التبصرة للخميصفحات 4430-4449

كتاب التدليس بالعيوب

صفحات 4430-4449

من الثمن إذا هي طابت وإن لم يجذ.
وإن كانت غير مأبورة فنمت عند المشتري لم يكن لها قسط من الثمن.
ولأشهب -في كتاب الشفعة من كتاب محمد-: إن لها قسط من الثمن وإن كانت غير مأبورة (1)، وليس هو المعروف من المذهب.

فصل [في الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب]

الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب على ثلاثة أوجه: فإن كان فى دارًا أو حائطًا، كان له أن ينتفع بالغات في حالة المخاصمة، والغلات له حتى يحكم بالفسخ، فيجني الثمار ويأخذ غلة الدار، وليس عليه أن يخرج المكري ثم يخاصم، وكذلك إذا كانت للسكنى.
وإن كانت جارية أو ثوبًا لم يطأ ولم يلبسه بعد المعرفة بالعيب، ولا يطأ ما لا يختار إمساكه، ولأن اللباس ينقص الثوب والنقص ليس بغلة، فإن وطئ أو لبس كان رضًى ويسقط قيامه.
واختلف إذا كان عبدًا أو دابة، فاستخدم وركب بعد علمه بالعيب، أو بعد أن قام، أو كان في سفر، أو كان البائع غائبًا؟ فقال مالك: إذا كان البائع والمشتري حاضرين فقد سقط قيامه 2. وقال ابن حبيب: له ذلك حتى يحكم له بالرد 3. وهو أحسن؛ لأن له الخراج بالضمان وعليه النفقة، فلا يلزم بالاتفاق ويمنع من الانتفاع ومن الخراج.1

واختلف قول مالك في كتاب محمد إذا علم بالعيب وهو في سفره، فقال مرة: يسقط قيامه.
ومرة: له أن يقوم وإن ركب، ولم يكن عليه أن يقودها ويكري غيرها.
قال: وليس عليه أن يكريها، وإن أكراها كان رضى (1). وعلى قول ابن حبيب يكريها، وعلى هذا يجري الجواب إذا وجد العيب بعد غيبة البائع، ولم يسافر هو، أن له أن يركب ويكري، حتى يقدم البائع، ولأن الرفع إلى القاضي مما يشق على الناس.

فصل [فيمن نقل المبيع ثم وجد به عيبًا]

واختلف إذا نقل المبيع ثم وجد به عيبًا، فقال محمد بن سحنون -فيمن اشترى خشبًا أو مطاحن، ثم وجد عيبًا دلس به البائع، بعد أن بان بها-: تنازع أصحابنا فيها، فقال قائلون: على المشتري ردها والكراء على ردها.
وقال آخرون: ذلك على البائع؛ لأن ذلك غرور، ولو علم المشتري ما نقلها.
وهو أحسن، وأرى عليه أن يغرم للمشتري ما كان نقلها به حين قبضها إلى أن أوصلها إلى داره.
واختلف أيضًا إذا لم يدلس بذلك البيع، فقال ابن حبيب -فيمن نقل ماله حمولة إلى بلد آخر، وإن تكلف رده إلى بلد البائع، جاء عليه غرم كثير في الكراء والمؤنة-: يرفع إلى سلطان ذلك البلد، فيسمع من بينته على الشراء، وأنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته، يريد في الجارية ثم يأمر من يبيع ذلك على البائع، ويكون له فضله وعليه نقصانه 2. فعلى هذا يكون على البائع، إذا نقلت1

في البلد نفسه، أن يقبض ذلك بحيث هو، وإن لم يدلس.
وعلى ما ذكره سحنون يكون نقله إلى البلد الآخر فوتًا، ويرجع المشتري بقيمة العيب، ولا يلزم البائع قبوله في البلد الآخر، وهو أحسن إلا أن يكون المبيع دابة أو عبدًا لا يتكلف في رجوعه كراء، والطريق إن رده مأمونة، فلا يكون نقله فوتًا.
ويختلف إذا وجد البائع في البلد الذي نقل إليه ما له حِمْل، فرضي البائع بقبضه، وقال المشتري: أنا أمسك وأرجع بالعيب؛ لأني غرمت في نقله ثمنًا، فعلى قول ابن حبيب ذلك للبائع، وروى أبو قرة عن مالك أنه قال: المشتري بالخيارة إن شاء رد، وإن شاء وضع عنه قدر العيب، وهو أحسن.
وقد اختلف في الغاصب ينقل ما له حِمْل، هل يكون له مقال لأجل الحمل؟ فالمشتري أحرى أن يكون له ذلك، فلا يلزم تسليم ما له حِمْل بالبلد الذي نقل إليه، إلا باجتماع منهما؛ لأن للمشتري مقالًا لما غرم في نقله، وللبائع مقال فيما يغرم في رده.
وإن كان لا حمل له، كان المقال للبائع إذا كان الطريق غير آمن، فإن كان آمنًا فلا مقال لواحد منهما.
وإن كان البائع مدلسًا وعالمًا أن المشتري ينقله ويسافر به، كان للمشتري أن يجبره على قبوله في الموضع الذي نقل إليه، ولا يراعي حمل ولا خوف.
وإن كان مما يكال أو يوزن، كان للمشتري أن يحبس هذا ويغرم المثل معيبًا في البلد الذي اشترى به، وله أن يسلمه ها هنا ويجبر البائع على قبوله إن كان مدلسا، وليس ذلك له إن لم يدلس.

باب فيمن باع معيبًا وتبرأ من عيبه ولم يُبَيِّن جنسه، أو بَيَّنَه ولم يذكر قدره أو سماه مع غيره

ومن باع عبدًا أو تبرأ من عيب به أو جارية, أو ذكره ولم يذكر جنس العيب، لم يبرأ وكان البيع فاسدًا.
واختلف إذا سماه ولم يذكر قدره، أو تبرأ من السرقة والإباق ولم يذكر المعاني التي يسرق بها والمواضع التي يسرق منها أو يأبق إليها، أو تبرأ مِن كَيٍّ بالجارية أو بعرجها أو رتق بها، ولم يبن قدر هذا ولا صفة الآخر، أو كان بعيرًا فتبرأ من دبرته، ولم يبين قدر هذا ولا صفة الآخر وهل هو مخوف أو قليل أو كثير؟ فقال ابن القاسم: البيع جائز، فإن كان قليلًا لزم المشتري.
وإن كان كثيرًا، أو كانت سرقة الآخر من غير بيت سيده، يسرق الناس أو يثقب بيوتهم، أو يأبق الآخر إلى الشام أو إلى مصر والمشتري يظن أنه يأبق إلى العوالي، أو يكون رتق الجارية بعظم 1 أو ما يعالج، أو يكون الكي الشنيع، أو الدَّبَر مُنْغَلًا 2، فله الرد 3. وقال أشهب -في كتاب محمد -: إن لم يصف ذلك وقَدْر كل كية، فالبيع

مفسوخ، وإن كان الدَّبَر يختلف ولم يبين قدرها وغورها فالبيع مفسوخ 1. وهو أحسن في هذا وفي جميع هذه العيوب، ولا أعلم يحمل ذلك على القليل وجهًا؛ لأن اللفظ لا يقتضيه ولا يفهم ذلك منه، وقوله في جميع هذه العيوب يدخل تحته القليل والكثير، ويحتمل أن يكون أراد أحدهما، وإذا كان ذلك كان البيع غررًا، وإذا سمى العيب وذكر معه عيوبًا ليست بالعبد ولا بالدابة، فقال: أبرأ إليك من كذا وكذا، فعَدَّ عيوبًا به أحدُها، لم يبرأ منه وذلك تلفيق على المشتري.
قال محمد: وكذلك إن قال: بها كذا وكذا عيبًا، وذكره مع غيره، لم ينفعه.
قال: ولا ينفعه إن انفرد، وقال: أبيعك بالبراءة من كذا حتى يقول ذلك به، ولا يخلطه بغيره 2. وأرى إذا أفرده أن يبرأ وإن لم يقل أنه به، وإنما لم تنفع البراءة إذا ذكر عيوبًا كثيرة؛ لأن العادةَ أنَّ النخاسين يفعلون ذلك فيما ليس، إرادةَ الاحتياطِ أو لا يُقام بشيءٍ.

باب في البيع على البراءة, وما لا تصح منه البراءة أو تصح

واختلف في ذلك في خمسة مواضع، هل تجوز البراءة من العيوب القديمة؟ واذا أجيزت، هل ذلك في جميع المبيعات أو في بعضها؟ وهل يجوز ذلك فيما قرب ملك بائعه له، أو حتى يطول ملكه له؟ وهل تصح البراءة من كثير العيب أو لا تجوز إلا من قليله؟ وهل تجوز من جميع البائعين، أو من بعضهم دون بعض؟ فقال مالك مرة: لا يجوز بيع البراءة ولا يبرأ البائع، أي صنف كان المبيع.
وقال أيضًا: يجوز في كل المبيعات 1. وقال ابن حبيب: يجوز ذلك في كل شيء، الرقيق والحيوان والعروض 2. وبه حكم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومروان بن الحكم، وعمل به عبد الله بن عمر، وقال به مالك في أول زمانه، وأخذ به ابن وهب وغيره ثم رجع فقال: لا يجوز ذلك إلا في الرقيق وحده 3. وقال مالك -في كتاب محمد-: يجوز في الرقيق والحيوان دون غيرهما 4. واختلف بعد القول بالمنع إذا وقع البيع بشرط البراءة، فقال أشهب -في كتاب محمد-: إن وقعت البراءة في الحيوان لم أفسخه، ويفسخ في العروض إلا أن يتفاوت ويتباعد فلا يفسخ.
قال محمد: وابن القاسم يخالفه ويقول: الشرط

باطل 1. والقول بفسخ جميع ذلك وأنه غرر أحسن.
وقال مالك: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته عنده ولم يختبره 2. وقال في المدونة: لا أرى البراءة تنفع في بيع الميراث ولا غيره، ومن ذلك: الرجل يأتيه الرقيق قد جلب إليه فيقول: أبيعكم بالبراءة ولا علم لي، فقد صدق فلا علم له ولم يكشف ثوبًا، فهو يريد أن يذهب بأموال الناس بهذا الوجه، فلم أر البراءة تنفعه 3؛ لأنه لم تطل إقامته.
وقال ابن القاسم: الذي آخذ به أنَّ كلَّ رأس يُعْرَف أنه كان يختبره، فالبراءة تنفعه 4. وقال أشهب: إن وقعت البراءةُ في رأسٍ لم تطل إقامته ولم يختبره لم أفسخه 5. وقال ذلك عبد الملك بن الماجشون، قال: وقد يبيع الورثةُ ما ورثوا، ومنهم الغائب والقاصي فلم يطلع فيبيع مكانه فيكون بيعُه بيعَ براءةٍ 6. وأما القدر الذي تصح البراءة منه، فقال مالك -في كتاب محمد -: ليس فيه حدٌّ لصغرِ عيبٍ ولا لِكِبرِه 7. وقال -في كتاب ابن حبيب-: يبرأ وإن أتى العيب على جُلِّ ثمنه 8. وعن المغيرة أنه قال: إن جاوز العيب ثلث ثمنه،

رد 1. وقال ابن القاسم عن مالك: أنه رجع إلى أنه لا يجوز إلا أن يكون خفيفًا 2. يريد: أنه كان يجيزه وإن كان كثيرًا.
وأما مراعاة البائعين فساوى بينهم في الإجازة والمنع مرة، وفرق مرة فأجازه إن كان بيع السلطان للغرماء ولأهل الميراث؛ لأن الديون تقضى والوصايا تنفذ 3، وقال أيضًا: إنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون، فيبيع السلطان عليهم 4. وذكر ابن القاسم: أنه اختلف قوله في بيع السلطان 5، قال سحنون: وكان قوله القديم في بيع الرقيق بيع ميراث، وبيع سلطان على من قد فلس: إن أصاب بهم عيبًا أو ماتوا في الأيام الثلاثة، أو أصابهم جنون أو جذام أو برص في السنة، لزم المشتري.
يريد: أنه اختلف قوله في ذلك وإن كان بيع سلطان.
وقال أيضًا -فيمن فلس فاشترى رجل من السلطان عبدًا، فأصاب به عيبًا-: رده على الغرماء.
فأما إجازته البراءة في سائر المبيعات، ومن جميع البائعين، وفي قليل العيب وكثيره، فاستسلامًا لما ذكره ابن حبيب من العمل.
ومنع ذلك جملة في القول الآخر؛ لأنه غرر، يقول: إن كان سالمًا فلك، وإن كان معيبًا فعليك.
ومعلوم أن ثمن المعيب غير ثمن السالم، فقدم

القياس.
وفرق في القول الآخر بين القليل والكثير، لعظم الغرر في الكثير، وخفته في اليسير.
وفرق بين الحيوان وغيره؛ لأن الغالب من الحيوان أنه يُطَّلَع على عيبه، فالعبد يذكر ما يجده أو يظهر المرض عليه، والدابة يظهر ما يرى من كللها أو قلة أكلها، والغالبُ إذا لم يظهر ذلك السلامةُ، وليس كذلك الثوب إذا كان مطويًّا، فلا يدري البائع ولا المشتري على ماذا وقع البيع، فرأى أنَّ الغررَ ينتفي عن الحيوان والرقيق، ورأى مرة أن ذلك يعلم من الرقيق؛ لأنه يخبر عن نفسه بخلاف غيره من الحيوان.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وجه التفرقة أن الرقيق يخفون عيوبهم، فلا يصل المالك إلى علم ذلك، وسائر الحيوان بخلافه؛ لأنه لا قدرة له على كتمان عيوبه 1. فعكس العلة وليس كذلك.
وقد أبان مالك وجه المنع، فقال -في كتاب محمد-: إنما رأيت أن لا تنفع البراءة في الثياب والحيوان؛ لأنه مما لا تستطاع معرفته 2. وقال: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته ولم يخبره 3. ولا شك أن الغررَ فيما لا يكتم عيوبه وطال ملكه فلم يعلم منه عيبًا أخفُّ مما يكتم عيوبه ولم تطل إقامته.
وأما تفرقته بين بيع الإنسان لنفسه، وما يقسم ثمنه للغرماء والوصايا، فلأن فيه ضربًا من الضرورة، وكل هذا في تفرقته بين ما تمكن معرفة عيبه وغيرها وبين ما يفرق ثمنه أو لا يفرق - جنوحٌ إلى تقدمة القياس، وأن ما كان

عليه العمل ليس على عمومه، وأنه في بعض التملكات مما يرتفع فيه الغرر أو الضرورة.
وأما البراءة من عهدة الثلاث، أو السنة فهو أخف؛ لأن حمى الرِّبْع من النادر، وكذلك الجنون والجذام والبرص، ولو علم من رجل الصلاحَ والخيرَ.
فقال- فيما طال ملكه لم أختبره وما علمت فيه إلا خيرًا، أو باع على البراءة، لجاز في جميع المبيعات، حسبما ذكر عن الضرر الأول.
قال مالك: إن لم يعلم المشتري أنه بيع ميراث أو بيع سلطان حتى استوجبه، كانت له العهدة إلا أن يستفاق لذلك، فَيُخَيَّرُ المشتري إن شاء أخذه بالعهدة، وإن شاء رد مكانه 1. وأرى إن علم المشتري أنه بيع سلطان أو ميراث، أو جهل أن ذلك بيع براءة، أن تكون له العهدة، ولا أرى أن يبيع السلطان بالبراءة حتى يسأل الذي يباع عليه، هل علم به عيبًا أم لا؟ فإن قال: لا عيب به، ثم قال بعد البيع: علمت فيه ذلك العيب، لم يصدق.
وإن لم يسأل عنه ولم يعلم بالعيب، صدق.
وإن كان حاضرًا للبيع ولم يسأل ولم يذكر أنه عالم بالعيب، وهو عالم أن البيع بيع براءة إلا ما علمه، لم يصدق وإن كان يجهل أن ذلك بيع براءة، وقال: سكت وأنا عالم بالعيب، بمنزلة لو كنت أنا البائع لنفسي دلست به، يحلف ورد البيع وانتزع من الغرماء الثمن.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى عبدًا من مال رجل قد فلسه السلطان- قال: قال مالك: يرده على الغرماء 2. وهذا أحد قوليه أنه لم يرَ بيعَ السلطان

بيعَ براءةٍ، ولا تصح البراءة فيما علمه البائع أو السلطان أو الوصي، وللمشتري أن يرده إذا لم يصدق المفلس أنه كان عالمًا بالعيب.
ولم يكن للمشتري أن يرد على الغرماء، على أحد قولي مالك أنه بيع براءة، فإن له أن يرده على البائع ويباع له على ملك المفلس، ويتبعه بما عجز متى أيسر.
ومن باع عبدًا بالبراءة ثم وجد المشتري عيبًا قديمًا، كان له أن يحلف أنه لم يعلمه، قال محمد: فإن نكل رد عليه 1. قال مالك -في العتبية-: ولو شرط لا يمين عليه كان له شرطه 2. يريد: إلا أن يكون العيب مما لا يخفى على البائع في المدة التي كان عنده فيها، وعلمه المشتري بالقرب، رده.
واختلف في العيب المشكوك فيه، فقال ابن حبيب: لا يمين على البائع، خفيًّا كان أو ظاهرًا 3. وقال ابن القاسم -في العتبية-: يحلف فإن نكل رد من غير يمين على المشتري 4. وأرى أن يحلف ويرد الثمن إن نكل.
وقال مالك -فيمن اشترى عبدًا بالبراءة، وباعه على العهدة ولم يخبر أنه اشتراه بالبراءة-: فللمشتري أن يرد إن أحب 5. وقال -في العتبية-: لا بأس بذلك، ومن ابتاع على العهدة فلا يبيع على البراءة 6. وإنما منع أن يبيع على البراءة إذا اشترى على العهدة؛ لأنه لا يحسن أن يكون ذلك المبيع من المشتري الآخر، إن حدث به جنون أو جذام أو برص، ويرجع هو بجميع الثمن فيكون

قد أخذ فيه ثمنين، أو بقيمة العيب على القول الآخر.
وكذلك في عهدة الثلاث إذا اشترى على العهدة، ثم باعه من يومه بالبراءة، فيموت في الثلاث فيبقى في يديه ثمن الثاني، ويرجع على الأول بالثمن الذي دفع إليه.
وقال ابن القاسم -فيمن ابتاع عبدًا على البراءة ثم باعه على العهدة، ثم وجد الثالث عيبًا-: رده على الأوسط وليس على الأول إلا يمينه 1. وقال ابن كنانة -في عبد تداوله ثلاثة نفر بالبيع على البراءة، فوجد الآخر عيبًا كان عند الأول-: حلف الأوسط أنه ما علمه وليس بين الآخر والأول عمل.
وقاله ابن القاسم 2. ولم يختلف في العلي من الجواري وسواء في ذلك بيع السلطان أو غيره، إلا أن تكون ملكًا لامرأة أو صبي أو بيعت في السبي.

باب في عهدة ما يبيعه الرجل لغيره كالوكيل والوصي والقاضي

البائع لغيره سبعة: سمسار، ووكيل على معين، ووكيل مفوَّض إليه، ومبضع معه، ومقارض، وشريك في معين، وشريك مفوض.
فأما السمسار يستحق ما باعه، أو يوجد به عيب فلا عهدة عليه، والتباعة على المبيع له إن عرف، وإن لم يعرف كانت مصيبة ذلك من المشتري.
وأما الوكيل على شيء بعينه، فعليه التباعة إن لم يبين أنه وكيل، فإن بَيَّن فلا شيء عليه.
وكذلك الوصي يبيع على من يلي عليه النفقة، أو لبعض مؤنه ويبن ذلك فلا تباعة عليه، وإنما يرجع في عين ذلك الثمن إن وجد قائمًا، فإن أنفقه على من يلي عليه لم يكن عليه شيء، وأجيز البيع على هذه الصفة، أنه متى وجد عيبًا أو استحق المبيع بعد إنفاق الثمن على اليتيم، أن لا شيء له للضرورة.
وبيع القاضي كبيع الوصي في أن لا تباعة عليه.
ويفترق الجواب فيمن صرف إليه الثمن، فإن كان البيع للإنفاق على الأيتام أو للصدقة، رجع على من قبض الثمن إن كان قائمًا في الاستحقاق والعيب، وإن أنفقوه لم يرجع عليهم بشيء.
ولو اشترى به رقبة وأعتقت، كان في رد العتق قولان: فقال -في كتاب الوصايا من المدونة-: يرد العتق 1. وقال -في كتاب محمد-: لا يرد ويغرم الوصي 2. والأول أحسن، وإن كان

البيعُ لإنفاذِ ديونٍ على مفلسٍ، رجع على الغرماء كان المال قائمًا أو استهلكوه أو ضاع منهم.
وبيعُ العاملِ في القراض كبيعِه لملك نفسه, وهذه العادة أنه إنما يعامل على ذمته، فإن هلك ذلك المال رجع على ذمته، وكذلك إن دفع المال إلى صاحبه، كان المشتري بالخيار بين أن يتبع العامل أو صاحب المال، ما لم يجاوز ما قام به المال الذي رجع إلى صاحبه، فليس له إلا ما رجع إليه، ويتبع العامل بالعاجز.
وبيعُ الشريكِ إذا كانت الشركةُ في شيء بعينه، وأخبر حين البيع أنه بينه وبين فلان، كان كبيع من تقدم إذا كان وكيلًا على معين، لا شريك فيه ولا تباعة عليه في نصيب شريكه.
وإن كانت الشركة في غير معين، كان بمنزلة من باع ملك نفسه، فللمشتري أن يرد عليه ويأخذ جميع الثمن.
وإن تجر الوصي ليتيمه اتبعت ذمته، كالوكيل المفوَّض إليه والعاملِ بالقراض، وهو في هذا بخلاف ما يبيعه للإنفاق على اليتيم؛ لأن هذا ضرورة، وهذا لا ضرورة فيه.
ويفترق الجواب أيضًا في تعلق اليمين على من لا عهدة عليه في اليمين، فيسقط في الاستحقاق إلا أن يقوم دليل تهمة أنه كان عالمًا، وتسقط اليمين في العيب عَمَّن هو معروف بالسمسرة.
واختلف في الوكيل إذا باع وأخبر أنه وكيل، فقال -في المدونة-: يحلف 1. وقال -في كتاب محمد-: لا يمين عليه 2؛ لأنه لو أقرَّ أنه كان عالمًا بالعيب لم يرد البيع.
وأما المفوض إليه والمقارض وأشباههم فعليهم اليمين.
واختلف بعد تسليم القول بوجوب اليمين إذا اشترط ألا يمين عليه؛

فقال مالك -في كتاب محمد، فيمن وَكَّل على بيع سلعة فباعها على أن لا يمين عليه، ثم وجد بها عيبًا- فقال: لولا أني أقطع السُّنَّة لرأيت ذلك 1، قد استحلف عثمانُ عبدَ الله بنَ عمر.
وأما الرجل الوصي المأمون الذي يعرف بالحال، وأنه يقول: لا أحب أن أحلف لقوم آخرين، فأرى ذلك له، ولولا أن السنة في ذلك اليمين لرأيت ذلك، ثم قال: أما الوصي والوكيل فذلك له 2. وبهذا أخذ محمد.

باب في عهدة الثلاث

عهدة الثلاث تصح في الرقيق خاصة دون سائر الحيوان، وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة بن علي، عن رجل، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، أَو ثَلاَثَةٌ" 1، شك أيّ ذلك قال.
وقد قيل: ذلك لحمى الرِّبْع، فإن كان ذلك فقد يحمل الحديث على ما كان بالمدينة من الحمى قبل أن يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقل إلى الجحفة، فإن اشترط المشتري عهدة الثلاث وكانت تلك العادةَ، حُمِل عليها.
واختلف إذا شرط إسقاطها أو كانت تلك العادة فقيل: البيع جائز ولا عهدة بينهما.
وقيل: الشرط باطل ورآه شرطًا فاسدًا لا يوفى به، وإذا كان فاسدًا كان البيع فاسدًا، على القول في الشرط هل يفسد لأجله البيع؟ وأرى البيعَ جائزًا ولا عهدةَ له؛ لأنَّ الغالبَ السلامة، وغير ذلك نادرٌ، وإذا بيع على العهدة كانت المصيبة والعيوب الحادثة في الثلاث، العهدة من البائع، أيّ عيب كان، كالأمة توقف للاستبراء، فيحدث بها عيب ثم يتبين أن لا حمل بها كانت من البائع، ولو قيل في الأمة: إنها من المشتري، لكان وجهًا.
واختلف إذا وجد العبد بعد الثلاث ميتًا أو به عيب، ولا يدرى كان ذلك في الثلاث أو بعد، فقال مالك: هو من البائع حتى يعلم أنه خرج من الثلاث سالمًا 2. وقال ابن القاسم: هو من المشتري حتى يعلم أنه مات أو أصابه ذلك

في الثلاث 1. والأول أقيس؛ لأن الأصل أنه في ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث على ذلك مشكوك فيه، فلا ينقل عن ضمان الأول بشك، إلا أن يقال: لو مات في الثلاث لتغير.
واختلف إذا تبرأ من الإباق فأبق في الثلاث، فقال مالك -في المدونة-: هو من البائع 2. وفي كتاب محمد: هو من المشتري 3. وهذه أشكل من التي قبل؛ لأنه على الحياة وعلى السلامة، حتى يعلم غير ذلك، والأول وجد ميتًا أو معيبًا.
وإذا كان من البائع، كان للمشتري أن يرجع بالثمن بعد الاستيناء عند ابن القاسم 4. وقال سحنون: لا يستأنى بذلك.
والأول أصوب؛ لأن الأمرَ مشكلٌ، فلا يعجل ويتربص.
وقال محمد: إن ترادا الثمن ثم وجد العبد لزم البائع، وقد انتقض البيع 5. وأرى أن يرجع إلى ما كشف الغيب ويلزم المشتري ولا ينتقض البيع.

باب في عهدة السنة

عهدة السنة من ثلاثة عيوب: الجنون والجذام والبرص.
والجنون على وجهين: أحدهما: ما كان من سبب الطباع وفسادها.
والثاني: ما كان من مس الجان.
وأيّ ذلك كان فإنه يرد به، وهذا الظاهر من المذهب، وسواء كان الجنون أمرًا لازمًا، أو يذهب المرة ويجيء المرة، كان مطبقًا أو وسوسة.
واختلف إذا كان ذهاب العقل من جناية آدمي، أو أمر دخل عليه مما يعلم أنه محدث، فقال ابن القاسم: إن ضرب رأسه فذهب عقله، لا قيام في ذلك 1. وقال ابن وهب: إن ذهب عقله من ضربة أو من تَعَدٍّ أو علاج، فهو من البائع 2. وقال ابن الماجشون: هو من المشتري، إلا أن يعلم أن ذهاب عقله من مس خالطه مع الضرب أو التردي 3. وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن هذه عيوب محدثة، ولا مقال للمشتري فيما حدث عنده ولم يكن أصله عند البائع، وإنما وجب الرد بهذه العيوب الثلاثة لقدمها، وتقدم ما عند البائع من فساد وتعفن فيحدث كيموسًا 4 رديئًا، فيفسد عقل هذا، ويجذم هذا، ويبرص هذا.

وأرى أن ذلك لا يسرع ظهوره، وإن ظهر في السنة كان دليلًا على قدمه، وما حدث عن الضربة أو التردي والعلاج فخارج عن هذا.
ولا أرى أن يرد لما حدث من مس الجان بحال؛ لأنه محدث وخارج عما قاله القوم: إن الردَّ بتلك العيوب لقدمها، إلا أن يكون هناك إجماعٌ.
ويرد من قليل الجذام والبرص، ولا يرد من حُمرة ولا من جَرب وإن تسلخ؛ لأنه ليس بجذام، ولا من البهق؛ لأنه ليس ببرص.
واختلف إذا كانت بداية الجذام والبرص في السنة 1، واستحقاقه في السنة الثانية، فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يرد.
وقال ابن وهب وأشهب: يرد 2 وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة بالطب، فإن قالوا: لا يصح أن يكون أصله قبل البيع فتخرج السنة إلا وقد استحق، لم يرد وحمل على أنه حادث، وكذلك إن أشكل الأمر عندهم، ويصح الرد بما يحدث من الجذام والبرص في السنة الثانية أو أبعد من ذلك إذا كان ذلك بأحد أبويه؛ لأنه لا يؤمن ظهور مثله بالابن وإن بعد سنين.
وإن جن في السنة ثم ذهب فيها، كان للمشتري أن يرد؛ لأنه لا تؤمن عودته 3. واختلف في الجذام والبرص إذا ذهب بعد ظهوره، فقال ابن القاسم: لا يرد، إلا أن يقول أهل المعرفة: لا تؤمن عودته 4. وقال ابن حبيب: يرد؛ لأنه لا يؤمن كالجنون 5.

فصل [فيمن أعتق أو أولد الأمة في السنة ثم ظهر جنون أو جذام أو برص]

اختلف إذا أعتق المشتري العبد، أو أَوْلَدَ الأمة في السنة، ثم ظهر بها جنون أو جذام أو برص، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء، وأرى أن ذلك رضًا بإسقاط العهدة 1. وقال -في كتاب ابن حبيب-: يرجع.
وقاله ابن كنانة وأصبغ 2. واختلف بعد القول: إن له القيام، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء.
ورأى أن ذلك رضًا من المشتري بإسقاط العهدة وقال في كتاب ابن حبيب: يرجع بالثمن كله.
-وقال مرة: يُرَدُّ العتقُ- 3. وقاله ابن كنانة في العتبية 4. وقال أصبغ: يرجع بقيمة العيب 5. وهو أحسن؛ لأن البائع غير مدلس، ولا يعد ذلك منه رضًا بإسقاط العهدة؛ لأنه لا يختلف أن المشتري غير ممنوع من الوطء والإيلاد والعتق لأجل عهدة السنة، ولو اشترى على أنه ممنوع من ذلك لكان بيعًا فاسدًا.
وقد يحمل القول في الرجوع بجميع الثمن، أن العبد بعد عهدة العيوب لا ثمن له.

جارٍ التحميل