فصل في مدة السفر الذي تقصر فيه الصلاة
واختلف في مدة السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، وفي الموضع الذي يبتدأ منه القصر إذا خرج، أو يبقى فيه على القصر إذا رجع، وفي المدة التي إذا أقامها بموضع ينقطع بها حكم السفر، وفيمن أخذ في السفر ثم رجع لحاجة أو لغي ها قبل مُضيِّ مدة تقصر فيها الصلاة - هل يبقى على حكم السفر؟
فأما مدة السفر فقال مالك مرة: يومان.
وقال: يوم وليلة.
وهو راجع إلى قوله: يومان؛ لأن السفر ليلًا ونهارًا أشد من 1 سفر نهارين بغير ليل.
ثم ترك ذلك، وقال: يقصر في ثمانية وأربعن ميلًا 2، وهو قول ابن عباس.
فإذا حمل قوله في اليومين للسفر بالإبل والتجارة وأصحاب الأحمال كان موافقًا للأول؛ لأن السفر المتوسط منهم في يومهم أربعة وعشرون ميلًا.
وقال في العتبية فيمن خرج إلى ضيعة على خمسة وأربعين ميلًا: يقصر 3 وقال في المبسوط: يقصر في أربعين ميلًا، وقال ابن القاسم في العتبية: إن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه 4.
وقال يحيى بن عمر 5: يعيد أبدًا.
وقال عبد الله بن عبد الحكم: يعيد في
الوقت، وإن قصر في دون ذلك أعاد وإن ذهب الوقت؛ لأنه غير مسافر؛ لأنه لم يختلف فيه 1. يريد: لم يختلف المذهب، وقد اختلف الناس فيه.
وثبت عن ابن عمر أنه كان يقصر في ثلاثين ميلًا.
وقال مالك في المبسوط في مسافر البحر: لا يقصر حتى ينوي اليوم التام؛ لأن الأميال والبُرُدَ لا تعرف في البحر.
وفي السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقَلَشَانة - أنه يتم.
قال: لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه، وإنما وجب عليه الفرض من قلشانة.
وعلى قوله لا يقصر من احتلم من الصبيان أو حاض من النساء إلا أن يكون الباقي من سفرهما ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن صلاة الصبي إن كان يصلي قبل ذلك تطوع، وفي المرأة تسافر وهي حائض ثم تطهر في بقية سفرها ولم يبق منه ما تقصر في مثله الصلاة - نظر.
ولو كان مجنونًا فأفاق لنظر الباقي من سفره هل يقصر في مثله أم لا؟ = "الرد على الشافعي" وكتاب "اختصار المستخرجة" المسمى بالمنتخبة، وكتاب الرؤية.
وكتاب "الوسوسة"، وكتاب "أحمية الحصون" وكتاب "فضل الوضوء والصلاة".
وكتاب النساء.
وكتاب الرد على الشكوكية.
وكتاب الرد على المرجئة.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 357، والديباج، لابن فرحون: 2/ 354، وطبقات الفقهاء للشيرازي، ص: 163، وعلماء إفريقية للخشني، ص: 184، وتاريخ ابن الفرضي: 2/ 181، وجذوة المقتبس، للحميدي، ص: 354، وبغية الملتمس، للضبي: 505، ومعالم الإيمان، للدباغ: 2/ 233، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 13/ 462.
فصل المراعى في السفر السير
والمراعى في السفر السير، ولا يضاف إليه الرجوع، فمن خرج لسفر أربعة وعشرين ميلًا ثم يعود من فوره - لم يقصر.
وقال مالك في الرجل يدور في القرى وليس بين منزله وبين أقصاها أربعة برد أنه لا يقصر 1. يريد: أنه لا يحسب من ذلك ما كان في معنى الرجوع.
وإن خرج يمينًا ثم أمامًا ثم شمالًا ثم يعطف راجعًا حتى يدخل البلد الذي خرج منه فإنه يحسب ما كان يمينًا وأمامًا وشمالًا ما لم يستدر فيصير وجهه -في تصرفه ذلك الذي كان يدور فيه- إلى البلد الذي خرج منه؛ لأنه كالراجع فلا يحتسب مع ما تقدم إذا كانت نيته الرجوع إلى البلد الذي خرج منه، إلا أن يكون فيما خرج به لبيعه، ويطوف به على تلك الأماكن مما يشك هل ينقضي بيعه فيه قبل أن يسير ما تقصر بمثله الصلاة، فإنه يتم؛ لأن الأصل الإتمام، فلا ينتقل إلى القصر بالشك في غاية سفره.
والشك على ثمانية أوجه:
أولها: أن يشك هل يسافر أم لا؟ كالذي يبرز للسفر، فإن أدركه صاحبه سافر، وإلا لم يسافر، أو يكون طريقه على صاحب له لا يسافر إلا بسفره.
والثاني: أن يكون عازمًا على السفر، ولا يدري متى يفصل من المكان الذي يبرز إليه 2.
والثالث: أن يكون الشك في مدة السفر، كالذي يخرج لطلب آبق أو ضالة لا يدري يقرب وجود ذلك أم لا، أو خرج يطوف القرى بما يبيعه، ولا يدري
يقرب البيع والرجوع أم لا.
والرابع: أن يصح سفره ويشك هل يرتفع حكم سفره؟ كالذي يتقدم له سفر يقصر فيه 1 ثم يقدم بلدًا لِبَيع ما معه ولا يدري أيقيم أربعة أيام أم لا؟
والخامس: أن يخرج عن بلده أميالًا ثم يذكر حاجة فيبعث 2 رسوله ليأتيه بها.
والسادس: أن يرجع بنفسه.
والسابع: أن يكون سفره في البحر فترده الريح.
والثامن: أن يرده الغاصب.
فإن برز ليدركه صاحبه وكان لا يسير إلا بسيره وهو على شك هل يدركه أم لا - أتم.
وإن كان على وعد وثقة من لحوقه قبل أربعة أيام - قصر، وإن كان على شك هل يلحقه قبل أربعة أيام أم لا - أتم.
وقال مالك في سماع أشهب في الذين يكترون من مصر إلى الحج، ويبرزون على بريد ويحبس الناس هناك اليوم واليومين، قال: أحب إلي أن يتموا؛ لأنهم لا يدرون متى يسار بهم 3. فهؤلاء عازمون على السفر، إلا أنهم لم يسيروا منه ما تقصر فيه الصلاة، وأمرهم في فصولهم بيد غيرهم، فكانوا على الأصل وهو الإتمام.
وإن خرج لطلب آبق أو ضالة فإنه يتم؛ لأنه لا يدري هل يقرب وجوده
أم لا، قال مالك: ولو سافر أيامًا فإنه يتم فإذا رجع قصر 1. واستحسن إذا سافر مدة تقصر في مثلها ثم أخذ في التمادي في الطلب - أن يقصر حينئذٍ، بخلاف من كانت نيته لسفر قريب ثم زاد عليه؛ لأن هذا كان شاكًّا في مبتدأ سفره فتبين بعد ذلك أنه بعيد، فيعمل في التمادي على ما تبيّن.
وإذا قدم من بلد بعيد وكان يقصر الصلاة ليبيع تجارة معه، وهو على شك في مدة إقامته في البلد الذي قدمه والتصرف فيما معه هل ذلك أربعة أيام أو أكثر أو أقل فإنه يتم؛ لأن غاية سفره قد بلغه وانقضى، والرجوع إحداث سفر ثان.
قال مالك في المبسوط: إلا أن تكون حاجتهم عند من يعلم أنه سيفرغ منها في يومين أو ثلاثة فليقصر، فإن شك أتم.
وفي كتاب محمد فيمن سافر فلما بلغ أقل من أربعة بردٍ وجّه رفيقًا كان معه إلى المنزل الذي خرج منه إلا أن هذا لا خروج له للوجه الذي أراد، حتى يرجع إليه رسوله، قال: لا يزال مقصرًا.
ورأى أنه لما 2 كان باقيًا بنفسه أنه على حكم السفر، وإن شك في مقامه إلى أن يعود رسوله هل يقيم أربعة أيام أم لا؟ واختلف إذا رجع بنفسه ففي كتاب محمد أنه في رجوعه على حكم السفر - يقصر حتى يدخل البلد، فإذا دخله وكان له بها أهل أتم، وإن لم يكن له بها أهل قصر.
وإن كان قبل سفره يتم بها فإنه لا يتم الآن؛ لأنه خرج رافضًا لذلك المقام لما لم تكن نيته الرجوع إليه 3. قال محمد: وقد اخْتَلَفَ في هذا الأصل قول مالك.
وقال ابن القاسم في المجموعة: يتم في رجوعه.
ورأى أن حكم السفر قد سقط لما أخذ في الرجوع فيتم في رجوعه، وفي البلد الذي يعود إليه إذا كان قبل خروجه يتم به.
واختلف فيمن خرج مسافرًا في البحر فسافر أيامًا ثم ردته الريح، قال مالك: يتم الصلاة 1. يريد: في رجوعه، وفي البلد الذي أقلع منه وإن لم يكن وطنه إذا كان يتم فيه؛ لأنه لم يصح رفضه.
وقال سحنون: يقصر إذا لم يكن له مسكنًا.
يريد: لما لم يكن رجوعه باختيار من نفسه فكان كالمكره على الرجوع.
والقول الأول أبين؛ لأنه في شك من أول سفره إذا كان سفره بالريح، فكان الحكم فيه بمنزلة ما تقدم ذكره 2 فيمن لا يسير إلا بسير صاحبه، ولو رده غاصب لكان على القصر في رجوعه وفي إقامته إلا أنه لا يقصر ثانية إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام 3.
وقال مالك فيمن دخل مكة فأقام بها بضع عشرة ليلة، ثم بدا له فخرج 4
إلى الجُحْفَة ليعتمر منها ثم يقيم بمكة اليوم واليومين ثم يخرج أنه يتم بمكة؛ لأنها كانت له وطنًا (1). وقال أيضا: يقصر بها (2). وهو أبين؛ لأنه قد سافر إلى مدة يقصر في مثلها الصلاة، فصار بذلك رافضًا للمقام الأول.
ولو خرج من مكة ليعتمر من التنعيم ثم يخرج من فوره لأتم في خروجه إلى العمرة وفي رجوعه وفي مكة إذا رجع؛ لأن هذه كانت نيته لما خرج: العودة إلى مكة؛ فلم يصح رفض مقامه الأول لما كان خروجه إلى الأميال اليسيرة، يفارق بذلك من كان خروجه على ألا يعود ثم حدثت نيته في العودة.
فصل في مبتدأ القصر
وأما مبتدأ القصر فقال مالك مرة: إذا برز عن بيوت القرية قصر، وإذا رجع قصر حتى يدخل البيوت أو قربها 3.
وقال أيضًا: إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال، وإذا رجع قصر إلى حد ذلك.
وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها عن يمين وشمال، وليس ذلك عليه في مزارعها.
وقال ابن حبيب: إذا جاوز البيوت وانقطع منها انقطاعًا بينًا قصر، كانت مما يجمع أهلها أو لا يجمع.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر في مسافر البحر: يقصر إذا توارى عن البيوت.
وقال أيضا: إذا خلفها.
وهو قول محمد.12
فصل في الإقامة التي ترفع حكم السفر
واختلف في الإقامة التي ترفع حكم السفر: فقال محمد: ذلك أن ينوي ما يقيم فيه عشرين صلاة.
وقال ابن القاسم في العتبية: أربعة أيام، ولا يحتسب باليوم الذي يدخل فيه 1. وهو أحسن؛ للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة فبات بذي طوى ثم دخل صبح رابعة من ذي الحجة، ثم خرج يوم التروية، وهو اليوم الثامن، بعد أن
صلى الصبح، ولم يزل يقصر حتى خرج 2. وذلك إحدى وعشرون صلاة سوى صلاته بذي طوى.
وقد تنازع الناس في هذه المسألة، فقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة.
وروي عن علي وابن عباس عشرة أيام 3. وقال الأوزاعي: اثنا عشر يومًا.
وروي عن عمر خمسة عشر يومًا.
واختلف عن ابن عمر فروي عنه أنه قال مثل ذلك، وروي عنه اثنا عشر يومًا مثل قول الأوزاعي.
واختلف فيه عن ابن عباس أيضًا، فقال في البخاري: "أقامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ نَقْصُرُ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا" 4.
وقال أنس: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتيْنِ رَكْعَتيْنِ حَتَّى رَجَعَ.
قِيلَ لَهُ: أَقَمتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا".
أخرجه البخاري.
واختلف إذا نوى الإقامة وهو في الصلاة بعد أن صلى منها ركعة، فقال مالك: يجعلها نافلة ثم يبتدئ صلاة مقيم 1.
وقال ابن القاسم في العتبية: وإن كان إمامًا قدم غيره، وخرج وابتدأ هو الصلاة معهم 2، وقال عيسى: يبتدئ هو وَهُم الصلاةَ.
وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا عقد 3 ركعة أضاف إليها أخرى وأجزأته عن صلاته فذًّا كان أو إمامًا، وإن لم يعقد 4 ركعة وكان فذًّا - أتم على إحرامه أربعًا، وإن كان إمامًا يستخلف.
يريد: ويتم على إحرامه أربعًا.
وأرى أن يتم ما هو عليه ركعتين وإن كان كما أحرم وتجزئه، وإنما يخاطب بالأربع في صلاة أخرى، وهو في هذه بمنزلة من دخل بالتيمم ثم طرأ عليه الماء.
واختلف في الناعس والغافل في أول ركعة، هل الإحرام ركن يبني عليه؟
وقال مالك فيمن أراد مكة من مصر يسير يومًا ويقيم يومًا: أنه يقصر في جميع سفره وإقامته حتى يأتي مكة 5. وكذلك الجواب إذا كان يسير يومًا ويقيم
يومين، أو يسير يومًا ويقيم ثلاثة - يقصر في سفره وإقامته.
وإن كان يقيم أربعة أيام - أتم في إقامته، ثم ينظر في سفره فيما بينه وبين ذلك، فإن كان فيه ما تقصر فيه الصلاة - يقصر.
واختلف إذا كان فيما بين ذلك ما لا تقصر فيه الصلاة هل يتم الصلاة؛ لأن أيام الإقامة فاصلة بين السفرين، أو يقصر؛ لما كانت نيته من الأول يسير جميع ذلك؟ والأول أقيس.
وقال مالك في المجموعة فيمن خرج إلى ضيعتين له بينه وبين الأولى ثلاثون ميلًا، وبين الأولى والثانية مثل ذلك، وينوي إقامة عشرة أيام لا يدري كم يقيم في كل ضيعة - إنه يقصر حتى يجمع على إقامة أربعة أيام في الأولى 1. فأمره بالقصر؛ لأن نيته سفرٌ جملته ستون ميلًا، وهو شاكّ في الفصل فيه، والشك لا يرفع حكم السفر.
وقال محمد بن مسلمة، فيمن قدم مكة ينوي المقام بها، وهو يريد الحج، وليس بينه وبين الخروج إلى منى إلا أقل من أربعة أيام: إنه يقصر حينئذ حتى يرجع إلى مكة بعد حجه؛ لأنه إنما قدم مجتازًا يريد المقام بعد الرجعة.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يتم الصلاة بمكة قبل الخروج.
والقول الأول أبين، ولا تضم إقامته الأولى إلى ما بعدها كما لا يضم السفر الأول إلى ما بعده إذا كان بينهما إقامة أربعة أيام.
وقول مالك في هذا موافق للقول في تلك المسألة في تلفيق السفرين.
وقال مالك في المجموعة في الرعاة يتبعون الكلأ بماشيتهم: يتمون 2.
وكذلك إذا خرج أهل الجيش بمحشرهم: يتمون الصلاة.
يريد: أهل الخيل يركبونها للرعي، والخيل المحشرة 1 يترك ركوبها وتخرج للرعي، فأمرهم بالإتمام؛ لأن الشأن في مثلهم أنهم يسيرون الأميال اليسيرة ثم ينزلون بالموضع يقيمون به الأيام ثم ينتقلون إلى غيره، فأما من كان يسير الأميال الكثيرة العشرين والثلاثين ثم ينزل فيقيم دون الأربع فهو يقصر في سيره وإقامته، وإن كان يقيم أربعة أيام فأكثر أتم في إقامته، ويختلف في قصره في سيره.
باب في انتقال نية المسافر
وقال مالك فيمن خرج مسافرًا فمر في طريقه على رجل فواعده أن يسافر معه وبينهما ما لا تقصر فيه الصلاة، فإن كان لا يسير إلا بسيره لم يقصر حتى يجاوز بيوت صاحبه، وإن كان عازمًا على السفر، وإن لم يسر من واعده - قصر إذا جاوز بيوت قريته.
وقال ابن القاسم فيمن تقدم قومًا للخروج إلى موضع تقصر فيه الصلاة، ينتظرهم في الطريق حتى يلحقونه: إنه إن كان عازمًا على السفر وإن لم يسر من ينتظره - قصر إذا جاوز بيوت قريته، وإن كان لا يبرح إلا بهم أتم حتى يلحقونه 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: فإن عزم بعد ذلك على السير وإن لم يلحقوه - قصر إذا بقي من سفره ما تقصر في مثله الصلاة، ومثله إذا كان طريقه على من واعده، وكان لا يسير إلا بسيره ثم عزم على السفر، وإن لم يسر صاحبه فإنه يقصر إذا بقي من سفره ما يقصر في مثله.
وإن خرج وهو عازم على السفر وكان يقصر، فلما صار ببعض الطريق عزم ألا يسير إلا بسيره - رجع إلى الإتمام إذا لم يكن بين الموضع الذي خرج منه وبين صاحبه ما يقصر فيه.
ومثله إذا خرج من بلد ومن نيته أن يمر ببلده ويدخل على أهله، ثم عزم على ألا يدخل، وإن كانت نيته ألا يدخل ثم عزم على أن يدخل إليهم - أتم إذا لم يكن بين الموضع الذي خرج منه وبين أهله
ما يقصر في مثله، وإن كانت نيته أن يدخل ثم رجع إلى ألا يدخل - قصر إذا كان الباقي من سفره ما يقصر فيه.
واختلف في صلاته في ذلك المنهل الذي نوى التمادي به، فقيل: يتم حتى يرتحل (1) منه؛ لأنه كان في حكم المقيم.
وقال ابن حبيب: يقصر؛ لأنه رفض الإقامة.
وليس هو عنده بمنزلة من نوى السفر من وطنه.
ويختلف على هذا لو قدم بلدًا لتجارة ومن نيته أن يقيم به أربعة أيام، فلما كان بعد يوم أو يومين عزم على السفر، فعلى قول ابن حبيب يقصر وإن لم يخرج؛ لأنه لم يكن وطنه.
وإن كانت نيته أن يخرج إليه أهله ثم يتمادى على سفره، فإن كان خروجهم إلى موضع لا يجب على من به أن يأتي الجمعة - بقي على القصر، ويختلف إذا كان على دون ذلك.
فصل ومن خرج لسفر ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي للغروب ثلاث ركعات صلاهما سفريتين
ومن خرج لسفر ولم يكن صلى الظهر ولا العصر وقد بقي لغروب الشمس مقدار ثلاث ركعات - صلاهما سفريتين، فإن بقي مقدار ركعة أو ركعتين صلى الظهر حضرية؛ لأنه سافر بعدما خرج وقتها، والعصر سفرية؛ لأنه خرج 2 في وقتها.
ويختلف هل يبتدئ بالظهر، وإن كان فيها قاضيًا؟ أو بالعصر؛ لأنه فيها مؤد؟ وإن قدم من سفره وقد بقي للغروب خمس ركعات صلاهما1
حضريتين، وإن كان مقدار ركعة إلى أربع صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، إلا أن ها هنا يبتدئ بالظهر؛ إذا بقي للغروب أربع ركعات، أو ثلاث؛ لأنه إذا بدأ بالظهر وهي ركعتان بقي وقت العصر ركعة أو ركعتان، فإن كان الذي بقي للغروب مقدار ركعة أو ركعتين جرت على القولين هل يبتدئ بالظهر أو بالعصر؟
واختلف إذا خرج لمقدار ركعتين وقد صلى العصر ونسي الظهر، هل يصلي الظهر سفرية أو حضرية؟ وأن يصليها حضرية أحسن، ولا مشاركة للظهر مع العصر حينئذ.
واختلف أيضًا في مشاركة العصر للظهر عند الزوال، فقيل: إذا زالت الشمس اختص ذلك الوقت بالظهر، فمن صلى العصر حينئذ قبل الظهر كان بمنزلة من صلى الظهر قبل الزوال: يعيد وإن ذهب الوقت، وقيل ذلك وقت مشترك لهما، والإعادة ما كان في الوقت.
والقول الأول أصوب؛ فالزوال يختص بالظهر أربع ركعات للمقيم، وركعتان للمسافر، وكذلك آخر النهار يختص بالعصر أربع ركعات للمقيم، وركعتان للمسافر؛ لأن الزوال وقتٌ للظهر بإجماع، وجاءت السنة بمشاركة العصر في السفر وما أشبه ذلك أن يصلي بعد الظهر، فاتبع ذلك على ما جاءت به السنة والآثار.
ولم يأت في حديث ولا غيره أن العصر صليت قبل الظهر، وكذلك عند الغروب جاءت السنة أن آخر الوقت للعصر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "...مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 1. وقاس العلماء مشاركة الظهر لها فيما قبل ذلك قياسًا على مشاركة العصر للظهر، ولم تأت سنة ولا إجماع بأن آخر
قبل ذلك قياسًا على مشاركة العصر للظهر، ولم تأت سنة ولا إجماع بأن آخر الوقت يكون وقتًا للظهر، فوجب أن يبقى للعصر خاصة.
وإن خرج مسافرٌ في آخر الليل ولم يكن صلى المغرب ولا العشاء، أو قدم من سفر في آخر الليل ولم يكن صلاهما - فإن المعتبر مقدار ركعة لطلوع الفجر لا غير ذلك، فإن بقي لمن خَرَجَ مقدار ركعة - صلى العشاء سفرية، وإن قدم لمقدار ركعة صلاها حضرية؛ لأن المغرب لا يتغير حكمها لمسافر ولا لمقيم، وإنما يفترق الجواب في العشاء ولها آخر الوقت، ويفترق الجواب أيضًا بماذا يبتدئ؟ فإن بقي مقدار ما يصلي أربع ركعات بدأ بالمغرب، وإن بقي مقدار ركعتين أو ثلاث - دخل الخلاف المتقدم (1)؛ لأنه إن بدأ بالمغرب صار قاضيًا للعشاء، ومذهب ابن وهب أنه يبتدئ بالتي حضر وقتها على القضاء.
وأرى أن يبتدئ بالمغرب إذا بقي مقدار ثلاث ركعات؛ لأنه إن بدأ بالعشاء بقي مقدار ركعة.
فصل من ذكر صلاة حضرية في سفر صلاها صلاة حضر
ومن ذكر صلاة حضر في سفر - صلاها صلاة حضر؛ لأنه العدد الذي عمرت به ذمته، فسفره لا يحط بعض ذلك عنه. وإن ذكر صلاة سفر في حضر صلاها ركعتين، فإن صلاها أربعًا أجزأته؛ لأنها صلاة منسية، فبالفراغ منها خرج الوقت؛ فلم تجب إعادة على القول أنها سنة، ولا على القول أن القصر فرض؛ للاختلاف في ذلك، والقول إنه مخير أَبينُ؛ لأن ذلك له جائز مع بقاء الوقت.1
= الموطأ: 1/ 6، في باب وقوت الصلاة، من كتاب وقوت الصلاة، برقم (5).
وقال مالك: صلاة الأسير في دار الحرب أربع، إلا أن يسافر به 1. وصلاة الجيش في أرض الحرب ركعتان.
وإن حاصروا حصنًا شهرين أو ثلاثة قصروا 2، وليس دار الحرب كغيرها.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان الجيش مثل الطوائف نزلوا بنية المحاصرة وهم الظاهرون ولا يخشون ممن يجليهم عن ذلك الموضع وهم يعلمون أن إقامتهم تطول- لأتموا.
باب في الصلاة في السفينة وهل يركب البحر إذا كان لا يأتي بالصلاة على شروطها؟
قال مالك: يكره ركوب البحر لما يدخل على الإنسان من نقص في صلاته وغير ذلك 1. قال الشيخ -رحمه الله-: ركوب البحر على ثلاثة أوجه:
- جائز: إذا كان يعلم أن من شأنه أنه يأتي بفرضه قائمًا، ولا يميد 2.
- ومكروه: إذا لم تتقدم له عادة بركوبه، ولا يعلم إذا ركبه هل يميد فيعطل صلاته، أم لا؟ ولا يقال: إنه ممنوع؛ لأن الغالب السلامة.
- وممنوع 3: إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر على أداء الصلاة، أو كان لا يقدر على الصلاة لكثرة الراكب، أو لا يقدر على السجود.
وقال مالك في سماع أشهب: إذا لم يقدر أحدهم أن يركع أو يسجد إلا على ظهر أخيه فلا يركبون لحج ولا لعمرة؛ أيركب حيث لا يصلي؟! ويل لمن ترك الصلاة 4.
ويكره أيضًا إذا كان لا يقدر على الصلاة إلا جالسًا.
وقال في المبسوط فيمن أراد ركوب البحر في وقت صلاة الظهر، فأراد أن يجمع الظهر والعصر قبل أن يركب قائمًا؛ لما يعلم من شدة البحر وأنه لا يصلي فيه قائمًا، قال: يجمعهما في البر قائمًا أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يصليهما في وقتهما قاعدًا 1.
وقال في العتبية: إذا لم يقدروا على القيام قعدوا، ولا بأس أن يؤمهم أحدهم 2.
ومحمل قوله في هذين السؤالين على ما يفعله من ركب أو عزم على ركوبه، ليس على ما يختاره له من الركوب أو الترك.
واستحب مالك لمن كان في السفينة وهو قادر على الخروج - أن يخرج فيصلي في البر 3. لأن صلاته في البر 4 أقرب للسكينة والوقار، وليعفر وجهه في التراب.
وقال مالك: إذا كانوا لا يقدرون على الصلاة جماعة تحت سقفها إلا أن يحنوا رؤوسهم - أنهم يصلون على ظهرها 5 أفذاذًا؛ لأن في ذلك نقص هيئة، فإن فعلوا ووفوا بالقيام - مضت صلاتهم، وعليهم أن يستقبلوا القبلة، فإن دارت السفينة داروا إلى القبلة 6. وهذا في الفرض.
واختلف في النفل،
فجعله في المدونة مثل ذلك، بخلاف الدابة 1، وقال في المختصر: لا يتنفل في السفينة إلا إلى القبلة 2، وأجاز ابن حبيب أن يتنفل على حاله.
والأول أحسن، ولا مشقة في ذلك بخلاف الدابة.
باب في ركعتي الفجر
الأصل فيهما حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" 1. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لهما أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا".
أخرجه مسلم 2.
واختلف هل هما سنة أو من الرغائب؟ فقال مالك: يستحب العمل بهما 3. وقال أصبغ: هما من الرغائب.
وقال أشهب: هما سنة وليستا كالوتر 4.
واختلف فيما يقرأ به فيهما؟ وهل القراءة سرًّا أو جهرًا؟ فقال مالك: الذي أفعل أنا في القراءة بأم القرآن وحدها 5. وقال في كتاب محمد: سرًّا.
لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إِنِّي لأَقُولُ: أَقَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ أَمْ لاَ؟ " 6.
وقال أيضًا في "مختصر ما ليس في المختصر": يقرأ فيهما بسورتين من قصار
المفصل.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (1).
وروي عن ابن عباس أنه قرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا...﴾ الآية [البقرة: 136]، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] (2). وفي هذا دليل على أنه كان في بعض الأوقات يجهر بالقراءة.
ولا وجه للقول أنه يسر فيهما؛ لأنهما من صلاة النهار؛ لأن بعدهما صلاة الصبح والقراءة فيها جهرًا.
فصل يؤتى بهما بعد الفجر
ويؤتى بهما بعد الفجر، ومن صلاهما قَبْلُ أعاد 3. ويستحب له أن يأتي بهما في بيته، وإن خرج إلى المسجد قبل أن يركعهما - ركعهما فيه.
واختلف هل يأتي بركعتين تحية المسجد قبلهما؟ وإذا أتى بعد أن ركعهما هل يركع تحية المسجد ثم يجلس؟ فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يركع للحديث: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكعْ..." 4. وقال في العتبية:12
كل ذلك قد رأيت من يفعله، وأما أنا فأحب إلي أن يقعد 1. وقال أيضًا مثل قوله الأول.
ويختلف على هذا إذا أتى المسجد ولم يركع، فعلى قوله الأول: هو بالخيار بين أن يبتدئ بتحية المسجد ثم بركعتي الفجر، أو بركعتي الفجر خاصة؛ لأن الابتداء بالفرض قبل الجلوس ينوب عن تحية المسجد، فكذلك ركعتا الفجر تنوب عن تحية المسجد.
وعلى القول الآخر يأتي بركعتي الفجر خاصة، وهذا راجع إلى الخلاف في النفل بعد طلوع الفجر، فعلى من أجاز ذلك - يركع تحية المسجد وركعتي الفجر، ويتنفل بعد ذلك ما أحب.
وقد قال مالك وأشهب: لا بأس أن يصلي بعد الفجر ست ركعات.
وقال في الذي يفوته حزبه من الليل: له أن يصليه بعد الفجر.
وأجاز التنفل حينئذ، وإنما يكره ذلك ابتداءً حمايةً؛ لئلا تُوقع الصبح في آخر وقتها، ويتهاون بقيام الليل فيأتي به بعد الفجر.
وأما من أتى المسجد ولم يأت الإمام، أو كان قد أتى وتأخر عن إقامة الصلاة: فلا بأس أن يتنفل الآخر ما شاء ما لم تقم الصلاة.
وقال مالك فيمن أتى المسجد ولم يركع ركعتي الفجر والناس في الصلاة، فإن لم يكن دخل المسجد ركعهما إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة، فإن خاف = أبواب المساجد في صحيحه، برقم (433)، ومسلم: 1/ 495، في باب استحباب تحية المسجد بركعتين، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (714)، ومالك في الموطأ: 1/ 162، في باب انتظار الصلاة والمشي إليها، من كتاب قصر الصلاة في السفر، برقم (386). وانظر: الاستذكار، لابن عبد البر: 2/ 305، 306
أو كان دخل المسجد - صلى مع الإمام وتركهما 1. وقال ابن الجلاب: يخرج من المسجد ويركعهما إذا كان الوقت واسعًا 2. وقول مالك أحسن لوجهين: أحدهما: أن في خروجه حينئذ أذى للإمام.
والآخر: أن صلاته للفرض جماعة تضاعف له على صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة - أولى من صلاته ركعتين نفلًا.
وركعتا الفجر عند مالك تفتقران إلى نية.
باب في الوتر وهل هو واجب؟ وما يقرأ فيه
الوتر سنة، واختلف في وجوبه، وعدده، وهل يفتقر إلى نية؟ وهل يختص بقراءة؟ وفي آخر وقته.
فقال سحنون: يجرح تاركه.
وقال أصبغ: يؤدب من تركه.
فجعلاه واجبًا.
وقال أبو جعفر الأبهري وأبو محمد عبد الوهاب: ليس بواجب 1. وهو أبين؛ للحديث "أن أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ...، فَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" 2. فيه دليل أن الوتر ليس بواجب من خمسة مواضع:
أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ" ولو كان واجبًا لقال: ست صلوات.
والثاني: قوله عند قول الأعرابي: هل علي غيرهن؟ قال: "لا".
والثالث: قوله: "إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ".
فجعل ما بعد الخمس تطوعًا، إن شاء فعل.
والرابع: قول الأعرابي: لا أزيد.
والخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" فسلم له قوله: "لا أزيد".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً
تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" 1. أي: توتر له تلك الصلاة التي هي مثنى مثنى، وصلاة الليل ليست بواجبة، فكذلك ما يوترها - وسئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الوتر: "أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ" 2. واختلف في عدده، فقال مالك: الوتر واحدة 3. وقال في كتاب الصيام: يوتر بثلاث 4. وهو خلاف قوله الأول.
وقال في المسافر: لا يوتر بواحدة 5. وروى عنه عليّ بن زياد أنه يوتر بواحدة.
وقال سحنون فيمن أوتر بواحدة: يشفعها بأخرى إن كان بالحضرة، وإن تباعد أجزأه.
وقال ابن المواز فيمن ذكر سجدة لا يدري من الشفع أو من الوتر: إنه يسجد سجدة ثم يعيد الشفع والوتر.
فجعل الوتر ثلاثًا، فإن أوتر بواحدة لم تجزئه؛ لأنه إن كانت السجدة من الوتر فقد أصلحه، وإن كانت من الشفع بطل، وسلم الوتر.
واختلف بعد القول إنه ثلاث، هل من شرطه أن يؤتى بهما معًا؟ فقال مالك في المجموعة فيمن تنفل بعد العشاء ثم انصرف: فلا ينبغي أن يوتر بواحدة ليس قبلها شيء 6. وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا بأس بذلك 7.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صلى مع الإمام أشفاعًا ثم انصرف ثم رجع فوجده في الوتر فدخل معه، قال: لا يعتد به، وأحب إلي أن يشفعها بركعة ثم يوتر.
قيل له: فإن فعل؟ قال: إن فعل فالوتر ليس بواحدة.
وفي رواية أخرى: فالوتر ليست بواجبة 1.
واختلف هل يفتقر إلى نية؟ فقال مالك في كتاب محمد فيمن أحرم بشفع ثم بدا له أن يجعله وترًا، أو أحرم لوتر ثم أراد أن يجعله شفعًا، قال: ليس ذلك له في الأمرين جميعًا.
وقال أصبغ: إن فعل أجزأه 2. وقال محمد: لا يجزئه إذا أحرم بشفع 3 ثم جعله وترًا، ولعله يجزئه إذا أحرم بوتر فشفعه.
فجعله شفعًا فجعله أصبغ جائزًا وإن لم ينوه في حال الإحرام.
وهذا ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "... إِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" 4. وظاهر هذا أنه إذا خشي الصبح وهو في الشفع انصرف من ركعة.
واختلف في إعادة الوتر إذا صلى بعده شفعًا، فقال مالك: لا يعيده.
وقال في المبسوط فيمن أوتر ثم ظن أنه لم يصل إلا ركعتين فأوتر بركعة ثم تذكر بعد أن فرغ أنه كان أوتر قال: يضيف إليها أخرى ثم يستأنف الوتر.
واختلف فيمن زاد في الوتر ركعة ساهيًا، فقال مالك: يجزئه ويسجد لسهوه 5.
وقال في المبسوط: يستأنف وتره.
وهذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاِتكُمْ بِالليلِ وِتْرًا" (1). فإن شفع وتره بركعة أو صلى بعده شفعًا - أعاده.
وأما القراءة فيه فقد اختلفت فيها الأحاديث، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وروي عنه: أنه كان يقرأ في الآخرة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين (2). وبهذا أخذ مالك في الآخرة.
وروي عنه في مختصر ما ليس في المختصر أنه كان يقرأ في الأولى والثانية بمثل ما جاء في الحديث الأول.
وقال في المجموعة: إن الناس ليلتزمون في الوتر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وما ذلك بلازم، وإني لأفعله، وأما الشفع فما عندي فيه شيء تستحب القراءة به فيه (3). وهو أبين؛ للحديث: ".. فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً.." (4) ففيه دليل أن الشفع لا يفتقر إلى نية ولا لقراءة.
فصل أول وقت الوتر بعد صلاة العشاء
أول وقت الوتر بعد صلاة العشاء، فمن قدمه على الصلاة لم يجزئه، وإن صلى بعد العشاء ثم تبين أن صلاة العشاء كانت على غير طهارة لم يجزئه.1234
واختلف في آخر وقته، فقال مالك: يصلى بعد الفجر ما لم يصلِّ الصبح 1.
وقال أبو مصعب: لا يقضي بعد الفجر.
وقال ابن الجهم 2: إنما قال مالك: يُصَلَّى بعد الفجر وإن كان من صلاة الليل، للاختلاف في الفجر، فقال قوم: هو من الليل.
وقال قوم: هو من النهار.
وقال قوم: حال بين حالين.
فلتأكيده أحب قضاءه في هذا الموضع، ولا أرى أن يُقْضَى بعد الفجر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ" أخرجه مسلم 3، وقوله: "...فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً..".
واختلف بعد القول إنه يصَلَّى بعد الفجر إذا ذكره بعد أن تلبس بصلاة الصبح، أو لم يتلبس بها وضاق الوقت فإن أوتر أدرك ركعة من الصبح، فقال مالك: إذا ذكر وهو في جماعة قطع؛ لأن الوتر سنة، فهو إن ترك فضل الجماعة
صلى صلاة هي سنة.
وقال أيضًا: لا يقطع 1.
وقال ابن وهب عنه: إن شك تمادى مع الإمام، ثم أوتر، ثم أعاد الصبح.
يريد: يتمادى بنية النفل.
وقال في المدونة في الفذ: يقطع 2. ففرق بينه وبين من كان في جماعة.
وقال في المبسوط: لا يقطع.
وقال في كتاب ابن حبيب في الإمام: يقطع.
وعلى القول الآخر لا يقطع.
ولا خلاف أنه إذا ذكر بعد الفراغ من الصبح أن صلاته ماضية ولا يوتر.
وإن استيقظ وقد بقي لطلوع الشمس قدر ركعتين صلى الصبح وترك الوتر 3.
وقال أصبغ: يصلي الوتر والصبح، وكذلك إذا بقي مقدار أربع ركعات.
فعلى قول ابن القاسم يوتر بواحدة ويصلي الصبح.
وقال أصبغ في كتاب محمد: يوتر بثلاث ويصلي الصبح.
والقول إنه لا يقطع 4 إذا تلبس بالصلاة، وألا يزاحم بالوتر الصبح - أحسن، وقد ذهب وقت الوتر بطلوع الفجر، فكيف بمن دخل في الصلاة أو ضاق عليه الوقت؟
باب في قضاء الصلاة بعد خروج وقتها
قضاء الصلاة ساقط عن الحائض والنفساء والمجنون والمغمى عليه، وواجب على الناسي والمتعمد والنائم.
واختلف فيمن يصح منه الأداء وغلب على الطهارة والتيمم، وقد تقدم ذلك، والقضاء على النائم والناسي على الفور، بخلاف قضاء الصوم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله -عز وجل- يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] " 1.
فتضمن هذا الحديث وجوب القضاء على الناسي والنائم وأنه على الفور؛ لقوله: "...إِذَا ذَكَرَهَا..." في أي وقت ذكر؛ من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس أو غروبها قضى فيه، وقياسًا على الحائض تطهر حينئذ فإنها تصليها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبْحِ..." الحديث 2، فكل واحد من هؤلاء له عذر في الصلاة حينئذ.
ثم لا يخلو الناسي من أربعة أحوال:
إما أن يذكر وهو في الصلاة، أو بعد الفراغ منها وقبل خروج وقتها، أو بعد أن خرج الوقت، أو قبل أن يتلبس بها.
فإن كان في صلاة كان فيها قولان: هل تفسد، أو يستحب له القطع في بعض الحالات؟ فقال مالك: إن كان مأمومًا مضى على صلاته، ولم يستحب له
القطع؛ لأنه في فضل الجماعة.
وإن كان في المغرب سلم من ثلاث ولم يضف إليها رابعة؛ لأنها فرضه، والإعادة استحسان.
وفي رواية أخرى أنه يضيف إليها رابعة.
وهذا مبني على القول إنها تفسد.
واختلف إذا كان إمامًا، فقيل: يقطع ويقطعون ولا يستخلف؛ لأن القطع استحسان.
ولو تمادى ولم يقطع لأجزأت، فكان في قطعه شبه من العمد، وفارق الحدث؛ لأن القطع هنالك مجمع عليه.
وقال ابن القاسم عند محمد: يستخلف، كالحدث لما لم يقطع عابثا.
وإن كان في آخر ركعة جاز أن يتم بهم.
وإن كان فذًّا وذكر بعد الإحرام وقبل الركوع قطع.
ولمالك في العتبية: إنه يتم ركعتين ثم يسلم، وإن كان قد ركع أضاف ثانية وسلم، فإن كان صلى ركعتين سلم، ولو كان صلى ثلاثا أضاف رابعة وكانت هي فرضه والإعادة استحسان.
وقال: يقطع بعد ثلاث، والقطع في جميع ما تقدم استحسان.
ولو ذكر عندما أحرم ثم أتم أجزأته صلاته؛ لأنه قال فيمن صلى صلوات وهو ذاكر لصلاة نسيها: إنها تجزئه ويعيد الآخرة في الوقت.
وقال ابن حبيب: تفسد عليه التي ذكر فيها، وتجب عليه الإعادة أبدًا.
وقال أشهب فيمن ذكر الصبح وهو في صلاة الجمعة وكان إن خرج أدرك الصبح وركعة من الجمعة قطع، وإن كان لا يدرك ركعة تمادى ثم يصلي الصبح ولا يعيد الجمعة، بمنزلة صلاة خرج وقتها.
وأرى فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة أن يتمادى في صلاته فذًّا كان أو إماما أو مأموما، وهو بمنزلة من طرأ عليه الماء وهو في الصلاة بالتيمم، ولا يتوجه الخطاب بالمنسية وهو متلبس بأخرى.
فصل من ذكر شيئًا بعد أن سلم من صلاته
وإن ذكر بعد أن سلم من صلاته صلى ما نسي، وأعاد التي سلم منها ما لم يخرج الوقت.
واختلف في الوقت الذي يعيد فيه، فقال مالك: يعيد الظهر والعصر ما لم تغرب الشمس 1، والمغرب والعشاء ما لم يطلع الفجر.
وقال في المبسوط: إذا ذكر الظهر بعد أن صلى العصر فإنه يصلي العصر ما لم تصفر الشمس.
قال: وكذلك المغرب والعشاء.
يريد: أنه يعيد العشاء ما لم يذهب نصف الليل، وهو الوقت المختار.
فعلى هذا إن ذكر الصبح بعد أن صلى الظهر والعصر ولم تصفر الشمس أعاد العصر وحدها، وإن صلى الظهر وحدها أعادها ما لم تدخل العصر.
وكذلك في صلاتي الليل تعاد الصلاة ما لم يخرج وقت الاجتهاد؛ لأنه إنما تعاد الصلاة ليؤتى بها على أفضل ما أتى بها قبل، وصلاتها في ذلك الوقت أفضل.
واختلف إذا ذكر الإمام صلاة نسيها في الوقت وأعادها، هل يعيد من ائتم به في تلك الصلاة؟ فقال ابن القاسم مرة: لا يعيد 2. وقال أيضا: هم بمنزلته، يجب عليهم ما يجب عليه 3.
وأن لا إعادة عليهم أحسن؛ لأن إعادته ليأتي بالترتيب، ليس لأنه بمنزلة من لم يصل، ولم يخلواهم بشيء من ذلك.
واختلف فيمن ذكر صلاة نسيها بعد أن صلى الجمعة، فقال مالك وابن
القاسم في كتاب محمد: يعيد الجمعة ظهرًا (1).
وقال الليث وأشهب: لا إعادة عليه، والفراغ من الجمعة بمنزلة خروج الوقت.
قال: وأما إذا نسيها حتى يدنو من الغروب فلا يعجبني أن يصلي الجمعة ولو كان عند آخر وقت الظهر أو بعده بقليل (2).
فصل من ذكر صلاة كبل أن يلتبس بالصلاة التي هو في وقتها
وإن ذكر صلاة 3 قبل أن يتلبس بالتي هو في وقتها بدأ بالتي نَسِيَ، إلا أن يكون في آخر وقت الأخْرَى، مثل أن يَذْكُرَ الصبحَ عند غروبِ الشمسِ ولم يصلِّ العصرَ أو العشاءَ عند طلوع الشمس ولم يُصلِّ الصبحَ، فإن بدأ بالتي نسي غربت الشمس أو طلعت - فقال مالك وابن القاسم: يبدأ بالتي نسي 4. وكذلك إذا نسي ثلاث صلوات 5 أو أربعًا، وإن نسي سِتًّا فأكثر - بدأ بالتي هو في وقتها، واختلف قولُهُ إذا كانت خمس صلوات: فقال: يبدأ بها وهي يسيرة 6. وقال: يبدأ بالتي هو في وقتها 7. وقال ابن وهب: يبدأ بالتي هو في وقتها وإن كانت المنسيةُ صلاةً واحدة.12
وقال أشهب في مدونته: يبدأ بأيّتهما أحب (1). قال: وذلك واسع لاختلاف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: يبدأ بالأولى، وهو قول مالك وابن شهاب، ومنهم من قال: يبدأ بالآخرة، وهو قول سعيد بن المسيب وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال محمد بن مسلمة: يبدأ بالمنسيات وإن كَثُرَتْ إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة.
قال: ولو أن رجلا صلى جُنبًا شَهْرينِ وَلَمْ يَعْلَمْ - فإنه يبتدئ بها قَبْلَ صلاةِ يومِهِ وإن خَرج وقتُها إذا كان لا يفرقها حتى يصلي جميعها.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كانت صلواتٌ كثيرةٌ، فإن صَلاها كلها فاته وقت التي حضر وقتها - فإنه يُصَلِّي بعض تلك الصلوات، فإذا خاف فواتَها صلاها ثم صلى بعدها ما بَقِيَ.
وقولُ ابنِ وهب أبين، وإنما يتوجه القضاءُ على الفور إذا لم يتعين ذلك الوقت للصلاة، وإن تعين لم تزل عن وقتها؛ فتكُونَان فائتتين جميعا.
فصل اختلف إذا ذكر صلاة وهو في أول وقت التي هو فيها
واخْتُلف إذا ذَكَرَ صلواتٍ كثيرة وهو في أول وقت التي هو فيها: في أول الظهر 2، أو في أول وقت العصر.
فقال ابن القاسم: إذا كان يقدر على أن يصلي 3. ما نَسِيَ والظهرَ والعصرَ قَبْلَ أن تغرب الشمس - بَدَأَ بما نَسِيَ، وإلا1
بدأ بالتي هو في وقتها (1).
واختُلف فيه عن مالك: فرُوِيَ عنه مثلُ ذلك: أن المُراعَى إلى غروب الشمس، ورُوِيَ عنه اصفرار الشمس (2).
وقال أشهب وابن حبيب: المُراعَى في ذلك الوقت المختار.
وقال ابن حبيب: إذا كان إن (3) أخر الظهر إلى وقت يجوز لغيره تأخيرُها- أَتَم ما ذَكَرَ، بدأ بها وإن كَثُرَتْ، وإن كان إن بدأ بها خَرَجَ الوقتُ- بدأ بالظهر، إلا أن تكون المنسيةُ خمسَ (4) صلوات فأقلّ (5).
وعلى قوله إذا ذَكَرَ في أولِ وقتِ العصرِ فإنه يقدم (6) ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ.
وعلى قول ابن مسلمة يبدأ بِهِن وإنْ كَثُرْنَ وغربتِ الشمسُ إذا كان لا يفرقها.
وعلى قول محمد بن عبد الحكم يبدأ بالمنسياتِ، فإذا خاف فواتَ وقت التي هو فيها صَلاها ثم صَلى ما بَقِيَ، والقول إنه يبتدئ بالمنسيات ما لم يخرج الوقت المختار- أحسن، ولا يخرجها إلى الوقت المذموم وهو قادر على الوقت المختار.
فصل القضاء في المنسيات على الفور
القضاء في المنسيات على الفَوْرِ، ولا يؤخرُها إذا كان قادرًا على الإتيان بجميعها من غير حَرَجٍ، فإن كثرت وكان لا يقدر على الإتيان بجميعها مرةً إلا123456
على مشقةٍ - أَتَى بما يقدر عليه من ذلك حتى يوفي 1 جميعَها، والترتيب في ذلك واجبٌ، يقضي الأُولَى فالأُولَى.
ويُختلف إذا أخّرَ الأُولَى، فعلى قول ابن القاسم في 2 المدونة: تجْزِئُهُ ولا يعيدُ 3 قِياسًا على قوله فيمن صَلى صلواتٍ وهو ذاكرٌ لصلاة، فإن فعل ذلك نَاسِيًا ذِكْرَ ظهرِ أمس، فلما صلاها ذَكَرَ صبحًا قَبْلَهَا- لم يُعِدِ الظهرَ؛ لأنه بالتسليم منها بمنزلةِ صلاةٍ خَرَجَ وقتُها، ويُختلف إذا ذَكَرَ وهو فيها، هل تفسد عليه.
باب في السهو في الصلاة
وقال مالك في إمامٍ 1 سَلمَ من ركعتين فَسبحوا به فلم يفقهْ، فقال له رجل ممن معه في الصلاة: لم تتم.
فالتفتَ إلى القومِ فقال: أحقٌ ما يقول هذا؟ قالوا: نعم.
قال: يُصلِّي بهم ما بَقِيَ من صلاتهم، ويصلي معه بقيةَ صلاتهم، الذين تَكَلموا والذين لم يتكلموا، ويفعلون في ذلك مثل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذي اليدين 2.
وقد اختُلِفَ في هذه المسألة في ثلاثةِ مواضعَ:
أحدها: هل تفسد صلاة من كَلم الإمامَ؟
والثاني: إذا كان الإمامُ على يقين أنه أَتَم، هل يرجع إلى قولهم أو ينصرف؟
والثالث: إذا شك، هل يجوز له أن يسألهم، أو يُتِمُّ ولا يسألهم؟
فقال مالك: تصح صلاة من كلم الإمام؛ للحديث، كان ذلك في الركعة الثانية أو غيرها 3.
وقيل: إن تكلم في الثانية صَحتْ، وإن كان ذلك في الأولى أو الثالثة لم تَصَح؛ لأن الحديثَ كان في اثنتين.
وقال ابن كنانة: تبطل صلاةُ من تَكَلمَ في أيِّ ركعة تَكَلمَ.
قال: وإنما كان ذلك لمن خَلْفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصةً؛ لأن الفرائضَ كانت تُنْسَخُ والوحيُ يَنْزِلُ.
وهذا يفسد من نفس الحديث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه لم يُنسخْ، لقوله: "مَا قَصُرَتْ" ثم سأل فقال: "أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا"؟ فقالوا: نعم.
ثُم أَتَم هو ومن مَعَهُ، فلم تبطل صلاتُه ولا صلاتُهم، ولا فرقَ بين الثانية وغيرها؛ لأن كل ذلك مما تدعو إليه الضرورةُ لإصْلاح الصلاةِ.
وفي كتاب مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - تَكَلمَ في الثالثة 1 وَأَتَم 2.
فالإمام بعد إخبارهم على ثلاثة أوجهٍ: إما أنْ يذكر أنّه لم يُتم، أو يبقَى على يقينِه، أو يَشُكَّ.
فإنْ تذكّر أنّه صلّى ركعتين أتمّ ولم يكلِّمهم.
واختُلِف إذا بقِي على يقينه: هل يتمّ بهِم أو ينصرف؟ فذكر ابنُ القصَّار عن مالك في ذلك قولين.
وقال محمد بن مسلمة: إن كثُر منْ خلْفهُ صدّقهُم وأتمّ بِهِم، وإن كان الاثنانِ والثلاثةُ لم يصدقهم وانْصرف وأتمُّوا هُم.
وهذا أحسنها؛ لأنّ الغالب في العدد الكثير أن السهو مع الإمام.
وأما إذا شك الإمامُ عند قولهم، فالمعروفُ من المذهب أنه يَبْنِي على ما تَيَقنَ، ولا يسألهم.
وقال أَصْبَغُ في كتاب ابن حبيب: يسألهم، وليس ذلك عنده بمنزلة من شَك قبل السلام.
وأجاز محمد بن عبد الحكم أنْ يسألَهم وإنْ لم يكنْ سَلم، ورأى أن ذلك كله لإصلاح الصلاةِ، وخارجٌ عن الكلامِ المَنْهِيِّ عنه، فلا فرقَ بين أن يكون
قبلَ السلام أوبَعْدَه، ولا تفسد عليه ولا على من كَلمَهُ.
وعكسه أَن يرى الإمامُ أنه في ركعتين ويقوم للإتْمَام، ويرى من خَلْفَهُ أنه أَتَم فَسَبحوا به وأشاروا إليه (1) فلم يفقَهْ، فإنّه يكلمه واحدٌ من الجماعة، فإنْ تذكرَ أو شَك رَجَعَ إليهم وسَلمَ.
وإن بَقِيَ على يقينِهِ وكان معه النفرُ اليسيرُ أَتَم صلاتَه ولم يَرْجِعْ إلى قولهِم.
ويُخْتَلَفُ إِذا كان معه العَدَدُ الكثيرُ، فَعَلَى قول محمد بن مسلمة يرجع إليهم؛ لأن الغالبَ أن الوَهْمَ مَعَهُ، وإذا كان له أن يتمادى لقلةِ من خَلْفَهُ فإنه يختلف فيمن خلفه: هل يسلمون الآن أو ينتظرونه حتى يتم ثم يُسَلِّمُ بِهِم ويسجد من خلفه سجود السهو؟ لأنهم على يقين أن الإمامَ قد سها فزاد الركعتين.
وعلى القول أن الصلاة تَبْطُلُ إذا زِيْدَ فيها مثلُ نصفِها- ينتظرونه مَا لَمْ يَدْخُلْ في السادسة؛ فيسلمون ولا ينتظرونه (2).
فصل إذا شك الإمام ومن خلفه فأخبرهم عدلان أنهم أتموا
وإذا شَك الإمامُ ومن خلفه فأخبرهم عَدْلان أنهم أَتَمُّوا رَجَعَ 3 إليهما وسَلمَ.
واختلف إذا أخبره عدلٌ واحدٌ فقال مالك مرةً: لا يَجتزئ بذلك.
ولم يرَ أن تبرأ ذمتُهُ بقول الواحدِ.
وقال في كتاب محمد: إذا أخبره واحدٌ أنه أتم طوافه - أَرْجُو أن يكون في ذلك بعض السعة.
وأراه من باب الإخبار لا من باب12
الشهادات.
وعلى هذا يَجتزئ بخبر (1) الواحدِ العدلِ في الصلاة إذا أخبره أنه أَتَم، والحر والعبد والمرأة في ذلك سواء.
وإن شك فأَخْبره واحدٌ أنه لم يتم- عَمِلَ على أنْ يأتي بما شك فيه؛ لأنه الحكم لو لم يخبره.
وقول المخبر: أَتْممْتَ.
بخلاف قوله: إنك في ركعتين.
وإن كان على يقين أنه أتَم، أو أنه في ركعتين- لم يَرْجِعْ لقول من ليس معه في صلاته، إلا أن يكونوا عددًا كثيرًا -عَلَى قول محمد بن مسلمة- فيَرجعُ إليهم إذا (2) قالوا: أَتْممْتَ.
أو: إنك في ركعتين.
فصل [في نسيان سجدة من الصلاة]
وإذا نَسِيَ سَجْدَةً من الرابعة سجدها وأعاد التشهدَ وسجد بعد السلام- وإن نَسِيَ سجدة من الثالثة بَطَلَتْ؛ لأن الرابعة حالتْ بينه و 3 بين إصلاحها وأتى بركعة وسجوده 4 بعد السلام.
وإن نَسِيَها من الأولى أو الثانية كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: يكون بانيًا فيقرأ في الركعة 5 التي يأتي بها بأمِّ القرآن وَحْدَها، وسجوده قبل السلام؛ لأنه زاد الركعة الملغاة 6، وعادت الثالثة ثانية؛ فنقص منها السورة التي مع أم12