التبصرة للخميصفحات 2804-2843

كتاب الصرف

صفحات 2804-2843

باب [فيمن اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا، وأخذ بقيته فضة، أو اشترى سلعة ببعض دينار فدفع دينارًا وأخذ بقيته ذهبًا]

ومن اشترى من اللحَّام أو الحنَّاط، أو السقَّاط ببعض درهم، أو اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا واحدًا 1 وأخذ بقيته دراهم صغارًا، جاز ذلك له 2 إذا كان الذي يرجع إليه الثلث فأقل، ولا يجوز إذا كان الذي يرجع إليه 3 الأكثر الثلثين أو نحوهما.
واختُلف في النصف، فأجازه مالك وابن القاسم في المدونة 4، ومنعه ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد 5. وقال مالك: وكنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق.
وقد كان الأصل ألا يجوز إلا في الثلث فأقل، كما قال في الثمار في اكتراء 6 الدار 7. ولم يجزه أبو محمد عبد الوهاب إلا فيما قلَّ وكان تافهًا، فقال: لا يجوز صرفٌ وبيعٌ إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز

الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقيمته، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة، فلم يجز ذلك في الدرهم إلا في اليسير إذا كان الدرهم لا يجوز كسره 1. وذكر أشهب عن مالك في كتاب محمد: أنه كان يكرهه جملة في القليل والكثير، قال: كنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم خففناه؛ لأن الناس لا يطلبون به صرفًا 2. وقال في المدونة: لأنها نفقات لا تكاد 3 تنقطع، ولما للناس في ذلك من المرفق وقلة غناهم عنها 4. وقال أشهب: إنما يجوز ذلك عندي بالمدينة، وأما كل بلد يتعامل فيه بالفلوس، فلا يجوز 5. وقول مالك أحسن؛ لأنهم أجازوا ذلك وإن كانت تجوز في أيديهم الدراهم الصغار المقطعة، ويلزم أشهب ألا يجيز 6 ذلك وإن لم تجز 7 عندهم الفلوس؛ لأن صاحب الدرهم قادر على أن يصرفه بصغار، ثم يشتري بالصغار إن أحب، وإذا أجاز 8 ذلك مع القدرة على أن يأخذ فيه صغارًا، جاز

وإن كانوا يتبايعون بالفلوس- ولو كان الذي يرجع إليه فضة غير مسكوكة لم يجز.
وقال محمد فيمن اشترى قمْحًا بثلثي دينار فدفع دينارًا، وأخذ قطعة ذهب منقوشة: أكره ذلك 1. وفرق بين أن يرجع ثلث الدرهم فضة وثلث الدينار ذهبًا؛ لأن السعر في الدراهم الصحاح والصغار سواء، وسعر ثلث الدينار الصحيح بخلاف سعره إذا كان قطعة، فاتقى أن يكونا عملا على ذلك، فيكون دينارًا صحيحًا بقمح وقطعة ذهب، وذلك ربًا، ولا شيء عليهما في ذلك فيما بينهم وبين الله سبحانه إذا لم يعملا على ذلك؛ لأن الثلثين قضاء، والثلث مراطلة بوزنه.
وقال مالك في المدونة فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير مجموعة، فوزنها ليقضيها، فكان في وزنها فضل، فأخذ في ذلك عرْضًا أو وَرِقًا: فلا بأس به 2. وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إن أخذ في الفضلة ذهبًا لم يصلح، ولو كان ذلك خروبة واحدة كان ذلك من بيع أو سلف، قالا: ويدخله في البيع سلعة وذهب بذهب، وفي السلف ذهب أقامت عنده شهرًا وذهب يدفعها الآن بذهب يأخذها منه.
قال أشهب: وهو في السلف أخف، ولا بأس به في السلف ولا خير فيه من بيع 3. وقال مالك: لا يعجبني أن يعطيه في الزيادة وَرِقًا، كما لم يعجبه أن يعطيه ذهبًا 4.

قال أشهب: وإن نزل لم أفسخه 1. قال مالك: وأما النقصان فلا بأس أن يعطيه فيه 2 ما تراضيا عليه من شيء من الأشياء، وأن يترك النقصان على حاله 3. وأجازه مالك في موضع آخر في الذهب كان من بيع أو غيره، فقال فيمن كان له دينار ناقص على رجل، فأعطاه دينارًا تامًا فجعل معه قطعة ذهب حتى تم العدل: لا بأس به 4. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن أتى بدنانير جعفرية بعيونها فضل، فصارف بها دنانير صحاحًا نقصًا، وجعل مع الجعفرية قراضة حتى اعتدل الميزان، مثل الثلث والسدس: لا بأس به إذا لم يعين فضل عيون الجعفرية، وإن كانت القراضة قدر الدينار فلا خير فيه 5. فاستخفا ذلك إذا كان يسيرًا في جملة الدنانير، بخلاف الدينار الواحد 6. والاقتضاء ها هنا أخف من مسألة ابن القاسم في المراطلة 7؛ لأنهما لا يتهمان أن يكونا عملا على ذلك في الاقتضاء لقلته، ويتهمان في المراطلة أن يكونا شرطا ذلك في أصل البيع.

باب [فيمن غصب دنانير أو خلاخل، ثم صارف المغصوب منه فيها بدراهم، أوغصب جارية، تم اشتراها من صاحبها]

ومن غصب دنانير وغاب 1 عليها فإنه يجوز له أن يصارف 2 المغصوب منه فيها بدراهم إذا انتقدها وإن لم تحضر الدنانير؛ لأنها في ذمته بالغيبة عليها، وصرف ما في الذمة جائز.
وإن غصب خلاخل فضة لم يجز أن يصارف المغصوب منه فيها إلا أن يحضرها، لئلا يكون أتلفها فتلزمه قيمتها.
والقيمة فيها بالذهب والبيع بالذهب، فإن باعها بأكثر من القيمة أو أقل دخله الرِّبا وبيع الذهب بأكثر منه.
واختلف إذا غصب جارية ثم اشتراها من صاحبها، فقال ابن القاسم: أرى ذلك جائزًا إذا وصفها؛ لأنه ضامن لما أصاب الجارية قبل وجوب البيع وبعده 3. وقال محمد: يجوز إذا انتقد القيمة ووقف الزائد.
وقال سحنون: لا يجوز بيعها؛ لأنه لا يدري ما باع، القيمة أو الجارية؛ لأنه بالخيار، فإما أغرمه القيمة، وإما أتبعها حيث كانت، فإذا اختار إغرامه القيمة وعرفوها 4 جاز أن يبيع منه

تلك القيمة ويتعجل 1. قال الشيخ: لا يخلو أن يبيع منه الجارية بدنانير أو بدراهم أو بعرض، فإن باعها بدنانير من السكة التي الشأن أنها تباع بها بمثل القيمة فأقل- جاز، وإن شرط النقد.
فإن باع بأكثر من القيمة، قيل له: الأمر متردد في الجارية بين ثلاث: بين أن تكون سالمة، أو هالكة، أو حدث فيها عيب، فإن بيعت على أنها إن كانت هلكت أو حدث فيها عيب ضمنته جاز البيع إذا انتقدتَ القيمة، فإن تبين أنها كانت هلكت أو حدث بها عيب لم يكن لك سوى ما انتقدت، وإن كانت سالمة أخذت الفاضل، وإن بعت على أنها إن كانت هلكت ضمنت، وإن حدث فيها 2 عيب كنت على ما تراه من التضمين أو أخذها، لم يجز البيع وإن لم تنتقد إلا القيمة؛ لأنها تكون تارة بيعًا إن اختار إجازة البيع، وتارة سلفًا إن اختار الرَّدَّ.
وإن باع بدراهم لم يجز على أن ينتقد شيئًا؛ لأنها من غير جنس القيمة، فهو بائع حقيقة، ويجوز ذلك على غير النقد، فإن سلمت انتقدت الدراهم، وإن هلكت أغرمه القيمة من الدنانير، وإن حدث عيب كان بالخيار بين أن يضمن ويأخذ القيمة دنانير أو يأخذها معيبة، إلا أن يرضى بها المشتري معيبة، فيكون ذلك له، ولو أحب بيعها بدنانير على أن يرفع حكم الغصب عنه، والقيمة عشرة والبيع بخمسة عشر- لم يجز وذلك غرر؛ لأنه إنما أسقط عنه عشرة لمكان الخمسة التي زاده، فإن سلمت كان البائع قد أخذ الخمسة بالباطل، ولو علم

الغاصب بسلامتها لم يشترها بأكثر من عشرة، وإن هلكت كان الغاصب قد انتفع بسقوط الضمان لما أطمعه من الخمسة عند رجاء السلامة.
وعلى هذا يجري الجواب إذا باعها بعرض، وعليه تكلم سحنون إذا بيعت بغير الصنف الذي تُقَوَّمُ به.
وقال ابن القاسم: هو ضامن لما أصاب الجارية بعد البيع 1. ولم يبين هل يضمنها بالثمن، أو بالقيمة التي كانت يوم الغصب؟ والذي يقتضيه أصله أنه يضمنها بالقيمة؛ لأنه يقول في الغائب يُشترى: مصيبته من البائع.
فمن حق الغاصب على البائع التوفية، فإن هلكت قبل وصوله إليها 2 كانت عليه بالقيمة المتقدمة، وعلى القول إن مصيبة الغائب بعد العقد من المشتري تكون هذه مضمونة بالثمن.

باب [فيمن أودِع دراهم أو رهنها، ثم صارف صاحبَها فيها، أو صرفها من غيره لنفسه أو لصاحبها

1] وقال ابن القاسم فيمن أُودِعَ دراهم أو رهنَها ثم لقي صاحبها فصرفها منه: لم يجز ذلك إلا أن يحضرها 2. قال في كتاب محمد: أرأيت لو قامت البينة على هلاكها أكانت تكون في ضمانه؟ إنما تكون من صاحبها 3. فمن ها هنا كرهه مالك، فرأى أنه بقي فيها حق التوفية حتى يصل إليها المودع ويقبضها من نفسه.
وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك جائز في الوديعة والرهن 4. ورأى أنها مقبوضة ولا يحتاج إلى توفية، لما كانت تحت يده، وهو في الرهن على أصله أبين؛ لأنه يقول: هو ضامن له وإن قامت البينة على ضياعه.
وكذلك قال ابن القاسم فيمن كانت عنده وديعة فيتصدق صاحبها عليه بها، فقال: قد قبلت أن ذلك قبض، بخلاف أن تكون تحت يد غيره 5. وهذالخلاف إذا صرفها ولم يذكرا 6 رفع الضمان ولا بقاءه، فأما

إن شرطا 1 أنها في ضمان بائعها حتى يصل إليها المودع ويقبضها كان فاسدًا قولًا واحدًا.
وإن شرطا رفع الضمان وأنها من المودع بنفس الصرف كان جائزًا، ولا خلاف في هذين الوجهين، وإنما الاختلاف إذا أطلقا 2 الأمر.
وإن صرفها المودع عنده لنفسه وهي دنانير بدراهم، ثم أتى صاحبُها فأَحبَّ أن يأخذ الدراهم التي صرفت بها لم يكن ذلك له، وإنما له مثل دنانيره.
واختُلف إذا صرفها المودعَ لصاحبها فأراد صاحبها أن يجيز ذلك، فقال محمد: لا يحل ذلك وتباع الدراهم حتى يستوفي منها 3 دنانيره، فإن كانت أكثر فله، وإن كانت أقل فعلى المتعدي 4. وقال ابن القاسم في المنتخبة فيمن وكَّل من يقبض له دنانير فصارفه بها، أو أخذ بها 5 عرضًا، فقال: إن رضي رب المال جاز، وإلا فُسِخَ 6. وقد اختُلف في هذا الأصل في المدونة فيمن تحمل بدنانير فدفع عنها 7 دراهم بغير أمر المتحمل عنه، فقيل: ذلك جائز، لما كان القصد من الحميل المعروف والتخفيف عن الغريم 8.

وهو أحسن في مسألة الوديعة؛ لأن المصرف منه لم يدخل على خيار، ولا يجوز في مسألة الوكيل؛ لأنهما جميعًا -الوكيل والمصرف منه- دخلا 1 على خيار صاحب الدنانير.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن استودع حنطة فاشترى بها تمرًا 2، فأجاز ذلك المودِع وأراد أن يأخذ الثمن: إن ذلك له 3. وفرق بين الطعام والدنانير، ورأى أن الطعام تختلف فيه الأغراض، وقوله في كتاب الوديعة إذا تسلف الطعام المودَع أو خلطه بطعامه خلاف قوله ها هنا، وأجراه في كتاب الوديعة مجرى الدنانير إذا صرفها لنفسه 4. فعلى هذا يكون التمر للمودع، وعليه مثل القمح.
ويختلف أيضًا إذا باعه لصاحبه بتمر فأحب أن يجيز، فعلى قول محمد: يباع التمر ويُشترى به قمح، فإن فضل شيء كان لصاحب الوديعة، وإن عجز كان على المتعدي التمام.
وعلى قول ابن القاسم يجوز له 5 أن يأخذ التمر 6.

باب [في الصرف والبيع في عقد واحد]

قال مالك: لا يجوز صرف وبيع، ولا نكاح وبيع، وكذلك المساقاة والجُعل والقراض والشركة، لا يجمع 1 عنده شيء من ذلك إلى البيع 2. وقد اختلف في جميع ذلك، وقد تقدم في كتاب النكاح الثاني ذكر الاختلاف في النكاح والبيع، وفي كتاب الجُعْل ذكر الاختلاف في البيع والجُعْل، وفي كتاب البَيْعَتَيْن بالخيار الاختلاف في بيع بَتٍّ وخيار في عقد واحد.
ويختلف في البيع والمساقاة على مثل ذلك، فأما الصرف والبيع فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يجوز ذلك في دينار واحد، وسواء كان البيع والدراهم متكافئين ينوب كلَّ واحدٍ منهما نصفُ الدينار، أو كان أحدهما تبعًا للآخر، ولا يجوز في دينارين إذا كان الذي ينوب الصرف دينارًا، والذي ينوب البيع دينارًا، وإذا كان الصرف الأكثر أو البيع الاكثر جاز؛ لأن الصرف والبيع في دينار وما سواه صرف محض، أو بيع محض، وكذلك إذا كثرت الدنانير، وإن كان الصرف والبيع في دينار وما سواه بيع كلُّه أو صرف 3 كلُّه جاز، مثل أن يكون مائة دينار والصرف والبيع في دينار، والذي ينوب التسعة والتسعين الباقية بيع؛ لأنها عروض، أو صرف؛ لأنها دراهم، فذلك جائز، فإن كان على غير ذلك لم يجز، وهذا قول مالك وابن القاسم 4.

وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إنما يجوز ذلك في أقل الدينار، مثل أن يشتري الثوب بثلثين أو بثلاثة أرباع دينار، فيدفع دينارًا ويأخذ فضله وَرِقًا، ولو كان الوَرِق أكثر الدينار لم يكن فيه خير 1. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا يجوز البيع والصرف في دينار إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقدره، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة؛ لأنه يعلم أن البيع غير مقصود مع ذلك في دينار 2. إلا أن يكون أحدهما يسيرًا 3 مما لا تدعو الضرورة إليه.
وأجاز أشهب في مدونته الصرف والبيع 4. ولمالك في كتاب محمد مثله في رجل باع مائة ثوب أو مائة جلد، كل ثوب أو جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم: لا بأس به إذا كان كل ذلك نقدًا 5. فأجاز في هذه المسألة بيعًا وصرفًا؛ لأن جملة الدراهم ثلاثمائة درهم.
ولو كان من عند أحدهما دنانير وعرض، ومن عند الآخر دراهم وعرض، فإن كان العرضان يسيرين ينوبهما أقل من صرف دينار- جاز، وإن كان ينوبهما 6 صرف دينار فأكثر لم يجز على قوله في منع صرف وبيع.
وكذلك إذا كانت العروض كثيرة، فإن كان الذهب والفضة أقل من

صرف دينار جاز، وإن كان من عند أحدهما دراهم كثيرة وعروض كثيرة، ومن عند الآخر دنانير كثيرة وعروض (1) -لم يجز ذلك- كانت العروض التي مع الدنانير كثيرة أو قليلة- فإن كانت العروض كثيرة ومعها ذهب أقل من صرف دينار جاز.

فصل [فيمن صرف دينارًا وأخذ بالدراهم سلعة فوجد عيبًا]

وإذا كان البيع والصرف في دينار واحد، وأصاب عيبًا بالدينار أو بالدراهم أو بالعرض 2 - انتقض جميع الصفقة، ولا يفترق ذلك إلا فيما يفيت العرض 3، فإن كان العيب بالدينار أو بالدراهم فات العرض بحوالة الأسواق، إلا أن يكون يسيرًا، فلا تفيته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالعرض لم تفته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالدينار 4 أو بالدراهم؛ لأن الدراهم جل الصفقة، فإذا ردت من يده كانت عيبًا في بقية الصفقة، والعيب لا تفيته حوالة الأسواق 5. فإن اشترى ثوبًا بنصف دينار، فدفع دينارًا وأخذ من صاحب الثوب دراهم بالحضرة، ثم وجد عيبًا بالدينار، انتقض الصرف وبقي البيع 6 الأول1

منعقدًا بنصف دينار على حاله، وكأنه لم ينقده شيئًا.
وإن كان العيب ببعض 1 الدراهم انتقض الصرف في نصف الدينار، وبقي نصفه قصاصًا من الدَّيْن، وإن كان العيب بالسلعة انتقض جميع ذلك البيع والصرف على قول من لم يُجوِّز صرف بعض دينار.
ومن اشترى ثوبًا ودراهم بدينارين فأصاب بأحدهما عيبًا، فإن كانت السلعة الأقل، وكان العيب بها أو ببعض الدراهم، انتقض من الدراهم صرف دينار، وإن كان العيب بها ردها ورد معها من الدراهم تمام صرف دينار، وإن كان العيب ببعض الدراهم ردَّه وردَّ معه تمام صرف دينار، وبقي ما سوى ذلك منعقدًا على حاله.
وإن كانت السلعة الأكثر انتقض جميع الصفقة، وسواء كان العيب بها أو ببعض الدراهم، وإن كان العيب بأحد الدينارين انتقض جميع الصفقة؛ لأن الذي يقابل الدينار نصف السلعة ونصف الدراهم، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض نصف الصفقة ويرجع في نصف الدراهم ونصف السلعة، وينقلب الخيار لمشتري السلعة؛ لأنه لم يدخل على عيب الشركة، وليس حوالة الأسواق فوتًا في السلعة 2 إذا كان العيب بالسلعة، وذلك فوت فيها إذا كان العيب ببعض الدراهم أو بأحد الدينارين.
قال محمد: إذا كان العيب بالثوب، وفات بتلف أو بقطع، لم يكن له أن يرجع بقيمة العيب، ولكنه يرد قيمته ويرد مع القيمة تمام صرف دينار إن كانت السلعة

الأقل، وإن كانت الأكثر (1) ردَّ قيمتها والدراهم، ورجع بديناره (2).

فصل [فيمن ابتاع سلعة ودراهم بدينار، وحصل تأخير أو تقدم في السلعة والدراهم، أو استثنى في الدراهم]

واختلف إذا بيعت سلعة ودرهم أو درهمان بدينار، فتأخَّرت السلعة والدرهمان أو أحدهما على أربعة أقوال: فروى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز ذلك إذا عُجِّلت السلعة وتأخر الدرهمان، ومنعه إذا عُجِّل الدرهمان 3 وتأخرت السلعة 4. وروى أشهب عنه أنه أجاز ذلك وإن عُجل الدرهمان 5 وأخرت السلعة، ومنعه إذا افترق الدرهمان 6 وعُجلت السلعة والدرهم وتأخر الدينار، أو عُجل الدينار وأخرت السلعة والدرهم 7. وروى عنه ابن عبد الحكم في كتاب محمد أنه أجاز ذلك 8. ومنعه محمد بن عبد الحكم إذا عجلت السلعة وتأخر العينان 9، وقال:12

هذا حرام؛ لأنه الصرف إلى أجل والدَّيْن بالدَّيْن.
قال الشيخ: الجواب عن جميع هذه الأسئلة واحد، إما أن نقول: إن ذلك يسير ومما تدعو الضرورة إليه لتمام البيع لما كانت السلعة لا تبلغ دينارًا، فجائز وإن أُخر الدرهمان أو قُدِّما أو فُرِّقا فقُدِّم أحدهما وأُخِّر الآخر، أو يقال إن ذلك مما لا تدعو الضرورة إليه؛ لأنهما قادران على أن يجعلا مكان الدرهمين أو الدراهم طعامًا أو غيره مما يخف وجوده، فيمنع جميع ذلك.
وإذا عجلت السلعة وأُخِّر الدرهمان 1 كان أبْيَن في الفساد منه إذا عُجل الدرهمان 2 وأخرت السلعة؛ لأن ما يقابل الدرهم من الدينار صرف، وقد عجلاه وتناجزا فيه، وما يقابل السلعة من الدينار بيعٌ يجوز تأخيره، وقد تقدم ذلك وأنه قد قيل: إن ذلك جائز وإن كثرت الدراهم إذا تناجزا في الصرف وتأخرت السلعة.
قال مالك: وإذا وجد أحد الدرهمين رديئًا أبدله ولم ينتقض الصرف.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: هذا بيع منتقض كله 3. واختلف إذا كانت سلعة وثلاثة دراهم، هل يكون الجواب فيه كالدرهمين؟ فقال في المدونة: لا خير في ذلك 4. وأجازه في كتاب محمد 5. وأما الخمسة والستة فلم يختلفوا أنها مراعاة، فلا يجوز تأخير العينين 6

ولا افتراقهما 1. وقال مالك فيمن اشترى سلعة بخمسة دنانير إلا ثلاثة دراهم فدفع أربعة دنانير وأَخَّرَ الدينار حتى يأخذ الدراهم ويدفع دينارًا، أو أخذ الدراهم وأَخَّرَ الأربعة: لا خير فيه، وهو عندي 2 بخلاف الجزء من الدينار 3. ولو اشترى سلعة بخمسة دنانير إلا خُمُسًا أو إلا رُبُع الدينار، فدفع أربعة دنانير وأخَّر الدينار حتى يأتيه بخُمُس أو بربع، أو عجل الدينار وأخذ مصارفة الخمس، وتأخرت الأربعة- لجاز؛ لأن البيع في هذه المسألة إنما وقع على ذهب خاصة، وليس في ذمته غير ذهب.
ولو أتى المشتري بخمسة دنانير، وقال: أكون شريكًا معك 4 بخُمس دينار أو رُبعه، جاز ذلك، وأجبر الآخر على قبولها، ولم يكن على المشتري غير ذلك، والذي اشترى بخمسة دنانير إلا ثلاثة دراهم في ذمة أحدهما ذهب، وفي ذمة الآخر فضة فافترقا، فأجاز في هذه المسألة أن يصارفه في دينار، وإن تأخرت الأربعة.
ومنع مثل ذلك إذا كان البيع إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فدفع دينارًا وصارفه في بقيته؛ لأن المنع من باب التهمة أن يكونا عَمِلا على ذلك فقويت التهمة عنده إذا كان البيع بنصف دينار، فصارفه في بقيته، وضعفت في خُمس من عشرة دنانير.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير مجموعة،

فقضاه إياها، فكان في وزنها فضل، فأعطاه فيه ورقًا أنه لا بأس به 1. وكرهه مالك في كتاب محمد، وعلى قوله ذلك يكرهه في هذه.
وسئل سعيد بن المسيب عن رجل ابتاع طعامًا بدينار ونصف درهم، فأراد أن يعطي بنصف درهم طعامًا، فقال: لا، ولكن أعط درهمًا وخذ بقيته طعامًا، قال مالك: كره أن يعطي دينارًا وطعامًا بطعام 2. قال الشيخ: يجوز أن يعطيه بالنصف درهم من القمح بعينه بمثل ما ينوبه من الثمن لا أقل ولا أكثر، وتكون إقالة، فإن قبضه جاز أن يعطيه منه بمثل ما ينوبه وأرخص وأغلى إذا لم يفترقا أو فترقا ولم يغب عليه، فإن غاب عليه كره له ذلك.
ويكره أن يعطيه به شعيرًا، وسواء كان ذلك قبل قبض القمح أو بعده، افترقا أم لم يفترقا.
ويجوز أن يعطيه به قِطْنِيَّة أو تمرًا قبل القبض وبعده ما لم يفترقا، فإن افترقا كره له 3 ذلك، فإن نزل ذلك لم يفسخ في أي هذه الوجوه كان؛ لأن الكراهية في ذلك من باب التهمة خيفة أن يكونا عملا على ذلك، والتهمة تضعف لقلة ما ينوب نصف درهم في جنب الدينار.
وقد أجاز مالك في أحد قوليه لمن اشترى سلعة بدينار إلا درهمين مفارقة الدراهم 4 الدينار، وإن كان ذلك يسيرًا فهو في هذه المسألة في التهمة في نصف

درهم أضعف منها في درهمين، وأجاز في المسألة المتقدمة فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير فقضاه إياها، فكان في وزنها فضل أن يأخذ فيه دراهم بعد الافتراق، ولم يتهمهما 1 أن يكونا عملا على ذلك.

باب [في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ومعهما أو مع أحدهما عرض]

ولا يجوز للرجل أن يشتري دينارين بدينار وعرض؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل فيما بين الذهبين، فإن كان قيمة العرض أكثر من دينار كان الذي ينوبه مما أخرج الآخر أكثر من دينار، وإن كانت قيمته أقل كان الذي ينوبه أقل من دينار.
وكذلك دينار وعرض بدينار وعرض، أو دراهم بدراهم ومع أحدهما عرض، أو مع كل واحد منهما 1 عرض، أو دنانير ودراهم بدنانير ودراهم، كل ذلك حرام وربًا، ويدخله التفاضل بين الذهبين والفضتين؛ لأنه لا بد أن يكون على أحدهما غبنٌ ما 2، وذلك الغبن لا 3 يختص بما يقابله من الدنانير، بل ذلك شائع؛ لأنها صفقة واحدة، وعقد واحد.
وإن كان من عند أحدهما حلي وعرض، ومن عند الآخر دنانير بانفرادها أو دنانير وعرض- كان ذلك أبين في الفساد ودخول الربا؛ لأن الحلي مما تختلف فيه الأغراض، وليس تحصره القيمة كالدنانير.

باب [في بيع السيف المحلَّي وغيره من آلة الحرب والحلي والمصحف]

تقدم ذكر السيف يكون نصله تبعًا لحليته أنه يجري في البيع على أحكام الصرف.
واختلف إذا كانت الحلية تبعًا للنصل وهي فضة هل تباع بفضة نقدًا أو تباع بفضة أو ذهب إلى أجل؟ أو كانت ذهبًا، هل تباع بذهب نقدًا، أو تباع بذهب أو فضة إلى أجل؟ على أربعة أقوال: فأجاز مالك وابن القاسم أن يباع بجنس حليته نقدًا، ومنعا أن يباع بفضة أو ذهب إلى أجل، فإن نزل ذلك فُسِخ ورُدَّ، إلا أن يفوت بأن تنقض حليته وتفرق فيمضى ولا يرد 1. وقال أشهب في كتاب محمد: يكره، فإن نزل مضى ولا يرد 2. وأجاز ذلك ربيعة وسحنون ابتداءً أن يباع بجنس حليته وبغيرها نقدًا وإلى أجل 3. قال سحنون: ولو استحقت الحلية ما كان له أن يرجع عنها بشيء؛ لأنه لا حصة لها، وهي كمال العبد 4. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز عندي أن يباع سيف فيه فضة بفضة

نقدًا، وإن كانت تبعًا 1، وهو قول عمر وابن عمر - رضي الله عنهما -. قال أنس - رضي الله عنه -: "أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - وَنَحْنُ بَأَرْضِ فَارِسَ أَلَّا تبيعُوا السُّيُوفَ فِيهَا حِلْيَةُ فِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ" 2. وقال نافع: كان ابن عمر لا يبيع سيفًا ولا سرجًا فيه فضة حتى ينزعها ثم يبيعها وزنًا بوزن 3. ولم يختلفوا إذا كانت الحلية منقوضة، وهي تبع أنه لا يجوز أن يباع السيف وحليته بجنسها نقدًا ولا إلى أجل.
وأرى إذا كانت الحلية قائمة بنفسها صيغت 4 ثم ركبت وسمرت- أن يكون لها حكم المنقوض؛ لأنه ليس في ذلك أكثر من أنها سُمِّرت بمسمار، ولا كبير مضرة في نزعها وردها، وإن كان شيء مُوِّه به في السيف أو شيء أُنْزِل في قائم السيف ويَشُقُّ نزعُهُ: أن يجوز نقدًا وإلى أجل إذا كانت تبعًا.
واختلف في حلية الرمح والسكين والترس والفاتخة 5، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، قال مالك: وإنما يفعل الناس ذلك على وجه السرف فلا يجوز أن يُعمل، فإن عُمل وكان تبعًا لم يجز أن يباع بما فيه 6، وإن كان نقدًا 7.

وقال مالك 1 في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بالحلي في المنطقة.
وقال عبد الملك بن حبيب: كل مفضض من المناطق والأسلحة فهو كالسيف، إن كانت فضته تبعًا لثمن الجميع بِيع بفضة نقدًا، وإن لم يكن تبعًا بِيع بذهب نقدًا 2. وهذا أشبه؛ لأن ذلك ليس من السرف، كما قال في السيف وغيره.
وإنما أجيز ذلك في السيف لما كان من آلة الجهاد؛ لأن فيه إرهابًا على العدو.
وكذلك الرمح والترس والفاتخة والسرج واللجام، كل ذلك مما يرهب به على العدو، وقد يُرَى أن ذلك لأنه رجل كبير في قومه، وأن له شجاعة وفضلًا على غيره، ولأن ذلك مما يزيد في قوة نفسه، وألا يُنزِلَ نفسه في القتال منزلة من لا يؤبه له.
وأجاز مالك حلية 3 المصحف.
قال ابن القاسم: ورأيت لمالك مصحفًا محلًى بفضة 4. وأجاز مالك في كتاب محمد أن يحلَّى السيف والمصحف والخاتم بالذهب 5. وأجازه في المدونة في السيف، فقال: ولا يجوز أن يبيعه بذهب ولا بفضة نسيئة إذا كان فيه شيء من الذهب والفضة قليلًا كان أو كثيرًا 6. وقد قيل: إنه لا يحلى بذهب.

والأول أحسن؛ لأن الفضة لم تجز إلا لم تقدم ذكره من الترهيب، فهو في الذهب أبين.
وجاز ذلك في المصحف إعظامًا لكتاب الله عز وجل، وإجلالًا لحرمته.
وأجازه مالك في كتاب محمد في الخاتم كان الذهب أقل من الثلث أو أكثر (1). فإن كان الذهب أكثر بيع بالفضة، وإن كانت الفضة أكثر بيع بالذهب، فإذا كان الذهب الأكثر لم يجز استعماله إلا للنساء دون الرجال.
ولا يجوز أن تحلَّى الأواني بذهب ولا بفضة ولا الأقداح ولا غير ذلك.

فصل [في بيع المحلَّى بأحد النقدين بجنس الآخر، والمقدار المعتبر للتبعية في ذلك]

واختُلف في الحلي يكون ذهبًا وفضة، أحدهما الثلثان والآخر الثلث، هل يباع بأقل ذلك؟ فمنعه مالك في المدونة 2، وأجازه أشهب 3. وهو أقيس، ولا فرق في ذلك بين الحلي والسيف؛ لأن كليهما فُعل بوجه جائز، فإذا رأى أن التبع من ذلك في السيف كاللغو كان في الحلي مثله.
ولم 4 يختلف في الحلي يكون فيه ذهب وفضة ولؤلؤ وجوهر والذهب والفضة الثلث فأقل، واللؤلؤ والجوهر الثلثان فأكثر- أنه يباع بأقل ذلك كالسيف.1

وأرى أن يحتاط فيما يُقدَّر من ذلك كله أنه الثلث؛ لأن كل ذلك على التقدير ليس على التحقيق.
وثياب النساء المعلَّمة -بالذهب كالمعتَّق وما أشبهه- في ذلك كالسيف، فإن كان علمه الثلث فأقل جاز بيعه بالذهب، وإن كان أكثر بيع بالفضة يدًا بيد، وهذا في المعتَّقات العراقية؛ لأن ذهبها غير مستهلك 1 العين.
والشأن فيما قدم منه أن تحرق أعلامه، فيخرج منها الذهب.
فأرى أن يباع شيئًا من ذلك بالعراق وأن يسأل أهل المعرفة بصنعة ذلك عما يكون في مثل ذلك من الذهب، فإن قيل: خمسة دنانير، قيل: كم قيمة ذلك الثوب على هيئته بعلمه وصناعته؟ فإن قيل: خمسة عشر دينارًا، بيع بالذهب؛ لأن الزائد للثوب ولصنعة العلم، ولا ينظر إلى قدر الذهب وقيمة الثوب بغير علم؛ لأن الصنعة إن قومت على ذلك لم تدخل في القيمة وأبطل حكمها، وفي ذلك ظلم على المتبايعين، وهي في هذا الموضع كالخياطة.
وإن 2 بيع شيء من ذلك بموضع لا يعمل فيه ولا يعلم كم قَدْر ما فيه، قيل: بكم يباع لو كان بغير علم، وإذا بيع وفيه ذلك العلم؟ فإن كان يزيد ذلك العلم الثلث فأقل، جاز بيعه بالذهب، وإن كان أكثرة بيع بالفضة، وكل ذلك يدًا بيد.
وإنما رُجِعَ في ذلك إلى ما تزيد القيمة؛ لأنها ضرورة لا يقدر على أكثر من ذلك، وإنما يباع بالفضة أحوط، لإمكان أن يكون الذي فيه من الذهب أكثر مما زادت 3 القيمة.

وأما الذي يعمل بالمغرب فهو سمنطر 1 لا يخرج منه شيء عند الحرق، وقد يقال: هو في معنى المستهلك من هذا الوجه فيباع بما فيه نقدًا وإلى أجل، ولا يعتبر قدر الذهب، ويصح أن يقال: يعتبر ذلك لأنه الآن موجود قائم العين.
وإذا كان الوجه اعتبار ما فيه فإنه يسأل أهل المعرفة بعمله كم يدخل فيه من مثقال ذهب مغزول، ثم يسأل الذين يعملون السمنطر 2 كم يدخل في ذلك المثقال من الذهب؟ فإذا علم ذلك نظر إلى ذلك الذهب كم هو، وهل هو الثلث أو أكثر.
وهذا أحسن؛ لأنه لو كانت جلودًا بحالها 3 لم تغزل بعدُ لم يجز بيعها بالذهب نقدًا، ولا بالفضة إلى أجل؛ لأن المشترَى الذهب الموجود، وهو قائم العين.
وكذلك كل ما يعمل في المحاجر، فإنه يعتبر ما فيه من الذهب كما تقدم في الثياب.
وأما أزرار جيوبهن فحكمه حكم حلية السيف إذا كانت منقوضة؛ لأنه ليس في ربطه ونزعه كبير أمر، وما كان مما يعملن 4 في المرايا والأقفال والصناديق، فحكمها حكم المنزوع؛ لأنه مما لا يجوز استعماله، وكذلك كل ما عمل مما لا يجوز استعماله، فإن حكمه حكم المنزوع.

باب [في الاستحقاق في الصرف]

وقال ابن القاسم فيمن اشترى إبريق فضة بدراهم أو بدنانير فاستحقت الدراهم أو الدنانير: إن الصرف منتقض 1. قال الشيخ: وكذلك إذا استحق الإبريق ينتقض الصرف أيضًا، فإن رضيا جميعًا على مثل ذلك الإبريق أو على فضة أو دراهم جاز ذلك؛ لأن البيع كان على شيء بعينه، وقد انفسخ الصرف باستحقاقه، وما تراضيا عليه الآن فهو صرف حادث.
وكذلك إذا استحقت الدنانير أو الدراهم، وكان البيع على أعيانها، فالصرف منتقض باستحقاقهما 2، والتراضي على مثلها جائز؛ لأنه صرف حادث.
وإن لم تكن بأعيانها كان أخذ العوض عنها على القولين في البدل، فمن أجاز البدل أجاز هذا أن يعطي عوضها بالحضرة 3، ويجبر الآخر على قبولها، ومن لم يجز البدل لم يجز هذا أن يعطي عوضها، وإن رضي الآخر بذلك لم يجز.
وإن كان الصرف دنانير بأعيانها بدراهم بأعيانها فاستحق أحدهما، انفسخ الصرف، وسواء كان الاستحقاق قبل الافتراق أو بعده.
وإن دعي 4 من استحق ذلك من يده إلى خلفه لم يجبر الآخر على ذلك،

وإن رضي بائع المستحق أن يخلفه لم يجبر الآخر على قبوله، وإن رضيا جميعًا هذا بخلفه، وقبِل الآخر جاز ذلك، وسواء كان ذلك الاستحقاق قبل الافتراق أو بعده.
فإن كان الصرف على غير معين، والاستحقاق قبل الافتراق، والمثل حاضر مع بائع المستحق- أُجبِر على أن يعطي مثل ما استحق، وإن استحق ذلك بعد الافتراق انفسخ الصرف، ولا يجوز أن يتراضيا على مثل المستحق؛ لأنه إنما يدفع الآن ما كان حقه أن يدفعه يوم كان الصرف بذلك فاسدًا إلا على قول (1) من أجاز البدل فيجوز.
وإن دُعي إلى ذلك أحدهما، وكره الآخر، أُجبر من أبى على أن يتم الصرف.

فصل [في استحقاق المصوغ في عقد الصرف]

وقال ابن القاسم فيمن صارف خلخالين فضة بدراهم أو بدنانير فاستحقَّا، فأراد المستحق أن يجيز الصرف فيهما، ويأخذ الثمن الذي بيعا به: إنه يجوز ذلك إذا لم يفترقا البائع لهما والمشتري، ولم تغب الخلخالان، فإن افترقا فلقي البائع، فأراد أن يأخذ منه الثمن- لم يجز ذلك لغيبة الخلخالين، وإن لقي مشتريهما فأراد أن يجيز ويدعهما، ويتبع البائع بالثمن- لم يجز لأجل غيبة الثمن، وإن رضي المشتري أن يدفع ثمنًا آخر من عنده ويتبع هو من كان باع منه بالثمن الذي دفع إليه- جاز 2.1

فجعل إجازة المستحق كابتداء صرف منه، فيجوز إذا لم يفترقا ويمنعان 1 بعد الافتراق.
وقد اختلف في هذا الأصل فيما كان فيه خيار فأجيز الآن: فقيل: يكون كأنه أجيز يوم كان عقد.
فعلى هذا يجوز للمستحق إذا أجاز أن يأخذ الثمن وإن غاب الخلخالان، ويجوز إذا غابا أن يدعهما ويتبع بالثمن قابضهما.
وقال أشهب في الإجازة قبل الافتراق ذلك استحسان، قال: والقياس أنه مفسوخ؛ لأنه صرفٌ فيه خيار 2. والمعروف من قوله خلاف هذا؛ لأنه قال في العبد يتزوج حرة 3 بغير إذن سيده ويدخل بزوجته ثم تزني تلك الزوجة: إنَّ رجمَها موقوفٌ على إجازة السيد، فإن أجاز نكاحَه الآن 4 كانت محصنة ورُجِمَت، وإن لم يجزه لم تُرجم وحُدَّت حدَّ البِكر.
ورأى أنه إذا أجيز الآن، فإنه لم يزل منعقدًا من يوم عقد.
فعلى هذا يجوز أن يجوَّز 5 الصرف إذا أجازه المستحق، وإن افترقا وغاب الخلخالان؛ لأنه 6 لا يراه كالمبتدئ من الآن، ولأن الخيار في النكاح غير جائز، فإذا أجاز أن يجاز بعد طول المدة والدخول لما كان الخيار مما لم يدخلا عليه، فإنما أوجبته الأحكام لحق السيد- جاز مثل ذلك في الصرف؛ لأنهما في الاستحقاق لم يدخلا على خيار.

باب [في البيع على تسمية دنانير أو دراهم]

وإذا صارف رجل رجلًا دراهم بدنانير كل عشرين درهمًا بدينار، أو باعه سلعة بدنانير والدنانير التي يتصرف بها في البلد بين الناس مختلفة السكك- كان ذلك فاسدًا، إلا أن يكون الثمن فيما يباع به ذلك، أو الغالب فيما يتصرفون به سكة منها وغيره قليل ونادر، فيجوز ويحملان على الغالب من ذلك 1.

باب [فيمن صرف بعضًا من دينار أو نقرة أو دراهم]

وقال مالك فيمن صرف من رجل نصف دينار جميعه له، وسلم الدينار إلى مشتري نصفه منه 1: لم يجز؛ لأن يد المصرف لم ترتفع عن الدينار الذي دفع فيه الصرف.
وإن صرف جميع الدينار من رجلين وسلمه إليهما جاز 2؛ لأن يد المصرف ارتفعت، وإنما بقيت الشركة بين المشترين.
ومثله إذا كان دينار شركة بين رجلين فصرف أحدهما نصفه من غير شريكه جاز ذلك؛ لأن يد المصرف ارتفعت عن نصيبه منه، وإنما الشركة الآن بين المشتري والشريك.
وقد اختلف في هذه المسائل الثلاث: فقال أشهب في كتاب محمد: يجوز أن يشتري نصف خلخال فضة بوزنه فضة إذا سلم جميع الخلخال.
قال محمد: ورآه قبْضًا.
قال: وروي لنا عن أشهب عن مالك خلافه في النقرة 3. فأجاز أشهب صرف بعض الخلخال.
وعلى هذا يجوز صرف بعض الدينار.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأن يجوز أحسن في الدينار والخلخال؛ لأن الذي وقعت عليه المصارفة قد قبض وقبض ثمنه وتناجزا فيه، وهو صرف 4 نصف الدينار، وإنما بقي بينهما ما لم تقع فيه مصارفة.

ولو صرف رجل خمسمائة درهم من كيس فيه ألف درهم، وهو حاضر لوزنه، فسلم جميعه، ولم يقبض نصيبه منه بالحضرة- جاز؛ لأنهما قادران على قسمته بالحضرة قبل الافتراق، فتركه المقاسمة رضًا بالشركة بعد صحة المصارفة.
ولو صرف نصف نقرة جميعها له من رجل وسلمها إليه لم يجز ذلك عند مالك 1، والنقرة بخلاف الدراهم، وهي كالدينار؛ لأنه لا يقدر على أن يقبض نصيبه منها بالحضرة، إلا أن يقوما إلى من يقسمها بينهما، وقيامهما لذلك كقيامهما إلى قسمة الدينار بالصرف.
وأجاز في المدونة أن يصرف الرجل الدينار من رجلين وإن بقيا فيه على الشركة 2. ومنعه محمد إلا أن يكونا شريكين في الدراهم 3. وأما إن صرف رجلان دينارًا من رجل جاز قولًا واحدًا؛ لأنهما يقدران على قسمته بالحضرة إن أحبَّا، وهي الدراهم.
وقال مالك في كتاب محمد: لا بأس أن يبيع النقرة من رجلين، وينقلب بها أحدهما دون صاحبه 4. ولا يصلح أن يبيع نصف نقرة، وإن سلمها كلها وأجراها على حكم الدينار لما كان لا يقدر على أخذ نصيبه منها بالحضرة، ومنع إذا كان له فيها

نصيب أن يبيع نصيبه من غير شريكه، ورأى أن المناجزة لم تصح، وأجازه أشهب 1. وهو أحسن في هذه وفي الذي صرف الدينار من رجلين؛ لأن يد المصرف قد ارتفعت، ولم يبق بينه وبين من صرف منه معاملة.
ولو كان رجلان شريكين في دينار أو حلي أو دراهم أو نقرة فباع أحدهما نصيبه من ذلك من شريكه بمثل وزنه- جاز في الدينار والحلي، وهي كالمرطلة.
واختلف في النقرة، فروى ابن القاسم عن مالك الجواز 2. وروى عنه أشهب المنع وأن تقسم 3. وقيل: الوجه في ذلك لأنها إذا قسمت نقصت، فكان الذي يأخذ الآن فوق الوزن الذي يصح فيها بعد المقاسمة.
والأول أحسن؛ لأن النقص لم يكن بعد وهو يسلم النصف على وفائه في الوزن لم ينقص منه شيء، ويجوز ذلك في الدراهم إذا كانت وزنت بالحضرة، وأعطى وزنها بتلك الصنجة وإن كان تقدم بصنجة ثم وزنها بغيرها، لإمكان الاختلاف ما بين الوزنين، وهو معنى قول أشهب في الدراهم.
وإن باع نصيبه من غير شريكه بمثل وزنه مُنع في كل ما لا ينقسم من الدينار والحلي والنقرة، لأجل المناجزة ليس لأن في ذلك تفاضلًا، وعلى القول المتقدم في جواز صرف بعض خلخال بوزنه- يجوز جميع ذلك مثل ما لو بيع

بغير جنسه، ويجوز ذلك في الدراهم؛ لأنها تنقسم.
وفي كتاب محمد في رجل دفع دينارًا إلى رجلين صارف أحدهما في فصفه، ودفع نصفه إلى الآخر هبة أو قضاء من دَيْنٍ، لم يجز ذلك 1. ومثله إذا دفع ثلثيه قضاءً من دَيْنٍ، ثلثًا لكل واحد، وصارف أحدهما في ثلثه لم يجز ذلك، قال: ولو صرف ذلك الثلث منهما جميعًا جاز ذلك 2. قال الشيخ: المنع في هذين السؤالين على أحد القولين في منع صرف دينار من رجلين، وعلى القول الآخر يجوز ذلك كله؛ لأنه لم يبق لدافع الدينار عليه يد ولا بينه وبين من صرف منه معاملة، وإنما بقيت الشركة بين المشتري لنصف الدينار وبين من قبض النصف الآخر هبة أو قضاء.
وعكسه أن يكون لرجل على رجلين دَيْنٌ ثلثا دينار، ثلث على كل واحد منهما، فأخذ منهما 3 دينارًا وصرف الثلث الباقي، فإن كان الدينار شركة بين الغريمين، أو كان لأحدهما ثلثاه فصرف منه الثلث والباقي قضاء جاز ذلك 4. واختلف إذا كان جميع الدينار لأحد الغريمين، فدفع ثلثيه قضاءً عن نفسه وعن صاحبه، وصارف في الثلث الآخر، فقال: ذلك جائز، بمنزلة أن لو كان على رجل نصف دينار فدفع إليك غيره دينارًا، وأخذ منك بقيته دراهم، كان ذلك جائزًا.

قال محمد: لا يعجبني قوله في الغريمين إذا صارف 1 في الثلث أو دفع فيه عرضًا؛ لأن دافع الثلث يمكن أن يزيده الآخر في الصرف ليضمن له عن صاحبه الثلث الباقي، فيدخله ضمان بجُعْل 2. قال الشيخ: القول الأول أحسن، إلا أن يكون الذي قضى عنه الثلث فقيرًا أو مليًا، وتبين أنه زاده في الصرف، وكذلك الذي قضى عن غيره نصف دينار وصارف في الدراهم- ذلك جائز إذا لم يزده في الصرف، وإن دفع عن الثلث أو النصف عرضًا لم يجز، ودخله البيع والسلف؛ لأن العرض يدخله في القيمة 3 الزيادة والنقص، وليس كذلك الصرف؛ لأنه معروف لا يختلف وقت دفع ذلك، فإن وجدت المصارفة ولا زيادة فيها حمل على أنه قصد المعروف.
قال: ولو كان لك على رجل نصف دينار فدفع إليك دينارًا على أن تحيله على فلان بنصف دينار لك عليه- لجاز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه 4. قال الشيخ: وقد اختلف في هذا فيمن أسلف دنانير 5 أو دراهم ليحال بمثلها.

باب في المتصارفين يزيد أحدهما الآخر بعد انعقاد الصرف شيئًا نقدًا أو إلى أجل

وإذا صرف رجل دينارًا بدراهم ثم قال قابض الدراهم: استرخصت فزدني، فزاده درهمًا أو عرضًا نقدًا أو إلى أجل، جاز ذلك، وسواء أعطاه ذلك هبة أو قرضًا، ولا يتهمان على أيهما عملا على ذلك 1. فإن زاده درهمًا ثم وجده زائفًا، فإن كان معينًا، فقال: أزيدك هذا، لم يكن عليه أن يبدله، وإن التزم ذلك ولم يعيِّنه كان عليه أن يبدله، فإذا انتقض الصرف لفساد في العقد أو تقايلا فيه بالطَّوع رُدَّت تلك الزيادة قائمة أو فائتة، وحكمها حكم الثمن 2. ولو قال: هذا هبة لمكان الصرف، لم يرجع في تلك الهبة إذا تقايلا فيه، ورجع فيه إذا وجد الصرف فاسدًا 3. والفرق بين السؤالين أن قوله: استرخصت فزدني، أي: فزدني في الثمن، فألحقها بالثمن، فجرى مجراه، والثاني لم يلحقه بالثمن، وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الثاني إذا زاد المرأة في صداقها أو وهبها ولم يزد في الصداق ثم طلق، أو وجد النكاح فاسدًا والهبة فائتة أو قائمة العين ولم تتغير أو تغيرت.

باب في المصطرفين يجد أحدهما نقصًا في الوزن أو العدد

النقص في الصرف على وجهين في العدد وفي الوزن، وهو في الوزن على وجهين: أحدهما: أن تكون الدنانير مجموعة.
والثاني: أن تكون عددًا كالقائمة والفرادى، فيجد كل دينار ناقصًا عن الوزن المعتاد.
فإن انعقد الصرف على مائة دينار عددًا أو على الوزن إلا أنها غير معينة، فوجد تسعة وتسعين، كان فيها ثلاثة أقوال: فقيل: الصرف ينتقض، قام بحقه في ذلك النقص أو لم يقم، وهو المشهور من المذهب.
وقيل: إن لم يقم بحقه في ذلك النقص ثبت الصرف، وإن قام به فسد كالزائف، قاله أشهب في كتاب محمد إذا وجد الدراهم دون ما وقع عليه الصرف، وحكاه عن مالك 1. وهو أيضًا ظاهر ما قاله في المدونة، قال: قال مالك: إذا وجد في الدراهم نقصًا فرضيها فذلك جائز، وهي مثل الزيوف 2. ويجري فيها قول ثالث: أن يقوم بحقه في النقص، ويبطل من الصرف ما

يقابل ما بقي عند الصراف من عدد أو وزن.
وقاله محمد فيمن اشترى مائة دينار فنقصت دينارًا فافترقا على أنه يأتيه به، قال: لا ينتقض إلا صرف دينار 1. وكذلك لو انعقد الصرف على مائة بعينها فقبض تسعة وتسعين وبقي منها دينار عند بائعها، فالجواب على ما تقدم، ولو لم يبق عند بائعها منها شيء، وإنما قال: أبيعك هذه المائة وهي قائمة فعداها، أو مجموعة فوزناها وانصرفا على أنها مائة، فتبين لهما أنهما غلطا في العدد أو في الوزن بدينار لم يبطل من الصرف إلا بقدر ذلك الدينار.
وحكم النقص في معنى حكم الزائد؛ لأنهما لو علما قبل الافتراق لصح الصرف في الوجود من غير خيار لواحد منهما في ذلك، وردَّ من الدراهم بقدر ما قابل الدينار، وإذا كان ذلك قائمًا انصرف قابض الدراهم بزائد على حقه.
وإن كان الصرف على قائمة أو فرادى أو ما أشبه ذلك مما الصرف فيه على العدد، فوجد بعضها تنقص عن الوزن المعتاد- كان كالزائف، إن تمسك به ولم يقم صح الصرف، وإن رده دخل الخلاف المتقدم: هل ينفسخ ما ينوبه أو جميع الصرف؟ ولو كانت المصارفة دنانير أو دراهم بفلوس فوجد زائفًا في شيء من الدنانير أو الدراهم أو الفلوس أو تأخر شيء من العدد- لم ينتقض الصرف، ورجع بقدر الزائف 2 ويقبض 3 ما تأخر من العدد، لقوة الخلاف في الفلوس

هل يجري على حكم الصرف أو لا (1)؟

فصل [في مبادلة أنواع الذهب وبيع بعضها ببعض، ووجود العيب فيها]

وقال ابن القاسم فيمن اشترى دنانير منقوشة مضروبة ذهبًا أو إبريزًا أحمر بتبر أصفر، ثم أصاب من صارت إليه الدنانير عيبًا: لم يكن له أن يردَّ؛ لأن الذي في يديه من الدنانير أفضل مما خرج منها، وإن أصاب الآخر بالتبر عيبًا كان له أن يردَّ، وإن كان ذَهَبُ الدنانير أدنى كان لكل من أصاب منهما عيبًا أن يرد به 2؛ لأن هذا فضل ذهب وللآخر فضل سكَّة 3. وكذلك الحلي بالتبر، فإن كان التبر أجود كان لكل من أصاب منهما عيبًا أن يرد به، وإن كان ذَهَبُ الحلي مثل ذهب التبر أو أجود، لم يكن لمن الحلي في يده أن يردَّ، ولمن التبر في يديه الردُّ.
وإن كان الصرف دنانير بحلي كان لكل من وجد منهما عيبًا أن يرد به، وسواء كان الذهبان سواء أو مختلفين؛ لأن الغرض في السكة من الصنعة مختلف.1

باب فيما يقضى به لمن باع ببعض دينار

وإذا باع سلعة بنصف دينار أو بدينار، فوهب له نصفه لم يحكم على الغريم فيه إلا بدراهم بصرف يوم القضاء، إلا أن يشاء الغريم أن يأتي بدينار ويكونان شريكين فيه، فلا يكون للطالب في ذلك مقال؛ لأن دفع الدراهم من حق الغريم لا عليه لتغليب أحد الضررين؛ لأنه لو كُلِّفَ أن يأتي بدينار فأحضره، ثم دعا الغريم إلى المفاصلة فيه بشركته، كان ذلك له وصرفاه بالحضرة، فلم يحصل له من الدراهم سوى ما قضي له به.
وقال محمد فيمن له على رجل نصفا دينار من شيئين كل دَيْنٍ نصف دينار، فإنه يحكم للطالب بدينار صحيح 1. وهذا مما يبين ما تقدم، أن الأول إنما أغرم دراهم؛ لأنه لا فائدة في إغرامه النصف ذهبًا فلما كان له نصفان أخذه صحيحًا.
وقال محمد فيمن له ثلاثة أرباع دينار أو عشرون قيراطًا ذهبًا: حكم له بدراهم، وإن كان دينارًا إلا قيراطًا أو إلا قيراطين حكم له بدينار 2. يريد: ويعطي الغريم ما ينوب القيراطين، ليس له أن يأخذ دينارًا ينقص قيراطًا، إلا أن يكون ذلك 3 النقص ليس بعيب، فإنه يعطيه بوزن ما له عليه.

جارٍ التحميل