واختلف في الإحرام قبل الميقات، فأجاز ذلك مالك مرة (1)، وحمل الحديث في الإحرام من الميقات أنه تخفيف، فمن فعل فقد زاد خيرًا.
وكره ذلك مرة، ورأى أن الميقات سُنَّة لا تقدم ولا تأخر عنه (2). وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (3). وقد أحرم ابن عمر - رضي الله عنه - من الشام (4)، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم.
ولا خلاف أنه إن فعل فأحرم قبل الميقات في أشهر الحج بالحج، أو أحرم في غير أشهر الحج بالعمرة أن إحرامه منعقد.
قال محمد: ومن أحرم بالحج أو العمرة؛ فلا يقيم بأرضه، إلا إقامة المسافر (5).
فصل [في أحوال الداخل إلى مكة]
دخول الرجل مكة على ثلاثة أوجه: حرام، وحلال، ومختلف فيه: هل يدخلها حلالًا، أم لا؟ فالأول: الدخول لحج أو عمرة، فهذا يأتي حرامًا من المواقيت التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.12345
والثاني: الدخول لقتال بوجه جائز، ذكره أبو الحسن ابن القصار، ودخول من يتكرر دخوله مثل الحطابين وأصحاب الفواكه وغيرهم ممن قرب من مكة، وكل هؤلاء يجوز أن يدخلوها حلالًا 1. والاستحباب: أن يأتي أول مرة محرمًا، فإذا تكرر منه بعد ذلك لم يكن علي شيءٌ.
والثالث: دخولها لتجارة أو لحاجة، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال ابن شهاب 2 وأبو مصعب: لا بأس أن يدخلها حلالًا 3. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن مالك أنه استحب أن يدخلها حرامًا، وإلى هذا يرجع قوله في المدونة؛ لأنه قال: إن فعل فلا هدي عليه 4.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عنه أنه قال: عليه الدم 5. وأرى أن الإحرام واجب عليه.
واحتج من أباح ذلك بدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح حلالًا.
واحتج من منع ذلك بأن مكة كانت ذلك اليوم حلالًا لما أُبيحَ فيها القتال، قال: وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أنها كانت ذلك اليوم حلالًا، ثم عادت حرمتها بعد ذلك.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - يتضمن جواز الدخول حلالًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المواقيت: "لمِنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ" 6 وعَلَّقَ الأمر بإرادة من أراد الدخول لحج أو لعمرة، ومن لم يرد ذلك فلا شيء عليه.
فصل [في ابتداء الحج ومنتهاه]
للحج وقتٌ يبتدئ فيه عَقدُه، ومنتهى ينحل منه فيه.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فأوله شوال، واختلف عن مالك في آخرها، فقال: عشر من ذي الحجة.
وقال: ذو الحجة كله 1.
وشوال وذو القعدة إلى الزوال من تسع ذي الحجة محل لعقد الإحرام والطواف والسعي لمن أتى من الحل، فإذا زالت الشمس كان وقتًا للوقوف إلى طلوع الفجر من العاشر، فإذا طلع الفجر كان وقتًا للوقوف بالمشعر الحرام ما لم تطلع الشمس.
ويستحب ألا يؤخر إلى بعد الإسفار، وذلك وقت للنحر والرمي والحلاق 2 لمن يعجل من ضعفة النساء والصبيان.
ثم ذلك وقت للرمي والنحر والحلاق والطواف ما لم تغرب الشمس، وهذا هو المستحب، فإن أخّر ذلك إلى آخر أيام النحر فعل وأجزأه، ولا دم عليه لما أخر من الحلاق والطواف؛ لأنه وقت.
واختلف في الدم عن تأخير الرمي في جمرة العقبة إذا رماها قبل أن تخرج أيام التشريق، فإن خرجت ولم يرم كان عليه الدم.
واختلف إذا أخر الحلاق والطواف بعد أن خرجت أيام التشريق 3، فقيل: عليه الدم.
وقيل: لا دم عليه؛ لأن الوقت باق حتى يخرج الشهر، فإن خرج الشهر كان عليه الدم قولًا واحدًا، وعليه أن يحلق ويطوف.
فصل [من أحرم قبل شوال]
واختلف إذا عقد الإحرام بالحج قبل حلول شوال، فقال مالك: ينعقد إحرامه، ويكون في حج 1، بمنزلة من عقد ذلك بعد دخوله 2. وقيل: لا ينعقد الإحرام؛ لأنه بمنزلة من قدم الظهر قبل الزوال، ويتحلل بعمرة؛ لأن شوالًا وما بعده إلى الزوال من يوم عرفة محل للإحرام والطواف والسعي، وليس للوقوف بعرفة.
ولو أحرم في شوال ثم قدم مراهقًا لم يعد إلى الإحرام خاصة.
فلو كان المحرم وما بعده من شهور السنة إلى شوال محلا للإحرام والطواف والسعي لم يكن للآية فائدة، ولا لاختصاص الذكر في الأشهر للإحرام والطواف والسعي فائدة، إذا كان غيره من الشهور في ذلك بمنزلتها.
وأما قوله: يتحلل بعمرة 3؛ فاستحسان.
وهو بمنزلة من دخل في صلاة، ثم ذكر أنه كان صلاها، فإنه كان يستحب له أن ينصرف على شفع.
قال ابن القاسم: فإن قطع فلا شيء عليه 4.
باب في حج العبد والمرأة والصبي والمجنون
تقدم القول في سقوط الحج عن العبد، فقال مالك فيمن أتى مكة ومعه عبد أو جارية: فله أن يدخلهما بغير إحرام، ويخرجهما إلى منى وعرفات غير محرمين.
قال: وقد يريد بيع الجارية 1. وقال في كتاب محمد: أما العبد الذي له الهيئة فأحب إليَّ أن يدخله محرمًا، وأما الصغير والعجمي والجارية يأتي بها للبيع فلا.
وإن ناشدته الله أن يتركها تحرم، فأستحب له أن يحرمها 2. واستحب أن يحرم العبد الذي له الهيئة؛ لأن مثله يرغب في ذلك.
ولا ضرر على السيد في ذلك؛ لأن ذلك لا يعطل عليه شيئًا من خدمته.
واختلف إذا أراد بيعه بعد أن أحرم، فأجاز ذلك في المدونة 3. وقال سحنون: لا يجوز بيعه.
وقال: متى يأخذه المشتري بعد الحج أو قبله؟ قال: ألا ترى أن 4 ابن القاسم يقول: إذا أجّر عبده شهرًا لم يجز بيعه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد يفرق بين السؤالين؛ لأن العبد المُحرِم منافعه لمشتريه، وفي الإجارة منافعه قد بيعت، فيحتسب من كان في الإحرام بهذا، فإن كان المشتري محرمًا كان ذلك أخف وإن كان الموضع بعيدًا؛ لأنه خارج معه، ومسافر به، وإن كان غير محرم فذلك فاسد، إلا أن يكون الموضع قريبًا، والأيام يسيرة.
وإذا أذن السيد لعبده في الإحرام فأحرم لم يكن له أن يحله.
وإن لم يحرم كان له عند مالك أن يمنعه الإحرام 1، وليس بالبين؛ لأن السيد قد أسقط حقه في ذلك، وهو بمنزلة ما لو قال: أنت حر اليوم من هذا العمل.
فإنه لا يستعمله فيه، وهو في الحج أبين؛ لما تعلق العبد في ذلك من طاعة الله تعالى وفكاك رقبته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ الَمْبرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ" 2 فدخل في عموم هذا الحر والعبد، والفرض والتطوع، وإن أحرم بغير إذنه كان له أن يحلّه.
ويستحب للسيد ألا يحله إذا كان السيد محرمًا، كما كان استحب له أن يأذن له في الأول قبل أن يحرم.
واختلف إذا أحله في وجوب القضاء إذا أذن له بعد ذلك في الحج، أو عتق العبد، فقال ابن القاسم: يقضي إذا أذن له.
وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه.
وهو أبين؛ لأن السيد قد رد إحرامه من أصله بحق تقدم العقد، وليس بمنزلة الفوات؛ لأن الفوت أمر طرأ على العقد بعد صحته، ثم لا يخلو العبد في الإحرام الذي أحله منه السيد من أربعة أوجه: إما أن يكون تطوعًا، أو منذورًا في حج لعام بعينه، أو منذورًا مضمونًا، أو نوى حجة الإسلام، وهو يظن أن ذلك عليه.
فإن كان تطوعًا بغير نذر، أو نذر حج ذلك العام لم يلزمه القضاء إن أذن له السيد، أو أعتق في عام آخر.
وإن أذن له، أو أعتق في ذلك المقام الذي أحله منه، وهو يدرك الحج ندب إلى الوفاء به، وليس بواجب.
وإن كان منذورًا أو مضمونًا فأحرم ينوي قضاء ذلك النذر ثم رد السيد إحرامه- كان عليه القضاء متى أعتق؛ لأن السيد إنما رد ذلك الإحرام، ولم يرد النذر ولا العقد المتقدم قبل الإحرام.
واختلف هل للسيد أن يرد عقده للنذر، فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب.
وهو أحسن؛ لأن ذلك العقد لا يضر السيد مادام العبد في ملكه، ولا يحط من الثمن إن باعه.
وإن أحرم ينوي حجة الإسلام، وظن أن ذلك عليه لم يكن عليه شيء مادام في الرق، وإن أذن له السيد.
فإن أعتق أتى بحجة الإسلام فقط.
وإذا أحرم العبد فأذن سيده، ثم فاته الحج لمرض أو لخطأ العدد كان عليه القضاء، وليس للسيد أن يمنعه من ذلك، على القول أن القضاء على الفور.
وعلى القول أن له التراخي يستحب ألا يخالف السيد إذا منعه السنة والسنتين.
واختلف إذا تعمد الفوات والفساد، فقال أشهب في كتاب محمد: ليس على السيد أن يأذن له، وذلك عليه إذا أعتق.
وهو أصل مالك وابن القاسم.
وقال أصبغ: عليه أن يأذن له.
وقال ابن حبيب: إن لزمه صوم- لم يمنعه السيد وإن أضرّ به.
وكذلك إذا نكح بإذنه، وظاهر 1 - لم يمنعه من الصوم، وإن أضرّ به.
وهو قول ابن وهب وابن الماجشون وابن شهاب ويحيى بن سعيد، ورأوا أن القضاء على الفور 2.
فصل إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعًا كان له أن يحلها
وإذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعًا كان له أن يحلها، وإن أحرمت بحجة الإسلام من الميقات أو قبله بالمشي القريب وقد قرب الحج- لم يكن له أن يحلّها.
وإن كان إحرامها بعيدًا من الميقات أو من الميقات، وعلى بُعدٍ من وقت الحج- كان له أن يحلّها إذا كانت له إليها حاجة؛ لأنه خرج معها، وهو مُحِلٌّ لم يحرم بعد.
وكذلك إذا كان موضعها قريبًا من مكة، ولم ترد إلا الحج وأحب أن ينتفع بها حتى يقرب الحج.
ولو كان قد أحرم لم يحلها، [وإن كان بعيدًا.
وكذلك إذا خرجت دونه لم يكن له أن يجعل من يحلها].
وإذا أحرمت بوجه جائز ثم تعدى فأصابها بغير رضاها كان عليه أن يُحِجَّهَا، وينفق عليها وإن كانت نفقة عام القضاء أكثر من الأول؛ لأنه السبب في تكلفها النفقة الثانية.
وإن مات أخذت ذلك من ماله، وإن ماتت هي قال في كتاب محمد: يهدي عنها 1.
ولم يجعل عليه شيئًا من نفقة العام الذي أفسد.
ولو قيل: إن ذلك عليه لكان له وجه؛ لأنه بوطئه كالمتلف لتلك النفقة لما كانت لا تحتسب بها.
ولا يخلو إحلال الزوج زوجته من أربعة أوجه: إما أن يحلها من حجة الإسلام، أو من تطوع، أو نذر معين، أو نذر مضمون:
- فإن أحلها من حجة الإسلام لم يكن عليها أن تقضي غيرها.
- وإن أحلها من تطوع أو نذر معين كان عليها القضاء عند ابن القاسم،
ولا شيء عليها عند أشهب وسحنون.
- وإن كان نذرًا مضمونًا كان عليها القضاء قولًا واحدًا.
وإن أحرمت تنوي قضاء المضمون وحجة الإسلام والتطوع على قول ابن القاسم- أجزأت عن حجة الإسلام، وأتت بعد ذلك بالحجة الأخرى (1). وكذلك العبد يعتق وكان السيد أحله من حجة التطوع، أو منذور مضمونًا، أو أحرم ينوي حجة الإسلام، ولو أحله منها السيد أجزأت عند ابن القاسم عن حجة الإسلام، وأتى بعد ذلك بالتي كان حل منها.
وقد كان تقدم ذكر الخلاف في ذلك في كتاب النذور (2).
فصل [إذا حج بابنه الصغير وهو لا يتكلم]
وقال مالك: إذا حج الأب بابنه الصغير وهو لا يتكلم- لا يجرده حتى يدنو من الحرم، فإذا جرده يريد الإحرام فهو محرم، ويجنبه ما يُجنَّبُ الكبير، ولا يطوف به أحد لم يطف، ولا يدخل طوافين في طواف، ولا بأس أن يسعى به بين الصفا والمروة من لم يسع، وهو أخف، ولا يجمع بين الرمي عن نفسه وعن الصغير 3. واختلف إذا طاف عن نفسه وطاف بالصبي معه محمولًا، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجزئ عن الصبي وحده، ولا يجزئ عن الرجل 4.12
وقال عبد الملك: يجزئ عن الرجل، ولا يجزئ عن الصبي.
وقال أصبغ: لا يجزئ عن الرجل -مثل قول ابن القاسم- (1)، وإن أعاد عن الصبي فهو أحب إليَّ (2) وقال ابن القاسم أيضًا: يجزئ عن الصبي، وأحب إليَّ أن يعيد عن نفسه.
1 ولمالك عند ابن شعبان: لا يجزئ عن واحد منهما؛ في الطواف عن الصبي وعن نفسه 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن يجزئ عن الصبي، ولا فرق بين أن يطوف به محمولًا على دابة، أو على رجل، وإنما المقال في الرجل إذا أشرك في عمله، وقصد الطواف عن نفسه وعن الصبي.
وقال محمد في رجل حمل رجلًا فطاف به طوافًا واحدًا: لم يجز عن واحد منهما 3.
وقول ابن القاسم: يجزئ عنهما ويعيد عن نفسه على وجه الاستحسان، وهو في هذا بخلاف من أتى بحجة عن نذره وعن حجة الإسلام؛ لأن تلك حجة واحدة، وهذان شخصان طائفان بأنفسهما جميعًا، فوجب أن يجزئ عنهما، والاستحباب أن يعيد عن نفسه.
ولو طاف به ماشيًا لأجزأ عنهما.
ولا خلاف فيمن طاف لنفسه وبرجل معه ليعلمه الطواف جاز عنهما جميعًا.
وكذلك أرى إذا طاف به محمولًا أن يجزئ عنهما، فيجزئ عن المحمول بمنزلة لو كان على دابة إذا طيف به على ذلك لعذر لمرض أو غيره، ويجزئ الآخر أيضًا؛ لأنه طائف بنفسه، وقياسًا على السعي بين الصفا والمروة.
(1، 2) انظر: النوادر والزيادات: 2/ 359.
وأما الرمي فهو على وجهين: فإن رمى سبعة عن نفسه وعن الصبي لم يجزئ عنهما بلا خلاف.
ويختلف: هل يحتسب بها عن نفسه أو عن الصبي؟ ولا يجزئ عن واحد منهما.
وإن رمى سبعة عن نفسه، ثم سبعة عن الصبيّ، ثم تقدم إلى الجمرة الأولى ففعل مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك أجزأ عنهما قولًا واحدًا.
وإن رمى الأولى بأربع عشرة حصاة، واحدة عن نفسه، وأخرى عن الصبي حتى أتم أجزأ عنهما جميعًا 1؛ لأن ذلك تخلل لا يمنع الإجزاء.
وقد قال فيمن نسي حصاة فذكر من الغد: أنه يرميها، ويبني على ما تقدم 2.
وإذا طاف به غير محمول رمل الأشواط الثلاثة وفي بطن المسيل.
واختلف إذا كان محمولًا، فقال ابن القاسم: لا يرمل به.
وقال أصبغ: يرمل به 3.
والأول أحسن؛ لأن سبب ذلك في الطواف أن يري المشركين النبي - صلى الله عليه وسلم - قوة أصحابه، وكان المشركون قد قالوا: قد أوهنتهم حمى يثرب 4. ومن طيف به محمولًا لِصغرٍ أو مرضٍ خارج عن ذلك.
فصل [في حج وصي اليتيم]
وقال ابن القاسم في وصي اليتيم يخرج إلى الحج: فلا يخرج يتيمه إلا أن يخشى عليه الضيعة، ولا يجد من يكفله فيجوز له ذلك.
قال: وإذا جاز له أن يخرجه جاز له أن يحجه.
قال: وكذلك الأب في ولده لا يخرجه وينفق عليه من مال الصبي، إلا أن لا يجد من يكفله، ويخاف عليه الضيعة.
فإن أخرجه اختيارًا كان ضامنًا لما أكرى عليه، ولما زادت نفقته لو لم يشخص به 1.
قال محمد: وإذا خرج الصبي بوجه جائز أنفق عليه نفقة الحج كلها من مال الصبي، كان أبًا أو وصيًا أو أمًا.
قال: وقيل: بل ما أصاب الصبي من صيد فذلك في مال الصبي 2. فأجيز أن يحرم به إذا خرج به؛ لما يرجى له من الأجر في ذلك، ولأن الغالب السلامة مما يوجب عليه دمًا.
3
وإن كان يحتاج إلى الفدية لم يمنع من ذلك أن يحرم به؛ لأن خطب الفدية يسير، وقد أبيح للوصي أن يتصدق من ماله بالشيء اليسير، فهو في هذا الموضع أخف.
وأما الصيد فليس هو الغالب.
وأرى 4 لو خرج به تعديًا؛ لأنه لا يخشى عليه لو خلفه أن يجوز له أن يحرمه؛ لأن التعدي إنما كان قبل، فإذا وصل إلى الميقات كان إحرامه أولى وأفضل.
ويكون على الصبي من النفقة القدر الذي كان ينفقه لو لم يخرج به والزائد من مال
الوصي، إلا أن يكون السعر في الطريق أو البلد الذي يوصل إليه أرخص.
وإن أصاب صيدًا في الطريق (1) قبل الإحرام أو (2) في الحرم كان في مال الوصي إذا أخرجه تعديًا.
وإن أخرجه بوجه جائز كان ما أصاب في مال الصبي؛ لأنه لو لم يحرم به لكان ذلك في ماله، فلم يؤثر الإحرام في ذلك شيئًا.
فصل [في حج من طرأ تكليفه عشية عرفة]
وإذا أسلم النصراني أو أعتق العبد أو احتلم الصبي أو حاضت الجارية بعرفة عشية عرفة، أو قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة- أحرم حينئذ ولبى ووقف، وأجزأه عن حجة الإسلام.
وإن كان العبد أو الصبي أو الجارية في إحرام مضوا على إحرامهم ذلك، ولم يكن لهم أن يحلوه، ولم يجزئه عن حجة الإسلام 3.12
باب فيمن جاء مكة ليلًا أو بعد العصر أو في الصبح وفي استلام الركن
وقال مالك فيمن جاء مكة ليلًا: لا بأس أن يدخل حينئذ، ويستحب أن يدخل نهارًا 1. وقد كان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يدخل مكة لطواف العمرة ليلًا وقال محمد: إن جاء بعد العصر أحب له أن يقيم بذي طوى حتى يمسي؛ ليصل بين طوافه وركوعه وسعيه 2. فإذا دخل فلا بأس أن يؤخر الطواف حتى تغرب الشمس.
فإن طاف فيركع ويسعى إن كان بطهر واحد.
فإن انتقض وضوؤه توضأ، وأعاد الطواف والسعي إن كان بمكة.
وإن خرج وتباعد بعث بهدي 3. قال محمد: ويقدم المغرب على ركعتي الطواف 4 وقال أبو مصعب: ذلك واسع.
ويختلف إذا أتى بعد أن صلى الصبح، فعلى قول مالك: يؤخر الدخول حتى تطلع الشمس، فإن دخل أمسك عن الطواف 5، وعلى قول مطرف يدخل حينئذ ويطوف ويركع؛ لأنه أجاز الركوع للطواف بعد الصبح ما لم يسفر.
فصل [فيما يفعله من دخل المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -]
ويبتدئ من دخل المسجد الحرام باستلام الركن، ثم الطواف 1. وذلك تحية ذلك المسجد، ولا يبتدئ بالركوع.
ويبتدئ في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بركعتين تحية المسجد قبل أن يأتي القبر ويسلم، وهذا قول مالك 2 وقال ابن حبيب: يقول إذا دخل: بسم الله، والسلام على رسول الله 3. يريد: أن يبتدئ بالسلام من موضعه، ثم يركع.
ولو كان دخوله من الباب الذي بناحية القبر 4، ومروره عليه فوقف فسلم، ثم تمادى إلى موضع قريب 5 فصلى فيه- لم يكن ضيقًا.
ويستلم من الأركان الأسود واليماني، ولا يستلم اللذين يليان الحجر؛ لأن البيت لم يتم من هناك على قواعد إبراهيم عليه السلام.
وقد كان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - أعاد ذلك الموضع على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، واستلمهما، ثم أزال ذلك الحَجَّاجُ، وأعاده على ما كان عليه قبل، فلم يُستلَما 6.
ويستلم الحجر الأسود بالفم، فإن لم يستطع لزحام أو غيره فباليد.
واختلف في تقبيل اليد، فقال مالك 7 في المدونة: لا يُقَبّل 8. وقال في
مختصر ما ليس في المختصر: يقبل.
وقال أشهب: إن قبل يده فحسن.
ويستلم اليماني باليد لا بالفم (1). واختلف في تقبيل اليد، فقال في المدونة: لا يُقبّلها (2). وقال في كتاب محمد: يُقبّل.
وهو أحسن في الموضعين جميعًا، لحديث أبي الطفيل - رضي الله عنه -، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَطُوفُ بِالبَيْتِ رَاكِبًا وَيسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ".
أخرجه مسلم 1.
وإذا جاز أن يقبل المحجن عند الحاجة لليد جاز أن يقبل اليد التي يجتمع بها.
وقال مالك في المجموعة: إذا استقبل الركن حمد الله وكبّر.
وقال ابن حبيب يقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا لما جاء به محمد نبيك 2.
وأنكر ذلك مالك في المدونة، وقال: يكبر ويمضي 3. ومن لم يقدر على الاستلام فإنه لا يدع التكبير، ويستلم في أول شوط، وليس عليه بعد ذلك في بقية الأشواط شيء، إلا أن يشاء.
وكذلك إذا فرغ من الطواف وأراد الركوع فليس عليه أن يعود إلى الاستلام، فإن ركع ثم أراد الخروج إلى السعي عاد فاستلم.
وإن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام، ولا بأس أن يستلم من ليس في طواف.
وكره مالك أن يضع الخدين على الحجر 4. (1، 2) انظر: المدونة: 1/ 395.
باب في أعداد الطواف والرمل (1) فيه والقراءة والكلام وإنشاد الشعر وهل يشرب حينئذ
والطواف سبع: مفروضة، ومسنونة، ومتطوعة، لا يقتصر على دون سبعة، ولا يزاد عليها.
ويبتدئ الطائف من الركن الأسود، ثم يجعل البيت عن يساره، فإن ابتدأ من اليماني تمادى في السابع إلى الأسود وأجزأ 2، ويكون قد ألغى ما بين اليماني إلى الأسود.
وإن ابتدأ من الحجر ألغى ذلك الشوط، واحتسب من بعده بسبع.
وإن طاف منكوسًا، فجعل البيت عن يمينه لم يجزئه 3، وأعاد، وإن كان قد رجع إلى بلده.
والطواف ماشيًا، ولا يطوف راكبًا إلا لعذر مرض أو غيره، وليس عليه أن يؤخر ذلك ليصح.
وقالت أم سلمة - رضي الله عنه -: "شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَشْتَكِى.
فقال: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكبَةٌ" 4، وفي البخاري ومسلم أن1
النبي - صلى الله عليه وسلم -طاف راكبًا 1، قال ابن عباس- رضي الله عنه -: "لأنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشّوه".
قال أيضًا: "كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ النَّاسُ عَنْهُ" أخرجه مسلم 2. وقال ابن القاسم فيمن طاف راكبًا من غير عذر: يعيد ما لم يقف.
فإن رجع إلى بلده أو بَعُدَ أو تطاول أجزأه، وأهدى، ولا يطاف في الحجر ولا من وراء زمزم، ولا في سقائف المسجد 3، وإن طاف في الحجر لم يجزئه؛ لأن الموضع الذي ينصرف منه الناس يلي البيت، وهو من البيت، فإنما طاف ببعض البيت.
ولو تسور من الطرف 4 لأجزأه؛ لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك.
وإن طاف في سقائف المسجد من زحام الناس أجزأه.
وإن فعل ذلك اختيارًا أو فرارًا من الشمس أعاد 5. قال ابن القاسم في المجموعة: لا يجزئه، وإن كان فرارًا من الشمس.
قال أشهب: وهو كالطائف من خارج المسجد 6.
وعلى قولهما: لا يجزئ الطائف من وراء زمزم؛ لأنه يحول بينك وبين البيت، كما حالت اسطوانات السقائف بينه وبين البيت.
فصل لا يطوف جنبًا ولا بغير وضوء
ولا يطوف جُنُبًا، ولا بغير وضوء.
واختلف إذا فعل، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئه، وهو بمنزلة من لم يطف، يرجع وإن بلغ بلاده 1. وإن أصاب النساء في عمرة أفسدها، فيطوف 2 ويسعى ويحل، ويلبي بعمرة أخرى.
وكذلك إذا كان في حج وطاف طواف الإفاضة بغير وضوء- توضأ، ثم يأتي بعمرة أخرى.
وإن كان ذلك في طواف القدوم، ثم لم يذكر حتى أصاب النساء- كان بمنزلة من لم يطف للإفاضة؛ لأن السعي 3 الذي كان حين قدم بطل ببطلان الطواف الذي قبله.
وقد كان عليه أن يأتي بالسعي إذا طاف طواف الإفاضة، فإذا لم يفعل توضأ وطاف وسعى، ثم يحل، ثم يأتي بعمرة 4.
وقال المغيرة فيمن طاف بغير وضوء: يعيد ما كان بمكة، فإذا أصاب النساء وخرج إلى بلده أجزأه، ولا شيء عليه.
وأما السعي بين الصفا والمروة فلم يختلف المذهب أنه يصح، وإن كان جنبًا، أو على غير وضوء 5. وقد قيل: الأصل في وجوب الطهارة للطواف حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أَوَّل مَا بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ
تَوَضَّأَ ثُمَّ طافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة" 1. وقالت: "قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا أَحِيضُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ..." الحديث 2.
وكلا الحديثين محتمل، ويحتمل أن يكون وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - للطواف، والصلاة، ويحتمل أن يكون للصلاة؛ لأن عقب الطواف صلاة، ومحتمل أن يكون ذلك للطواف على وجه الاستحسان؛ لأنه تيمم لرد السلام.
ويحتمل حديث عائشة -رضي الله عنها- في امتناعها من الطواف أن يكون ذلك للطواف، أو لأجل الصلاة التي بعقب الطواف أو لحرمة المسجد؛ لأن الحائض لا تدخله.
واختلف فيمن طاف بثوب نجس، فقال ابن القاسم: لا إعادة عليه، وهو بمنزلة من صلى، ثم ذكر بعد خروج الوقت.
وقال أشهب: يعيد 3.
وإن صلى الركعتين بثوب نجس لم يُعِد على أصل ابن القاسم أنه بالفراغ
بمنزلة ما خرج وقته.
وفي كتاب محمد: يعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده أجزأه ولم يعدهما، وبعث بهدي.
وليس هذا بالبيّن.
وأرى أن يعيد إذا كان بمكة ما لم تخرج أيام الرمي؛ لأنه في ذلك مؤد غير قاض (1).
ويختلف إذا خرجت أيام الرمي، ولم يخرج شهر ذي الحجة هل يعيد، أم لا؟ فإن خرج شهر ذي الحجة لم يعد؛ لأن الركعتين تابعتان للطواف، فلا شيء عليه في الموضع الذي يكون فيه مؤديًا لا قاضيًا.
فإذا أخّر الطواف حتى يصير قاضيًا، وعليه الدم، كان قضاء الركعتين على مثل ذلك.
فصل [في الرمل في الحج]
الرَّمَل 2 في الحج في الطواف الأول، وهو طواف القدوم.
ولا يرمل في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، ولا في طواف التطوع.
واختلف هل يرمل في طواف الإفاضة إذا قدم مراهقًا 3 ولم يطف للقدوم، وهل يرمل في طواف القدوم إذا أحرم بالحج من التنعيم؟ فقال محمد: كان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا أهَلَّ من مكة يرمل في الطواف 4 يريد: إذا رجع من1
عرفة؛ لأن من أحرم من مكة لا يطوف حتى يرجع.
وقال مالك: أحب إليّ أن يرمل.
وقال فيمن أحرم من التنعيم: أحب إليّ أن يرمل، وليس ذلك في الواجب كالذي يحرم من الميقات 1. وقال أيضًا: ذلك سواء، أحرم من الميقات أو بغيره.
وأما العمرة؛ فيرمل في الطواف لها إذا أحرم من الميقات.
ويختلف إذا أحرم من التنعيم أو غيره من المواضع القريبة.
والأصل في الرمل حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ يُرِيدُ عُمْرَةَ القَضَاءِ، قَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ مِنَ الهُزَالِ، وَقَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، قَالَ: وَلَم يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ".
أخرجه البخاري ومسلم 2.
ثم أثبته 3 - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع في طواف القدوم دون طواف الإفاضة، وإذا كان ذلك سببه، وأثبت فيمن قدم من غير مكة، وأسقط من طواف الإفاضة ومن طواف التطوع- سقط عمن دخل من التنعيم لحج أو لعمرة؛ لأنه في معنى المقيم.
والرمل على الرجال، ولا رمل على النساء.
واختلف في المريض يطاف به محمولًا، فقال محمد: يرمل به.
وقال ابن القاسم: لا يرمل بالصبي إذا طيف به محمولًا.
وقال أصبغ: يرمل به 4. وعلى قول ابن القاسم
هذا لا يرمل بالمريض، وهو أحسن فيه وفي الصبي؛ لأن السنة وردت في ذلك فيمن كان صحيحًا؛ ليرى قوته.
والمريض وإن طيف به محمولًا خارج عن ذلك ومن تركه فقيل: يعيد الطواف إن كان قريبًا.
وقيل: لا إعادة عليه.
واختلف بعد القول ألا إعادة عليه: هل عليه الدم، أم لا؟ ولا أرى في مثل ذلك إعادة ولا دمًا؛ لأنه ليس بمؤكد، وقد كان فيه السبب ما تقدم ذكره.
فصل [في آداب الطواف]
ويلتزم في الطواف السكينة والوقار والإخبات لله تعالى.
ويُقْبِلُ على التكبير، والتهليل والحمد لله والثناء والدعاء.
واختلف في قراءة القرآن حينئذ، فكره ذلك مالك في المدونة 1. وأجازه أشهب في كتاب محمد إذا كان يخفى، ولا يكثر.
ولا بأس بالكلام والحديث ما لم يكثر، ولا ينشد شعرًا 2، وليس هناك موضعه، وقد يستحب من ذلك ما كان يتضمن وعظًا وتحريضًا على طاعة الله البيتين والثلاثة.
ويكره أن يشرب الماء، إلا أن يضطره ظمأ.
واختلف في التلبية في الطواف، فأجاز ذلك مالك 3، وكرهه 4.
وألا يفعل أحسن؛ لأن التلبية إجابة لما دعي له، فإذا تلبس بما دعي إليه كان الاشتغال بامتثال ما دعي إليه أولى.
فصل [في أنواع الطواف]
طواف الحج ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.
وهي مختلفة الأحكام؛ سنة وفرضًا وندبًا.
فطواف القدوم سنة؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه له 1 وطواف الإفاضة فرض؛ لأمر الله تعالى به، فقال بعد ذكر الوقوف والتحريم: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وطواف الوداع مندوب إليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِر عَهْدِهِ بِالبَيْتِ" أخرجه مسلم، والبخاري نحوه 2.
وقد يجزئ عن جميعها طواف الإفاضة، إذا أضاف إليه السعي لمن أتى مراهقًا، وكان نفره 3 عقب الطواف، والأصل في سقوطه عن المراهق
إحرام الصحابة بالحج من مكة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم نفروا إلى عرفات، ولم يطوفوا بالبيت 1.
وقال مالك: بلغني أن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يأتون مراهقين، فينفرون بحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يَقْدَمُونَ منى، ولا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون عند باب المسجد، ثم يدخلون ويطوفون بالبيت ويسعون، ثم ينصرفون 2. وهذا أصل في سقوطه فيمن خرج عقب طواف الإفاضة، ولأن آخر عهده بالبيت، فدخل بذلك الطواف في عموم الحديث.
ولا يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه قدم الشيء قبل وجوبه، بمنزلة من صلى صلاة قبل وقتها.
واختلف في طواف الوداع، هل يجزئ عن طواف الإفاضة؟ فقال مالك: يجزئه 3. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجزئه.
وأصل المذهب: ألا 4 يجزئ التطوع عن الواجب، فمن تطوع بركعتين ثم ذكر أن عليه صلاة الفجر، أو بصوم يومٍ، ثم ذكر أن عليه صوم يوم من رمضان؛ لم تجزئه تلك الصلاة، ولا
ذلك الصوم عن الفرض.
واختلف إذا تقدمت نية الفرض، ثم أحدث نية التطوع ناسيًا للفرض، وأتى به عقب نية الفرض، فقال مالك: لا يجزئه عن الفرض.
وقال عبد الملك: يجزئه 1. وذلك فيمن سلم من ركعتين من الظهر، ثم أتى بركعتين عقب ذلك بنية التطوع، أنه يجزئ عن تمام الظهر.
أو صام تسعة وخمسين يومًا من ظهاره، ثم نوى في الآخر 2 تمام الستين التطوع.
أو بيت الفطر، ثم ذكر قبل 3 أن يأكل؛ فقال: يجزئه ذلك اليوم عن تمام الشهرين 4. ورأى أنه باق على النية الأولى 5، وطوافه باق على النية الأولى؛ لأنه لم ينو رفضها، وإنما أحدث النية الثانية ظنًا منه أنه وَفَّى بالنية الأولى.
وينبغي أن يرد الجواب في الطواف إلى ذلك، فإن نوى التطوع وهو ذاكر لما عليه من طواف الإفاضة؛ لم يجزئه التطوع عنه.
وإن كان ذلك على وجه النسيان بعد أن نوى طواف الإفاضة، ثم انحلت نيته بقرب ذلك أجزأه.
وإن أحدث نية التطوع أجزأه على قول عبد الملك، ولم يجزئه على أصل قول مالك في الصلاة والصوم.
وقد اختلف فيما بعدت فيه النية في الحج، هل يجزئه فعله بغير نية محدثة؟ فقيل فيمن أتى عرفة ولم يعرفها: أنها تجزئه عن الوقوف.
وقيل: لا تجزئه.
فصل [في طواف القدوم]
الطواف الأول يسقط عمن أحرم من مكة، وعمن أحرم من الحل إذا كان مراهقًا.
وعمن أحرم من الحل بعمرة ثم أردف الحج من الحرم، ولا دم في شيء من ذلك.
واختلف فيمن أتى غير مراهق من الحل فترك الطواف والسعي حتى خرج إلى عرفة، فقال ابن القاسم: عليه الدم (1)، ورأى أن تقدمه قبل الوقوف سنة.
وقال أشهب: لا شيء عليه (2) ورآه مندوبًا إليه؛ يريد: لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أحلوا من العمرة أحرموا بالحج من مكة، فلو كان مؤكدًا لأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى التنعيم فيحرموا، ثم يدخلوا فيطوفوا (3).
فصل [في الموالاة بين الطواف وركعتي الطواف والسعي]
ويوالي بين الطواف والركوع والسعي.
وإن فرق الطواف متعمدًا لم يجزئه، إلا أن يكون ذلك التفريق يسيرًا، أو يكون لعذر وهو على طهارته.
فإن انتقضت طهارته توضأ، واستأنف الطواف من أوله 4. وسواء انتقضت تعمدًا أو غلبة، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولو بنى بعد أن توضأ لرجع كمن لم يطف 5.123
وإن أقيمت الصلاة على الطائف، وقد بقي عليه شوط أو شوطان فلا بأس أن يتممهما إلى أن تعتدل الصفوف.
وإن كان في أول الطواف قطع وصلى، ثم بنى على ما كان من طواف 1؛ لأن الخروج إلى الفريضة ضرورة.
واختلف إذا خرج لصلاة جنازة، فقال ابن القاسم: يبتدئ.
وقال أشهب في كتاب محمد: يبني 2 وقال ابن القاسم: وإن خرج لنفقة نسيها ابتدأ 3 وعلى قول أشهب يبني إذا كان في مثل ما يبني أو كانت جنازة، وهو في الخروج إلى النفقة أعذر.
واختلف إذا فرق بين الطواف والركوع ناسيًا، فقال في كتاب محمد: إذا نسيهما حتى سعى 4 ركعهما، وأعاد السعي 5. قال: وقيل يبتدئ.
وقال مالك: إن انتقض وضوءه بعد تمام طوافه وقبل أن يركع توضأ، واستأنف الطواف تطوعًا أو واجبًا 6؛ لأن الركعتين من الطواف، ويوصلان بالطواف إلا أن يبعد، فلا يرجع ويركع ويهدي.
وإن كان الطواف تطوعًا لم يبتدئه، إلا أن يشاء إذا لم يتعمد الحدث.
ويلزم على قوله في الناسي 7 -أنه يبني- أن يقول مثل ذلك إذا انتقضت طهارته، فيجدد الطهارة ويبني، وإن
كان الطواف واجبًا.
قال في كتاب الحج الثاني من المدونة: إذا لم يذكر الركعتين حتى جامع يعتمر ويهدي.
وإن كان لم يركعهما حتى عاد إلى بلده؛ ركعهما حيث هو، وأهدى 1.
وقال المغيرة: يركعهما، ويرجع.
وإذا نسيهما من الطواف الأول، ثم ذكر قبل يوم التروية- أعاد الطواف والسعي.
وإن ذكر يوم التروية أو يوم عرفة كان كالمراهق، يخرج ولا يطوف.
ويستحب له إذا كان يوم التروية: أن يطوف قبل أن يخرج.
فإن خرج قبل أن يطوف فذكر وهو بعرفة، أو بعد الوقوف، فإنه إذا طاف طواف الإفاضة أضاف إليه السعي.
واختلف في الدم: هل يسقط عنه ويكون كالمراهق، أو لا يسقط؛ لأن النسيان فيه ضرب من التفريط؟ وإن لم يذكر حتى أصاب النساء اعتمر وأهدى.
وإن نسيهما من طواف الإفاضة، ثم ذكر في أيام الرمي- أعاد الطواف وركع ولا دم عليه.
وإن خرجت الأيام، ولم يخرج شهر ذي الحجة- طاف وركع، واختلف في الدم.
وإن خرج الشهر كان عليه الدم، فإن أصاب النساء اعتمر وأهدى كالأول.
وإن نسيهما من الطواف الأول ثم ذكر بعد خروج ذي الحجة، ولم يصب النساء- كان عليه هدي لتأخير طواف الإفاضة؛ لأنه يصير بمنزلة من لم يطف، لما لم يضف إليه السعي.
ويختلف هل يكون عليه هدي لتأخير طواف القدوم 2؛ لأنه كان عليه أن يقدمه، فلما أفات ذلك حتى وقف كان عليه هدي، ثم عليه أن يطوف طواف الإفاضة ويركع ويسعى، فلما نسي ذلك حتى خرج الشهر كان عليه هدي أيضًا.
وظاهر المدونة: ألا دم عليه عن الأول.
وقال مالك فيمن طاف الطواف الأول على غير وضوء: لا دم عليه لما أخر من الطواف إذا أصاب النساء؛ لأنه لم يتعمد، وهو بمنزلة المراهق، وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، والعمرة تجزئ من ذلك كله (1)، وقال محمد: إذا ذكر بعد فراغه من حجه وهو بمكة- أن الطواف الأول كان على غير وضوء- طاف وسعى، ولا دم عليه.
وليس بمنزلة المتعمد والناسي (2).
فصل [فيمن فرَّق بين الطواف والسعي]
وإن فرق بين الطواف والسعي لم يجب عليه أن يستأنف.
وكذلك، إذا فرق بين السعي نفسه، وخرج لجنازة أو لنفقة أو ما أشبه ذلك ما لم يطل- فإنه يستأنف الطواف.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن طاف، ولم يخرج إلى الصفا يسعى، حتى طاف تنفل 3 سُبْعًا أو سُبعين: أحب إليّ أن يعيد الطواف ثم يسعى، وإن لم يعد الطواف رجوت أن يكون في سعة 4 وقال فيمن طاف وركع ثم مرض ولم يستطع المشي حتى انتصف النهار: يكره أن يفرق بين الطواف والسعي.
قال ابن القاسم: يبتدئ 5.
وهذا استحسان، فإن لم يفعل أجزأه.
قال مالك فيمن طاف ليلًا، وأخر12
السعي حتى أصبح، فإن كان بطهر أجزأه 1 وإن كان قد نام وانتقض وضوؤه فبئس ما صنع، وليعد الطواف والسعي والحلاق ثانية إن كان بمكة.
وإن خرج من مكة؛ أهدى وأجزأه 2.
وهذا يدل على أن إعادة المريض استحسان؛ لأن هذا فرّق مختارًا، وهو قادر على أن يسعى قبل أن يصبح.
فرآه مجزئًا عنه، ولا إعادة عليه إن لم تنتقض طهارته.
وقوله أيضًا: إذا انتقضت الطهارة أنه يعيد.
استحسان، ولو كان واجبًا لرجع وإن بلغ بلده؛ لأن السعي يصح بغير طهارة إذا سعى بالقرب، ويصح من الحائض، فلم يكن لمراعاة انتقاضها إذا بعد وجه.
باب في طواف الوداع وطواف التطوع
الأصل في طواف الوداع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِر عَهْدِهِ بِالبَيْتِ" 1 فكل من خرج من مكة من أهلها أو غيرهم، من حاج أو معتمر، ولم يكن خروجه بفور طوافه للإفاضة أو طواف التطوع، أو من قدم لتجارة أو غيرها، ولم يكن حج ولا اعتمر، فخرج أحد ممن تقدم ذكره، وهو لا يريد الرجوع، أو يريد ذلك بعد أن يبعد عن مكة- فإنه يطوف عند خروجه.
ومن كان خروجه بفور طوافه من حج أو عمرة، أو طاف تطوعًا، أو لم يكن بفور ذلك، وكان سفره إلى الموضع القريب لم يكن عليه طواف.
قال مالك في المدونة فيمن خرج للعمرة: إن كان يعتمر من التنعيم أو الجعرانة لم يكن عليه طواف الوداع، وإن كان يعتمر من الجحفة أو غيرها من المواقيت فإنه يطوف للوداع، قال ابن القاسم: طواف الوداع على النساء والصبيان والعبيد وعلى كل أحد 2.
ومن شرطه: أن يكون عند سفره وخروجه من غير تراخ، فإن اشتغل بعده بالشيء اليسير فلا بأس.
قال مالك: إن اشترى بعض جهازه أو طعامه، فأقام في ذلك ساعة لم يكن عليه إعادة 3. قال ابن القاسم: وإن أقام يومًا أو بعض يوم أعاد 4. وقال ابن الماجشون في المبسوط: إن بات ليستأنف كراءً، أو
لِيُعِدَّ مرفقًا لم يُعدْ.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: ومن ودع ثم أقام الغد بمكة فهو في سعة أن يخرج.
والقول الأول أسعد بالحديث.
ولو جاز أن يجتزئ بذلك مع طول الإقامة لأجزأ 1 طواف الإفاضة؛ لأنه يجزئ عن طواف الوداع إذا خرج بالفور.
وأما إن خرج من فوره، فأقام بذي طوى؛ فليس عليه أن يعيد.
واستحب مالك لمن خرج، ولم يطف للوداع أن يرجع إن كان قريبًا 2، ولم يخف فوات أصحابه، ولا منعًا من كَرِيَّه.
فإن خاف ذلك، وكان قد أبعد؛ لم يرجع.
وقد رد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلًا من مر الظهران لم يطف للوداع 3.
وإن حاضت امرأة قبل أن تطوف للوداع خرجت، ولم يحبس عليها كريها، وإن لم تكن طافت للإفاضة، فقال مالك: يحبس عليها كريها أقصى ما يحبسها الدم، ثم تستظهر بثلاث، ولا يحبس عليها أكثر من ذلك 4.
قال محمد: اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة: خمسة عشر يومًا.
وقال مرة: سبعة عشر يومًا، وتستظهر بيوم أو يومين.
وقال مرة: شهرًا أو نحوه 5. وليس هذا بالبين؛ لأنها إذا جاوزت الخمسة عشر يومًا أو سبعة عشر يومًا كانت في حكم الطاهر؛ تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها،
وتطوف.
وإن كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا طافت يوم طهرها، وخرجت.
وعلى قوله في كتاب محمد: يحبس عليها شهرًا يكون الدم لا غاية له، وتمسك إذا لم يتغير الدم عن حاله الأول من أول ما رأته.
وإن أقامت شهرًا، أو لم تكن مستحاضة، إلا أن يتغير الدم عن حاله إلى الاستحاضة، قال في المدونة: إن كانت نفساء حبس عليها كريها (1) أكثر ما يحبس النساء الدم من غير سقم (2).
وقال في كتاب محمد: الحيض من شأن النساء.
وأما الحمل فيقول: لو أعلم أنها حامل.
وكل هذا فعلى عاداتهم في الأكرية ما بين مكة والمدينة (3)؛ لأن الرفاق لا تتعذر وهي مارة وراجعة.
وأما غير ذلك من السفر إلى مصر والشام فإن للجمال ألا يتأخر؛ لأنه لا يقدر على أن يتأخر على رفقته، ولا أن يسافر وحده.
ثم يختلف، هل عليها أن تكري آخر مكانه، ويفاسخها الكراء (4).
فصل [في طواف التطوع]
والسنة فيمن طاف أسبوعًا تطوعًا أن يعقبه بركعتين 5، فمن لم يفعل حتى1234
طال 1، أو انتقضت طهارته استأنفه.
وإن أعقب الأسبوع 2 الأول بأسبوع ثان قبل أن يركع قطعه، ثم ركع عن الأول.
وإن لم يفعل حتى أتم الثاني أتى لكل أسبوع بركعتين وأجزأه، قال ابن القاسم في المدونة 3: لأنه أمر قد اختلف فيه 4. وكذلك لو أتى بأسبوع ثالث أو رابع؛ فإنه يأتي لكل أسبوع بركعتين، ويجزئه.
وقياس المذهب: أن ذلك طول يحول بينه وبين إصلاح الأول، ويوجب عليه الاستئناف فيما تقدم من الطواف.
وقد اختلف فيمن نسي ركعتين حتى سعى، هل يستأنف الطواف، أم لا؟.
وكره مالك أن يدخل البيت بالنعلين أو الخفين، أو يصعد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك.
وأجاز ذلك ابن القاسم في دخول الحجر 5.
وليس بالبين؛ لأنه من البيت، إلا ما زاد على ما كان من البيت، وهو ما بعد ست أذرع منه.
وكره مالك لمن دخل البيت وجلس فيه أن يجعل نعليه فيه، ويجعلهما في حجرته 6. = كتاب الحج، برقم، (1544).
باب في السعي بين الصفا والمروة
ورد القرآن بإباحة السعي بين الصفا والمروة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وتضمنمت الآية الندب لقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
وجاءت السنة في إثباته، قالت عائشة: "سَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ" 1، وثبت الأمر به، فقال ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ؛ فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَتَحَلَّلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ..." الحديث، وقد أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 2، وقد تضمن هذا الحديث وجهين:
الأمر به، وأنه على حكم الإحرام.
وقد اختلف في وجوبه، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب في الحج والعمرة، وعلى من تركه حتى رجع إلى بلده الرجوع ليأتي به 3.
ومن أصاب أهله بعد الطواف وقبل السعي؛ كان قد أفسد، وعليه القضاء.
وإن فعل ذلك في حج، ولم يكن طاف للقدوم، ثم طاف للإفاضة،
ولم يسع حتى أصاب أهله - كان عليه أن يأتي بعمرة.
قال الثوري وإسحاق في المعتمر يصيب أهله قبل أن يسعى: يهريق دمًا، وقد تمت عمرته، ولم يوجبا السعي.
وقال ابن عباس: العمرة الطواف (1) وذكر ابن القصار عن إسماعيل القاضي أنه ذكر عن مالك فيمن ترك السعي بين الصفا والمروة حتى تباعد وطال الأمر، فأصاب النساء: أنه يهدي، ويجزئه.
قال: وأحسبه ذهب في ذلك إلى ما وصفنا للاختلاف، ولقول بعضهم: ليس بواجب.
وقال بعضهم: إنه تطوع.
فصل [في موالاة السعي بين الصفا والمروة بعد الطواف]
السعي بين الصفا والمروة في الحج مرة واحدة، يؤتى به عقب طواف القدوم، ثم لا سعي فيما 2 بعد ذلك إذا طاف للإفاضة أو للوداع.
ومن لم يطف للقدوم لأنه مراهق، أو تركه متعمدًا - أتى به عقب طواف الإفاضة.
فمن لم يأت به عقب طواف الإفاضة، وأتى به عقب طواف الوداع - أجزأه عند مالك 3؛ لأنه يرى أن طواف التطوع في الحج يجزئ عن الواجب.
ولا يجزئ عند محمد بن عبد الحكم.
وكذلك في العمرة: أن يؤتى به مرة واحدة بعد الطواف، فإن لم يأت به حتى أصاب النساء؛ كان قد أفسد عمرته.
ومن أتى بالسعي في الحج أو العمرة قبل الطواف، ثم أعقبه بالطواف لم يجزئه، وكان بمنزلة من لم يسع.1
والسعي بين الصفا والمروة سبع، ويبتدئ بالصفا ويختم بالمروة وإذا وقف على الصفا أربعًا وعلى المروة أربعًا؛ كان الذي بينهما سبعًا، وإن بدأ بالمروة زاد شوطًا.
ويستحب أن يقف على الصفا والمروة في موضع 1 يرى منه البيت، ويستقبل البيت في حين وقوفه، فإن وقف أسفل أجزأه، ويكون قائمًا، إلا من له عذر من مرض 2 لا يستطيع معه القيام، فلا بأس أن يكون جالسًا.
وإن جلس مع القدرة على القيام أجزأه.
والنساء في ذلك كالرجال، إلا أنهن يقمن أسفل ذلك، ولا يخالطهن الرجال.
فإن لم يكن هناك رجال فالأعلى أفضل 3. وإذا وقف الواقف هناك استفتح بذكر الله بالتكبير والحمد والثناء، ثم الدعاء.
واختلف في رفع اليدين حين الدعاء، وذلك واسع؛ بجعل بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء وهو الرهب، أو بجعل بطونهما إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وهو الرغب.
ولا يجعلهما قائمتين كما يفعل في الإحرام في الصلاة.
وإذا نزل من الصفا فأتى بطن الوادي سعى حتى يخرج منه.
واختلف في أصل ذلك السعي، فقيل: الأصل فيه: هاجر، لما تركها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإسماعيل، ولم يكن بالموضع ماء، فعطش إسماعيل عليه
الصلاة والسلام، فصعدت الصفا لتنظر هل بالموضع ماء، فلم تر شيئًا، فنزلت وسعت في بطن السيل حتى أتت المروة، قوقفت بمثل ذلك 1، وذكر الترمذي عن ابن عياس: "أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ" 2. تم كتاب الحج الأول