النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
كتاب الحج الأول
باب في جوب الحج (1)، وبماذا يجب، وعلى من يجب، وهل هو على الفور؟
الحج فريضة لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ولقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، وهذه الآية وإن كانت في شرع إبراهيم عليه السلام، فقد توجه الخطاب علينا بها لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: 123]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ..." 2 فذكر الحج، ولا خلاف في ذلك.
واختلف في صفة الاستطاعة، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك على قدر الناس.
وقد يجد الرجل الزاد والراحلة ولا يقوى على المسير، وآخر يقوى أن1
يمشي على رجليه، ولا شيء أبين مما قال الله -عز وجل-: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] 1. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وابن حبيب: الاستطاعة زاد ومركوب 2؛ والأول أحسن.
والاستطاعة والوجوب على أربعة أقسام:
فتارة تكون بوجود الزاد والمركوب، وتارة تكون بعدمهما، وتارة يجب بوجود أحدهما، الزاد بانفراده، أو المركوب بانفراده، فمن كان لا يستطيع المشي من موضعه أو يستطيع بمشقة فادحة، وليس معه من المال ما يكتري به ويتزود، وعيشه في المقام من وجه يتعذر عليه في سفره إلى الحج؛ لم يجب عليه إلا بالاستطاعة على الوجهين جميعًا.
وإن كان يستطيع المشي، وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في السفر والعيش منها، أو كان شأنه التكفف، وكان سفره في رفقة وجماعة لا يخشى الضيعة فيها- وجب عليه مع عدم الجميع.
وإن كان يستطيع 3 المشي ولا صنعة له، أو له صناعة يتعذر عليه عملها في سفره، وليس شأنه التكفف- وجب عليه بوجود الزاد، والكراء عليه.
وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك - وجب عليه بوجود المذكور، إلا أن يكون في حرفته فضلًا عن عيشه مما يكتري به.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: من قدر على الوصول إلى البيت من غير
تكلف بذلة يخرج بها عن عادته، لزمه ذلك 1.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الخروج عن عادته في المشي إذا لم تكن عادته وشأنه فغير مراعى.
ولم يزل الناس والصحابة والتابعون يعدون ذلك شرفًا.
وكان بعضهم يحج ماشيًا وهو قادر على الركوب.
وإن أراد السؤال والتكفف فيمن ليس ذلك شأنه فهو حسن.
واختلف فيمن يخرج يسأل الناس، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا بأس بذلك.
وقال أيضًا: لا أرى للذي لا يجد ما ينفق أن يخرج إلى الحج أو الغزو ويسأل الناس 2. يريد: فيمن كان عيشه في مقامه من غير المسألة، فيكره أن يخرج فتلزم الناس مواساته، ويتعلق عليهم 3 منه فرض لم يكن.
والمراعى في الزاد والمركوب 4: ما يبلغ دون الرجوع، إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه؛ فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع، مما يمكنه التمعش 5 فيه.
ومن كانت به زمانة أو ضرارة بصر، أو غير ذلك مما يقدر معها على الركوب، وله مال يكتري به لركوبه ومن يخدمه- لزمه الحج، وإن كان صحيحًا يقدر على المشي لزمه الحج إذا كان يقدر على أن يستأجر من يقوده، ثم هو في القدرة على العيش على ما تقدم، إن كان له مال أو كان يتكفف.
فصل في الخلاف في أفضلية المشي راكبًا أو ماشيًا للحج
واختلف في الحج راكبًا أو ماشيًا أَيُّ ذلك أفضل؟
فاحتج من قال راكبًا أفضل: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج راكبًا 1. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: وددت أني حججت ماشيًا 2. وحج حسين بن علي - رضي الله عنهما - وابن جريج والثوري ماشيًا 3.
وأرى المشي أفضل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ" أخرجه البخاري 4 فدخل في ذلك المشي إلى الحج والمساجد والغزو؛ لأن كل ذلك من سبل الله.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج إلى جنازة ماشيًا، ورجع راكبًا 5. وفي الترمذي قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: من السنة أن
يخرج إلى العيدين ماشيًا 1.
وقال مالك: يستحب المشي إلى العيدين 2. وقال فيمن يخرج إلى الاستسقاء: يخرج ماشيًا متواضعًا، غير مظهر لزينة 3. وكل هذه طاعات يستحب للعبد أن يأتي مولاه متذللًا ماشيًا ومتواضعًا غير مظهر لزينة.
وقد رُئي بعض الصالحين بمكة 4، فقيل له: أراكبًا جئت؟ فقال: ما حق العبد العاصي الهارب أن يرجع إلى مولاه راكبًا، ولو أمكنني لجئت على رأسي.
5
وأما حج النبي - صلى الله عليه وسلم - راكبًا ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كان يحب ما خفّ على أمته، ولو مشى لم يركب أحد ممن حج معه.
والثاني: أنه كان قد أسن، فكان أكثر صلاته بالليل جالسًا.
= الجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَهَا فَلمَّا انْصَرَفَ أُتِىَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ "إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَمْشِى فَلَمْ أَكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ فَلَمّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ".
وأخرجه الترمذي: 3/ 225، عن جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس، في باب ما جاء في الرخصة في ذلك، من كتاب الجنائز، برقم (1014)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
فصل الحج يجب في البَرِّ على الطريق المعتاد
الحج يجب في الَبرِّ على الطريق المعتاد، من غير غرم يغرمه لمانع طريق، فإن منع من ذلك الطريق فوجد السبيل من غيره؛ فإن كان أبعد منه لم يسقط الحج، وإن كان أوعر بأمر تدرك منه مشقة، أو كان مخوفًا من سباع أو عدو أو لصوص أو ما أشبه ذلك- لم يلزمه الحج، وإن كان المنع لغرم وكان يسيرًا لزم الحج.
قال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان كثيرًا يجحف به لم يلزمه ذلك 1.
وظاهر قوله إذا كان كثيرًا ولا يجحف به- لأن الكثير من الناس يختلف لاختلاف كثرة المال وقلته.
والحج في البحر واجب على كل من كان في الجزائر، مثل صقلية والأندلس؛ لأنها بحار مأمونة.
وكذلك إذا كان الراكب يأتي بصلواته، ولا يعطلها، ولا ينقص فروضها، فإن كان يعرض له ميدٌ يمنعه من الصلاة لم يلزمه أن يأتي بفرض فيسقط به فرضًا.
ويختلف إذا كان يأتي بصلاته جالسًا، أو كان لا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب، وضيق الموضع، فقال مالك: إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه.
ثم قال: أيركب حيث لا يصلي، ويل لمن ترك الصلاة 2.
وقال أشهب فيمن لا يستطيع الصلاة في الجمعة، إلا على ظهر أخيه:
أنه يجزئه (1).
فهذا هو المعروف إذا كان يأتي بالبدل، وإن كان دون الأول في الرتبة أن ذلك جائزٌ، كالذي يسافر بحيث لا يجد الماء، وينتقل إلى التيمم.
ومن كان قادرًا على الحج في البر فأراد أن يحج في البحر، وهو قادر على أن يأتي بصلاته على هيئتها، فإن كان إن خرج في البر -حجّ من عامه، وإن ركب (2) البحر لم يدرك في ذلك العام- منع من البحر على القول أن الحج على الفور.
ويستحسن ألا يفعل على القول الآخر.
وإن كان لا يدرك الحج من عامه إن خرج في البر خرج على أيهما أحب (3).
فصل [حج النساء]
الحج يجب على النساء بثلاثة أوجه:
بوجود الزاد، والمركوب، والوليّ، فإن اجتمع ذلك وجب الحج بلا خلاف، ويفترق الجواب مع عدم ذلك.
واختلف إذا كانت تستطيع المشي، وفي حجها في البحر، وفي حجها مع عدم الوليّ إذا كانت جماعة ناس لا بأس بحالهم.
فأما المشي، فقال في المدونة: إذا نذرت مشيًا، وعجزت في بعض الطريق 4123
تعود ثانية.
قال: والرجال 1 والنساء في ذلك سواء 2.
فعلى هذا يجب عليها الحج إذا كانت قادرة على المشي؛ لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر.
وقال في كتاب محمد: لا أرى عليها مشيًا، وإن قويت عليه؛ لأن مشيهن عورة، إلا أن يكون المكان القريب من مكة.
3
وهذا يحسن في المرأة الرائعة والجسيمة، ومن يُنظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة 4 ومن لا يؤبه إليها من النساء فيجب عليها كالرجل، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27].
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن عامر - رضي الله عنه - حين قال: "إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الله، قال: مُرْهَا فَلْتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" 5. وقد مضى ذكر هذا الحديث في كتاب النذر 6.
وأما حجها في البحر، فقال مالك في كتاب محمد: ما لها وللبحر، البحر
هولٌ شديدٌ، والمرأةُ عورةٌ، وأخاف أن تنكشف، وترك ذلك أحب إليّ (1).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام بنت ملحان - رضي الله عنها - في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ.
فَقَالَتْ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَدَعَا لَهَا" (2).
وركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سريرٍ، أو ما أشبه ذلك، مما تستتر فيه، وتستغني به عن مخالطة الرجال عند حاجة الإنسان، وإن كانت على غير ذلك لم يجز، ومنعت.
فصل الخلاف في الحج؛ هل هو على الفور أم لا؟
واختلف في الحج، هل هو على الفور، أو يجوز التراخي به بعد القدرة، فذكر البغداديون عن مالك أنه على الفور 3، ولمالك في غير مسألة ما يستقرأ منه أنه على التراخي 4، فقال في المجموعة، فيمن أراد الحج، ومنعه أبواه: لا يعجل عليهما في12
حجة الفريضة، وليستأذنهما العام والعامين.
(1)، فلم يره على الفور.
وقال في كتاب محمد: لا يحج إلا بإذن أبويه إلا الفريضة، فليخرج وليدعهما (2)؛ فجعله على الفور.
وقال في المرأة يموت عنها زوجها، فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها (3). وجعله على التراخي.
وعلى القول الأول أنه على الفور تخرج إن كانت في العدة، وإن كان لها زوج خرجت إن أحبت، وإن كره زوجها على القولين جميعًا؛ لأن التراخي حق لها، فإن أحبت أن تبرئ ذمتها معجلًا لم يكن للزوج أن يمنعها.
والحج يجب على الإنسان في عمره مرة واحدة للحديث الوارد في ذلك، وقد مضى ذكره في كتاب الوضوء (4).
فصل الحج واجب على كل حُرٍّ بالغ
الحج واجب على كل حُرٍّ، بالغ، عاقل، وساقط عن الصغير، والمجنون، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ... الحديث" 5. وعن العبد لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حج بنسائه 6، ولم يحج1234
بأمهات أولاده.
وسقوط الحج عن الصبي، والعبد لا يمنع أن يأتيا به 1 على وجه التطوع، والأصل في ذلك في الصبي حديث السائب بن يزيد - رضي الله عنهما -، قال: "حَجَّ بِي أَبِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَنا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ".
أخرجه البخاري 2.
وبحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: "رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ" أخرجه مسلم 3.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبعْ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ" 4.
فبان بهذا أن القُرَبَ تصحُّ من الصبي الصغير، إذا كان في سن من يعقل.
= النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، من كتاب الحيض برقم (290)، ومسلم: 2/ 870، في باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه، من كتاب الحج، برقم (1211)، وأبو داود: 1/ 554، في باب إفراد الحج، من كتاب المناسك، برقم (1782)، ولفظ أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (يا رسول الله أترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بها إلى التنعيم فلبت بالعمرة).
واختلف إذا كان في سن من لا يعقل، فأجاز ذلك في المدونة، وإن لمن يبلغ أن يتكلم.
1
وقال في كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس سنين؛ فنعم 2.
ولا أرى أن يصح الحج إلا ممن يعقل، وأما الرضيع فكالبهيمة.
ويختلف على قوله في الصغير إذا عقد الإحرام على المجنون والمطبق، فعلى قوله في كتاب محمد: لا يحج به.
وينبغي إن فعل ألا ينعقد عليه إحرام، وأجاز ذلك في المدونة، وقال في المجنون إذا أحجّه والده: هو بمنزلة الصبي في جميع أموره.
3
وقال في المغمى عليه يُحْرِمُ به ثم يفيق: لا ينعقد عليه ذلك الإحرام.
باب في الاغتسال للإحرام، والتلبية (1)، والنية في ذلك، والحكم في الهدي فيمن معه هدي
الغسل في الحج ثلاثة: للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة 2.
وذلك على كل من عقد على نفسه الإحرام، إلا الحائض والنفساء.
فإنهما لا تغتسلان لدخول مكة؛ لأنه لا يصح منهما طواف، وتغتسلان للإحرام؛ لأنه ينعقد عليهما حينئذ، ولوقوف عرفة؛ لأنه يصح منهما الوقوف.
ويتدلك في الأول خاصة، ولا يتطيب في شيء منها، فمن فعل ذلك فعليه الفدية، وقال أشهب في المجموعة: لا فدية في الأول 3؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ" 4.
وذكر عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تغتسل لرمي الجمار 5.1
والأصل في الاغتسال للإحرام: حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تجَرَّدَ لإِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ".
ذكره الترمذي 1. وحديث أسماء - رضي الله عنها - أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم -وكانت قد نفست-: "أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ" 2.
ولدخول مكة حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى.
فإذا صلى الصبح اغتسل، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك 3.
وذكر عنه مالك في الموطأ: أنه كان يغتسل للإحرام، ولدخول مكة ولوقوف عرفة 4.
ويستحب أن يكون الاغتسال عند الإحرام.
واختلف في الذي يغتسل بالمدينة ثم يحرم من ذي الحليفة، فقال مالك: ذلك واسع 5. واستحب ذلك ابن الماجشون 6.
فصل [انعقاد الإحرام]
الإحرام ينعقد بالنية والتلبية، وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة؛ قياسًا على الصلاة والصوم، فليس عليه أن يسمي ما يدخل فيه من صلاة ولا صوم، فإن سمى حجًا أو عمرة فواسع.
ويختلف إذا نوى وتوجّه ناسيًا التلبية، أو نوى ولم يتوجه، فقال مالك في المدونة: إن توجه ناسيًا التلبية فهو محرم بنيته 1.
يريد: لأنه حصل منه نية وفعل، وهو التوجه، ولم ير التلبية كتكبيرة الإحرام.
وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام.
وأما إن نوى ولم يتوجه فيختلف هل ينعقد عليه ما نوى قياسًا على من عقد على نفسه يمينًا أو طلاقًا بالنية من غير نطق؟
وقد اختلف عن مالك في ذلك، وهو في هذا بخلاف الصوم؛ لأنه في الصوم نية وفعل، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، وفي الإحرام نية بغير فعل.
وكذلك إن قرن، فإن النية والتلبية تكفيه، فإن سمّى الحج والعمرة فواسع، ويلزم الحج والعمرة تمتعًا 2 أو العمرة ثم الحج، فإن التزم الحج ثم العمرة 3 كان مفردًا وإن نطق بالحج ثم العمرة.
نظرت، فإن كان أوجب القران بالنية معًا، أوجبتهما معًا، ثم أخذ في النطق، فنطق بالحج ثم بالعمرة كان قارنًا.
وإن لم يوجب ذلك إلا بالنطق لزمه الحج وحده.
وقال محمد فيمن أراد أن يهل بالحج مفردًا فأخطأ، فقرن أو تكلم بالعمرة، قال: ليس ذلك بشيء، فإنما ذلك إلى نيته، وهو على حجه 1.
يريد: لأن الزائد على ما نواه لفظ بغير نية.
وقال أشهب فيمن لبّى يريد الإحرام، ولم ينو شيئًا: الاستحسان أن يكون مفردًا، والقياس أن يكون قارنًا.
قال: وإن نوى شيئًا فنسي ما أحرم به كان قارنًا لا بد 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: جوابه في السؤالين على مثل أهل المدينة، أنه يخرج مرة للعمرة، ومرة للحج.
فأما أهل الغرب فإنما يحرمون للحج لا يعرفون غيره، ولا يريدون إلا إياه.
وقد قيل فيمن حلف بيمين، فلم يدر بماذا حلف: أن كل يمين لم يعتدِ الحالف الحلف ما لا يدخل في يمينه مع الشك.
وإن شك هذا، هل أفرد أو قرن - تمادى على نية القران وحده.
وإن شك، هل أحرم بعمرة أو بحج مفردًا؛ طاف وسعى لإمكان أن يكون إحرامه لعمرة.
ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج.
ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق، وليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية للحج، وإنما تمادى على نية تقدمت، وتلك النية كانت لشيء واحد.
فإن كانت لعمرة؛ فقد تمت بالطواف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا.
وإن كانت نيته للحج كان مفردًا، وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه
لم يُحْدِثْ نية للعمرة.
فصل التلبية
التلبية عند الإحرام فمن كان راكبًا، فإذا استوت راحلته وكان توجهه بفور الركوب- لبّى، ومن كان راجلًا، فإذا توجه للذهاب.
وترفع الأصوات بالتلبية لحديث السائب - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتهمْ بِالتَّلْبِيَةِ" 1.
قال مالك: ولا أعرف هذا الذي يعقر حلقه 2. وأما المرأة فتسمع نفسها.
وتستحب التلبية على كل شرف من الأرض، وفي بطون الأودية، ودبر كل صلاة؛ فرضًا أو نفلًا.
ولا بأس بذلك في المساجد التي بين مكة والمدينة؛ لأنها ليست بمعمورة.
ولا بأس بذلك في المسجد الحرام ومسجد منى؛ لأنهما مواضع للحج، وذلك الشأن فيهما، ولا يرفع في غيرها من المساجد.
قيل لمالك في الملَبيّ الذي لا يسكت، قال: لا ينبغي ذلك.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] 3.
واختلف في منتهى التلبية إذا كان قاصدًا لمكة، فقال في المدونة: إذا كان محرمًا بالحج لبَّى حتى يأخذ في الطواف.
وإن كان في عمرة قطع إذا دخل أوائل الحرم، إلا أن يكون إحرامه من التنعيم أو الجعرانة، فيقطع إذا دخل مكة أو المسجد، وذلك واسع 1.
ورد محمدٌ الحاجَ إلى المعتمر، فقال: إذا دخل الحرم كف عن التلبية، وسواء كان حاجًا أو معتمرًا أو قارنًا، ورد مالك في المختصر المعتمر إلى الحاج.
وقال: إن لَبَّى حتى يدخل المسجد فواسع.
2
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا فرق في ذلك بين الحج والعمرة، وينبغي أن يلبي حتى يتلبس بما أجاب إليه؛ لأن التلبية إجابة بما دعي إليه، وقد سلموا أنه لا يجتزئ بذلك عند الميقات ويسكت.
وإذا كان ذلك أمر المعتمر أن يكون على تلبية حتى يأخذ في الطواف، كما أمر من كان في حج أن يكون في تلبيته حتى يتلبس بما أجاب إليه، وهو الوقوف على المستحسن من المذهب.
ومن نسي التلبية حتى فرغ من حجِّه إلى عمرته كان عليه الهدي.
واختلف إذا ابتدأ بالتلبية ثم قطع، هل يكون عليه دم أو لا.
فإن تمادى بعد أن ابتدأ بالتلبية على التهليل والتكبير أجزأه، ولم يهد.
فصل [في موضع تقليد الهدي]
ومن كان معه هدي قلده أو أشعره من حيث يحرم.
ومن أتى ذا الحليفة، وميقاته الجحفة (1) كان بالخيار بين أن يُقَدِّم الإحرام والتقليد والإشعار من ذي الحليفة، أو يؤخر الجميع إلى الجحفة، ولا ينبغي أن يقدم أحدهما الآن، ويؤخر الأخرى إلى الجحفة، وإن لم يكن معه هدي كان له أن يعجِّل الإحرام من ذي الحليفة.
فصل الهدي ثلاثة: إبل، وبقر، وغنم
الهدي ثلاثةٌ:
إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ، وعلاماته ثلاثةٌ؛ تقليدٌ وإشعارٌ وتجليلٌ.
الإبل تقلّد وتشعر وتجلل، والبقر تقلد ولا تشعر، والغنم لا تقلد ولا تشعر، وهذا قول مالك في المدونة 2.
واختلف في إشعار الإبل إذا لم يكن لها أسنمة، وفي إشعار البقر كانت لها أسنمة أم لا، وفي تقليد الغنم، فقال مالك في المدونة في الإبل: تشعر جملة 3. ولم يفرق.1
وقال في كتاب محمد: وإن لم يكن لها أسنمة لم تشعر.
وقال في البقر: إن كانت لها أسنمة تشعر.
وهذا خلاف قوله الأول.
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - وابن شهاب: البقر تشعر، وإن لم يكن لها أسنمة، لعموم الحديث 1.
وقال ابن حبيب: الغنم تقلد 2.
وأرى أن تشعر الإبل وإن لم يكن لها أسنمة؛ لعموم الحديث.
وكذلك البقر؛ لقول ابن عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه صاحب، وقد أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - البقر 3 وهو مشاهده، ومحمل قوله أنها أشعرت، ولو لم تشعر لم يقل ذلك.
وأرى أن تقلد الغنم؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَلَّدَ الغَنَمَ".
أخرجه البخاري ومسلم 4.
وتقلد الإبل نعلين، ولا بأس بالنعل الواحدة، وقال ابن حبيب: ومن لم
يجد نعلين، فليقلد ما شاء 1.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقلد أذن مزادته 2.
واستحب مالك أن يعلق ذلك مما أنبتت الأرض 3.
وقال ابن حبيب: تجعل القلائد مما شئت 4.
وهو أحسن؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْي 5 رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عِهْنٍ" 6.
واختلف في أي الجانبين يكون الإشعار، فقال مالك في المدونة: في الأيسر 7، وقال في المبسوط: يستحب في الأيسر، ولا بأس بالأيمن 8.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأيمن أحسن؛ لحديث ابن عباس في: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَشْعَرَ نَاقَتَهُ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ وَقَلَّدَهَا نَعْلينِ".
أخرجه مسلم 9.
قال مالك: وتشعر عرضًا (1). وقال ابن حبيب: طولًا (2).
فصل [في تجليل الهدي]
ويجلل الهدي بعد الإشعار، والجلال على قدر السعة، قال ابن حبيب: فمنهم من يجلل الوشي، ومنهم يجلل الحبر، والمشطب، والقباطي، والأنماط، والملاحف والأزر 3. قال مالك في كتاب محمد: ويشق على الأسنمة إذا كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، وما علمت مَنْ تَرَكَ ذلك إلا ابن عمر - رضي الله عنهما -، استبقاء للثياب؛ لأنه كان يجلل الحلل المرتفعة، وكان لا يجلل حتى يغدو من منى 4. وروي عنه: أنه كان يجلل بذي الحليفة، فاذا مشى ليلةً نزعه، وإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، وإذا كان النحر نزعه 5. وقال مالك في الموطأ: أما الجلال؛ فينزع لئلا يخرقه الشوك، وأما القباطي؛ فتترك عليها لأنها جماد 6.12
واختلف أي ذلك يقدم: الصلاة أو التقليد أو الإشعار؟
فقال مالك في المدونة: تقلد، ثم تشعر، ثم يدخل المسجد فيصلي 1.
وقال في المبسوط: يركع ثم يقلد ثم يشعر.
وهو أحسن؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، وقد تقدم 2
والتقليد والإشعار قبل الإحرام، إذا كان الهدي تطوعًا، أو كان عن تمتع، أو قران مضى، وعن عام فرط.
فإن تمتع بعمرة لم يقلد، ويشعر قبل أن يحرم بالحج؛ لأن دم المتعة لم يجب قبل الإحرام، وإيجابه قبل الإحرام تطوع، والتطوع لا يجزئ عن واجبه.
واختلف إن فعل وقدم الإشعار والتقليد قبل الإحرام، فقال أشهب وعبد الملك: لا يجزئه.
وقال ابن القاسم: يجزئه 3.
وكذلك القران لا يوجب الهدي عند التقليد قبل أن يحرم بالقِرَانِ، فإن فعل؛ لم يجزئه على قول أشهب وعبد الملك، وأجزأه على قول ابن القاسم.
وفي كتاب الحج الثاني من المدونة: إذا أهدت امرأة هديًا تطوعًا، وهي معتمرة، ثم حاضت قبل أن تطوف، فأردفت الحج وصارت قارنة: أنه يجزئها ذلك الهدي عن دم القران 4.
وكذلك الرجل يعتمر، ثم يردف الحج قبل الطواف، وكان قد قلد هديًا قبل
أن يقرن، فإن هو طاف وسعى للعمرة، ثم أخّر نحر الهدي لينحره عن التمتع؛ كان فيه قولان: فقال مرة: يجزئه عن دم القران.
ومرة قال: لا يجزئ (1).
وكل هذا راجع إلى التقليد والإشعار، هل يجب به الهدي أم لا؟
وهذا فيما سوى الغنم، فإنها تجب على قول مالك بالنية والسوق، أو بالنية بانفرادها وإن لم تسق (2)؛ لأنها لا تقلد ولا تشعر، فلم يبق إلا النية.
فصل [في لباس المحرم وتطييببه]
ومن المدونة قال مالك: أكره المفدم 3 بالعصفر للنساء والرجال أن يحرموا فيه؛ لأنه ينتفض.
وكرهه للرجال في غير الإحرام 4.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: يستحب للمحرم لباس البياض، وهو في المصبوغ على ثلاثة أوجه:
جائز إذا اخضر وازرق، أو ما أشبه ذلك.
وممنوع إذا كان بالورس 5، أو الزعفران، أو ما أشبه ذلك مما هو طيب،12
فإن فعل افتدى.
ويجوز إن كان معصفرًا غير مفدم.
وكره المفدم لأنه ينتفض، وقال أشهب في المجموعة: لا فدية عليه إن فعل، ولم يره من الطيب المؤنث 1.
ولا بأس بما كان مصبوغًا بورس أو زعفران إذا غسل حتى ذهب لونه، وإن ذهبت الرائحة وبقي اللون كره، ولا فديه فيه؛ لأنه لم يكن ممنوعًا لعينه وإنما ذلك لريحه؛ لأنه طيب.
ولا يحرم في ثوب فيه رائحة الطيب، وإن لم يكن فيه عين الطيب، قال محمد: إن كثرت الرائحة افتدى 2.
وهذا صحيح؛ لأن المنع ألا يتطيب، والمراد من الطيب ريحه، ولو جعل في ثوبه طيبًا قد قدم وذهب ريحه لم تكن فيه فدية.
وقال مالك في كتاب ابن المواز: ولا ينام على مصبوغ بورس ولا زعفران، فإن فعل افتدى، إلا أن يغشيه بثوب كثيف 3.
يريد: لأن الجلوس عليه لباس.
ولو كان ثوبًا كثيفًا، وظهر ريحه بعد ذلك، وعلق بجسمه ريح لافتدى.
قال مالك: ولا بأس بالمزعفر لغير المحرم، وكنت ألبسه 4.
وقال: في الحديث في النهي "أَنْ يَتَزَ عْفَرَ الرَّجُلُ" 1: هو أن يلطخ جسده بالزعفران.
قال: وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - "أنَّهُ كَانَ يَصْبغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا وَالعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ" 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الحديث في المحرم ألا يلبس شيئًا مسه ورس ولا زعفران، دليل على جوازه لغير المحرم؛ لأنه لو كان ممنوعًا في الجملة لم يخص به المحرم، وإنما يذكر في ذلك ما يشترك فيه حكم المحرم من غيره.
والمرأة كالرجل في اجتناب الطيب، والصغير كالكبير في الإحرام؛ فيجرد، ويجنب لباس المخيط، ويحسر عن رأسه، ويجنب لباس الخفين والشمشك.
قال مالك في المدونة: ولا بأس أن يحرم بهم وفي أرجلهم الخلاخل، وعليهم الأسورة 3.
باب في إفراد الحج والتمتع والقران
ومن المدونة قال مالك: إفراد الحج أحب إلي 1، وقال أشهب: فإن لم يفرد فالقران أولى من التمتع، إلا أن يكون قدومه وقد بقي بينه وبين الحج طول يشتد عليه القيام، فالتمتع أولى من الإفراد 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: التمتع أولى من الإفراد والقران إن لم يشتد ذلك عليه؛ للحديث والقياس.
فأما الحديث فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلأَبدِ.
ثُمَّ قَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً".
اجتمع عليه البخاري ومسلم 3.
فتضمن الحديث ثلاثة أوجه:
أحدها: أمره - صلى الله عليه وسلم - أن ينتقلوا من غير التمتع إلى التمتع، ومعلوم أنه لا
ينقلهم من أفضل إلى أدنى.
والثاني: أن إحرامه ومحله غير التمتع لم يكن بتوقيف من الله تعالى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" ولا يقول ذلك فيما فعله بتوقيف من الله.
والثالث: أن إخباره أن هذا أفضل مما كان فيه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لمَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً".
وأما القياس فإنه لا يختلف أن قربتين أفضل من واحدة، وأن التمتع قد يقرب بقربتين؛ لأن جميعهما مكتوب له، وأن المفرد لم يأت إلا بقربة.
وبان بهذا أيضًا: أن المتمتع أفضل من القارن؛ لأن القارن لا يأتي إلا بعمل واحد.
فصل [في القران وإرداف الحج والعمرة]
يصح أن يؤتى بالقران في عقد واحد وفي عقدين إذا تقدم عقد العمرة ثم أردف الحج، ولا يصح إذا تقدم عقد الحج إرداف العمرة عليه.
وإرداف الحج على العمرة 1 يصح إذا لم يعمل من عمل العمرة شيئًا، واختلف إذا شرع في عملها، ولم يتحلل منها على أربعة أقوال:
فقال أشهب في كتاب محمد 2: إذا شرع في الطواف ولو شوطًا لم يردف الحج 3.
وقال ابن القاسم: يرتدف إذا كان في الطواف 1.
واختلف قوله إذا أتمّه ولم يركع: أيرتدف، أم لا؟
فإن أتمّه وركع لم يرتدف 2.
وذكر 3 أبو محمد عبد الوهاب أنه يرتدف، وإن كان في السعي ما لم يتم، ويفرغ منه 4.
وإذا كان الحكم أن يكون قارنًا فإنه لا فرق عند ابن القاسم بين أن يتمادى فيما كان فيه من عمل العمرة، أو يقطعه، وكذلك إذا كان الحكم ألا يكون قارنًا.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن تمادى في طوافه لم يكن قارنًا، فإن قطع بعض التمادي؛ كان قارنًا 5.
والأول أحسن، والمراعى وقت العقد، فإن كان ساقطًا لم يوجبه قطع التمادي، وإن كان ثابتًا لم يبطله ما حدث بعده من عمل.
ومن أردف الحج من الحل طاف طواف القدوم إذا دخل مكة، وإن كان إردافه بعد أن دخل الحرم لم يطف، وأَخَّرَ ذلك حتى يرجع من عرفات؛ لأنها حل.
واختلف إذا لم يصح إرداف الحج على العمرة، أو العمرة على الحج: هل يجب القضاء؟
فقال مالك: لا قضاء عليه (1).
وذكر أبو محمد عبد الوهاب في هذا الأصل قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء.
والثاني: لا قضاء عليه وهو أحسن (2).
والأول أحسن؛ لأنه فاسد رد من أصله، وهو أعذر من مرضه؛ لأنه كان عقدًا صحيحًا فعرض له ما منع من تمامه، وهو المرض.
فصل [فيما يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج]
التمتع بالعمرة إلى الحج يوجب الهدي بأربعة شروط، وهي: أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل أن يعود إلى بلده، أو إلى ما هو في البعد مثل بلده، وتكون العمرة مقدمة على الحج.
فإن كانت العمرة قبل أشهر الحج ثم حجّ من عامه، أو كانت في أشهر الحج ولم يحج من عامه ذلك، أو حج فيه بعد أن رجع إلى بلده أو إلى موضع هو في البعد مثل بلده، أو لم يرجع وكانت العمرة بعد الحج في ذي الحجة من ذلك العام لم يكن متمتعًا.
وفي كتاب محمد: إذا حل من العمرة ثم خرج إلى قدر مسافة بلده، قال: إن كان ذلك إلى أفق غير الحجاز، مثل الشام أو مصر أو العراق فذلك يجزئه، ويسقط عنه الدم 3.12
ولا أعلم لهذا وجهًا، وإذا رجع إلى مثل بلده فالحجاز وغيره سواء.
وقال محمد فيمن دخل مكة في أشهر الحج بعمرة، وهو يريد سكناها، ثم حج من عامه: أنه متمتع، ولعله أن يبدو له، فعليه الهدي 1.
والصواب في هذا أنه غير متمتع؛ لأنه من ساكني الحرم، ومحمله على نيته في الإقامة حتى يحدث نية السفر، ولو أحدث نية السفر 2، وألا يقيم لم يكن متمتعًا؛ لأن هذه نية حدثت بعد صحة النية الأولى.
وقال مالك فيمن له أَهْلٌ بمكة وأَهْلٌ ببعض الآفاق، فقدم مكة معتمرًا في أشهر الحج، قال: هذا من مشتبهات الأمور، والاحتياط في ذلك أعجب إليَّ 3.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان يأتي أهله بمكة منتابًا فعليه الهدي، وإن كان سكناه بمكة ويأتي التي بغير مكة منتابًا فلا هدي عليه 4.
وهذا صحيح، ولم يتكلم مالك على مثل هذا، وإنما جاوب فيمن 5 يكثر المقام بالموضعين.
ومن أتى بعمرة في رمضان فَأَهَلَّ هلال شوال بعد طوافه وسعيه وقبل حلاقه- لم يكن متمتعًا، فإن كان بقي عليه شيء من السعي كان متمتعًا، وهو قول مالك 6.
ويصح أن يُقال: إذا لم يبق إلا الشوط والشوطان من السعي أن ليس بمتمتع؛ لأن اليسير في حيز اللغو.
وقال فيمن قدم معتمرًا، وحل في غير أشهر الحج، ثم أنشأ عمرة أخرى في أشهر الحج: إنه متمتع 1.
وفيمن قدم قارنًا في غير أشهر الحج، فطاف وسعى قبل أن يهلّ هلال شوال: إنه متمتع 2.
والقياس في هذا: أنه ليس بمتمتع؛ لأن طوافه وسعيه للعمرة والحج، وقد انقضت عمرته، وإنما بقيت عليه أعمال الحج خاصة.
ولا شركة للعمرة في شيء مما بقي عليه من الوقوف ورمي وطواف للإفاضة، إلا الحلاق خاصة، فإنه لهما، فقد قال فيمن قدم مراهقًا وهو قارن، ورمى جمرة العقبة: إنه يحلق، وإن لم يكن طاف 3.
وقال ابن الجهم: يؤخر الحلاق حتى يطوف ويسعى 4؛ لأنه لم يطف للعمرة بعد، ولم يبح له أن يحلق قبل أن يطوف للعمرة.
فإذا طاف بعد الرمي وسعى حل له الحلاق والسعي.
وهذا هو القياس 5، فإذا منع هذا الحلاق لأن العمرة لم يأت
عملها بعد، فكذلك إذا قدم الطواف والسعي قبل أن يهلّ شوال؛ لأن العمرة قد انقضت، ولم يبق إلا الحلاق، فإن وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد الحج وحده.
وإن تمتع أهل مكة وأهل ذي طُوى لم يكن عليهم دم.
قال إسماعيل القاضي: الأصل في هذا القصر؛ لأنه لا يقصر حتى يجاوز ذي طوى.
وقد اختلف فيمن سواه ممن قربت داره، كأهل منى وعرفة ومر الظهران، فقال مالك: عليهم الدم 1.
وقال ابن حبيب: القرى المجاورة لمكة مثل مر ظهران وضجنان 2 والنخلتان وعرفة والرجيع، وما لا تقصر فيه الصلاة لا متعة لهم، فأما ما بعد مما تقصر فيه الصلاة- عليهم هدي التمتع 3، هكذا روى ابن عباس.
قال: فهو مذهب مالك 4 وأصحابه 5.
فرأى أن من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة داخل في حاضر المسجد.
وقد اختلف في ذلك، فقيل: من كان دون المواقيت إلى مكة.
وقيل: من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة مثل ما حكى ابن حبيب.
والقياس في أهل منى وعرفة: ألا هدي عليهم إن أحرموا بالحج من مكة قبل أن يرجعوا إلى أوطانهم؛ لأن هؤلاء زادوا ولم ينقصوا، وقد كان لهم أن يؤخروا الإحرام حتى يرجعوا إلى أوطانهم، ولا يكون عليهم دم المتعة إن أحرموا بالحج.
فصل [في تمتع وقران أهل مكة]
ولم يختلف المذهب في أهل مكة يتمتعون ألّا دم عليهم، واختلف إذا قرنوا، فقال مالك: لا دم عليهم 1.
وقال عبد الملك بن الماجشون: عليهم الهدي؛ لأنهم أسقطوا أحد العملين بخلاف التمتع 2، وهو أحسن، وإسقاط أحد العملين يستوي فيه المكي وغيره.
واختلف في جواز التمتع بالعمرة لأهل مكة وغيرهم من أهل الآفاق 3.
باب في مواقيت الحج والعمرة، والوقت الذي يحرم فيه الحاج
1
المواقيتُ خمسةٌ: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن، وذات عرق.
فذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب، ويلملم لأهل اليمن، وقرن لأهل نجد، وذات عرق لأهل العراق.
ومن أتى على أحد هذه المواقيت من غير أهله فمهَلُّه منه، وليس له أن يؤخر عنهم إلا أهل الشام والمغرب إذا مروا على ذي الحليفة خاصة، فلهم أن يؤخروا إلى الجحفة؛ لأن ميقاتهم أمامهم، ولهم إن لم يمروا بالجحفة أن يؤخروا إحرامهم 2؛ ليحرموا إذا حاذوها.
وكذلك كل من لم يمر بميقاته فمهَلُّه إذا حاذاه في بر أو بحر.
وقال ابن حبيب: إذا لم يكن مرور أهل الشام وأهل المغرب بالجحفة، فلا رخصة لهم في ترك الإحرام من ذي الحليفة 3.
يريد: إذا لم يكن مرورهم على موضع يحاذي ميقاتهم.
وقال أبو قرة عن مالك فيمن كان من أهل المدينة، وكان طريقه 4 على غير طريق المدينة: فإنه يحرم إذا حاذى الجحفة، ومن كان مسكنه أمام ميقات من هذه المواقيت فمهَلُّه من موضعه، وليس له أن يتعداه لما بعد، ولا عليه أن
يرجع إلى ما خلفه من الميقات، سواء أراد حجًا أو عمرة.
ويفترق الجواب في أهل مكة وغيرهم ممن هو ساكن في الحرم، فإهلاله بالحج من موضعه، وبالعمرة من خارج الحرم.
والأصل في هذه الجملة: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلأَهْلِ اَليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لهم وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ".
أخرجه البخاري، ومسلم 1. ويخرج من عموم هذا الحديث إحرام من كان في الحرم بالعمرة، فليس موضعه ميقاتًا لها حتى يخرج إلى الحل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة - رضي الله عنه - أن تخرج إلى التنعيم، فتعتمر منها 2.
وقد اختلف في القارن من الحرم، فمنعه مالك في المدونة 3، وأجازه سحنون وإسماعيل القاضي؛ لما كان المفرد بالحج ممنوعًا من الطواف حتى يخرج إلى الحل، ومنها 4 عرفات.
وكذلك المعتمر يقرن من الحرم، ثم لا يعمل شيئًا
حتى يرجع من عرفة، إلا أن يحب أن يطوف قبل وقوف عرفة، فإنه يطوف ولا يسعى إلا أن يخرج إلى الحل، فيجوز له حينئذ أن يطوف ويسعى.
واختلف فيمن أفرد الحج من مكة، ثم طاف وسعى قبل أن يخرج إلى عرفة، هل يحتسب به؟
فقال مالك في المدونة: إذا رجع من عرفة طاف وسعى، فإن هو لم يفعل حتى رجع إلى بلده رأيت السعي الأول بين الصفا والمروة يجزئه وعليه الدم وذلك أيسر شأنه عندي 1.
وقال أبو الحسن ابن القصار: وقد روي عن مالك أنه إن كان قد طاف وسعى، ثم فرغ من حجه- أجزأه.
وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة؛ لأن الطواف بانفراده ليس من شرطه أن يؤتى به من الحِلِّ، فيجمع فيه بين الحل والحرم، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ليس من شرطه أن يؤتى به من الحل.
فقد قيل: إن سعيه مسعى هاجر بينهما، حيث عطش إسماعيل عليه السلام.
وإذا كان ذلك؛ كان الصواب أنه جائز حسبما روي عن مالك في أحد القولين.
وقال مالك: يستحب 2 للمعتمرين من أهل مكة أن يحرموا بالحج من المسجد الحرام 3.
وقال في كتاب محمد: ولا يحرم من بيته، بل من جوف المسجد.
قيل له:
فمن عند باب المسجد؟ قال: لا، بل من جوف المسجد (1).
وأهل مكة وكل من بها من غير أهلها سواء، وقال في المبسوط: إن شاء أَهَلَّ أَهْلُ مكة من مكة، ولا يخرج من الحرم (2).
وكل هذا أحسن أن يحرم من حيث شاء من مكة، والاستحباب أن يكون من المسجد.
وقال مالك فيمن كان من أهل الآفاق، ودخل مكة يريد العمرة، ثم أراد أن يحرم بالحج وعليه نفس: أحب إلي أن يخرج إلى ميقاته، فيحرم منه (3).
واستحب ابن القاسم لمن دخل مكة حلالًا، ثم أراد أن يحرم بالحج أن يخرج إلى الحل (4)، وعلى قول مالك يستحب له أن يخرج إلى ميقاته.
فصل [فيمن تعدَّى الميقات]
تعدي الميقات على ثلاثة أوجه:
فمن تعداه وهو يريد دخول مكة لحج أو لعمرة كان عليه الدم.
وإن كان يريد دخولها لا لحج ولا لعمرة، ثم بدا له بعد أن جاوز الميقات فأحرم بحج أو بعمرة؛ لم يكن عليه دم.
وقال في كتاب محمد: عليه الدم، وإن كان لا يريد دخولها ثم بدا له أن يدخلها فأحرم فلا دم عليه 5. وقال أيضًا1234
فيمن تعدى الميقات وهو صرورة، ثم أحرم: فعليه الدم 1.
ولم يفرق بين أن يكون يريد دخول مكة أو لا، وجعل الفرض على الفور.
وحكى أبو محمد عبد الوهاب عنه أن على من دخل مكة حلالًا الدم 2.
وعلى هذا يصح قوله في كتاب محمد فيمن جاوز الميقات وهو يريد دخول مكة، ثم أحرم أن عليه الدم.
والصواب: ألا دم إلا على من أراد الحج أو العمرة، ومن تعدى الميقات وهو يريد الإحرام رجع ما لم يحرم، أو يخاف فوات أصحابه، ولا يجد من يصحبه، أو يشارف مكة، فإنه يمضي ويهدي.
واختلف فيمن تعدى الميقات ثم أحرم بالحج ثم فاته الحج، فقال ابن القاسم: لا دم عليه؛ لِتعدِّي الميقات.
وقال أشهب: عليه الدم 3.
والأول أحسن؛ لأنه صار أمره إلى عمرة، ولم يتعد الميقات، فيجب لها الدم، وإنما تعدى في الحج ولم يتم.
واختلف في المريض من أهل المدينة يريد الحج، فقال مالك في كتاب محمد: لا ينبغي لمن جاوز الميقات أن يؤخر الإحرام لما يرجو من قوة، ويحرم، فإن احتاج إلى شيء افتدى، وقال أيضًا: لا بأس أن يؤخر إلى الجحفة 4.
والأول أقيس، وهو مخاطب بالإحرام من ميقاته، فإن احتاج إلى شيء من المخيط أو تغطية الرأس فعل وافتدى.