن خالف نص القرآن؛
لقوله تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وإذا جاز ذلك مع مخالفة النص جاز أن ينحر بمكة ما كان حكمه أن ينحر بمنى (1).
وقال مالك فيمن كان عليه جزاء صيد في عمرته، أو في شيء نقصه في عمرته، فأوقفه بعرفة، ثم نحره بمنى: أجزأه (2).
فبان بهذا أن هذه كلها منحر، ينوب بعضها عن بعض.
وتنحر الإبل قيامًا مقيدة، فتقيد لقوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]، أي: تصف أيديها بالقيود، وقائمة لقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] ووجوبها: سقوطها إلى الأرض بعد النحر، وفي البخاري: أن ابن عمر مر على رجل أناخ بدنته لينحرها، فقال: "ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً، سُنّةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -" (3).
وتضجع الغنم للذبح، وكذلك البقر إن ذبحت، وإن نحرت نحرت قيامًا.
فصل [في نحر الرجل غير هديه]
نحر الرجل هدي غيره على ثلاثة أوجه: عن صاحبه، وعن نفسه عمدًا وخطأً؛ فإن نحره عن صاحبه أجزأ صاحبه، وإن لم يوكله، حضر صاحبه أو غاب، ومن وجد هديًا ضالًا أَخَّرَ نحره إلى آخر أيام منى 4؛ رجاء أن يأتي صاحبه، ولا يؤخره بعد ذلك، وإن عجّل نحره في أول يوم أجزأ.
وإن وجده بعد أيام منى لم123
يعجل بنحره، إلا أن يخشى ضيعته، أو يشق حفظه فينحره بمكة.
واختلف إذا نحره عن نفسه عمدًا ولم يوكله على نحره، أو وكله، أو نحره عن نفسه خطأً؟ فقيل: يجزئ صاحبه.
وقيل: لا يجزئه.
وقيل: يجزئه في الخطأ، ولا يجزئ في العمد.
قال محمد: إن نحر الضالَّ عن نفسه أجزأ صاحبه 1. قال: وقد جاء: (ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل) 2. فإذا أَجْزأَتْ صاحبه مع العمد بغير وكالة كانت أحرى أن تجزئه إذا وكله فذبح عن نفسه.
وقال في المدونة: إذا أخطأ أجزأت عن صاحبها 3. وقال أشهب: لا يجزئه.
وأرى أن يجزئ ذلك كله، وإن وكله فذبح عن نفسه أبين في الإجزاء؛ لأنه مع عدم الوكالة تعدى في الذبح والنية، وفي الوكالة تعدى في النية ليس في الذبح، والنية إذا ذبحت إلى ربها.
ولو وكّل رجل رجلًا فذبح له نسكًا ولم يسمِّهِ، والذابح يظنها شاة لحم أجزأت، فالمالك ينوي القربة، والذابح ينوي الذكاة.
ويختلف بعد القول أنها لا تجزئ عن صاحبها، هل تجزئ عن ذابحها إذا ضمن قيمتها؟ فقال أشهب: لا تجزئ عن واحد منهما.
وقال أبو قرة عن مالك في مختصر ما ليس في المختصر: من ذبح شاة صاحبه المقلدة عن نفسه خطأً أجزأته، وعليه قيمتها، ويُبْدِلُ صاحبها.
واختلف إذا ذبح كل واحد أضحية صاحبه خطأً، فقال ابن القاسم: لا يجزئ عن واحد منهما بخلاف الهدي.
وقال أشهب: تجزئ ذابحها إذا ضمن، ولا
تجزئ عن ربها إذا لم يضمن 1. وقال ابن القصار: في الإجزاء عن صاحبها 2 ينبغي أن يكون على روايتين.
وجعل ذلك بعد ألا يوجبها صاحبها.
قال: وكذلك إن تعمد الذابح بذبحها عن نفسه.
وأجزأ الهدي عند ابن القاسم عن صاحبه؛ لأنه وجب وخرج عن ملكه قبل الذبح 3، ولم تجزئ الأضحية 4؛ لأنها لم يجب ذبحها قبل ذلك، ولم يجزئ الهدي عند أشهب عن ذابحه إذا ضمن، وأجزأت الأضحية؛ لأنه ضمن الهدي وقت ذبح في الحرم.
ولا يجزئ إلا ما قد جمع فيه بين حلٍّ وحرم، وأجزأت الأضحية؛ لأنه يغرم قيمتها حية قبل الذبح.
ولا يصح ما روى أبو قرة عن مالك: أنها تجزئ الذابح، إلا أن يقول: إن سَوْقه من الحل استحسان، فإن لم يفعل أجزأه، كما قال في الطواف الأول والسعي: لا يأتي به إلا من أتى من الحل، فإن أحرم من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة، ثم حل وأصاب النساء أو رجع إلى بلده، أجزأه.
ويختلف في البيع إذا لم يجزئ، فأصل ابن القاسم ألا يباع؛ لأنه قال فيما عطب من الهدي قبل بلوغ المحل، وفي الأضحية إذا وجدها ربها بعد خروج الأضحى: لا تباع.
وقال عبد الملك في الهدي يعطب قبل بلوغ المحل: له أن يبيعه.
وقاله أشهب في الأضحية إذا لم يضمن الذابح.
وهو أقيس؛ لأنها لم تتم فيها قربة، والمنع أحوط؛ مراعاةً لمن يقول أنها تجزئ، وأنها قربة.
باب في الهدي يستحق أو يوجد به عيب, وما يجوز أن يؤكل من الهدايا, وإذا اختلط ما يؤكل منه وما لا يؤكل منه, وإذا أطعم منه غنيًا أو ذمِّيًّا, والحكم في الولد واللبن, وهل تُركَبُ البُدْنُ؟
الهدي خمسة: مضمون، ومعين منذور، ومعين مُتَطَوَّع به، ومنذور ثمنه، ومتطوع بثمنه.
فإن كان مضمونًا فاستحق أبدله.
وسواء كان لوصم 1 في حج أو عمرة أو منذورًا إذا لم يعينه، وكأنه لم يهد شيئًا 2.
وإن كان معينًا منذورًا أو متطوعًا به لم يكن عليه بدله، وكان له إذا رجع بالثمن أن يصنع به ما شاء؛ لأنه لم يوجب ثمنًا ولا تطوع به، وإنما أوجب عينًا أو تطوع بها فاستحقت، كمن أعتق عبدًا أو نذر عتقه فأعتقه، ثم استحق، فرجع بالثمن فإنه يصنع به ما أحب.
وإن أوجب الثمن أو تطوع به فاشترى به، ثم استحق الثاني 3 الذي اشترى لم يكن عليه الآن بدله.
فإن رجع بالثمن كان مخاطبًا في الثمن بما كان مخاطبًا به قبل الشراء.
فإن نذر الثمن قيل له: أوف بنذرك، واشتر به.
وإن تطوع به استحب له أن يمضيه من غير إيجاب.
فصل [فيمن وجد بالهدي عيبًا]
وإن وجد عيبًا لا يجزئ به في الواجب وهو مضمون - أبدله في الاستحقاق.
ويختلف هل له بيع هذا المعيب وإن قلده؟ فقال أبو مصعب فيمن أعتق عبدًا عن واجب، ثم استحق بعضه: له أن يرد عتق ما لم يستحق منه ويرجع بالثمن.
وهو في الهدي أبين؛ لأنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يتطوع بهدي المعيب.
وإن كان العيب يسيرًا أجزأه، ويستحب أن يجعل ما يرجع به عن العيب في هدي.
وإن كان الهدي معينًا استوى الكثير والقليل، فيمضي هديًا.
قال محمد: إذا رجع بالعيب صنع به ما شاء.
وإن نذر الثمن أو تطوع به كان الحكم في العيب اليسير والكثير سواءً؛ يمضي هذا هديًا، ويرجع بالعيب.
فإن كان نذر الثمن وجب أن يجعل ما رجع به في هدي، وإن تطوع بالثمن استحب ذلك له.
فصل [في تقليد الهدي وإشعاره]
الهدي يجب بالتقليد والإشعار إذا سيق عن وصم في حج أو عمرة، فإن أفلس أو مات لم يكن لغرمائه، ولا لورثته عليه سبيل يريد: لأن الدين طرأ بعد التقليد، ولو كان دينًا تقدم التقليد لَرُدَّ 1. ويختلف إذا كان نذرًا أو تطوعًا، فالمعروف من المذهب أنه كالأول يسقط ملك صاحبه عنه بالتقليد والإشعار، وقال في امرأة ساقت هديًا
تطوعًا في عمرة، ثم أردفت الحج وأوقفته، ونحرته بمنى عن قرانها: يجزئها.
فلم يوجبه بالتقليد والإشعار، ولو وجب وسقط ملكها عنه ما صح أن يجزئها عن واجب.
وإذا سيق الهدي عن واجب لا تبرأ الذمة إلا ببلوغه؛ لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
فإن ضلّ أو سُرِقَ أو هلك أو عطب قبل بلوغه لم يجزئه.
واختلف إذا نزل به عيب، ثم بلغ محله، فقال مالك: ينحره ويجزئه 1.
وقال أبو بكر الأبهري: القياس ألا يجزئ 2. يريد قياسًا على موته.
والإجماع والمذهب: ألا تبرأ الذمة إلا بالتقليد والإشعار.
فإن قلّد وأشعر عن واجب وهو هزيل أو معيب، فسمَّى هديًا 3 لم يجزئ.
وكذلك إن سمن أو ذهب العيب؛ لأنه قد أوجبه بالتقليد والإشعار.
وعلى القول أن الهدي لا يجب بالتقليد والإشعار يكون له بيعه ورده.
وقال عبد الملك: إذا عطب قبل بلوغ المحل له أن يبيعه.
وتقدم قول أبي مصعب في العبد 4 يستحق بعضه: أن له أن يرد ما عتق منه، ولم يستحق؛ لأن المهدي والمعتق لم يرد التطوع، وإنما ظن أن ذلك يجزئه.
وإن انتقل إلى حالة يجوز أن يهدي فيها أجزأه.
ويختلف إذا جنى على الهدي، فقال ابن القاسم: يمضي هديًا ويجزئه.
ويرجع على الجاني بقيمة العيب، فيجعله في هدي.
وعلى قول أبي بكر الأبهري: لا يجزئ، وعليه البدل.
وله أن يُغَرِّمَ الجاني هديًا كاملًا؛
لأن المجني عليه يقول: تعديك أوجب عليَّ غرم هدي كامل؛ فتغرم ما أدخلتني فيه.
كمن أكره محرمًا فحلق رأسه، أو أكره زوجته فأصابها أن على المكرِه أن يكفر عن هذا بفدية الأذى، وعلى الزوج أن يُحِجَّهَا ويهدي عنها، فإن كان معسرًا كَفَّرَ هذا، وحجت الزوجة، ورجعا على الفاعل متى أيسر.
وقال ابن القاسم في الهدي يعطب في الطريق أو ينزل به عيب لا يقدر على الوصول به: ليس له أن يبيعه (1). وقال ابن الماجشون في المبسوط: له بيعه، وليس بهدي (2). إنما أراد أن يقضي به هديًا عليه، فلم يبلغ، ولم يكن هديًا.
وقال ابن حبيب: إلا أن مالكًا كره أن يبيعه.
فصل [في الأكل من الهدي]
الهدي والأكل منه على أربعة أوجه: جائز قبل بلوغ محله وبعد، وممنوع قبل وبعد، وجائز قبل ممنوع بعد، وممنوع قبل جائز بعد.
فكل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة، من فسادٍ أو متعة أو قران أو تعدي ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارًا أو ترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي الجمار أو تأخير الحلاق - يجوز الأكل منه قبل وبعد 3.
وأما جزاء الصيد وفدية الأذى فيأكل منه قبل، ولا يأكل منه بعد 4.
والمنذور المضمون إذا لم يسمِّه للمساكين يأكل منه قبل وبعد، وإن سماه12