التبصرة للخميكتاب العرايا

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليمًا

كتاب العرايا

وفي اشتراء المعير عريته، وهل ذلك من الرجوع في الهبة؟

العرايا جائزة في جميع أنواع الثمار المدخرة وغيرها: النخيل، والعنب، والفواكه: التفاح 1، والرمان، والخوخ، والموز، وغير ذلك 2، كانت الثمرة وقت العرية موجودة أو معدومة، ويجوز في قليل الشجر وكثيرها السنة والسنتين وأكثر من ذلك؛ لأن العرية هبة ومعروف، والغرر في الهبة جائز، فلم يقتصر فيها على أمر محدود في جنس ولا قدر ولا مدة، ما لم تكن الشجر 3 صغارًا ولم تبلغ الإطعام، فإنه يختلف في ذلك فعلى القول أن المؤنة على المعري تكون العرية جائزة وعلى القول أن المؤنة على المعطى لا تجوز العارية 4 فلا تجوز؛ لأنها تخرج عن المعروف إلى المعاوضة والمكايسة، يتكلف المعطَى خدمتها للمعطي، على أن يكون العوض الثمرة في عام آخر، فإن نزل ذلك وفات بالعمل كان للعامل أجر مثله فيما تكلفه في حال صغرها وحال إثمارها،

والثمرة للمعطي إلا أن يعلم أنها تثمر تلك السنة فيجوز (1) أن يدخلا (2) على أن (3) السقي والخدمة على المعطي.

فصل [في شراء المعري لعريته]

اختلف عن مالك في شراء المعري 4 عريته على ثلاثة أقوال؛ فأجاز مرة شراءها بالدنانير والدراهم والعروض، وبالطعام، وبخرصها 5، وذكر ابن شعبان عنه أنه منع شراءها بالدنانير والدراهم والعروض، وأجازه بالخرص وحده، وروي عنه عكس ذلك: أنه منعه بالخرص وأجازه بالعين وغيره.
فأما إجازة شرائها بالخرص وغير ذلك فلحديث زيد بن ثابت قال: "رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِصَاحِبِ العَريَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا" 6، فإذا أجيز له 7 شراؤه بالخرص مع ما فيه من الوجوه الممنوعة ولم يعد راجعًا في هبته، كان ذلك أحرى أن تجوز بالدنانير والدراهم.
وأما إجازتها بالخرص وحده123

فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ" 1 فاقتضى هذا الحديث منع شرائها جملة 2، إلا بما وردت فيه رخصة، وبالخرص وردت 3. وأما منعه بالخرص خاصة فله فيه وجهان: أحدهما: أنه قد اختلف في معنى الحديث، هل أريد به المعري أو غيره؟ وإذا اختلف في ذلك، وكان الأصل المنع؛ لأن في بيعها بخرصها بيع الرطب باليابس، والجزاف بالمكيل، والنقد بالنَّساء، فاستحسن الوقوف عن ذلك، والوجه الآخر: تقديم القياس على الخبر 4 لما كان بيع العرية بخرصها يتضمن الوجوه التي ذكرناها، وهي ممنوعة باتفاق، ولم يرد طريق الرخصة مثل طريق المنع في الصحة.
وأجاز 5 شراءها بالعين والعروض 6؛ لأنَّ الحديث في منع 7 شراء الهبة 8 فيما وهبت رقبته، ولم يبق للواهب فيه تعلق، كالعبد والفرس على أحد القولين، والعرية هبة منافع 9 ولها تعلق بالأصول، فتارة يشتري ذلك إرادةَ

معروفٍ يصنعه ليحمل عنه السقي والمؤنة والخراصة والجداد، وتارة يشتريها (1) ليرفع مضرة المعرى من دخوله وخروجه، وقد يطلع منه على أذية أو خيانة.
وأرى أن يسأل المُعْرِي لماذا يشتريها؟ فإن قال: لأرفع مضرة من دخوله وخروجه (2) دخلت علي، أو لأتصرف في الرقاب، أو إرادةَ معروفٍ جاز.
وإن قال: رغبة في شرائها صارادة التجر، منع من (3) شرائها بالعين، للحديث: "العَائِدُ فِي هِبَته" (4)، وبالخرص للحديث الآخر في منع المزابنة والطعام المتأخر (5).

فصل [فيما يراعى في بيع العرية بخرصها]

ويراعى في بيع العرية بخرصها سبعة أوجه: جنسها، وقدرها، وهل العوض عنها 6 نقدا أو مؤجلًا؟ وهل بدا صلاحها؟ والجنس الذي تشترى به، والوجه الذي تشترى به، وهل العرية جملة حائط أو بعضه؟12345

فأما الصنف الذي يجوز شراؤه بخرصه فاختلف فيه 1، فقال مالك في كتاب محمد: لا يشترى بخرصه إلا النخل والعنب 2، ثم رجع عن ذلك وأجاز أن تشترى بخرصها إذا كانت مما ييبس ويدخر النخل وغيره 3 كالجوز واللوز وما أشبه ذلك، ومنعه فيما لا يصلح 4 فيه الادخار كالفواكه: التفاح والخوخ والموز وما أشبه ذلك 5. وذهب محمد إلى أن ذلك واسع في جميع الثمار المدخرة وغيرها، إلا أنه كرهه فيما لا يدخر ابتداء ورده مع القيام 6 وأمضاه بالقبض، فقال: إن اشتراها حين بدا صلاحها قبل تناهي طيبها بخرصها يدفعه من غيرها نقدًا، أو إلى آخر تناهيها ردت إن لم تفت، وإن قبض أنفذ ولم يرد 7، قال: وكذلك كل عرية ما كانت، فإنها تدخل في رخصة العرية ومرفقها، قال 8: ولو أجيزت ابتدأه بغير كراهية في العرية كلها على مثل هذا لكان قريبا 9 فقصر مالك الحديث مرة على ما وردت فيه 10 الرخصة وعلى ما كان عليه العمل عندهم 11، ومرة قاس عليها ما شابهها وهي المدخرات.
وقاس

محمد جميع (1) الثمار على النخل والعنب في قوله: لو أجيزت ابتداء، إلا أنه ترجح في ذلك لقول مالك.

فصل [في قدر العرية]

وأما قدرها فيجوز إذا كانت أقل من 2 خمسة أوسق، ويمنع في أكثر من خمسة أوسق 3، واختلف في الخمسة والمنع أحسن؛ لحديث أبي هريرة 4 قال: "أَرْخَصَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسقٍ، أَوْ فِي 5 خَمْسَةِ أَوْسقٍ" شَكَّ دَاودُ بْنُ الحُصَيْنِ فِي خَمْسَة 6، 7. فورد الحديث مقيدًا وأنه لا يجوز في كثير الثمار، والأصل المنع فأجيز من ذلك ما اتفق 8 على أن الرخصة تتناوله، وما شك فيه يبقى 9 على الأصل في المنع 10.1

فصل [في بيع العرية بخرصها من جنسها]

تباع العرية بخرصها من جنسها، فإن كانت برنيا لم تبع بصيحاني، ولا يجوز أن تباع بجنسها إذا كان الذي يعطي العربي أدنى، وإن كان أجود كانت المسألة على وجهين، فإن كان قصده رفع الضرر لم يجز، وإن أراد المعروف للمعرى جاز؛ لأنه معروف ثان يتولى حفظها وما يكون من مؤنتها ويعطيه ما فضل (1).

فصل [في بيع العرية بخرصها إلى الجداد]

تباع العرية بخرصها إلى الجداد، واختلف إذا كان العوض نقدًا؛ فمنعه مالك وابن القاسم 2، وأمضاه محمد بالقبض قال: ولو أجيز ذلك ابتداء من غير كراهية في العرية كلها لكان قريبًا 3 فكأنه يقول: إذا 4 جاز أن يأخذ رطبًا ويدفع تمرًا على وجه المعروف والرفق 5 للمعري، كان دفعه ذلك نقدًا معروفًا أيضًا وزيادة خير.
ووجه آخر أنه قد اختلف في جائحة العرية، إذا أصيبت بعد شرائها بخرصها، فقال أشهب: المصيبة من الذي له الأصل.
فإذا كانت الجائحة من المعري كان شراؤه بخرصها نقداَّ أَجوز منه مؤجلَّا؛ لأنه يسقط1

الربا في النساء ويكون طعامًا بطعام نقدًا.

فصل [في بيع العرية بخرصها إذا بدا صلاحها]

ولا (1) يجوز بيع العرية بخرصها (2) قبل بدو صلاحها، فإن فعل نقض ذلك إن كانت قائمة، كان فاتت بالجداد ولم تعلم مكيلتها كان على المعري قيمتها يوم جدها، وإن أصيبت في رؤوس النخل كانت مصيبتها من بائعها، وهو المعرى وهذا على أصل ابن القاسم، وأما على أصل أشهب، أن لا جائحة فيها في البيع الصحيح، يكون ها هنا على المعري قيمتها يوم اشتراها قبل بدو صلاحها، إن انتقلت عن حالها يوم البيع؛ لأنها في أصوله وسقيها عليه فكانت عنده (3) في معنى المقبوض.

فصل [في بيع العرية بطعام من جنسها وغيره]

بيع العرية بطعام من غير جنسها، مثل أن تكون تمرًا 4 فيبيعها بحنطة على ثلاثة أقسام: فقسم يجوز المبايعة فيه 5 وإن لم يتقابضا في الثمن والمثمون فيجوز مع عدم الجداد 6 وتأخر 7 العوض، وقسم يجوز بشرط التقابض في الثمن123

والمثمون تارة، وتارة يجوز التراخي فيهما، وقسم يجوز بشرط قبض العوض، ويختلف في جواز تأخير جداد الثمرة، فإن بيعت العرية قبل أن يطلع في النخل ثمرة أو طلعت ولم تُؤَبَّر- جازت بالطعام نقدًا ومؤجلًا؛ لأنه يتحلل بذلك الرقاب، وسواء كانت العرية سنة أو سنتين، وهو بمنزلة من اشترى 1 منحته بطعام نقدًا ومؤجلًا، ويجوز أيضًا وإن كانت العرية نخلًا بتمرٍ 2 نقدًا ومؤجلًا.
وإن كانت الثمار مؤبرة 3 والعرية عامًا واحدًا، وكانت الثمار لو جدت علفًا، جاز بيعها بالطعام من جنسها وغيره نقدًا ومؤجلًا إذا جدت الثمرة، وإن كانت تراد لو جدت للأكل لم يجز على قول ابن القاسم، إلا أن يجد الثمرة ويقبض العوض بالحضرة، وعلى قول أشهب يجوز بشرط قبض العوض، وإن لم يجد 4 الثمرة إذا كان لا يؤخر جدادها حتى يبدو صلاحها.
وإن كانت العرية سنين وفيها الآن ثمر مأبور فأحبا التبايع فيها بطعام، رأيت أن تفرد هذه الثمرة بعقد عن الأعوام الباقية، وإن جمعاها في عقد وكانت هذه الثمرة تبعا، ويسيرة في جنب ثمرة الأعوام الباقية، كان واسعًا أن تباع بطعام نقدًا وإلى 5 أجل من جنسها وغيره؛ لأنه متحلل للرقاب، وإن 6 بدا صلاحها والعرية عامًا واحدًا، وبيعت بغير جنسها لم يجز أن يتأخر دفع

العوض عن العقد (1). ويختلف هل يجوز (2) تأخير الجداد؟ فمنع ذلك ابن القاسم (3)، ويجوز على أصل أشهب؛ لأنه لا يرى فيها جائحة إذا بيعت بالعين، وأنها في ضمان المشتري لها الآن (4) لما كانت في أصوله وسقيها عليه فهي مقبوضة عنده.

فصل [في بيع العرية بالدنانير والدراهم والعروض نقدًا أو إلى أجل]

بيع العرية بالدنانير والدراهم والعروض نقدًا أو إلى 5 أجل، إذا لم يكن في النخل ثمرة، أو كانت وهي غير مأبورة جائز، وسواء كانت العرية سنة أو سنتين، وإن كانت الثمار 6 مأبورة جاز إذا شرط 7 جدادها قبل 8 صلاحها؛ لأنه قادر على بيع الرقاب إن كانت العرية عامًا، وإن كانت أعوامًا جاز شراء الجملة إذا شرطا جداد ثمره 9 هذا العام 10.1234

فصل [في الوجه الذي يباح له شراء العرية بخرصها]

اختلف في الوجه الذي يباح له، شراء العرية بخرصها على ثلاثة أقوال: فقيل: يجوز على وجهين: على وجه المعروف 1 مع 2 المعرى يحفظها له، ويحمل عند الجداد، وعلى دفع الضرر لما يكره من دخوله وخروجه، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة 3، وقال عبد الملك: يجوز على رفع الضرر، ولا يجوز على وجه المعروف.
وقيل: إن أراد المعروف جاز، ولا يجوز إن أراد رفع الضرر.
4 والأول أحسن، فيجوز على وجه المعروف قياسًا 5 على القرض، أنه يدفع مائة دينار في مثلها إلى سنة على وجه القرض، ولا يجوز على وجه المبايعة، وكذلك قرض الدراهم والطعام 6 وبدل دينار بأوزن منه يجوز على وجه المعروف بخلاف 7 المبايعة، ويحيل بدنانير حلت على دين لم يحل، ويجوز على رفع 8 الضرر قياسًا على المساقاة.

فصل [في شروط جواز بيع العرية بخرصها]

بيع 1 العرية بخرصها جائز بثلاثة شروط: إذا كانت جملتها دون خمسة أوسق، وهي بعض حائط واشترى جميعها، فإن كانت العرية بعض حائط فاشترى جزءا منها، أو عددا وهي أكثر من خمسة أوسق، وأحب 2 أن يشتري منها دون خمسة أوسق، أو كان جميعها أقل 3 من 4 خمسة أوسق، فأحب أن يشتري بعضها، أو كانت العرية جملة حائط فأحب أن يشتري جملتها، أو بعضها كانت المسألة على قولين: فيجوز على القول أنها تجوز 5 على وجه المعروف، قال ابن القاسم 6: وقد أجاز مالك لمن أسكن رجلًا داره، أن يشتري بعض 7 السكنى 8، ولم يجز 9 على القول ألا يجوز إلا على وجه 10 رفع الضرر؛ لأنه إذا اشترى بعض العرية، وهي بعض حائط بقي المعرَى يتصرف في الدخول إلى الباقي 11، كتصرفه للكل ولم يرتفع ضرر وإذا كانت

العرية في عرية جملة الحائط لا مضرة عليه فيه في تصرفه، إذا لم يبق (1) له فيها ثمرة وهو بائن عنه.

فصل [في بيع ما سوى العرية من الثمار أو بيع الأصل دون الثمار]

وإذا باع المعري ثمر 2 حائطه ما سوى العرية، وبقي الأصل في يده، أو باع الأصل وبقيت الثمار 3، أو باع الثمار من رجل، والأصل من رجل آخر، ثم أحب المعري أن يشتري عريته، جاز على القول: إنه يجوز 4 على وجه المعروف، ولا يجوز 5 على القول الآخر، إلا أن تبقى الثمار في يد المعري، لم يبعها أو بعضها، وكذلك إن أحب من انتقل إليه الملك من الثمرة، أو الأصل أن يشتري العرية بخرصها، فيجوز لمن صارت إليه الثمرة؛ لأنه يصح منه قصد المعروف ورفع 6 الضرر، ولا يجوز لمن صار إليه الأصل، إلا على قول 7 من أجاز ذلك على وجه المعروف؛ لأنه لا مضرة عليه.
واختلف فيمن له نخلة في حائط لرجل، فأراد صاحب الحائط أن يشتري ثمرة تلك النخلة بخرصها، فأجازه مالك وابن القاسم إذا كان ذلك على وجه1

المعروف (1). ومنعاه إذا أراد رفع (2) الضرر بدخوله وخروجه، ويمنع (3) ذلك غيرهم على وجه المعروف، وأجازه على وجه (4) رفع (5) الضرر (6). وهو من الأصل الذي تقدم ذكره، فعلى قول مالك هذا يجوز أن يشتري العرية بخرصها من لم يعر، وإن كان أجنبيا إذا أراد المعروف، وإن باع المعرَى العرية جاز للمعري أن يشتريها بخرصها من مشتريها.

فصل [في الرجل إذا أعرى رجلًا عرية حوائط شتى مرة أو مرة بعد أخرى، وفي الرجل إذا أعرى جماعة في مرة واحدة]

وإذا أعرى رجل رجلا عرية في حوائط شتى، وهي في بلد واحد أو بلدان مفترقة، في مرة واحدة أو مرة بعد أخرى 7، لم يجز له أن يشتري من 8 جميعها إلا دون خمسة أوسق، كالعرية الواحدة من الحائط الواحد.
وإن أعرى رجل واحد جماعة في مرة واحدة، جاز أن يشتري جميعها، إذا كان الذي ينوب كل واحد دون خمسة أوسق، ويجوز له أن يشتري نصيب123456

أحدهما، إذا أراد المعروف أو رفع المضرة 1؛ لأنه يصح في الوجهين جميعا؛ لأن المضرة ترتفع عن المعري من دخول هذا وخروجه، وقد يتأذى بواحد دون أصحابه.
كان أعرى جماعة رجلًا واحدًا بعض حائط، فكانت عرية كل واحد دون خمسة أوسق، جاز لجميعهم شراء تلك العرية 2. واختلف هل يجوز ذلك لبعضهم؟ فأجازه ابن القاسم في المدونة 3، ومنعه ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب قال: لأن المعري يدخل لبعض حقه، كما يدخل له كله، يريد أنه لا يرفع 4 بذلك مضرة.
والأول أحسن وأنه لا يمنع إذا قصد 5 المعروف، وقد تنوزع في المسألة الأولى، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: إن أعرى رجل رجلا واحدا من حوائط شتى، لم يجز أن يشتري من تلك الحوائط، أكثر من خمسة أوسق.
وقد وقف فيها مالك إذا أعرى ناسا شتى في غير المدونة.
6 وقال الشيخ أبو الحسن: يجوز له أن يشتري خمسة أوسق من كل حائط بخرصها، أعرى تلك الحوائط لرجل واحد، أو لرجال.
قال: وبلغني عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد أنه قال: إن أعرى تلك الحوائط لرجل واحد فلا يشتري من جميع الحوائط بالخرص، إلا خمسة أوسق.
وقال أبو القاسم ابن

الكاتب: إن أعرى ذلك لرجل واحد في لفظ واحد فهي عرية واحدة، فلا يشتري من جميع الحوائط بخرصها، إلا خمسة أوسق، وإن كان أعرى ذلك شيئا بعد شيء، فله أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق.
قال الشيخ: والقول الأول أصوب والأصل المنع، والإباحة وردت مقصورة، فلا يجوزن ذلك إلا ما اشتمل عليه (1).

(2)

فصل [فيما إذا مات المعري أو فلس قبل أن يقبض العرية]

وإذا مات المعري أو فلس، قبل أن يقبض العرية بطلت، وسواء طلع فيها شيء أو لم يطلع، كان قبضت الأصول بعد أن طلعت الثمرة صحت.
واختلف إذا قبضت الأصول ولم تطلع ثمرة، فقيل: لا تصح؛ لأن المعرى وهي الثمار 3 لم تقبض، وليس الأصول المعطاة، وقيل: تصح؛ لأن الذي يبطلها التهم، وأن يكون القصد بقاءها، وأن لا يمكن منها، وقد علم أن ذلك لم يكن لأجل التهمة.12

باب في سقي العرية (1)، والهبة وزكاتها

اختلف في ذلك على أربعة أقوال: فقيل: سقي العرية وزكاتها على المعري، ويجوز له أن يشتريها بخرصها، وسقي 2 الهبة وزكاتها على الموهوب له، ولا يجوز للواهب أن يشتريها بخرصها.
3 وقال ابن حبيب: الهبة كالعرية سقيها وزكاتها على الواهب، ويجوز للواهب أن يشتريها بخرصها، قال: لأن العرية في ترجمتها هبة.
4 وقال ابن القاسم 5: كان كبار أصحاب مالك يحلون ذلك، ويرون أن العرايا كالهبة.
6 يريد أنهم ردوا العرايا إلى الهبة في السقي والزكاة، أنها على المعرى.
وقال محمد بن المواز 7: سقي العرية على المعري، وزكاتها على المعرى.
8 قال الشيخ -رحمه الله-: لا فرق بين العرية والهبة؛ لأن معنى العرية عطية الثمار من غير معاوضة.
وقيل: المعنى أنه جعل له أن يعري النخلة من ثمرها، وأي ذلك كان فإن الهبة كذلك، وإذا كان ذلك 9 كالجمع 10 بين حكمها هو1

الصحيح؛ لأن الصحيح أن السقي والزكاة على المعطى، كما قال بعض 1 أصحاب مالك؛ لأن المعطى ملك من الآن، وخدمة كل ملك ومئونته على مالكه، وكذلك زكاتها؛ لأنها على ملكه طابت، ولا تكون المئونة والزكاة على المعطي، إلا أن يكون التزم ذلك.
وإذا قيل: إن الزكاة على المعطي، فكانت دون خمسة أوسق، وله ثمار من 2 غيرها من جنسها، تبلغ بالعرية مبلغ 3 خمسة أوسق، أضافها وزكى عن الجميع، وعلى القول إن الزكاة على المعري 4، لا يضيفها المعطي إلى ملكه، ويضمها المعطَى إلى ما عنده من جنسها، فإذا بلغ جميعها خمسة أوسق زكاها.
وأما تفرقة محمد بين السقي والزكاة، فإنه حمل المعري على أنه قصد تمليكها من الآن، والتزم سقيها وعلاجها، أو يكون قصد تمليكها 5 من بعد طيبها، فيخرج زكاتها منها.
وقد اختلف في ذلك، واختلف أيضا فيمن وهب صغيرا يرضع من أمه، فقال ابن حبيب: رضاعه على الواهب ترضعه أمه.
وذكر عن ابن القاسم أن رضاعه 6 على الموهوب له إذا حلف الواهب أنه لم يرد أن ترضعه أمه.
7

فصل (1) [فيمن ابتاع عريته بخرصها ثم جدها أو وجد فيها أكثر مما خرصها]

وقال مالك- في كتاب 2 المدنيين في المعري 3 يبتاع عريته بخرصها-: فإن هو جدها بعد ذلك، أو وجد 4 فيها أكثر مما 5 خرصها، أن الفضل للمعرى يرده إليه، قال: وإن جد منها دون ما 6 خرص، ضمن الخرص 7 حتى يوفيه إياه، وإن جده 8 وخلطه بثمره 9 قبل أن يكيله، فليوفيه ما ضمن له من ذلك الخرص.
ومحمل قوله: إذا وجد فيها 10 ذلك، لم يعلم إلا من قوله، أو لأنه لا يعلم ما أكل منها قبل ذلك، ولو ثبت أنه لم يجد منها 11 إلا أقل، وإن الأمر على ما قاله، لم يؤخذ منه إلا ما وجد فيها، كما قال مالك: إذا جد 12 أكثر، إنه يرد1

الزائد.
فكذلك لا يضمن النقص.
وقول مالك أنه يبيع في ذلك إلى ما قد حسن وقد اختلف (1).

فصل [في من منح لبن شاة عامًا أو أعوامًا أيشترى بذلكـ طعاما نقدا؟]

وقال ابن القاسم -فيمن منح لبن شاة عامًا أو أعوامًاً-: لا بأس أن يشتري ذلك بطعام نقدا أو إلى أجل 2؛ لأنه إنما يتحلل الرقبة، بمنزلة من باع شاة لبونا بطعام نقدا أو إلى أجل 3. وليست المسألتان سواء؛ لأن القصد من بائع 4 المنحة بيع اللبن، وعلى قدر عطيته وحقه في ذلك اللبن يبيع، وإن كان قصد المعطي التحليل 5 في الرقبة، 6 فإنه إنما يشتري اللبن عنه ويعطي العوضٍ.
وقد اختلف في الصلح على الإنكار، إذا كان صحيحًا من ناحية المنكر، فاسدًا على دعوى المدعى.
فقال ابن القاسم: الصلح فاسد.
وأجازه أصبغ.
وكذلك شراء المنحة لا يجوز على أصله؛ لأنها وإن كانت صحيحة من قبل المعطي، فهي فاسدة من قبل المعطى.
وأجاز إذا أسكن دارًا أن يشتري سكناها بسكنى 7 أخرى، أو أخدم عبدًا أن يشتري خدمته بخدمة عبد آخر.
وقال1

سحنون: ذلك إذا كانت الدار الأخرى، أو العبد الآخر سنين معلومات 1. وحمل الشيخ أبو الحسن قول ابن القاسم: أنه أجاز ذلك، وإن كان سكنى الأخرى، أو خدمة العبد الآخر حياة المعطي، حسب ما كان الأول.
وهذا أحسن 2 في الدارين؛ لأن كون الثانية حياة المعطي 3، أقل غررًا منه سنين معلومات 4، بخلاف العبدين؛ لأن الدارين مأمونتان أن تبقيا حياة المعطى، فإنما تقديره سكنى يوم بيوم، وشهر بشهر، وكلما مضى يوم قابله من الآخر مثله 5، وإن 6 اشترى بذلك سنين معلومات 7، أمكن أن يعيش المعطى، أكثر فيكون عليه 8 غبن، أو يموت قبلها فيبقى ورثته في سكنى الثانية، فيكون فيها غبن 9 على المعطى، وإذا كانت الثانية حياة المعطى لم يدخله غرر، وليس كذلك العبدان، لاختلاف حياتهما، وقد يطول عمر الثاني فيكون الغبن على المخدم، أو يموت قبل الأول فيكون الغبن على المعطي، وإن تراضيا على سنين معلومات 10 فمات الثاني بعد مضي نصفها، رجع في قيمة نصف خدمته الأولى على غررها.

وعلى قول أصبغ يرجع بقيمة السنين، قياسًا على الصلح 1 على الإنكار، فإن كانت قيمتها عشرين رجع بعشرة، كان مات الأول لم يرجع على الثاني بشيء؛ لأنه أخذه على أنه يتصرف في رقبته بالبيع وغيره 2. تمَّ كتابُ العرايا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

جارٍ التحميل