التبصرة للخميصفحات 2423-2463

كتاب اللعان

صفحات 2423-2463

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370) 4 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 5 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

كتاب اللعان

باب في اللعان بين الزوجين وصفته

الأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيات [النور: 6] وحديث عويمر العجلاني قال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا".
فَتَلاَعَنَا، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُهَا.
فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ذَاكُمُ 1 التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنِ، وقال: أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، قالَ ابن عمر 2: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ، قال سهل: كَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لأُمِّهِ 3. وقذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وألحق الولد بالمرأة، وقد اجتمع على هذين الحديثين البخاري ومسلم 4.

فصل [في صفة اللعان للرؤية، ولنفي الحمل]

واختلف 1 في صفة اللعان للرؤية، ولنفي الحمل، فأما الرؤية فأحسن ذلك أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، إني لمن الصادقين، لرأيتها تزني زنا كالمِروَد 2 في المُكحُلة 3، يقول ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم تقول المرأة: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إنه لمن الكاذبين، وما رآني أزني، تقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويستحب أن توقف المرأة عند الخامسة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الخامسة "أَقِيمُوهَا فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ" 4. وقد اختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا قال: أشهد بالله، ولم يزد أو أقسم بالصفة، فقال: أشهد بعلم الله، أو قال: أقسم بالله، ولم يقل: أشهد، أو قال: أشهد بالرحمن، ولم يقل: بالله.
والثاني: إذا لم يقل: إني لمن الصادقين، أو جعل مكان ذلك إن كنت كذبت عليها، أو جعل مكان اللعنة الغضب، أو جعل مكان الغضب اللعنة 5. = 2/ 1134، من كتاب اللعان، برقم (1496).

والثالث: إذا لم يقيد 1 الزوج لعانه، فيقول: كالمرود في المكحلة، فقال في المدونة: يقول أشهد بالله 2، وفي كتاب الأقضية من كتاب محمد: يزيد: الذي لا إله إلا هو 3. وهو أبين؛ لأن العمل على 4 ذلك في الأيمان في الأموال، واللعان أعظم حرمة 5، فإن لم يفعل أجزأه 6 عند مالك ولم يحزئه عند أشهب 7، وكذلك إذا حلف بالصفة، فقال مالك في كتاب محمد: يقول: أشهد بعلم الله 8، وعلى أصل أشهب: لا يجزئه؛ لأنه قال: إذا حلف في الأموال، فقال: والله، ولم يزد أو قال: والذي لا إله إلا هو، لم يجزئه 9، والحالف بالله الذي لا إله إلا هو حالف بالذات عنده 10، فإذا لم يجزئه اليمين عنده بالله 11 لم يجزئه اليمين بالصفة.
وفي شرح الرسالة: إذا جعل مكان أشهد أقسم، أو مكان قوله: بالله بالرحمن، قال: النظر يقتضي أنه لا يجوز إلا ما نص عليه.
وهذا خلاف لقول مالك؛ لأنه أجاز اللعان بالصفة أن يقول: أشهد بعلم الله 12. وأرى: إذا حلف بالذات بأي أسمائه حلف أجزأه، وهو المراد بالقرآن أن يحلف به، وليس أنه مقصور على ذلك الاسم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" 13 ولا يختلف أن الحالف بالرحمن حالف بما

يجوز له، وداخل فيما أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف به 1، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في قسمه: "لاَ 2 وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ" 3، وأجاز في المدونة ألا يثبت في لعانه: إني لمن الصادقين 4، وأثبت ذلك في كتاب محمد 5 وهو أحسن لورود القرآن به، وفي البخاري، قال: أمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن يتلاعنا بما في القرآن 6. وفي كتاب محمد: إذا جعلتْ مكان: "إن كان من الصادقين"، "إنه لمن الكاذبين" أجزأها 7، وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا جعل مكان اللعنة الغضب أو مكان الغضب اللعنة، النظر يقتضي ألا يجوز لمخالفتهما 8 القرآن 9.

وأجاز في المدونة أن يقتصر على القول: لَرَأْيتُها (1)، وقال مالك في كتاب محمد: يقول كما يقول الشهود، ويوقف على ذلك، وقال أصبغ: يقول ذلك في كل مرة كالمرود في المكحلة (2). وهو أحسن؛ لأن أيْمانه بمنزلة الشهادة (3) توجب رجمها متى نكلت، فوجب أن يُثبت في لعانه ما تثبت البينة؛ لأنه لو قال: لرأيته عليها أو مضاجعها لم يوجب رجمها، فقد يريد بقوله ذلك القدر (4)، وليس عليها أن تثبت ذلك في لعانها، وقولها: ما رآني أزني كافٍ.
واختلف إذا بدأت المرأة باللعان، قبل الرجل، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجزئها، وليس عليها أن تعيد اللعان ثانية بعد لعان الرجل، وقال أشهب: تعيد الأيمان بعد لعان الرجل، وكذلك في الحقوق إذا بدأ الطالب ثم علم أن اليمين على المطلوب (5). يريد: ثم نكل المطلوب، أن اليمين ترد على الطالب.
وقول أشهب في اللعان أبين؛ لأن أيمان الرجل كالشهادة عليها بالزنى، فليس تسقط بأيمانها بينةٌ لم تشهد عليها بعدُ، ولأنها تحلف أنه لمن الكاذبين في أيمانها.

فصل [في صفة اللعان بنفي الحمل]

اختلف في صفة اللعان بنفي الحمل، فقال ابن القاسم في المدونة: يقول:12345 = لأن النص أوجب تعيين لفظ مخصوص كإيجاب عدد الشهادات) انظر: المعونة: 1/ 617.

أشهد بالله لزنت، وتقول هي: أشهد بالله 1 ما زنيت 2، وقال في كتاب محمد: يقول: أشهد بالله إني 3 لمن الصادقين، ما هذا الحمل مني، وعلى هذا تقول هي: إنه لمنه 4. وقال أصبغ: يقول: أشهد بالله لزنت، وما هذا الحمل مني، وتقول: هي ما زنيت وإنه لمنه 5. وقال في العتبية، وهو في كتاب محمد: وأحب إلي أن يتبع مع قوله: ما هذا الحمل مني، ولزنت، في كل مرة نحو قوله في الرؤية 6، يريد: أن يقول: لزنت زنىً كالمرود في المكحلة وقال ابن شعبان: قال بعض أصحابنا، ويقول: ولقد استبرئت 7. وأرى أن يكون اللعان مبنيًا على الوجه الذي ينفي به ذلك الولد، فيثبت ذلك في لعانه، وقد اختلف في الوجه الذي 8 يجوز به النفي، وهل يصح ذلك بالاستبراء بانفراده، أو بالرؤية بانفرادها، أو بمجموع ذلك؟ والاستبراء 9 والرؤية على وجوه تذكر فيما بعد إن شاء الله 10.

فمن أجاز نفيه بالاستبراء بانفراده؛ أثبت في لعانه الاستبراء لا غير 1، فيقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين، لقد استبرأتها 2، ويزيد: إنه كان من وقت كذا 3، وإن قال: رأيتها؛ لا عن للرؤية، وأنه رآها كالمرود في المكحلة.
ثم يختلف 4 هل يذكر التاريخ للرؤية؟ فعلى القول إن اللعان للرؤية ينفي الولد، وإن كانت حاملًا لا 5 يذكر هذا تاريخًا، وعلى القول: إنه لا 6 يراعى 7 الوقت الذي أتت به من وقت الزنا، يسأل عن الوقت الذي رآها فيه، فإن كان ستة أشهر فأكثر، قيل له: أثبت ذلك في لعانك، وعلى القول إنه لا ينفي إلا بالاستبراء والرؤية، يثبت جميع ذلك في لعانه، وقوله: إنه 8 يجزئه: قوله 9 ما هذا الحمل مني على القول 10 إنه يبرأ 11 بالاستبراء بانفراده، فيذكر ذلك، ولا يكون 12 عليه أن يقول: لزنت، لإمكان أن تكون غصبت، وقوله في المدونة: لزنت 13 يصح أن يُرَدَّ إلى القول أنه لا ينفى إلا باجتماع الرؤية والاستبراء.

وقول ابن شعبان في إثبات الاستبراء في اللعان أحسن (1)، وكل هذا وإن لم يكن في الأحاديث، فإنه مما يُخصُّ به عمومها؛ لأن التعانه يوجب رجمها عند نكولها، فكان من حقها أن يثبت في التعانه ما يوجب ذلك عليها فيه (2)، فإن أحب أن يلتعن على صفة يكون فيها تلبيس على الوجه الذي يوجب ذلك عليها أو يكون فيه حق للولد، لا ينتفي معه، لم يمكّن منه، ويثبت كل (3) ذلك في الأربع كلما كرر (4) الشهادة.

فصل [في الموضع الذي يلتعن فيه وفي وقته]

واختلف في الموضع الذي يلتعن فيه وفي وقته، فقال في المدونة: في المسجد وعند 5 الإمام 6، وقال عبد الملك في المبسوط: في المسجد أو عند الإمام.
يريد: أن يكون في 7 أحد هذين: المسجد وإن لم يكن إمام، أو 8 الإمام وإن لم يكن مسجد.
وأما الوقت فقال ابن القاسم: في دبر الصلوات بمحضر من الناس 9. وفي كتاب محمد: وأي ساعة من النهار إن شاء الإمام، وعلى إثر المكتوبة أحب إليَّ 10. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر ولم 111234

يكن 1 سنة، وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي 2. وأرى أن يكون اللعان في الجامع، وحيث يعظم منه 3، وليس يبعد 4 أن يكون عند القاضي والفقيه الجليل، ويجمع الناس لذلك؛ لأن الترهيب يقع بذلك، وأما ما كان من لعان 5 عويمر في المسجد بمحضر من 6 النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد 7 فيحتمل 8 أن يكون لو كانت النازلة، وسؤاله وهو في غير المسجد، للاعن بينهما في مكانه أو يبعثهما إلى المسجد أو يحضر معهما، وإذا احتمل ذلك لم يؤخذ من الحديث أصل بيّن.
وكونه دبر الصلوات حسن، لقول الله سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] فجعل لليمين بعد الصلاة تأثيرًا وحقًا للطالب أن يحضره لليمين في ذلك الوقت، وأما قوله بعد العصر فلقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] فأخرج البخاري ومسلم أنها نزلت فيمن حلف بعد صلاة 9 العصر فِي سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى فِيهَا مَا لَمْ يُعْطَ 10. فقال ابن شعبان: بعد العصر والصبح 11.

وأظنه ذهب في ذلك لأنهما مشهودتان، يشهدهما 1 ملائكة الليل، وملائكة النهار، للحديث: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ" 2. وكذلك ينبغي أن تكون الأيمان في القسامة وما يعظم من الأموال والجراح.
وإن كان أحد الزوجين مريضًا أحلف في مكانه ذلك الوقت، وإن كانت الزوجة حائضًا أخرت حتى تطهر؛ لأن الحائض تمنع من 3 المسجد، ولأن اللعان في أحد القولين طلاق، والطلاق في الحيض ممنوع، وإن أحب الزوج أن يلتعن وتؤخر هي حتى تطهر، جاز ذلك 4، وإن قال بعد التعانه: أنا أرضى أن تلتعن هي في غير المسجد، لم يكن ذلك له 5؛ لأن التعانهما يتعلق به حق لله سبحانه، وهو الحد، إن نكلت فليس للزوج أن يسقط ما يتعلق بذلك من الترهيب في الجامع 6، ولو رضيت هي بالْتعانه في غير الجامع لم يكن لها ذلك إذا كان الْتعانه لنفي الحمل 7؛ لأنه حق للولد، فقد ينكل عن اليمين في الجامع، ولا ينكل إن لم يحلف فيه.

باب في اللعان بين الزوجين الحرين، وإذا كان أحدهما عبدًا أو كافرًا أو غير بالغ، أو كانت الزوجة يائسة أو الزوج عنينًا أوحصورًا أو خصيًا أو مجبوبًا أو شيخًا فانيًا (1) أو أعمى أو أخرس

اللعان يجب بين الزوجين دون ملك اليمين، ثم هو على أقسام: فإن كان الزوجان حرَّين مسلمين بالغين، والزوجة محصنة غير يائسة 2 وجب اللعان بينهما إن قامت بحقها، فإن الْتعنا 3 وقع الفراق 4، وإن نكل حُدّ حدّ القذف ثمانين وبقيت زوجة 5، فإن لاعن ونكلت حدّت حد الزنى مائة جلدة 6 إن كانت بكرًا، ولم يدخل بها وبقيت زوجة، وإن كانت ثيبًا رجمت 7، وكذلك إن كانت الزوجة حرة والزوج عبدًا يجب عليه اللعان، فإن نكل حُدَّ حَدَّ القذف، وإن لاعن ونكلت وجب عليها بالتعانه حد الزنى الجلد أو الرجم، وإن كانت الزوجة مسلمة، والزوج نصرانيًا؛ لأنها أسلمت دونه أو تعدت وتزوجته على القول إنها لا تكون بتزوجه زانية وجب عليها اللعان لقذفها، وإن نكل حُدَّ حد القذف، وإن لاعن ونكلت لم تحد 8 بأيمان الكافر؛1

لأن الأيمان مقام الشهادات.
قال ابن القاسم: ولا لعان بين الحر والأمة والمسلم والنصرانية إلا في نفي الحمل 1. وإن نكل لحق به الولد، ولم يحدّ، وإن لاعن وجب على الأمة اللعان، فإن لاعنت وقعت الفرقة، وإن نكلت حدت حد الزنى خمسين، وبقيت زوجة، وسواء كانت مدخولًا بها أم لا، وإن كانت نصرانية لم يجب عليها إذا لاعن أن تلاعن وبقيت زوجة.
قال محمد: وإن الْتعنت وقعت الفرقة 2، وليس وقوع الفرقة بالبين، وإذا لم تكن نصرانية داخلة في قوله -عز وجل-: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] وأن 3 المراد بالآية المسلمة، وأن لا عذاب على هذه، كان من حق الزوج أن يمنعها 4 اللعان، وتبقى زوجة، فإن التعنت لم يقع بذلك فراق؛ لأنها أوقعت اللعان في غير موضعه، وإن كان الزوج غير بالغ لم يكن بينهما لعان؛ لأنَّ قذفه لا يلزمه به حد، فإن أتت بولد لم يلحق به، ويفترق الجواب إذا كان بالغًا وهي غير بالغ، فإن كانت في سن من لا يطيق الرجال 5 لم يكن عليه شيء؛ لأن قذفه إياها لم يُلحق بها معرة.
ويختلف إذا كانت في سن من يطيق ولا يُخشى منها حمل، فقال ابن القاسم: يلاعن، فإن نكل حد ولا لعان عليها إن لاعن 6؛ لأنها إن أقرت بما

رماها به، أو قامت عليها به 1 بينة لم تحدَّ.
وقال ابن الماجشون: لا حدَّ على قاذف من لم يبلغ من الإناث.
فعلى هذا لا يجب عليه لعان ولا حد، ويجري فيها قول ثالث: إنه يحدّ ولا يلاعن قياسًا على أحد قولي مالك إن اللعان لا يكون إلا لنفي الحمل خاصة 2. وإن كانت في سن من يخشى منها الحمل، كان له أن يلاعن قولًا واحدًا إن ادعى رؤية؛ لأنه يخشى الحمل، وإنما الخلاف هل يجب ذلك عليه؟ فعلى قول مالك يجب بحقها في القذف، وعلى قول عبد الملك لا يجب؛ لأنه لا يحد قاذفها، وله أن يلتعن إن أحب ويوقف أمرها، فإن ظهر حمل لم يلحق به، ووجب عليها اللعان؛ لأن الحمل لا يصح إلا من بالغ، فظهور الحمل يبين أنها كانت بالغًا حين وطئت، فإن نكلت حُدَّت حد البكر، لإمكان أن يكون بلوغها بعد إصابة الزوج وقبل الإصابة التي رماها به 3، ولو لم تقم هي بقذفها حتى ظهر الحمل وجب عليها 4 اللعان قولًا واحدًا، فإن نكل حد؛ لأنه قذفُ بالغٍ 5 ولحق به الولد، وإن لاعن وجب عليها اللعان، فإن نكلت حدت حد البكر، وإن كانت ممن قعدت عن المحيض وادعى رؤية، تلاعنا على قول ابن القاسم وأحد قولي مالك 6، وعلى القول أن اللعان لنفي الحمل خاصة يحدُّ الزوج ولا يلاعن.

وقال محمد في امرأة الخصي والمجبوب تحمل وهو ينكر، فإن كان لا ينزل كان ولد زنى، ولا لعان بينهما إلا أن يدعي رؤية فيلتعن لمكان القذف، وإن اختلف فيه أهل النظر، فقال بعضهم: يولد لمثله.
وقال 1 بعضهم: لا يولد له 2 لم يكن بد من اللعان 3. وقال ابن حبيب: إن كان مقطوع الأنثيين والذكر لم يلحق به ولا يلاعن وتعتد زوجته إن مات، ولا تعتد إن طلق، وإن بقي أنثياه، أو اليسير أو معه من عسيبه بعضُه لحق به، ولاعن، واعتدت من الطلاق 4. وإن ادعى رؤية وكان لا يحمل له لاعن على أحد القولين وحد على القول الآخر، ولا يلاعن.
قال محمد: إن كان شيخًا كبيرًا أو عنينًا، كان عليه اللعان في الرؤية وفي نفي الحمل 5؛ لأنها تدعي أنه يصيب.
وقال ابن القاسم في المدونة: في الأخرس يقذف امرأته بالإشارة أو بالكتابة يلتعن إذا فقه ما يقول، وما يقال له 6. وقال في العتبية فيمن ادعى رؤية، وزوجته بكماء صماء لا تسمع ولا تفهم، قال: يعمل منها على ما يفهم وتفهم 7 من الإشارة، فإن صدقته إذا التعن حدت فإن التعن ثم 8 التعنت بالإشارة، فإن نكلت حدت 9.

ويلاعن الأعمى إذا نفى الحمل؛ لأنه يدعي الاستبراء، وكذلك إن لم ينف حملًا، فقال: مسست.
واختلف إذا قذفها، ولم يدع استبراءً ولا مسيسًا، فقال ابن القاسم: يلاعن، لعموم قوله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 1 وقال مالك: يحمل ذلك في دينه 2. وقال 3 ابن القصار عن مالك: إنه لا يصح أن يلاعن إلا أن يقول: لمست فرجًا في فرجها.
وهذا أحسن؛ لأن لعان الزوج يوجب حدها، وهو مقام البينة، وإذا كان ذلك لم يجز أن تحد؛ لأن ذلك أمر 4 مشكوك فيه، ومن قذف زوجته برؤية وهي غير محصنة؛ لأنها ممن ثبت زناها قبل ذلك- لم يكن عليه لعان؛ لأنه لو أقر أنه كذب عليها لم يحد، وإذا أحب لاعن، فإن لاعن وجب عليها اللعان، ووقع الفراق إن التعن، فإن انتفى من حملها ولم يلتعن، ألحق به ولم يحد، وإن التعن لم يلحق به، ولاعنت.

باب فيما (1) يجب فيه اللعان من الرؤية ونفي الحمل اللعان يجب بوجهين: لرؤية، أو لنفي الحمل

وهو للرؤية على ثلاثة أقسام فيصح في قسمين إذا كان عن 2 تلك الرؤية حمل 3 أو يخشى أن تحمل 4 منه، وفي مثل هذا كانت الحادثة التي نزل 5 فيها القرآن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا، فَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا" فأتت به على النعت المكروه... الحديث.
واختلف إذا كان لا يخاف عن 6 تلك الرؤية حملًا؛ لأنها كانت -حين رأى ذلك منها 7 - حاملًا 8، وهو معترف به، أو كانت في سن من لا تحمل لصغر أو قد قاربت أو يائسة، أو لأن الزوج خصي أو مجبوب، فقيل: يلاعن لعموم الآية.
وقيل: لا يلاعن.
فقال مالك في كتاب محمد: إذا كانت بينة الحمل وهو مقرٌ به، فقال: رأيتها تزني، فأنا ألاعن، فقال: كل من لاعن لم يلحق به 9 الولد، وإن اعترف به بعد اللعان حد، يقول: فكذلك هذا إذا اعترف به قبل 10 حد، ولم يلاعن 11.1

قال محمد: وهذا إغراق من قوله 1. وقال أبو محمد عبد الوهاب تعليلًا لهذا القول: قال: لأن الأصلَ أن اللعانَ لنفي النسب، ويتعلق به سقوط الحد، فإذا لم يكن مفيدًا لإسقاط الولد، لم يكن له أن يلاعن، وإذا لم يكن له أن يلاعن لزمه الحد 2. فقصر 3 الآية على مثل ما نزلت فيه أنها كانت فيمن خُشي منها الحمل، ثم ظهر على ما ذكره 4، ولأن الأصل في قذف المحصنات الحد للزوج 5 وغيره، والأصل في الولد أن الاعتراف والإنكار به 6 إلى الأب، وله أن ينكر ما ليس من مائه، والضرورة تدعو إلى ذكر ذلك، لئلا يلحق به من ليس منه، فجعل الله له مخرجًا من ذلك بأيمانه، وإذا صح أن ينفيه بأيمانه- لم يصح أن يحد لقذفها؛ لأن ذلك يؤدي إلى التنافي، يكون صادقًا كاذبًا في حال؛ لأنه إذا حمل على 7 الصدق صح نفيه، وسقط 8 الحد، وإن حمل على الكذب بطل 9 نفيه، وحد، فلما جعل القول قوله مع يمينه أنه ليس بولده، صح سقوط الحد، ولم ينتقض 10 الحكم، فيصدق في نفيه، ويحد فيه، ثم جعل 11 القول قولها في حقها 12 في نفسها مع يمينها لما كان القول قوله في حقه في النسب.

وإذا لم يكن ولد (1) ولا خوف حمل، بقي على الأصل أنه قذف (2).

فصل [في أقسام اللعان على نفي الولد]

واللعان على نفي الولد على سبعة أقسام: يصح في أربعة، ويختلف 3 في ثلاثة: فيصح إذا اجتمع الاستبراء والرؤية، وأتت به من بعد الرؤية لستة أشهر فصاعدًا.
والثاني: أن ينفيه بالأمد وإن لم يدع رؤية ولا استبراء، فيقول: لم أصبها منذ كذا، لأمد لا يلحق به الولد لأكثر من أربع سنين أو خمس أو سبع على الاختلاف في ذلك.
والثالث: أن يقول لم أصبها بعدما وضعت ولدًا كان قبل هذا، مما يعلم أنه بطن 4 ثان.
والرابع: أن يقول لم تلديه.
فهذه أربعة أقسام لا خلاف فيها.
وقال أشهب فيمن قال لامرأته- ولم يكن رأى منها حملًا حتى وضعت: لم تلدي هذا الولد 5، وقالت: قد ولدته، فقال: إن انتفى منه لاعن 6، وإن قال: هو ولدي ولم تلديه لحق به ولم يلاعن.12

وأرى إن هو نفاه، ثم نكل عن اللعان لم يحدّ؛ لأنه لم يقذفها، وإنما قال: التقطته ونسبته 1 إليّ، ولأن صفة لعانه أن يشهد في الأربع أنها لم تلده لا غير ذلك، فهو لم يثبت عليها زنى ولا ادعاه، ولا لعان عليها، وتبقى زوجة على حالها.
واختلف في نفيه بالاستبراء بانفراده من غير رؤية، وفي نفيه بالرؤية بانفرادها من غير استبراء إذا أتت به من بعد الرؤية لستة أشهر، وفي نفيه إذا كانت حين الرؤية 2 ظاهرة الحمل، أولم تكن ظاهرة الحمل أو أتت 3 به لدون 4 ستة أشهر، فأما نفيه بالاستبراء فقال 5 مالك 6 مرة 7: ينفيه به 8. ورأى مرة ألا ينفى 9 به 10؛ لأن الحيض يأتي على الحمل، وهو قول أشهب في كتاب محمد 11. واختلف بعد 12 القول بجواز نفيه بالاستبراء، فقال مالك والمغيرة يجزئ 13 في ذلك حيضة، وقال أيضًا: لا ينفيه إلا بثلاث 14، وذكر ابن الماجشون في كتابه عن المغيرة أنه قال: ينفيه بثلاث حيض 15، وقال أيضًا: لا

ينفيه إلا بخمس 1 سنين.
يريد: بالأمد لا بالاستبراء.
واختلف عن مالك 2 في نفيه بالرؤية بانفرادها إذا كان الزوج قد أصابها في ذلك الطهر وأتت به لستة أشهر فأكثر، فقال المغيرة في المدونة في هذا ينفيه 3. واختلف عن ابن القاسم في هذا الأصل، فقال في كتاب محمد فيمن باع أمة قد أصابها وأصابها المشتري في ذلك الطهر، فأتت بولد من بعد وطء 4 الثاني لستة أشهر فأكثر إنه للثاني 5، وإن كان أصابها هذا اليوم والآخر غدا فعلى هذا يكون للزوج أن ينفيه باللعان الثاني كما قال المغيرة، والمعروف في هذا أن تدعى 6 له القافة 7. فجعل مالك له 8 أن ينفيه لظاهر حديث عويمر أنه نفاه للرؤية، ولم يذكر استبراءً، وخصه مرة بالقياس؛ لأنهما ماءان اختلطا، حلال وحرام، فلم يجز أن يحمل على أنه للحرام دون الحلال.
وقال محمد بن عبد الحكم: كيف إذا اجتمع الحلال والحرام 9 يحكم به للحرام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بالولد للفراش في ولد زمعة، وقال لسودة: "احْتَجبِي مِنْه" لما رأى من شبهه بعتبة 10، وهذا الاحتجاج 11 صحيح قياسًا

على التي تتزوج 1 في عدتها قبل حيضتها 2، أو تأتي بولد 3 لستة أشهر من يوم أصاب الثاني أنه للأول، ولا 4 يدعى له القافة، فهو في الزنا أبين ألا يجعل للثاني، إلا أن للزوج أن يقول: قد جعل للزوج الأول 5 إذا تزوجت في العدة مخرج 6، لئلا يلحق به ولد غيره بالقافة، ولم يجعل له 7 ذلك في الزنا، بل 8 يقال له: تمنع من نفيه باللعان، ولا يدعى له القافة، ويلحق به مع إمكان 9 أن يكون جميعه من الزنا.
وقال الليث بن سعد 10: تدعى له القافة، فإن ألحق بالزنا لم ينسب إليه.
ويحتمل أن يكون حمل حديث ولد زمعة أن يكون 11 اشتركا فيه، وكان الغالب شبهه بزمعة، وللآخر بعض الشبه 12؛ لأن وطء عتبة كان في الكفر، وقد كان النسب يلحق فيه بالزنا 13، وتدعى فيه القافة للحرائر، وإذا لم يكن من نفيه بالرؤية لم يحد لقذفها، وكان له أن يلاعن لسقوط الحد؛ لأنه يقول: ذكرت 14 ذلك خيفة من لحوق النسب، ولا علم لي بما تقدم من حملها، ولا أرى أن ينفى بالاستبراء بانفراده؛ لأن من قول مالك وأصحابه يصح أن تحيض، وإنما اختلف في القدر الذي تترك له الصلاة، وهل أول الحمل وآخره سواء 15. وقال في المعتدة تقول: حضت ثلاث حيض ثم تأتي بولد، وتقول إن المرأة

تهراق الدم على الحمل: إن الولد للزوج 1، وإذا صح أن الحامل تحيض، لم يصح نفيه بالاستبراء؛ لأن الزوج لا علم له 2 من زناها، وليس عنده أكثر من أنها حاضت.
فإن قيل: يلزم على 3 هذا ألا تحل للأزواج؛ لأنها على شك من البراءة.
قيل: لا تمنع؛ لأن ذلك نادر، فلا تمنع 4 من أجل النادر.
فإن قيل: قد جعلت الولد للنادر 5 إذا أصابها الثاني بعد حيضة، وأتت به لستة أشهر من وطء الثاني أن الولد للثاني 6، والوضع لستة أشهر نادر.
قيل: لما اجتمع الشيئان 7: حيض والغالب منه البراءة، وحدوث وطء بعده- جعل 8 الولد للمحدث؛ لأنَّ الحيضة فصلت بين الوطئين.
وإذا لم ينف الولد بالاستبراء لم يحد؛ لأنه يقول: ظننت أن الاستبراء دليل على أنه ليس مني، كما لو أنكر لونه فلم يصح نفيه بذلك، لم يحد.
واختلف إذا لاعن للرؤية ثم ظهر حمل، فقال ابن القاسم: يكون ذلك اللعان الذي كان- نفيًا للولد 9. وقاله أشهب في كتاب محمد، وقال ابن الماجشون لا ينفيه إلا بلعان ثاني 10؛ لأن اللعان لم يكن للولد ولولا ذلك لم يكن عليه أن يسأل عن

الاستبراء، وقاله أصبغ 1. وهذا راجع إلى الخلاف المتقدم، فعلى القول: إنه يكتفي في لعانه للنفي 2 بقوله: زنت يجزئ اللعان الأول، وعلى القول أنه يقول: وما هذا الحمل مني، ولقد استبرئت يلتعن لعانًا ثانيًا يثبت ذلك فيه، وإن أكذب نفسه في اللعان الثاني لحق به الولد، ولم يحدّ؛ لأنَّ اللعان الأول لم يسقط إلا على ما ذكره عبد الوهاب 3. ويختلف إذا أكذب نفسه في الرؤية هل يحدُّ؛ لأنه يعود إلى النفي بالاستبراء بانفراده؟ فعلى القول إنه لا ينتفي يحد للأول 4؛ لأن الرؤية لم تصح لإكذابه نفسه، والنسب لم يسقط لانفراده عن الرؤية.
واختلف إذا التعن لعانًا واحدًا للرؤية ولنفي النسب، ثم استلحق الولد، فقال محمد: إذا استلحق الولد؛ فإن كان لاعن للرؤية أو للرؤية ولإنكار الولد، لم يحدّ، وإن كان لإنكار الولد وحده حدَّ 5. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا لاعن للرؤية ثم ظهر حمل 6، فقال: قد كنت استبرأت منه 7، فانتفى منه بذلك، ثم أكذب نفسه في الاستبراء إنه يحد 8. والأول أحسن؛ لأن الرؤية والاستبراء شيئان 9، وليس كذبه في أحدهما كذبًا في الآخر، ولو رجع عن الرؤية لحد.
= ثان).

فصل [فيما إذا قال الزوج زنت، ولم يقل رأيت أو قال ليس الولد مني ولم يقل استبرأت]

واختلف قول مالك إذا قال: زنت، ولم يقل: رأيت، أو قال: ليس الولد مني، ولم يقل: استبرأت، فقال مرة: يلاعن ولا يسأل عن شيء (1)، وقال مرة: لا يلاعن إلا أن يدعي رؤية أو استبراء (2). وهذا هو الصحيح، ولا يُمَكَّنَ من اللعان من غير كَشفٍ، وللزوجة والولد (3) في ذلك حق، فقد يعترفُ (4) عند السؤال بأمر لا يوجب لعانًا، ولا يسقط نسبًا، ولأن لعانه وقع (5) موقع (6) البينة فيما يجب عليها من (7) حد أو غيره فوجب كشفه كما تكشف البينة، ولأن الوجه الذي ينفى به الولد مختلف فيه، فعلى الحاكم أن يكشفه عن ذلك، ليعلم هل ينفى به وهل هو موافق لرأيه؟

فصل [في صفة من ينفى منها الولد]

الولد ينفى من ملك اليمين، ومن زوجة حرة محصنة مدخولٍ بها، أو أمة أو كتابية، ومن معترفة 8 بالزنى، ومن منكرة مشهود عليها بالزنا، ومغتصبة وغير مدخول بها، فأما ملك اليمين فله نفيه بغير لعان، ويحلف يمينًا واحدة إن ادعت أنّه منه، وإن اعترفت أنه من زنًا، لم يحلف، وإن كان من زوجة حرة1234567

مسلمة أو أمة أو كتابية تدعي أنه منه، لم ينفه إلا بلعان، وإن اعترفت أنه من زنا، وقالت: إنه كان استبرأ قبله، كان فيه قولان، فقال مالك مرة: لا ينفيه إلا بلعان، وبه أخذ 1 المغيرة وابن دينار وابن الماجشون وابن عبد الحكم، وقال مرة ينفيه بغير لعان 2، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب 3. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وكذلك إذا اعترفت بالزنا وقالت هو من الزوج فله نفيه بغير لعان 4، وكل هذا إذا قامت البينة 5 على قولها حتى تحد، وإن رجعت عن اعترافها لم ينفه إلا بلعان، وقال ابن القاسم في كتاب الرجم: إذا أشهد 6 عليها أنها زنت منذ أربعة أشهر، وكان زوجها غائبًا، ثم ظهر حمل، فأخرت حتى وضعت، فإن قالت 7: هو للزنا -لأنه تقدمه استبراء- كان للزوج أن ينفيه بغير لعان.
وإن قالت: هو من زوجي 8، أو لم تسأل حتى رجمت لم ينفه إلا بلعان 9. وهذا اختلاف قول؛ لأن الشهادة والاعتراف بالزنا سواء، وعلى 10 قوله

في كتاب محمد: أنها (1) إذا اعترفت بالزنا، وقالت في الولد: إنه من الزوج، أن له أن ينفيه بغير لعان، يكون ذلك له إذا شهدت البينة بالزنا، فله أن ينفيه بغير لعان، وإن ادعت أنه منه.
وعلى أحد قولي مالك في المعترفة بالزنا، وأنه ليس منه، لا يكون للزوج أن ينفيه إذا شهدت البينة بالزنا (2) أو اعترفت (3) الزوجة أنه من زنا، لا ينفيه (4) إلا بلعان، فمنع مالك نفيه في القول الأول بغير لعان، لعموم الآية، ولم ير ذلك على الزوج في القول الآخر، قياسًا على ملك اليمين أنه لما انفرد النفي لحقِّ الولد، كان القول قوله فيه بغير لعان إذا حُدّت الزوجة.

فصل [في نفي الولد بغصب]

وإن نفى بغصب فإنه لا يخلو من أن يثبت الغصب 5 ببينة، أو يعترف بذلك الزوجان، أو يدعي ذلك الزوج وحده أو الزوجة وحدها، فإن ثبت الاغتصاب ببينة كان كثبوت 6 الزنا، فيختلف إن قال: ليس مني، وقد كنت استبرأتها 7 أو 8 ينفيه بلعان أو بغير لعان.
واختلف قول ابن القاسم إذا أكذبته 9، وقالت: بل هو منه، فإذا كان الحكم ألا ينفى إلا بلعان، كان 10 اللعان على الزوج وحده، فإن نكل لم يحد،1234

وإن لاعن لم يكن عليها لعان؛ لأنها تقول: يمكن أن يكون من الغاصب 1. وأرى ألا ينفى إلا بلعان، لاتفاقهم إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية ألا ينفى 2 إلا بلعان، وإن كان لا حد عليه في قذفهما 3. وإن تصادق الزوجان على الغصب، لم ينفه إلا بلعان لحق الولد 4 قال محمد: يلتعنان جميعًا، يلتعن الزوج 5، وتلتعن المرأة: أن قد غصبت على نفسي، ويفرق بينهما، فإن نكلت رجمت 6. ولا يعلم 7 لرجمها وجهًا 8؛ لأن الزوج لم يُثْبِتْ عليها في لعانه زنًا، وإنما أثبت عليها 9 غصبًا، فلا لعان عليها، كما لو ثبتت البينة بالغصب، ولو لاعنت لم يفرق 10 بينهما؛ لأنها إنما أثبتت بالتعانه الغصب، وتصدق الزوج، ولها 11 أن تقول في الأربع: أشهد بالله إنه لمن الصادقين، أو لقد صدق، وهذا خارج عما ورد فيه القرآن مما يوجب الحد في نكولها، أو يوجب الفراق إن حلفت.
ويختلف إذا ادَّعى الزوج الطوع، وادعت الغصب، فعلى قول ابن القاسم: لا لعان عليه، وتحد هي؛ لأنها مقرّة بالإصابة مدعية للغصب، وعلى قول أشهب: لا تؤخذ بغير ما أقرت 12 به، ويلاعن الزوج، فإن نكل لم يحد؛

للاختلاف هل يقبل قوله؟ وإن لاعن حلفت لقد أصبت وبرئت، وسواء ظهر بها حمل أم لا، وهي في ظهور الحمل ها هنا بخلافه لو لم يكن لها زوج؛ لأن ذات الزوج قادرة على أن تنسبه إلى الزوج، وإن ادَّعى الغصب وأنكرت أن تكون أصيبت جملة، فعلى ما قال محمد: يلتعنان جميعًا.
والصواب إذا التعن الزوج أن لا لعان عليها؛ لأن الزوج إنما أثبت في التعانه اغتصابًا، فإن نكل الزوج عن اللعان مع ثبات البينة بالغصب أو تصادقا على الغصب بغير بينة لم يحد، فكذلك إذا ادَّعى الغصب وأنكرت أن يكون أصابها أحد لم يحد؛ لأن محمل قول الزوج محمل الشهادة، وليس محمل التعريض.

فصل [في إنكار حمل الزوجة غير المدخول بها فتصدقه]

وإن كانت الزوجة غير مدخول بها فأنكر الحمل وصدقته صدق بغير لعان على قول مالك وابن القاسم، وقال ابن الماشجون في كتاب محمد: لا ينفيه إلا بلعان 1. الأوّل أحسن؛ لأنه لم يعلم خلوة ولا ادعت ذلك، وإن ادعت أنه منه لم ينفه إلا بلعان، يلتعنان جميعًا، إلا أن تأتي الزوجة به لأقل من ستة أشهر من يوم العقد، وهو غائب، وبينهما من المسافة ما إن قدم بعد العقد كان الباقي أقل من ستة أشهر أو أكثر، ويشهد من هو بينهم أنه لم يغب طول تلك المدة أو غاب ما لا يكون مدة لذهابه ورجوعه.
واختلف في الصداق إذا أتت به لما يشبه وتلاعنا، فقال في المدونة: لها

نصف الصداق 1، وقال ابن الجلاب: لا شيء لها 2. وقد يحمل 3 هذا على القول أن اللعان فسخ، والأول على القول أنه طلاق، فإن نكل حد، ويكون الصداق عليه 4 وبقيت زوجة، وإن لاعن ونكلت حدت حد البكر، وبقيت زوجة، فإن طلق لم يكن عليه سوى 5 النصف، وإن لم يطلق لم يمسها حتى تضع، إلا أن يقر الزوج أن الحمل كان قبل عقد النكاح فيؤخذ بإقراره، ولا تقر تحته، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر فسخ النكاح، ولا شيء لها من الصداق، دخل أو لم يدخل؛ لأنها غارة تعلم بما أحدثت، وان أتت به لأكثر من ستة أشهر، وكان في حين العقد غائبًا ولم يمر من الزمان ما يقدم فيه؛ ثبت النكاح، ويحمل على أنه حدث بعد العقد، وهذا على المشهور من أصل مالك، ولو قيل: يفسخ ويحمل على أنه متقدم لكان وجهًا؛ لأن الوضع لستة أشهر من النادر.
وإن اختلفا في وقت العقد، فقال: تزوجتك مذ خمسة أشهر، وقالت: مذ سبعة، وقد أتت بولد، تلاعنا، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما تزوجتها إلا مذ خمسة أشهر، وتقول هي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ما تزوجني إلا منذ سبعة 6 أشهر، وإنه لمنه.
وإن طلق قبل البناء، وتصادقا على أنه لم يصب، ثم ظهر حمل لستة أشهر فأكثر، فإنهما لا يخلوان من أن: يتماديا على نفي الإصابة، أو يرجعا إلى أنه أصاب، أو يرجع هو وحده، ويقول: أصبت وتنكر هي، أو تدّعي الإصابة وينكر هو.

فإن تماديا على نفي الإصابة صدق بغير لعان، وحدت حد البكر.
وإن رجع ألحق به الولد، وأكمل الصداق، وله الرجعة إن لم تكن وضعت.
وإن ادعى الإصابة وأنكرت لحق به الولد، وحدت حد البكر، لإقرارها على نفسها، وأكمل لها الصداق إن أحبت.
وإن أنكر الإصابة وادعتها لاعن، فإن نكل أكمل الصداق ولحق به الولد، وإن لاعن ونكلت حدت حدّ البكر، وإن ظهر الحمل بعد موته وادعت أنه منه ألحق به وورثت 1. واختلف في ميراثها وإكمال الصداق، فقال ابن القاسم: لا ميراث لها، ولا يكمل الصداق 2. وقال محمد: ترثه، ويكمل لها الصداق، إلا أن يكون طلاقه ثلاثًا، فيكمل الصداق ولا ترث 3. وإن مضت على قولها أنه لم يصب صدقت، ولم يلحق به، وهو ظاهر قول ابن القاسم؛ لأنه قال: يلحق به الولد 4؛ لأنها لم تثبت على قولها وتصديقها، فيتم سقوط الولد، وإن ظهر الحمل في حياة الزوج وأنكره وكذبته ولم يلتعن حتى مات، لحق به الولد، قاله ابن القاسم وأشهب، قال أشهب: ويكون 5 لها الصداق، فإن قال: الولد مني، ولم أدخل -لحق به، لقوله: هو مني، وحد

لقوله: لم أصبها 1. قال محمد: وإن قال لزوجته: أقررت عندي 2 أنَّكِ زنيت، حدّ ولم يلاعن، وكذلك إن قال: رأيتك تزني قبل أن أتزوجك حدّ ولم يلاعن 3، وإن قال: لم أجدها 4 عذراء لم يجب فيه حدّ ولا لعان؛ لأن العذرة 5 تذهب من القفزة، ومن غير فعل 6 سوء 7. وإن أنكر لون ولده لم يلاعن ولم يحد، للحديث أن أعرابيًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ.
فَقالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: "فَمَا أَلْوانُها؟ ". قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: "فَهَلْ مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: إِنَّ فِيها لَوُرْقًا.
قَالَ: "فّأَنَّى تُرى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ ". قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَها.
قَالَ: "فَلَعَلَّ هَذا عِرْقٌ نَزَعَهُ" 8، ولم ير عليه نفيه بذلك.
ولا أرى 9 عليه -في قوله- شيئًا؛ لأنه إنما ظن أنما ذلك يكون لسبب، ونزوع العرق أن يكون بعض الأجداد -وإنْ بَعُدَ- أسود، فيكون ذلك في

بعض الأولاد.
وانظر إذا كان الأبوان أسودين قدما من الحبشة، فولدت أبيض هل ينفيه بذلك؛ لأنها لا يظن أنه كان في آبائه أبيض؟ وإن قال: ما أصبتها منذ سنة، وليس الولد مني، فإنه يلحق به، ولا يحد؛ لأن لحوق الولد لأربع سنين لا يعرفه كثير من الناس، وكذلك إذا أنكر الولد، وقال: كنت أعزل أو أصيب في الدبر.
قال محمد: وكذلك كل موضع لو نزل عنه شيء لوصل إلى الفرج فإنه يلحق به الولد 1. يريد: إذا أصاب بين الفخذين وما أشبه ذلك فإن الولد يلحق به، ولا لعان عليه ولا حد؛ لأن النفي إنما كان أنه ظن ألا يكون عن وطئه حمل.
وكذلك إذا وطئ جاريته فأنزل ثم أصاب امرأته ولم ينزل فحملت به 2، فإن الولد يلحق به 3، ولا لعان له، فقد يكون الحمل 4 لفضل ما في إحليله من الماء الأول 5. وقال مالك فيمن طلق امرأته فقالت: إني حامل، فقال: استأجر امرأة تكون معها؛ لأنها ليست بمأمونة، فجعل معها امرأة فاسترابت، فقال: كنت اعترضت عنها ولا أعلم أنه كان مني إليها شيء.
قال مالك: ويحتجون عليه بأنهم قد جعلوا معها أمينة، قال: جهلت ذلك، فإن لم يأتوا بالبينة لاعن، وإن

جاءوا بالبينة كان الولد منه، ولا حد عليه فيما قال؛ لأنه ما نفى ولدها، ولا قال: رأيتها تزني (1)، وإنما قال: لا أعلم أني أصبتها، وقد تحمل المرأة ولا يبلغ ذلك منها (2). انتهى قوله.

فصل [هل من شرط اللعان أن يعمل الزوج بمقتضاه فلا يمس بعد الرؤية وأنه يسارع بنفي الحمل؟]

اللعان للرؤية يصح إذا لم يصب الزوج بعدها 3، قال مالك: وإن أصابها بعد ذلك حد وإن 4 لم يلاعن، وجعل ذلك إكذابًا منه لقوله 5. واختلف في نفي الحمل إذا لم يقم بنفيه عندما علم، فقال ابن القاسم: إذا رآه فسكت كان سكوته إقرارًا منه، قال: فإن رآه يومًا فسكت لم يكن له أن ينكره 6. وقال أبو الحسن ابن القصار: إن أَخَّرَ ذلك حتى وضعت، وقال: رجوت أن يكون ريحًا فأستريح منه؛ كان ذلك له إلا أن يجاوز ثلاثة أيام 7 بعد12

الوضع 1 أو يظهر منه ما يدل على الرضى مثل أن يقبل التهنئة قبل الثلاث، وإن لم يظهر ذلك منه في أمره فسحنا له ثلاثة أيام واستشهد بحديث المُصَرَّاة 2. وقال عبد الملك في كتاب محمد فيمن قال في زوجته: لم أرها تزني، وليس الحمل مني قال: لست ممن يرى اللعان بالحمل، ولا أراه قاذفًا حتى تضع، فإن جاء ولدًا أو أسقطت فقد صار قاذفًا، ووجب له وعليه ما يكون بين المتلاعنين، وذلك أنه قد يحول فلا يكون في بطنها ولد ولا يكون قاذفًا 3. قال محمد: السنَّة أن يلاعنها حاملًا 4 وقد لاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عويمر وهي حامل 5. وليس قوله هذا بالبين؛ لأن عويمرًا ادَّعى رؤية ولاعن خوف أن يكون عنها حمل، وأيضًا فقد وجب اللعان لقذفها بالرؤية، وإنما الخلاف 6 إذا لم تكن رؤية، أو كانت ولم يقم 7 لقذفها، فإن التعجيل ليس بحق عليه، فهو يؤخر؛

رجاء ألا يصح أو تسقطه قبل ذلك، أوتضعه بعد التمام ميتًا، فيستغنى عن ذكر ذلك وعن فضيحتها، ولأن الناس يستعظمون أمر النفي، وإن كان الزوج عاميًّا كان أبين في عذره؛ لأن عند العامة أنه إذا ذكر ذلك ونفاه حُدَّ، ولا يعرف أن له أن يلاعن.
ولم يختلف المذهب أنه إذا رآها وسكت، ولم يذكر ذلك إلا بعد مدة، أو بعدما ظهر الحمل -إلا أنه لم يصب بعد الرؤية- أن له أن يلاعن.

باب في أحكام لعان الزوجين

1 وإذا نكل أحدهما أو أكذب الزوج نفسه بعد تمام اللعان يتعلق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحد عن الزوجين، ونفي الولد والفراق وتأبيد التحريم على اختلاف بين الناس في هذين القسمين الأخيرين، فإن التعنا سقط عن الزوج حد القذف، وعنها حد الزنا الذي أثبته بالتعانه، ويسقط نسب الولد.
واختلف في وقوع الفراق فقال مالك وابن القاسم: يقع الفراق بنفس اللعان، ولا تحل له أبدًا 2. وقال محمد بن أبي صفرة 3: اللعان لا يرفع العصمة، لقول عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها.
فأحدث طلاقًا قطع به العصمة، نزه نفسه على أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلَ عويمر سنةَ المتلاعنين، وهذا هو قول أبي حنيفة 4، وقاس عثمان البتي: لا تأثير للعان في الفرقة، وإنما يُسْقِط النسب والحدود، وهما على الزوجية كما كانا 5، وحمل فعل عويمر أنه 6 على الندب؛ لأن الزوج مندوب إلى فراق

زوجته إذا علم منها الزنا، لئلا يلحق به غير ولده، وهو لا يعلم، ولأن 1 التعانه أربعة شهادات كالبينة، فهو إذا ردت شهادته بشهادتها الأربع أبين ألا يفرق بينهما، ولو شهد عليها بالزنا أربعة، وهي بكر، لم يفرق بينهما، وقد يحمل الفراق والتحريم في اللعان على ما كان في قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3] ثم نسخ، فإن نكل الزوج عن اللعان أو أكذب نفسه حُدَّ حَدَّ القذف إن كان حرًّا ثمانين، وإن كان عبدًا أربعين 2. وقيل: ثمانين.
وإن التعن ونكلت الزوجة أو اعترفت، لم يقع فراق، وحدت حدّ الزاني، فإن كانت حرة مسلمة مدخولًا بها رجمت وورثها زوجها، وإن كانت غير مدخول بها جلدت مائة، وبقيت زوجة، وإن كانت أمة جلدت خمسين دخل بها أو لم يدخل، وإن كانت كتابية عوقبت، وعلى قول المغيرة تحد حد البكر، وإن أكذب الزوج نفسه ثبت نسب الولد، وكذلك إن كان سقط نسبه بالتعانه ثم أكذب نفسه قبل التعان الزوجة أو بعد فإنه يثبت نسبه، واختلف هل تحل الزوجة إذا أكذب نفسه بعد اللعان؟ فذكر ابن شعبان عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال: تحل بنكاح جديد، وهو في ذلك ثابت، قال: وأشهب ينحو إليه 3. وقوله: بنكاح جديد لأنه يرى أن اللعان فسخ، وعلى القول إنه طلاق، ترجع إليه على طلقتين بقيتا له.
واختلف إذا نفى الولد بالاستبراء، ثم قال: لم أستبرئ، فقال مالك وابن

القاسم: إن أكذب نفسه حد (1). ولم يفرق بين أن يكون اللعان للرؤية أو للاستبراء.
وقال أبو الحسن ابن القصار: إن نفاه بالاستبراء فليس بقاذف؛ لأنه يجوز أن يكون وقعت منه الشبهة.
وليس قوله بالبين، ولو كان الجواب على ما قال: لم تحد حد الزنا إذا نكلت؛ لأن الزوج على قوله لم يثبت عليها زنا، ولكن لو لم يمكن من نفيه بالاستبراء على القول أن الحيض يأتي على الحمل -لم يحد؛ لأنه إنما ظن ألا يكون مع الاستبراء ولد.

فصل [في إذا وجب اللعان بين الزوجين فمات الزوج]

وإذا وجب اللعان بين الزوجين فمات الزوج قبل أن يلاعن أو بعد أن لاعن، وقبل الخامسة ورثته، ولا لعان عليها 2. واختلف إذا مات بعد أن تم لعانه، فقال مالك في المدونة: يقال لها: التعني وادرأي 3 العذاب عن نفسك ولا ميراث لك، فإن لم تلتعن حُدَّتْ، وكان لها الميراث 4. وقال ربيعة ومطرف في كتاب ابن حبيب: ترثه، وإن التعنت؛ لأن الفراق إنما يقع بالتعانها 5. وهو أحسن؛ لأنه مات وهي زوجة، والميراث حينئذ قائم، وإن ماتت1

الزوجة بعد التعان الزوج، أو بعد التعانهما وقبل الخامسة من التعانها- ورثها، وإن ماتت الزوجة قبل أن يلتعن الزوج، كان له الميراث، ثم ينظر في التعانه، فإن كان لها من يقوم بقذفها -ابن أو أب أو أخ- قيل للزوج: التعن، فإن نكل حد، وإن لم يكن لها من يقوم بذلك ممن ذكرنا، لم يكن عليه شيء على القول أن القذف حق لآدمي، وعلى القول أنه حق لله تعالى يقوم به السلطان.

فصل [فيمن قذف امرأتيه]

وقال محمد فيمن قذف امرأتيه، فقامت عليه إحداهما، فقال: كذبت عليك، فجلد الحد، ثم قامت الأخرى: فلا حد عليه؛ لأن ذلك الضرب لكل من 1 قذف قبل ذلك، فإن قال لها بعد أن ضرب: قد صدقت عليك أو 2 على صاحبتك، كان عليه الحد، إلا أن يلاعن، وسواء فيمن قال ذلك لها منهما، هذا 3 قول ابن القاسم 4. وقال عبد الملك: يحد للأول 5 ولا لعان له فيها؛ لأنه قذف ثان فقد أكذب نفسه فيه 6. قال محمد: ولو قال للثانية: أما أنت فصدقت عليك، وكذبت على صاحبتك لاعن الثانية 7. وهو 8 قول ابن القاسم ها هنا أنه يلاعن عن الأولى إذا رجع بعد أن أكذب نفسه، خلاف المعروف من المذهب، وخلاف الأصول.

جارٍ التحميل