كتاب الوكالات
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)
الجزء: 10 - الصفحة: 4619
كتاب الوكالات (1)
باب في الوكالة وما يلزم منها
الوكالةُ جائزةٌ في الحقوق التي تصحّ النيابةُ فيها: البيع، والشراء، والإجارة، والجعالة، واقتضاء الديون وقضائها، وعقد النكاح، والطلاق، وإقامة الحدود، وبعض القُرَب.
والأصلُ في الوكالة في الأموال وما يتعلق بها من بيع وشراء وغيرهما قولُه تعالى في ولي الأيتام: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220]. وقوله في آية الصدقات: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60].
والعامل وكيلٌ للمساكين، وفي النكاح قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]. وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
وقوله في الطلاق: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا...﴾ [النساء: 35].
وفي الحدود قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَأرْجُمْهَا" 2.1
الجزء: 10 - الصفحة: 4621
وفي القُرَبِ وكالتُه - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على نحر بعض البُدْن وأن يتصدق بجِلالها وجلودها (1). وفي قضاء الديون وكالتُه على أن يقضي عنه بكرًا كان عليه (2).
فصل [الوكالة على وجهين بعوض وبغير عوض]
الوكالة على ضربين: بعوضٍ، وبغير عوضٍ.
فإن كانت بعوض وكانت على وجه الإجارة لزمت الفريقين بنفس العقد، واختُلف إذا كانت على وجه الجِعَالَة على ثلاثة أقوال: فقيل: هي لازمة لهما كالإجارة.
وقيل: تلزم الجاعل بنفس العقد، والمجعولُ له بالخيار قبل العمل وبعده.
وقيل: كل واحد منهما بالخيار قبل العمل، فإن شَرَعَ في العمل سقط خيارُ الجاعل وبَقِيَ الآخرُ بالخيار، وإن كانت الوكالة بغير عوض كانت غيرَ واجبةٍ على الموكل، وله أن يعزله قبل العمل وبعده.
واختُلف في الوكيل، فقيل: هو بالخيار بين التمادي أو الترك، وهو قول مالك، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن القصار -رحمه الله- وغيرُه من البغداديين.34
الجزء: 10 - الصفحة: 4622
وقيل: يلزمه ذلك ولا خيار له.
فروى ابنُ نافع عن مالك في المبسوط أنه قال في رجل أَبْضَعَ رجلًا مالًا ليبتاع له سلعةً بعينها فاشتراها، وقال: لم أشترها لك، قال: يحلف إن اتُّهِمَ، وليس عليه إلا ذلك.
وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: إن أشهد قَبْلَ أن يشتري أَنَّه يشتريها لنفسه كانت له، وإن لم يُشْهِدْ وادَّعى ذلك بعد الشرَّاء لم يُقْبَلْ قولُهُ وكانت للآمر.
وقال 5 أصبغ في الثمانية: لا يجوز له شراؤها لنفسه حتى يعلم الآمر أنه يشتريها لنفسه، فإن لم يعلمه لم ينفعه الإشهاد.
فاتفق مالكٌ وعبدُ الملك أنَّ له أَنْ يَعْزِلَ نفسَه، وأنه إن علم ذلك قَبل الشراء كانت السلعةُ له.
واختُلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قوله بعدَ الشراء، فقبل قوله مرة، لما كان له أن يعزل نفسَه، وأشكل الأمرُ: هل هي للآمر أو المأمور فاستظهر في ذلك بيمينه، ولم يصدق في القول الآخر على القول باستصحاب الحال؛ لأنه مضى على أنَّه وكيلٌ في شرائها، فحمل على ما مضى عليه حتى يعلم غيره.
وقول أصبغ أبين؛ لأن أخذَه للمال ونقله إلى بلد آخر دليلٌ على أنه التَزَم الشراءَ للآمر، ولو لم يقصد الالتزامَ لضمن المالَ إن هلَكَ في مضيه أو رده؛ لأنَّ ربَّ المال لم يرض بنقله إلا ليشتري له به، فإذا كان نقلُه للمال دليلًا على الالتزام، وكان الحكمُ بها هبة الرقاب والمنافع سواء يجبر على تسليم ما وهب- لم يصحَّ عزلُه لنفسِهِ والرجوع فيما وهب، ولو كانت الجاريةُ معهما في البلد لكان الأمر أخف، وقد يكون قولُ الوكيل على جهة الوعد، وإذا أوجب ذلك لم يكن له الرجوعُ.
الجزء: 10 - الصفحة: 4623
ولا يلزم على هذا النكاح إذا وُكِّلَ رجلٌ على أن يزوج امرأةً فتزوجها فهي زوجة للوكيل، ولا مقالَ للآمر؛ لأن المرأةَ لها غرضٌ فيمن تتزوجه ولا يلزمها أن تكون زوجةً لمن لم ترضَ به، ولو وُكَلَ رجلٌ على تزويج امرأة ففعل وأظهر أنه الزوجُ وأشهد في الباطن أن العقدَ للآمرِ- لم تكن زوجةً للوكيل، وكانت الزوجة بالخيار بين أن ترضى أن تكون زوجة للآمر أو تَفسخ النكاحَ.
فصل [في عزل الموكِّل وحيله إذا لم يتعلق بالوكالة حق لغيرهما]
وللموكل عَزْلُ وكيلِهِ ما لم يتعلق بالوكالة حقٌ لغيرهما، فمن ذلك الوكالةُ على الخصومة، فللموكَل عزلُهُ قبل أن يخاصم، وإن سخط ذلك 6 الموكَلُ عليه، وإن أَنْشَبَ الخصومةَ لم يكن للآمر عزلُه إلا برضَا من قبله مِنْ تلك الخصومة، أو يتبَين من الوكيل تفريطٌ أو قلةُ قيامٍ، أو يكون دليلُ تهمةٍ فيما بينه وبين من وكل عليه، فيكون له أن يعزله ويُسقط قولَ الموكل عليه.
وإن كانت الوكالة بأجرة كان ذلك عيبًا، وله أن يفسخ الإجارةَ عن نفسه؛ ولأنَّ تركَه على حاله يؤدي إلى تلف حق الطالب، أو ثباتِ الحق عليه إن كانت الوكالة من المطلوب.
واختلف في الرجلين تكون الخصومةُ بينهما، فحكَّما رجلًا، ثم أرادا أو أحدُهما عزلَه عن النظر بينهما- على أربعة أقوال: فمنع ذلك عبد الملك أن يكون ذلك لهما أو لأحدهما، وإن لم ينظر في شيء من أمرهما 7.
الجزء: 10 - الصفحة: 4624
وأجازه مطرف لمن أبى منهما، وإن كره الآخر إن لم يكن نظر في شيء من أمرهما، ومنعه بعد ذلك 8.
وأجازه ابن المواز ما لم يكن يشرف على الحكم، قاله في الزوجين يحكمان رجلًا، فإن أشرف على الحكم لم يكن ذلك لهما.
وأجازه سحنون في كتاب ابنه ما لم يقع الحكم 9.
واتفقت هذه الرواياتُ على المساواة بين رجوعهما أو رجوع أحدهما، وأرى إن رَجَعَ أحدُهُما وخالفه الآخرُ أن يكونَ القولُ قولَ من أبى عن عزله، طالبًا كان أو مطلوبًا، نظر في ذلك أو لم ينظر.
ومن حجة من أَبى من عزله إن كان طالبًا أن يقول: قد يكون رأى 10 أن الحق لي، فليس لك أن تنقلني إلى من لا يرى ذلك بعد أن تراضينا برأيه وقد تعلق لي بذلك حق.
وإن كان الذي أحبَّ التمادي المطلوب قال: قد يكون ردٌّ له أن لا شيء 11 قِبَلي فتنقلني إلى غيره، وقد يرى الثاني إلزامي.
فكان لكل واحد منهما في ذلك مقال.
وكذلك إن نَزَعَ أحدُهما بعد النظر كان من حجة الآخر ما تقدَّم ذكرُه، وأن يقولَ: قد أدليتُ بحجتي، أو أثبتُّ بينتي 12، أو كان من لفظك ما يوجب لي حقًّا أو يدفع دعواك، فدعواك إلى عزله واستئناف النظر إلى غيره يؤدي إلى ضرري في جميع ذلك، وأن أتكلف البينة وإثبات ما جرى.
الجزء: 10 - الصفحة: 4625
فإن اجتمعا على عزلِهِ والانتقالِ إلى غيره جاز ما لم يكن قد أَشْرَفَ على الحكم فيُمنعان؛ لأن فيه ضربًا من القصد إلى التضارر، كما لو حَكَمَ بينهما فإنه لا خلافَ أنَّه لا يجوز أن يتراضيا على فسخ الحكم والرجوع للمخاصمة.
فصل [فيمن وكَّل رجلًا يجهز إليه المتاع ويبيع ويشتري، فمات بعد أن باع واشترى]
وقال مالك فيمن وكَّل رجلًا يجهز إليه المتاع ويبيع ويشتري، فباع واشترى بعد موتِ الآمرِ ولم يعلم بموته: فذلك جائزٌ على الورثة، وإن كان قد عَلِمَ بموته لم يجز 13. وقد اختلف في الوكيل يموت من وكله على ثلاثة أقوال: فقيل: هو معزول بنفس موتِ موكِّلِهِ وإن لم 14 يَعْلم بموته، فإن اشترى أو باع وهو لا يعلم لم يلزم الورثة، وهذا هو الظاهر من المذهب، وقد ذكر 15 ابن المنذر أنه إجماع من أهل العلم 16. وقيل: هو على الوكالة حتى يَعْلم بموته، وهو ظاهر قول مالك في الكتاب 17. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: يجوز قبضُه ودفعُه وخصومتُه، وإن
الجزء: 10 - الصفحة: 4626
عَلِمَ حتى يعزله الورثة 18. وليس بحسن.
واختُلف أيضًا في عزله عن البيع والشراء، فقال أشهب في من وكَّل رجلًا على بيعِ عبدٍ، ثم عَزَلَه قبل البيع، فباع الوكيلُ وهو لا يَعْلم قال: البيع جائزٌ ولا سبيل للآمر إلى العبد وإن لم يفت 19.
وذكر سحنون عن ابن القاسم مثل ذلك.
وأنكر قوله في مسألة الاقتضاء، وقال: هو يجيز بيعه إذا لم يعلم بفسخ وكالته فكيف لا يجوز اقتضاؤه؟
وفرَّق مالك بين موت الموكل وعزلِهِ، فجعل الوكالة ساقطةً بنفس الموت، ولا تقطع إن عزله حتى يَعلم الوكيل، وقال في الزوج يموت عن زوجته أو يطلق فتنفق من ماله بعد موته أو طلاقه وهي لا تعلم- فجعل للورثة الرجوعَ عليها بعد الموت، ولم يجعلْ للزوج عليها رجوعًا في الطلاق 20.
والذي أختارُهُ أن يكون معزولًا بنفس الموت وإن لم يعلم، بخلاف عزلِهِ في الحياة؛ لأن المالَ في الوفاة لغير 21 من وَكَّل وهم الورثة، ولم يكن منهم إذنٌ ولا وكالةٌ، وفي الحياة المالُ للموكِّل، فإذا أَذِنَ ثم حجر على الوكيل في وقتٍ يُعْلم أنه لا يَبْلُغُهُ التحجير إلا بعد امتثال الوكيل- كان التحجير مستحيلًا، وهو من تكليف ما لا يُطاق.
وكذلك إن حَجَرَ عليه وهو معه في البلد، وحجر وأَشْهَدَ بعزلته ولم يُعْلمه- فهو ضربٌ من التعدي على أموال الناس، يأمره بالبيع وأَخْذِ الثمن
الجزء: 10 - الصفحة: 4627
منهم فيه ثم يعزله في وقتٍ يُعلم أنه لا تَبْلُغُهُ العزلةُ إلا بعد البيع وأَخْذِ الثمن.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن ابن القاسم أن تَصَرَّفَ الوكيل بعد الموت مردودٌ 22. ولم يفرق بين بيع وشراء واقتضاء.
فإن كان وكيلًا على البيع، وثبت أن البيع للميت كان حكمُ المبيعِ حكمَ المستحق، فإن كان قائمًا كان الورثةُ بالخيار بين الإجازة والردِّ.
وإن تَغَيَّرَ من غير سبب المشتري أو هلك أو ضاع لم يكن لهم سوى الثمن، وإن كان هلاكُه من سببه -لبس فأَبْلَى أو ما أَشْبَهَهُ- كان لهم الأكثرُ من الثمنِ أو القيمةِ.
وإن باعه 23 المشتري كانوا بالخيار بين إجازة البيع الأول أو الثاني، أو النقض.
وإن كان وكيلًا على الشراء فاشترى وكان البائع حاضرًا، وقد بين المشتري أنه وكيل لفلان، أو ثبت ذلك- كان للورثة ردُّ البيع وانتزاعُ الثمن منه.
وإن غاب البائعُ وعاد مقالهُم مع الوكيل لم يكن لهم عليه مقالٌ سوى أَخْذِ ما اشترى أو الثمنِ إن باع؛ لأنه تَصَرُّفٌ بوجهِ شُبْهَةٍ، وعلى هذا يحمل قول ابن القاسم في المدونة.
وإن كان وكيلًا على قبضِ دينٍ فَقَبَضَهُ وضاع منه كانت مصيبته من الطالب أو من الورثة على القول: إنه معزولٌ بنفس الموت أو بنفس العزلة.
وإن كان وكيلًا على خصومةٍ فخاصَمَ بعد موتِ الموكِّل، حتى أثبت الحق أو انحصر وسقط حكم الدعوى- كان على الخلاف المتقدم، فعلى القول: إنه ليس بمعزول- جرى فعلُهُ مجرى ما فعل في الحياة، وعلى القول: إنه معزول- يصح ثبوتُ الحقِّ قبل المدعى عليه، ولا يصح سقوطُهُ، لانحصار الوكيل،
الجزء: 10 - الصفحة: 4628
ولهم أن يستأنفوا الخصومةَ في ذلك.
وقال أصبغ: تنفسخ الوكالة بموت الآمر، ولا تجوز خصومتُه إلا أن يموت الآمرُ عندما أشرف من (1) تمام الخصومة له أو عليه، وبحيث لو أراد الموكل فسخ خصومته لم يكن ذلك له، وما كان من يمين كان يحلفها الآمر يحلفها الورثة (2).
وهذا قول محمد أن للموكل أن يعزل الوكيل عن الخصومة ما لم يشرف على الحكم، والقول إنه إذا أنشب الخصومة لم يكن له أن يعزله أحسن، وكذلك وكيله.
فصل [فيمن وُكِّلَ على قبضِ دينٍ فقبضه بعد أبي عُزِلَ، وقد علم أو لم يعلم]
واختُلف فيمن وُكِّلَ على قبضِ دينٍ فقبضه بعد أن عُزِلَ، وقد علم أو لم يعلم- على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في كتاب الشركة: لا يبرأ الغريم وإن لم يعلم الوكيل بعزلته 26. وقال سحنون: هو بريء بدفعه ذلك 27.
وقيل: إن علم لم يبرأ وإن لم يعلم برئ.
وقيل: يبرأ الغريمُ وإن علم الوكيل بعزلته؛ لأن على الطالب أن يُعْلِمَ الغريمَ بعزلته؛ فيمتنع من الدفع إليه، فإذا لم يُعْلِمْهُ كان متعدياَّ عَلى الغريم، ثم مسلطًا على ذمته ممكنًا من أخذ الدين.2425
الجزء: 10 - الصفحة: 4629
وهذا أحسن إذا كان غيرَ قادرٍ على الامتناع من الدفع؛ لأن البينةَ تشهد على الوكالة، ولا بينةَ عند الغريم لما ادَّعاه من عزلته، وإن أعلم الطالبُ الغريمَ أنَّه عَزَلَهُ عن القبض منه وافترقا على ذلك- لم يبرأ الغريمُ بالدفع إلى الوكيل؛ لأن الغريمَ فرَّط إذا رَضِيَ من الطالب بعزلة الوكيل من غير إشهادٍ.
فصل [فيمن وكَّل رجلًا يُسْلِمَ له دراهمَ في طعام ففعل، ثم وجد المُسْلَمُ إليه فيها زيوفًا]
وقال ابن القاسم فيمن وكَّل رجلًا يُسْلِمُ له دراهمَ في طعام ففعل، ثم وجد المُسْلَمُ إليه فيها زيوفًا، قال: إن صدقه المأمورُ وعَرَفَها لزمت الآمرَ، ولم ينفعه إنكارُه؛ لأنَّ المأمور أمينه، وإن قبلها المأمور ولم يعرفها لزمته، ولم تلزم الآمر، وحلف الآمر 28 أنَّه لا يعرفها وما أعطاه إلا جيادًا 29 في علمه، وإن لم يقبلها المأمور ولا عرفها حلف أنه ما أعطاه إلا جيادًا 30 فيعلمه، وحلف الآمرُ ولزمتْ البائعَ 31. ومحمل المسألة على أن الوكيل لم يخبر المسْلَم إليه أنه وكيل، أو أخبره ولم يُشْهد 32 أنه يدفع دراهم الآمر؛ لأنَّ المأمور مطالب في حين العقد بالدفع من ذمته، وإن كان ذلك كان بدل الزائف عليه من ذمته حسب ما كان قبل
الجزء: 10 - الصفحة: 4630
الوزن، ولم تنتقض وكالته بالدفع الأول، ولهذا قال: إن قبلها ولم يعرفها 33 لزمه بذلك 34 بدلها، وجعل له أن يُبَدِّيه باليمين إن أنكرها دخل معه على أنه يزن من ذمته، وله أن يبتدئ بالآمر لاعترافه أن المداينة له، فإن بدأ بالمأمور فنكل حلف البائع وأبدلها له، فإن نكل لم يكن له شيء، ولم يكن له أن يحلِّف الآمرَ؛ لأن الآمر يقول للبائع: لو ابتدأتَ المقال معي كنتُ أنا المبدَّى باليمين، فإن نكلتُ رددتُ اليمينَ عليكَ، فإن نكلتَ فلا شيء لكَ عليَّ وأنتَ فقد نكلت.
وإن أخذ البائعُ البدلَ بيمينه من المأمور بعد نكولِهِ لم يكن للمأمور أن يرجع على الآمر بشيء؛ لأن يمينَ الآمرِ يمين للآمر والمأمور، وكذلك إن نكل الآمرُ 35 وحلف البائعُ وغَرِمَ لم يكن له على المأمور يمينٌ؛ لأن يمينَ البائعِ 36 يمينٌ لهما جميعًا، وإن كان استحقاقُ البائع بيمينه ونكولِ أحدهِما، ولم يعرض على الآمر 37 اليمين- نَظَرْتَ فإن كان النَّاكلُ الآمرَ لم يكن له على الأمور يمينٌ، وإن كان النَّاكلُ المأموَر كان له أن يُحلف الآمرَ؛ لأنه إذا خلصت 38 الأيمانُ فيما بين الآمر والمأمور برئ المأمور؛ لأنه أمينه يحلف ما خان ويبرأ، فإن نكل رد اليمين على الآمر أنه ما يعلمها من دراهمه، وهو قد نكل، وإن بدأ المأمور فنكل كان له أن يردَّها على الآمر.
فإن بيّن المأمورُ للمُسْلَمِ إليه أنه وكيل لفلان ليُسْلِمَ إليه دنانيرَه هذه-
الجزء: 10 - الصفحة: 4631
انْقَضَتْ وكالتُه بنفس دفعها، ولم يُقبل قولُ الوكيل أنها من دنانير الآمر ولا شهادتُه؛ لأنه مُتَّهمٌ أن يكون أبْدَلَها، ويحلف الآمرُ أنه لا يعلمها من دراهمه ويبرأ، ويرجع المقال فيها بين البائع (1) والمأمور، فإن اعترف بها وأنه كان ذاكرًا في حين الدفع غَرِمَها، وإن قال: أنسيتُها حَلَفَ أنه نسيها وبرئ.
إلا أن يكون ممن يُتَّهم في بدلها فَيَزِيد في يمينه: ما أبدلتُها.
فإن نَكَلَ غَرِمَ، وإن لم يعرفها لم يحلف إلا أن يُتَهم ببدلها.
فصل [فيمن وكل على بيع سلعة ثم وجد المشتري عيبًا مشكوكًا فيه]
وإن كان وكيلًا على بيع سلعة ثم وجد المشتري عيبًا مشكوكًا فيه، فإن أخبر أنه وكيل فيها لفلانٍ لم يحلف على العيب، وهذا قول مالك في كتاب التدليس 40. قال محمد: لأنه لو أقرَّ أنه كان عالمًا لم ينقض البيع 41. يريد: لا ينقض على الآمر بإقراره؛ لأن وكالتَه قد انقضتْ بنفس البيع.
وأرى إن أقرَّ أنه كان عالمًا وذاكرًا للعيب حين البيع أن يردَّ عليه السلعة؛ لأنه غير وأتلف الثمن 42 على المشتري، فإن أقر الآمر بالعيب رُدَّ عليه، وإن أَنْكَرَ حَلَفَ، وإن قال الوكيل: أُنسيته في حين البيع.
صُدِّق ولم يحلف بخلاف المالك؛ لأن المالكَ مُتَّهم في كتمان العيب لمنفعة نفسه، ولا يُتَّهم الوكيلُ لمنفعة39
الجزء: 10 - الصفحة: 4632
غيره، إلا أن يكون هناك دليلُ تهمةٍ.
فإن قال الوكيل: لم أعلم بالعيب، أو قال: أُنسيته.
بُدِئ بيمين المالك؛ لأنه إن نكل وحلف المشتري رُدَّ عليه واستغني عن يمين الوكيل، ولو بَدَأ الوكيلُ لم يكن من يمين المالك بُدٌّ، فكانت التَبْدِئَةُ بيمين المالك 43 أولى.
وإن كان العَيْبُ قديمًا رد على المالك من غير يمين، إلا أن يكون المالك غائبًا فيحلف الوكيلُ على أحد القولين.
واختلف في الوكيل على الشراء يتذكر أنه اشترى على صفةٍ تُوجب الفسادَ، فقال عيسى في العتبية: القولُ قولُ الوكيل مع يمينه أنه اشترى على ذلك، ويُفسخ البيع 44.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن ادعى ذلك عند دفع السلعة قُبِل قوله وحَلَفَ، فإن نكل كانت السلعةُ للآمر، وغَرِمَ المأمورُ القيمةَ إن كانت أكثرَ من الثمن، فإن ادَّعى ذلك بعد دفعها لم يقبل قوله وغرم تمام القيمة 45.
وأرى أنه مُصَدَّقٌ كان اعترافُه عند التسليم أو بعدُ؛ لأن الشراءَ موكولٌ إلى أمانته، ولا يُعْلم قدرُ الثمن والجنس والصحة والفساد إلا من قوله.
ولا فرقَ بين أن يسأل عن ذلك بالحضرة أو بعدُ؛ لأنه لو لم يسأل عن الثمن إلا بعد أن طال قُبِل قوله، وقد قال ابن القاسم فيمن وَكَّل على شراءِ سلعةٍ وسمَّى له الثمنَ، فاشتراها وسلمها، ثم زعم أنه زاد على ما سمَّاه له: إنه
الجزء: 10 - الصفحة: 4633
مصدق مع يمينه إذا ادعى ذلك بالقرب، فإن طال لم يقبل قوله، إلا أن يكون اشتغل عن ذلك أو سافر فيقبل قوله في الزيادة مع تهمته (1). لأنَّه يدعيها لنفسه، فقبولُ قول من لا يدَّعي ذلك لنفسَهِ أولى.
فصل [فيمن وُكِّلَ على بيع سلعةِ فباعها وجَحَدَهُ المشتري]
وقال ابن القاسم فيمن وُكِّلَ على بيع سلعةٍ فباعها وجَحَدَهُ المشتري، قال: الوكيلُ ضامنٌ؛ لأنه أتلف الثمن، ولأن مالكًا قال فيمن بعث 47 معه بضاعة، فقال: دفعتُها وأَنْكَرَه المَبْعُوْثُ إليه- هو ضامن إلا أن يقيمَ بينةً بالدفع 48. وقول عبد الملك في هذا الأصل: إنه مُصَدَّقٌ وإن لم تَشْهَد بينةٌ 49. وعلى هذا الناسُ اليومَ في كثير من البياعات أنَّهم لا يُشهدون، فما كانت العادةُ فيه عدمَ الإشهادِ لا ضمان على الوكيل فيه وإن جَحَدَ المشتري الشراءَ، أو قال: اشتريتُ بدون ذلك، ولا يمين على الوكيل للآمر إن كانت السلعة بيد الوكيل.
وإن قال: أسلمتُها فجحدها المشتري حَلَفَ أَنْ قد أَسْلَمَها إليه، وحلف الآخر أنه ما اشترى ولا قبضها وبرئا، وكانت المصيبة من الآمر، فإنَّ نَكَلَ المأمورُ غَرِمَ الأقلَّ من القيمة أو الثمن، وإن نكل المشتري غَرِمَ الثمنَ، وإن نكلا جميعًا، وكان الآمر قد ابتدأ بالمأمور فغرم الأقلَّ- لم يرجع المأمورُ على المشتري بشيء؛ لأن المشتري يقول للمأمور: إذا خَلَصَ المقالُ والدعوى بيني46
الجزء: 10 - الصفحة: 4634
وبينك كنتُ أنا المبدَّى باليمين، فإن نكلتُ رددتُ اليمينَ عليكَ، فإن نكلتَ عنها فلا شيء لك عليَّ.
وإن ابتدأ الآمرُ بالمشتري فنكَلَ غَرِمَ الثمنَ، وكان للمشتري أن يرجع على الوكيل فيحلفه، فإن نكل أَغْرَمَهُ الثمنَ الذي غَرِمَه للآمرِ.
وإن كانت العادةُ الإشهادَ على الثمنِ غَرِمَه سلَّم السلعةَ أو لم يُسلِّمها، وإن كانت العادة الإشهاد على العقد دون تسميةِ الثمنِ، فإن لم يسلِّم السلعة لم يغرم شيئًا، وإن سلَّمها غَرِمَ الأقلَّ من القيمةِ أو الثمنِ.
واختُلف إذا اعترف المشتري بالشراء، وقال: اشتريتُ بأربعين.
وقال المأمور: بخمسين، فقيل: يتحالفان ويتفاسخان، فإن نَكَلَ المأمورُ حَلَفَ المشتري وغَرِمَ أربعين، وهو قول ابن القاسم 50. وقال محمد: يَغْرَمُ الرسولُ العشرةَ الباقية 51، وقال مالك في كتاب محمد: يفسخ البيع إذا نكل الرسول.
وهو أبين؛ لأن الآمر يقول: نكولُ المأمورِ عليَّ ضررٌ، فلا تُؤخذ سلعتي بغير ما أقر وكيلي أنه باع به.
ويختلف إذا تحالفا وفسخ البيع، هل يكون للآمر أن يُغْرِمَ الرسولَ الخمسين؟ فعلى قول محمد يغرمه الخمسين؛ لأنه فرَّط، وعلى قول ابن القاسم لا شيء عليه.
ومحمل قوله ها هنا على أن العادةَ تركُ الإشهاد.
وقال ابن القاسم: إن قال المأمورُ أَبقَ منِّي هذا العبدُ.
وقال من هو في يديه: بعتَه مني بثلاثين دينارًا وقد دفعتُها إليك- حلف الوكيلُ أنه لم يبعه منه وأخذه، فإن نَكَلَ حَلَفَ المشتري
الجزء: 10 - الصفحة: 4635
وكان له العبدُ، وغَرِمَ الوكيلُ الثلاثين دينارًا (1)؛ لأن المشتري حلف أنه أَوْصَلَ إليه الثمنَ.
وإن كان وكيلًا على الشراء، فقال: اشتريتُ لك هذا العبدَ، وجحد البائعُ وحلف- كان على الوكيل أن يغرم فضلَ القيمةِ على الثمن على أحد القولين؛ لأنه فرَّط إذ لم يشهد، وعلى القول الآخر لا شيء عليه.
فصل [فيمن وكَّل رجلًا يشتري له أمةً، فاشترى ابنة الآمر]
ومن وكَّل رجلًا يشتري له أمةً، فاشترى ابنةَ الآمر، فإن كان غيرَ عالمٍ كان الشراءُ جائزًا، وأُعتقتْ على الآمر.
واختُلف إذا كان عالمًا، فقيل: تُعتق على المأمور.
وقيل: تبقى له رقيقًا.
وقيل: يعتق الربحَ إن كان فيها ربح، وهذا إذا لم يبين الوكيلُ للبائع أنه وكيل على شرائها لفلان، فإن بيَّن أنه وكيلٌ لفلان بماله ولم يجز الموكل الشراء نقض البيع.
وإن اختلف الوكيلُ والآمرُ، فقال الآمرُ: علمتَ أنها ابنتي فاغرمْ لي الثمنَ.
حلف الوكيلُ أنه لم يعلم ولزمتِ الآمرَ، فإن نكل الوكيل حلف الآمر وأغرمه الثمنَ وأُعتقتْ على المأمور على قول ابن القاسم؛ لأن إنكاره المعرفةَ اعترافٌ منه أنها عتيقةٌ على الآمر، وأنه ظلمه بجحوده، وفي أن أغرمه الثمن.
وكذلك إن أقام الآمرُ بينةً أن الوكيلَ عَلِمَ، فإنَّها تَعتق على الوكيل؛ لأنه52
الجزء: 10 - الصفحة: 4636
يقول: هي حرة، وقد كذبت البينةُ فأغرم الثمنَ بشهادة البينة عليه بالتعدي.
وإن قال الوكيلُ: كنتَ أمرتَني بشرائها.
وأنكر الآمرُ- كان بمنزلة من قال: أمرتني أن أشتري لك هذا العبد، وقال الآمر: بل هذا العبد الآخر، أو قال: أمرتني بتمر، وقال الآخر: بقمح، وقد اختُلف في ذلك: هل يكون القولُ قولَ الآمر أو قولَ المأمور؟ والأمة عتيقة قولًا واحدًا.
وإن بين المأمورُ للبائع أنه وكيلٌ في شرائها لفلان بماله حلف الآمرُ أنه حَجَرَ عليه شراءها، وفُسخ البيعُ وارتُجع الثمن، وكانت رقيقًا للبائع، فإن غاب البائعُ وعاد المقالُ بين الآمر والمأمور كانت الأمةُ عتيقة، ثم يختلف: هل يكون القول قول الآمر أو قول المأمور حسب ما تقدَّم إذا لم يبّين أنه وكيل.
فصل [فيمن وُكِّل على أن يشتري فَرَسًا معينًا أو على صفةٍ بمائة، فاشترى تلك العينَ أو الصفةَ بخمسين]
ومن وُكِّل على أن يشتري فَرَسًا معينًا أو على صفةٍ بمائة دينار، فاشترى تلك العينَ 53 أو الصفةَ بخمسين دينارًا 54 جاز، وإن وُكِّل على أن يشتري جاريةً بمائة دينار 55، فاشترى جاريتين على تلك الصفة بمائة، فإن اشتراهما في صفقتين 56 لزمت الأولى وكان الآمر بالخيار في الثانية، وإن كانت إحداهُما على
الجزء: 10 - الصفحة: 4637
الصفة والأخرى على غير الصفة لزمت التي هي على الصفة، تقدَّم شراؤها أو تأخَّر، وكان بالخيار في الأخرى.
واختُلف إذا اشتراهما صفقةً واحدةً، فقال محمد: إن لم يقدر على غيرهما لزمتا الآمر 57. وقال ابن القاسم في العتبية: الآمر بالخيار بين أن يأخذهما أو إحداهما بما ينوبها من الثمن ويرتجع باقي الثمن 58، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يلزمان الآمر جميعًا؛ لأنه لو اشترى الجاريةَ وحدها بذلك الثمن لزمته، فهو لم يزده إلا خيرًا 59.
وقال عبد الملك في المبسوط: الآمرُ بالخيار إن شاء أخذهما بذلك الثمن 60 جميعًا أو تركهما جميعًا.
وقولُ محمد إذا لم يقدر على شراء واحدة لزمتاه- أحسنُ، ولا يختلف في ذلك، وإنما الاختلافُ إذا كان قادرًا على أن يشتري واحدة.
وأرى: أن للآمر أن يأخذ التي هي على الصفة إن شاء 61، وإن كانتا على الصفة أخذ أيتهما أحبَّ؛ لأنه لما كان ممكنًا من شراء إحداهما في معنى العقدين فيما بينه وبين الآمر.
الجزء: 10 - الصفحة: 4638
باب (1) في الوكيل يخالف ما أمر به فيبيع بأقل أو يشتري بأكثر وفي اختلاف الموكِّل والوكيل
ومن وُكِّلَ على أن يشتري سلعة بخمسين دينارًا، فاشتراها بأكثر، فإن كانت الزيادة يسيرة كالدينار ونحوه لزمتِ الآمرَ.
فإن وُكِّلَ على أن يبيعها بخمسين فباعها بأقلَّ لم تلزم، وإن كان النقص يسيرًا؛ لأنه خالفَ ما أمر به، ولأن القصد أن يطلب أكثر من ذلك ولا يبيع بأقل (2).
والشأنُ في الوكالة على الشراء أنه يستخف الزيادة اليسيرة عندما يحصل له غرضه في ملكها، وإن كانت الزيادةُ كثيرةً لم تلزم الآمرَ، وكان بالخيار في قبولها أو الترك، وإن كان فيها فضل فقال: أنا آخذ منها ما قابل رأس مالي- كان ذلك له، وإن هَلكَتْ قَبْلَ وصولهِا إلى الآمر كانت المصيبةُ من المأمور إن كانت الزيادةُ كثيرةً، وإن كانت يسيرةً كانت من الآمر.
فصل في اختلاف الموكِّل والوكيل في قّدْرِ الثمن، وفي جنسه، وفي حلوله
فإن اختلفا في قدره، فقال: الآمر أمرتُك باثني عشر.
وقال المأمور: بعشرة وبها باع.
فإن كانت للموِّكل بينةٌ ولم يَبِنْ بها المشتري كان بالخيار بين أن يرد البيع، أو يجيز ويأخذ من المشتري عشرةً ومن المأمور دينارين، وهذا قول ابن6263
الجزء: 10 - الصفحة: 4639
القاسم فيمن سمَّى له ما يبيع به فباع بدون التسمية، وحمل عليه أنه التزم تلك التسمية 64. وقيل: لا شيء على المأمور، وهو أحسن؛ لأنَّ الظاهرَ المخالفةُ دون التزام، وإن استظهر بيمينه أنه لم يلتزم الدينارين فحسن.
وإن بان بها المشتري كان على المأمور على قول ابن القاسم الأكثرُ من القيمةِ أو الاثني عشر، وإن كانت الاثنا عشر أكثرَ أخذها؛ لأنه يحمل عليه الرضا بها، فإن كانت القيمةُ أكثرَ أخذها؛ لأنه مقرٌّ أنه تعدى.
واختُلف إذا لم تفتْ، أو لم يفت المبيع أو السلعة ورضي المشتري أن يتم الاثني عشر: هل يلزم ذلك الآمر؛ لأنه الثمن الذي رضي البيع به، أو لا يلزم؟ لأن الآمرَ يقول: هذا بيعُ تعدٍّ لم آمُرْ به، والبيع الذي أمرتُ به لم تفعله بَعْدُ، وقد بدا لي أن لا أبيع سلعتي.
وأرى إن رَضِيَ بذلك المشتري لمَّا علم بتعدي المأمور- وأجاز له المأمور البيع بالاثني عشر قبل أن يعلم الآمر- أن يلزم البيع 65 ولا رد للآمر؛ لأن الوكالةَ التي وُكِّل عليها لم يكن فعلها قبلُ، ولا يزول بذلك البيع الذي كان تعديًا.
ولو رد المأمورُ ذلك البيعَ قبل أن يعلم الآمر كان له أن يبيعها بالاثني عشر، وإن لم تَشهد للآمر بينةٌ، واعترف المأمورُ أنه أمره باثني عشر- لم يصدق على المشتري.
قال مالك في كتاب محمد: ويكون للآمر أن يغرم الرسول ما أمر به، وإن كان
الجزء: 10 - الصفحة: 4640
عديمًا أتبع به، ولم يكن له على المشتري سبيل ولا غُرْمٌ وإن كان موسرًا 66.
يريد 67 إذا لم يحلف الآمر، فإن حلف وكانت السلعة قائمة أخذها، وإن فاتت أغرم المشتري تمامَ القيمة إن كانت أكثر من عشرة، وإن أنكر الرسول، وقال: ما أمرتني إلا بعشرة- حَلَفَ الآمرُ أنه أمره باثني عشر وردَّ البيع، فإن نكل مضت العشرة 68 ولم يَرُدَّ اليمينَ على المشتري؛ لأنه لا علم عنده، وإنما له أن يُحلِّف البائعَ؛ لأنها يمينٌ تهمةٍ، فلا ترجع ولا على الوكيل؛ لأنه إذا خَلَصَ المقال بين الآمر والمأمور كان القول قول المأمور.
فإن نكل حلف الآمرُ واستحقَّ، فإن نكل لم يكن له شيءٌ، وهو قد تَقَدَّمَ نكولُه عنها، وكذلك إن اختلفا، وقد بأن بها المشتري فالقول قول المأمور، فإن نكل حلف الآمر واستحق، فإن نكل لم يكن له شيء، وقد قيل يتحالفان إن كانت القيمةُ أحدَ عشرَ ويغرم الوكيلُ دينارًا؛ لأن اختلاف الآمرِ والمأمورِ كاختلاف المتبايعين، وقد قال أشهب: إذا فاتت السلعة تحالفا ورُدت القيمة بدلًا من العين 69.
ويختلف إذا أتى الآمر بما لا يشبه، والمأمور بما يشبه، والسلعة قائمة، فقال مالك مرة: القول قول البائع.
وكذلك الآمر يكون القول قوله مع يمينه ويرد البيع، وبه أخذ ابن القاسم 70. وقال مرة: لا يقبل قوله 71. وهو أحسن؛ لأن
الجزء: 10 - الصفحة: 4641
ذلك دليل كشاهد قام للمأمور وللمشتري على صدق المأمور وكذب البائع (1)، فإن فاتت كان القولُ قولَ المأمور مع يمينه، ولا يغرم المشتري إلا ما حلف عليه المأمورُ، فإن غاب المشتري حلف المأمور وبرئ، فإن نكل وكانت القيمة أكثر مما باع به غرم تمام القيمة.
فصل [إذا باع الوكيل إلى أجل وقال الآمر أمرتك بالنقد]
واختُلف إذا باع بثمن إلى أجل، فقال: بذلك أمرتني، وقال الآمرُ: أمرتك بالنقد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: القول قول المأمور، قال: وذلك بمنزلة اختلافهما في العدد، وقال ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ في كتاب ابن حبيب: القول قول الآمر، قائمة كانت أو فائتة 73.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إن كانت قائمةً فالقولُ قولُ الآمر، يحلف ويأخذ سلعته.
وإنما الاختلاف إذا فاتت، وأرى أن يكون القولُ قولَ المأمور؛ لأنه أتى بما يشبه.
وإن قال الآمر: أمرتك بعشرة إلى أجل، فقال المأمور: بخمسة نقدًا، وبها باع، كان القولُ قولَ الآمرِ 74 إذا كانت قائمة يحلف ويأخذ سلعته، وإن فاتت كان القولُ قولَ المأمور مع يمينه، ويغرم الخمسة إلا أن تكون الخمسة أقلَّ من القيمة بما لا يتغابن في مثله، فيحلف ويأخذ القيمة.
وإن قال: أمرتك بدنانير مسماة، فباع بقدرها من الدراهم لزمه البيع،72
الجزء: 10 - الصفحة: 4642
وهو قول أصبغ في العتبية 75، إلا أن يعلم أن غرض البائع الدنانير لحاجة له إليها فلا يلزمه.
وإن باع بعرض، وقال: بذلك أمرتني.
وقال الآمر: بالعين - كان القول قول الآمر مع يمينه، ويرد البيع إن كانت قائمة أو فاتت بحوالة الأسواق.
وإن هلكت بأمر من الله تعالى كان مقاله مع الوكيل يأخذه بالأكثر من الثمن أو القيمة، وإن كانت ثوبًا يلبسه المشتري كان له الأكثر من الثمن أو القيمة فإن كانت القيمة يوم البيع أكثر أخذها من الوكيل، وإن كانت يوم اللباس أكثر أخذها من المشتري.
وإن باع الوكيل بعين، وقال الآمر: أمرتك بعرضٍ، كان القولُ قولَ المأمورِ، وقد قال مطرف في كتاب ابن حبيب: القولُ قولُ الآمر إن لم تفت، وإن فاتت كان مخيرًا بين أن يأخذ ما باعها به أو القيمة 76. والأول أحسن.
وكذلك إن قال: أمرتُك بعرض كذا، وقال المأمور: بعرض غيره.
فإن كانت السلعة قائمة حلف الآمرُ وأَخَذَ سلعتَه، فإن فاتت جرت على القولين فيمن أَمَرَ أن يشتري قمحًا وقال الآخرُ: أمرتني بتمرٍ، فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: القول قول الآمر في القيام والفوات.
والأول أحسن إذا فاتت؛ لأنهما إذا اتفقا أن الثمنَ يكون عرضًا كان كلُّ واحد منهم قد أتى بما يشبه وإذا أتى الوكيل بما يشبه كان القول قوله.
الجزء: 10 - الصفحة: 4643
فصل [إذا وكله على شراء فقال أمرتك أن تشتري قمحًا وقال الآخر تمرًا]
اختلف إذا كان وكيلًا على الشراء فقال: أمرتُك أن تشتري قمحًا، وقال الآخر: تمرًا، وقد اشتراه، فقال مالك في المدونة: القولُ قول الرسول مع يمينه، قال ابن القاسم: لأنه لمَّا كانت الذهبُ مستهلكةً بالشراء كان الآمر مدعيًا.
يريد تضمينه فلا يقبل قوله 77.
وفي كتاب محمد: القول قول الآمر 78، ورأى أنه لا يؤخذ بغير ما أقر به.
والأول أحسن؛ لأن الرسولَ مؤتمنٌ على الشراء، فكان القولُ قولَه أنه لم يتعدَّ؛ لأن الغالبَ أن الصدقَ في جهته، وليس يُتَّهم الإنسانُ على أن يشتري غير ما أمر به؛ لأن ذلك لا يفيده شيئًا، ويُتَّهم الآمرُ إذا أتاه بما فيه خسارة أو حدث فيه فساد أو ضياع، وإن بيَّن الرسولُ أنه وكيل لفلان يشتري له بماله ولم يغب البائعُ- حلف الآمرُ وأَخَذَ مالَهُ قولًا واحدًا، وإن غاب البائعُ أو افتقر كان المقالُ قائمًا 79 بين الآمر والمأمور وعاد الخلافُ التقدم.
وإن شهدت بينةٌ أن ذلك المالَ للموكِّل ولم يكن الوكيلُ بيَّن للبائعِ أنه وكيلٌ لفلان بماله- كان الخلافُ على حاله؛ لأن الموكِّل إن أخذ المال بَقِيَ على الوكيل، وكان القولُ قولَه، أنه لم يتعدَّ.
وإن شهدت البينةُ أنه وكَّلَه على أن يشتري له بماله هذا، ولم يثبت على
الجزء: 10 - الصفحة: 4644
ماذا وكَّله أن يشتري 80 به- كان لربِّه أن يحلف أنَّه وكَّله على صنفِ كذا ويأخذ ماله، فإن نكل مَضَى الشراء لأنها يمين لا 81 ترجع على البائع؛ لأن يمينَ الآمرِ للبائع يمينُ تهمةٍ، وإذا مضى البيعُ لم تكن على الوكيل يمينٌ؛ لأنه يقول: إذا صار المقالُ بيني وبينك كنتُ أنا المبدَّى، فأنا أردُّ اليمينَ عليك وأنت قد نكلتَ.
وإن شهدت البينةُ بالوكالة وأنه خالَفَ ما أَمَرَهُ به، وكان الثمنُ سلفًا من عند الوكيل- لم ينقض البيع؛ لأن الوكيلَ أقرَّ أن الشراء بوجه جائز وأن البينة كذبت، وأن السلف كان بوجهٍ صحيحٍ لا يجب ردُّه من قابضه.
ويختلف إذا اتفقا أن الوكالةَ كانت على شراءِ عبدٍ أو ثوبٍ، فاشتراه بخمسين، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: بأربعين، فقال مطرف: القولُ قَولُ الآمرِ 82. وعلى القول الآخر القول قول الوكيل؛ لأنه أمينٌ على الشراء مُدَّعى عليه العداء.
وهذا إذا أشكل ما قالا؛ لأنهما أتيا بما يشبه، فإن أتى أحدهما بما لا يشبه كان القولُ قولَ من أتى بما يشبه قولًا واحدًا، فإن أتى المأمورُ بما لا يشبه ولم يعلم بما اشتراها به كان للآمر أن يأخذها ويغرم ما يشبه أن تباع به، ويحمل على المأمور أنه غيب الثمن.
وكل هذا إذا لم يبيّن الوكيلُ للبائع، فإن أَخْبَرَهُ أنه وكيلٌ لفلان بماله- كان القولُ قولَ الآمر قولًا واحدًا، ويصير بمنزلة من وُكِّلَ على نكاح امرأة فزوجها
الجزء: 10 - الصفحة: 4645
بمائة، وقال: بذلك أمرتني، وقال الزوجُ: بخمسين- كان القولُ قولَ الزوجِ؛ لأن الوكالةَ على التزويج تتضمن العقدَ خاصةً، والزوجُ هو الدافع للثمن والقابضُ للمثمون.
ولو كان وكيلًا على التزويج وأن يدفعَ الصَّداقَ من عنده سلفًا كان القولُ قولَ المأمور؛ لأنه لو بَرِئَ الزوجُ مع قيام المبيع وحلف وبرئ أدَّى ذلك إلى غُرْمِ الوكيل وخسارته؛ لأنه مقرٌّ أنه نقد بوجه جائز، وأنه لا يحل له انتزاع ذلك من الزوجة وأن الزوج ظالمٌ في إنكاره.
فصل [فيمن أمر رجلًا أن يشتري له جاريةً بربريةً، فبعث إليه المأمورُ بجاريةٍ بربريةٍ ثم أتى بأخرى، وقال: هذه التي اشتريتها لك، وتلك وديعة]
وقال ابن القاسم فيمن أمر رجلًا أن يشتري له جاريةً بربريةً، فبعث إليه المأمورُ بجاريةٍ بربريةٍ ثم أتى بجارية بربرية، وقال: هذه التي اشتريتها لك، وتلك وديعة، ولم يبيّن ذلك في حين البعث، فإن كانت الأولى قائمةً حلف وأخذ الأولى وأسلم الثانية، وإن فاتت الأولى بحمل أو عتق أو كتابة أو تدبير لم أر له شيئًا، ولم أر له عليها سبيلًا 83. وقال محمد: إن كانت للمأمور بينةٌ أنه اشترى الأولى لنفسه أخذها وقيمة ولدها، وإن لم تكن له بينة كان الآمر بالخيار إن شاء أخذ الثانية بما اشتراها به، وإن
الجزء: 10 - الصفحة: 4646
شاء أسْلمها، وعليه في الأولى الأقلُّ مما اشتراها به 84 أو الذي سماه له 85.
وأرى إن صدَّق الآمرُ الوكيلَ أن الأولى وديعة وأخذ الثانية- أن لا شيء عليه في الأولى؛ لأنه يقول: إذا قامت البينةُ على أن الأولى وديعة لم يكن عليه في الأولى سوى تسليمها على أحد قولي مالك وقيمة الولد، وكما لو غلط فسلم إليه ثوبًا سوى ثوبه فقطعه لم يكن عليه في القطع شيء في أحد القولين، فإن كان لها 86 مال كان للباعث أن ينتزعه ولا يصيبها واحد منهما، وكذلك إن أعتقها الآمرُ وصدق الباعثَ 87 أنها وديعةٌ- له أن يأخذ الثانية ولا شيء عليه في الأولى؛ لأنه يقول: الشرع يمنع رد العتق، فإن ماتت عن مال أخذته.
وقال ابن حبيب: على الآمر قيمةُ الأولى، وسواء كانت بينة على أصل الشراء، أو على الإقرارِ فقط؛ لأنه أباحَه إياها، وعليه قيمتُها فقط 88.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن بَعَثَ مع رجل مالًا في شراء جاريةٍ، فاشتراها له ثم وطئها وأعطاه غيرها، فوطئها الآمرُ فحَمَلتا جميعًا ثم أقرَّ بذلك، أو قامتُ بينة، فإن عُذِرَ المأمورُ بالجهالة، وتأوَّل أن له أن يأخذها ويعطي 89 الآمر غيرها لا 90 على وجه الزنا: لم يحدَّ، وخُيِّرَ الآمرُ في أخذ جاريتِه وقيمةِ ولدها، وذكر الخلاف الذي في المستحقة، قال: ويُخير في الجارية التي في
الجزء: 10 - الصفحة: 4647
يديه إن شاء ردَّها على المأمور ولا شيء عليه من قيمة ولدها، وقال أيضًا: مع قيمة ولدها، وإن شاء دفع إليه قيمتها.
وإن لم يُعذر المأمورُ بالجهل حُدَّ وأخذها الآمرُ وولدَها رقيقًا له 91.
وقال في كتاب محمد في الجارية المعينة: يُحَدُّ 92. ولا فرقَ بين المعينة وغيرها، فإن كان ممن لا يَجهل حُدَّ فيهما جميعًا؛ لأن غيرَ المعينة ملكٌ للآمر بنفس الشراء، وإن كان ممن يَجهل ذلك لم يُحَدَّ معينةً كانت أو غيرَ معينةٍ، فإن كان ممن لا يجهل أخذ الأمةَ وولدَها، وإن كان ممن يجهل ذلك 93 أَخَذَ الأمةَ وقيمةَ ولدِها.
والقول: إنه يأخذ قيمتَها كالمستحقة- ليس بحسن؛ لأن المأمور ها هنا الذي أخطأ على ملك غيره مع علمه أنها له، وفي المستحقة لم يعلم.
وقوله: إن الآمر الذي في يديه 94 بالخيار- حسن، فإن أحبَّ حَبَسَها؛ لأن المأمور رَضِيَ بتمليكه إياها، وإن أحبَّ ردَّها ولا شيءَ عليه في الولد؛ لأنه سلطه عليها، والتسليط على الوطء تسليطٌ على الولد، فإن أمسكها وأخذ جاريته غَرِمَ قيمةَ هذه ما بلغت، وإن لم يَأخذ جاريتَه وأمسك هذه كان بالخيار بين أن يأخذها عن تلك حسبما رضي به المأمور، وإن أحب غرم قيمتَها وأخذ قيمةَ جاريته.
وقول ابن القاسم في المسألة الأولى لم أر له شيئًا 95. يريد: من زيادة قيمة الثانية على الأولى.
الجزء: 10 - الصفحة: 4648
قال: وقال مالك فيمن أمر رجلًا يشتري له جارية بمائة فاشتراها بمائة وخمسين وفاتت بحمل: فليس له إلا المائة (1).
وقال سحنون: له قيمتُها ما لم تجاوز مائة وخمسين.
والأول أحسن؛ لأنه كان في غنى عن الزائدِ ولم يصن (2) به ماله.
ولو أمره أن يشتري له ثوبًا بمائة فاشترى له بمائة وخمسن ولم يَعْلم حتى أبلاه، فإن كان الأمدُ الذي بلي فيه هو الأمد الذي يبلى فيه لو اشترى ما أمره لم يكن عليه شيءٌ، وإن بلي هذا في أبعد من الأول أخذ قيمةَ ما بقي منه بعد الأمدِ الذي فيه يبلى الأول، ولو أدركه في الوقت الذي كان فيه يبلى الأول أخذ الباقي، وإن أدركه في أولى لباسه وقد ذَهَبَ ربعُ منفعته أخذه، وكان له من الثمن نصفُ الثمن الذي أمره به إن كان لو لبس المأمور به ذهب نصف منفعته.
فصل [فيمن وكَّل رجلًا يبيع له سلعتَه فباعها وباعها صاحبها]
وقال مالك فيمن وكَّل رجلًا يبيع له سلعتَه فباعها وباعها صاحبها: كان الأول أحق بها إلا أن يقبضها الآخر، مثل أن ينكح الوليان، وقد فوض كل 98 واحد منهما لصاحبه أنَّ الأولَ أَوْلَى إلا أن يدخلَ بها 99 الآخرُ 100.
وقال محمد بن عبد الحكم: الأول أولى وإن قبض الثاني أو دخل.
وقال9697
الجزء: 10 - الصفحة: 4649
محمد بن مسلمة: سمعت المغيرة يقول في البيع: الأول أولى وإن قبض الأخير بخلاف النكاح.
وإن مات العبدُ عند الآخر كان ضمانُه ممن مات عنده بثمنه الذي أخرج فيه، فإن كان الثمنُ الثاني أكثرَ كان الفضلُ للأول؛ لأنه ثمنُ عبده، وإن كان الثاني أقل رجع الأولُ على من كان باع منه بالثمن الذي دفع إليه.
يريد: لأنه لم يمكنه منه حتى أفاته، فله أن يفسخ البيع عن نفسه وكذلك أرى في النكاح ويرد إلى الأول؛ لأن دخولَ الثاني بوجه شبهة لا يسقط عصمة تقدمت بوجه صحيح.
وإن لم يعلم الأول منهما ولم يقبض العبدَ كانا بالخيار بين أن يرضيا ببقائه شركة بينهما، أو يقترعا على أيهما يرفع يدَه عنه ويبقى للآخر؛ لأن العيب يزول بزوال يده عنه، وعلى قول ابن عبد الحكم يُفسخ النكاحان وإن دخل بها أحدهما، ثم تستأنف نكاحَ من أَحَبَّتْ بعد الاستبراء.
الجزء: 10 - الصفحة: 4650
باب في الوكيل يطلع في المشترَى على عيب أو يقيل بغير رضا الموكِّل
وإن اطلع الوكيل في المشتري على عيب، فإن وُكِّل على شراء بعينه لم يكن له أن يرجعه، والأمر في ذلك إلى الآمر؛ لأن الوكيلَ في المشتري معزولٌ بنفس الشراء، ولا عهدةَ عليه في ذلك العيب، فإن ردَّ دون رأى الآمر رُدَّ ردُّه، إلا أن يفوت به البائعُ فيغرم الوكيلُ الفضلَ إن كان في قيمتها وقتَ رَدَّ.
واختُلف إذا كانت الوكالةُ على غير معين، فقال ابن القاسم: للوكيل أن يرد؛ لأنه ضامن إذا اشترى عيبًا ظاهرًا 101.
وقال أشهب: ليس له أن يرد.
وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه قال إذا كان العيب ظاهرًا لأنه فرط، وإن كان مما يخفى فلا شيء عليه، وإذا لم يكن عليه ضمانٌ لم يكن له أن يرد.
فصل [في من وكل رجلًا على أن يسلم له في سلعة أو يبيع بثمن إلى أجلٍ ففعل ثم قال من ذلك]
ومن وكل رجلًا على أن يسلم له في سلعة أو يبيع بثمن إلى أجلٍ ففعل ثم أقال من ذلك، فإن ثبت أنه وكيلٌ لغيره إما ببينة أنه بين ذلك في حين المداينة أو قال قبل المداينة إن هذا السلم لفلان، أو أبيع هذه السلعة لفلان، أو اعترف بذلك بعد المداينة وقبل الإقالة، لم تلزم الموكِّل إقالته 102، وإن لم يعلم ذلك إلا
الجزء: 10 - الصفحة: 4651
من إقرار الوكيل بعد الإقالة ولم يصدقه الآخر مضت الإقالةُ وكان على الوكيل غرم مثل ذلك الطعام إذا حل الأجل 103، وليس هذا فسخ دين في دين؛ لأن الوكيل حال بين صاحب السلم وبين قبضه، فهو يأخذه بالتعدي.
وإن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم أقال منها كان بالخيار بين أن يصير إلى الأجل فيغرمه ذلك الدين، أو يأخذه بقيمته 104 نقدًا؛ لأن ربَّ الدين كان قادرًا على بيعه.
وإذا أسلم الوكيل وأخذ رهنًا أو حميلًا، فإن حطَّ عن سلم الناس لمكان الرهن أو الحميل كان للآمر أن يردَّ ذلك، وإن لم يحط لذلك كان السلمُ جائزًا والحمالةُ لازمةً، وهو بالخيار في الرهن بين قبوله أو رده.
فإن ضاع بعد أن قَبِلَهُ أو قَبْلَ أن يقبله وطالت المدة بعد علمه ولم ينكر كان ضمانُه من الآمر إذا لم تشهد بينةٌ على ضياعه من عند المأمور.
وإن ضاع قبل أن يعلم أو بعد أن علم ورد 105 لم يضمنه، وإن علم ولم يطل حلف أنه لم يرض به ولم يضمنه.
وإذا أسقط 106 عنه الضمانَ وعاد المقالُ فيما بين المأمور والمسلم إليه- نَظَرْتَ فإن لم يخبر 107 الرسولُ أنه وكيلٌ كان ضامنًا، من أخبره حَلَفَ لقد ضاع، وكانت مصيبتُه من ربِّه، إلا أن يحبسه بعد أن لم يقبله الآمر فيضمنه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4652
فصل [فيمن اشترى طعامًا، ثم أصاب به عيبًا]
وقال ابن القاسم فيمن اشترى طعامًا، ثم أصاب به عيبًا، فقال البائع: بعتك حملًا، وقال المشتري: لم أشتر إلا هذا، وهو نصف حمل- كان القولُ قولَ المشتري مع يمينه إذا أتى بما يشبه؛ لأن البائعَ أقرَّ له بالمائة.
قال: ألا ترى أنه لو باعه فرسًا أو جارية فوجد المشتري عيبًا، فأراد أن يردَّ به، فقال البائع: بِعْتكهُ وأَخر معه- كان القولُ قولَ المشتري، وإن لم يشبه ما قال وتفاحش كان القولُ قولَ البائعِ مع يمينه، ولا يرد من الثمن إلا نصفه، ولا غرم على المشتري في النصف حمل إذا حلف؛ لأن البائع مدعٍّ فيه 108.
وقال محمد: المشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يغرم نصفًا سالمًا مع المعيب ويرد.
قال الشيخ -رحمه الله-: يريد لأنَّ المشتري لما أتى بما لا يشبه كان دليلًا على أن هناك مبيعًا آخر؛ فإذا لم يعينه المشتري كان القولُ قولَ البائع في تعيينه أنه من جنس الأول، وإن أتى المشتري بما يشبه، ونكل عن اليمين وحلف البائع لم يكن للمشتري أن يرد، إلا أن يغرم نصفًا سالمًا.
وهذا إذا كان البيعُ على الكيل، فإن كان جُزافًا كان للمشتري أن يَرُدَّ المعيب وحدَه؛ لأن الجزافَ بعد الفوت كالسلع، فأشبه لو اشترى سلعتين فأصاب بإحداهما عيبًا.
الجزء: 10 - الصفحة: 4653
فصل [فيمن وُكِّلَ على شراء سلعةٍ أو طعامٍ من السوقِ وينقد من عنده، أو على أن يشتري سلعة من بلد وينقد من عنده ففعل]
وقال ابن القاسم فيمن وُكِّلَ على شراءِ سلعةٍ أو طعامٍ من السوقِ وينقد من عنده، أو على أن يشتري سلعة من بلد وينقد من عنده ففعل: فليس له أن يمسكه حتى يقبض ما دفعه عنه؛ لأن الثمن سلف والسلعة وديعة 109.
وقال أشهب: له أن يمنعها حتى يقبض ما دفع عنه.
والأولُ أبينُ، إلا أن يكون الآمرُ مِمَّن يخشى لدده، ويقول الوكيل: ذلك أردتُ أي أن يكون بيدي حتى أقبض ما وزنتُ.
ولو أمر أن يشتري سلعةً معه في البلد لينقد الآمر، ثم تطوع الوكيلُ بالوزن من عنده من غير سؤال من الآمر- كان له أن يمسكها حتى يقبض الثمن؛ لأنه يقول: كان للبائع أن يمسكها حتى تزن أنت، فأردتُ أن لا أتكلف المجيء ودفعت الثمنَ لأحل فيه محله.
ولو وزن الثمن بسؤال من الآمر لم يكن له أن يمسكها؛ لأنه رضي بالسلف من غير رهن.
واختلف إذا ادَّعى الوكيلُ ضياعَ السلعةِ، فقال ابن القاسم: القولُ قولُ الوكيل؛ لأنها وديعة عنده، ويحلف لقد اشترى ما أُمِرَ به ولقد ضاع.
وزاد مالك: ولقد نقد الثمن 110.
ولا أرى ذلك عليه؛ لأن من اشترى نَقَدَ، ولا يتهم أن يكون فرَّ بالثمن
الجزء: 10 - الصفحة: 4654
للبائع، وعلى قول أشهب لا يصدق في التلف لأنها رهن.
واختُلِفَ إذا كانا اختلفا في الثمن: هل كان من عند الآمر أو من عند المأمور؟ فقال ابن القاسم: القول قول المأمور مع يمينه، ويرجع على الآمر (1).
وقال أيضًا فيمن اشترى لزوجته سلعة أو اكترى لها دابةً وحازت ذلك، فطلب منها الثمنَ، فقالت: دفعتُه إليك.
فإن كان نَقَدَ المشتري (2) الثمنَ حلفتْ أنها دفعتْه إليه، وإن لم ينقد حلف وأخذ منها، وقال عيسى وسحنون: إلا أن يكون أَشْهَدَ عند النقد أنه ينقد من عنده فيكون القول قوله مع يمينه (3).
فصل [فيمن دفع إلى رجل سلعة وقال أمرتُك أن ترهنها، وكال المأمور: بل أمرتني أن أبيعها]
وقال مالك فيمن دفع إلى رجل سلعة وقال: أمرتُك أن ترهنها، وقال المأمور: بل أمرتني أن أبيعها 114 - فالقولُ قولُ الآمر مع يمينه، فاتت أو لم تفت، وإن قال: أمرتُك أن تودعها، وقال المأمور: أن أرهنها- فالقولُ قولُ الآمر مع يمينه 115. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن قال: بعتُها منك، وقال الآخر: أمرتني بأن أبيعها- فالقولُ قولُ صاحبِها مع يمينه.111112113
الجزء: 10 - الصفحة: 4655
قال أصبغ: تفسيره أن يحلف أنه باعه منه، ويأخذ ثوبه إن كان قائمًا، أو قيمته إن كان فائتًا، ما لم تكن القيمة أكثر مما قال أنه باعه به منه.
يريد: بعد أن يحلف الوكيلُ أنه ما اشتراها، فإن حلفا جميعًا رُدَّتْ، وإن حلف صاحبها وقال: إنه باعها منه باثني عشر، وقد بيعت بعشرة، غرم المشتري عشرة والمأمور دينارين.
وإن نكل صاحبُها وحلف المأمورُ مَضَتْ بعشرة، وإن نكلا جميعًا وكانت قيمته أحد عشر مضت للمشتري بعشرة وغرم المأمور دينارًا.
وكذلك إن فاتت حلفا جميعًا، صاحبُها والبائعُ، وغرم البائع دينارًا.
وإن حلف أحدهما ونكل البائع غرم دينارين، فإن نكل صاحبُها وحلف البائعُ برئ ولم يكن لصاحبها سوى ما بيعت به.
وإن اختلفا في صفتها بعد الفوت كان القولُ قولَ البائع لها مع يمينه في صفتها، ثم يغرم قيمةَ تلك الصفةِ ما لم تكن أقلَّ من عشرة، أو تزيد على اثني عشر، فلا يزاد عليها.
وجعل ابن القاسم القولَ قولَ البائع إذا كانت قائمة، وإن كان الآمرُ والمأمورُ متفقين على أن البيع فيها صحيح وأن لا مقال لواحد منهما في رَدَّها؛ لأن المالك يقول: بعتُها منك وبيعك صحيح؛ لأنك بعتَ ملكك.
والآخر يقول: بعتُها بوكالة منك.
فقد اتفقا على أن بيعها صحيح، إلا أنه لما كان الوكيل مدعًى 116 عليه الشراء، وكان القولُ قولَه أنه لم يشترها- لم يبقَ إلا أن يحلف ربُّها أنه لم يبعها منه ويأخذها.
الجزء: 10 - الصفحة: 4656
باب في الوكالة على بيع الرهن ثم يختلفان فيما رهن فيه
ومَن وَكَّلَ رجلًا يرهن له ثوبًا، فرهنه، ثم قال المُرْتهن: رهنتُه في عشرة، وقال صاحبه والرسول هو في خمسة- فإن كانت قيمتُه عشرةً كان القولُ قولَ المرتهنِ مع يمينه: أنه في عشرة، وكان الآمرُ بالخيار بين أن يفتكَّه بعشرة، أو يسلمه للمرتهن، ثم يعود المقالُ بين الآمر والرسول، فيحلف الرسولُ أنه لم يقبض إلا خمسة؛ لأن يمينَ المرتهن تهمةٌ على الرسول، أن يكون قبض عشرة وأمسك خمسة.
فإن نكل غرم خمسة، وليس له أن يرد اليمين على الآمر؛ لأنها يمين تهمة، فإن نكل المرتهن حلف الآمر أنه لم يأمره إلا بخمسة وما أوصل إلا خمسة، ودفع خمسة وأخذ رهنه، ثم لا يكون بين المرتهن والرسول يمين؛ لأن له أن ينكل فيرد اليمين على المرتهن، وهو قد نكل عنها.
فإن نكلا جميعًا -المرتهنُ والآمرُ- غرم الآمر عشرة، ثم عاد الأمرُ بين الآمر والرسول حسبما تقدم، فيحلفه لأنه يتهمه أن يكون أمسك خمسة، فإن نكل غرم.
وإن قال المرتهن والرسول: هو في عشرة حلفا جميعًا وغرم الآمر عشرة ويبرأ من الرهن، فإن حلف المرتهن ونكل الرسول حلف الآمر أنه لم يوصل إليه إلا خمسة، وغرم خمسة، والرسولُ خمسةً 117، وأخذ رهنَه؛ لأنه إذا خلصت 118 الدعوى بين الرسول والآمر كان الرسول المبدَّى؛ لأنه أتى بما يشبه لما كانت قيمة الرهن عشرة، فيقول: أنا أردُّ اليمينَ عليك وأنت قد نكلتَ عنها.
الجزء: 10 - الصفحة: 4657
وإن كانت قيمةُ الرهنِ خمسةً، وقال الآمرُ والرسولُ: هو في خمسة- حلفا ودفع صاحبُه الخمسة وأخذ رهنه.
فإن حلف الآمر ونكل الرسول حلف المرتهن أنه دفع إليه عشرة، ويغرمه الخمسة الباقية، فإن نكل فلا شيء له.
وإن نكل الآمر حلف المرتهن أنه في عشرة وأخذها، وحلف الرسول للآمر أنه لم يقبض إلا خمسة، فإن نكل غرمها للآمر ولم يكن له أن يرد عليه اليمين؛ لأنها يمين تهمة.
وإن قال الرسول: هو في عشرة- حلف الآمر أنه في خمسة وأخذ رهنه.
واختُلف في الرسول، فقيل: يغرم خمسة؛ لأنها زائدة على قيمة الرهن.
وقيل: يحلف أنه أوصل عشرة ويبرأ؛ لأن المرتهن صدق الرسول أنه أمر بعشرة مع إمكان أن يكذبه الآمر، وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك في كتاب الوديعة 119 فيمن أتى إلى مودعٍ فادَّعى أن صاحبَ الوديعة بعثه لأخذها، ثم أتى صاحبُها فأنكر أن يكون بعثه، فحلف وغرمها المودعَ، هل يرجع المودعَ على من قبضها منه؛ لأن المودِع كذبه وأنكر أن يكون أرسله، أو لا يغرم؛ لأن المودِع صدقه؟
وفي كتاب العارية 120 فيمن زعم أنه أرسل ليستعير شيئًا، فزعم أنه فيه رسولٌ، ثم أنكر المُدَّعَى عليه الرسالةَ هل يكون للمعير أن يرجع على الرسول؟
وإذا كان القولُ قولَ الرسول أنه أمر بعشرة فنكل- غرم خمسة؛ لأن يمينه للمرتهن يمين تهمة؛ لأنه يتهمه أنه لم يوصل إلا خمسة.
فإن نكل الآمرُ وحلف المرتهن أنه في عشرة غرمها الآمر، ولا يمين للآمر على الرسول؛ لأن الرسولَ يدَّعي على الآمر التحقيق أنه أوصل إليه عشرة-
الجزء: 10 - الصفحة: 4658
فله رَدُّ اليمينِ، وهي يمين قد نكل عنها الآمر.
وقال محمد: إن قال الراهن: هو في خمسة.
وقيمة الرهن عشرة.
وقال الرسول: هو في خمسة عشر.
وقال المرتهن: هو في عشرين- حلف المرتهن، ثم يحلف صاحب الثوب، ثم إن أحبَّ أخَذَ ثوبَه وغرم عشرة، ثم يكون على الرسول يمينان، ويغرم الخمسة التي زادت على قيمة الثوب، فيحلف يمينًا لصاحب الثوب: أنه أوصل إليه عشرة، ويمينًا للمرتهن: أنه لم يقبض منه عشرين 121. وقد تقدم ذكر الاختلاف في الرسول هل يغرم الخمسة؟ وأن لا شيء عليه فيها أحسن.
وقال المخزوميُّ فيمن أعار رجلًا ثوبًا ليرهنه لنفسه فرهنه في عشرة، وهي قيمته، فقال ربُّه: لم آذن لك أن ترهنه إلا في خمسة، وقال المرتهن: في عشرة- كان القول قول المُعير مع يمينه 122. يريد إذا كان المستعير فقيرًا، فيحلف صاحبه أنه لم يأذن له إلا في خمسة ويغرمها ويأخذ ثوبه؛ لأنه واهبٌ والقول قوله: أنه لم يهب له إلا ما أقرَّ به.
كمل كتاب الوكالات
بحمد الله وعونه 123
الجزء: 10 - الصفحة: 4659