فصل [تكفين الشهيد]
لا خلاف في الشهيد يوجد 1 عُريانًا أنه يوارى بثوب، وإن كان عليه ما لا يستر جميع جسده أنه يعم بقية ذلك بما يستره، والأصل في ذلك حديث مصعب بن عمير: قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نَمِرَة له إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غَطُّوا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا 2 عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ 3 الإِذْخِرِ" 4.
وإن لم يوجد إلا دون ذلك غطي من سرته إلى ركبتيه 5، فإن كان فيه 6 فضل غطي ما فوق ذلك إلى صدره.
واختلف إذا كان عليه ما يواري جميع جسده 7 فقال مالك: لا يزاد عليه شيء 8، وقال أشهب في مدونته وأصبغ في العتبية: لا بأس بذلك 9، والأول أحسن وأتبع للأثر، ومحمل الحديث أنه يبعث يوم القيامة على هيئة ما قتل عليه, لله سبحانه، وكما قال في المحرم: "لا تخمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ تَمسّوهُ بِطِيب وَكفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ 10 فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" 11، وقال: "لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبيلِ اللهِ- واللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دمًا
اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ 1 " 2، واختلف فيما ينزع عنه، فقال ابن القاسم: ينزع عنه الدرع والسيف والرمح، يريد: آلة الحرب، ولا ينزع الفرو ولا القلنسوة ولا الخفان 3، وقال في العتبية: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب 4، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يدفن في الثوب الحديد 5 الذي يلبسه للنشاب 6 والمنطقة، يريد بالحديد 7: الدرع، وعلى هذا لا تنزع 8 عنه الفاتخة.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا ينزع عنه 9 الخاتم إلا أن يكون نفيس الفص 10، وعلى قوله لا ينزع عنه الثوب الجديد إلا أن يكون كثير الثمن.
وقال أشهب في مدونته: تنزع عنه القلنسوة والخفان والحشو، وليس هذا بحسن، وأرى ألا ينزع عنه شيء، إلا السيف، والرمح، ونزع الخاتم خفيف.
وقال أشهب في العتبية فيمن مات في المعترك وهو جنب: لا يغسل ولا يصلى عليه 11، وقاله 12 ابن الماجشون 13، وقال سحنون: يغسل 14.
باب في تلقين الميت, وغسله, وتجريده, والماء الذي يغسل به، والثوب الذي ينشف به، واغتسال غاسله
يلقن الميت عند الاحتضار 1: لا إله إلا الله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ" 2 أخرجه مسلم، ولقوله: "مَنْ كانَ آخِرُ قَوْلهِ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنّة" 3، ويعاد ذلك عليه مرة بعد مرة، ويجعل بينهما مهلة.
ويستحب أن يقرأ عنده القرآن، ويكون عنده طيب، ويجتنبه الحائض والجنب، واختلف في ذلك، والمنع أولى؛ لما روي: "أن المَلاِئكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُب" 4. ويغمض إذا قضى، وغمض النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سلمة 5، وقيل: إن أبا بكر غمَّض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بصحيح، والذي في الصحيح 6 أنه كان غائبًا عند موته وأتى
وعمر يقول: إنه لم يمت، فتلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] 1.
وقال ابن شعبان: لا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه 2، يريد: خيفة تغير الرائحة 3 والانفجار، ولا حجة في تأخير غسل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ذلك مأمون عليه.
ويبتدئ الغاسل بالميامن ومواضع الوضوء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" 4، "واغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا... بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورا..." 5 وفي حديث آخر: "... أَوْ سَبْعًا..." 6، وقد تضمن هذا الحديث البداية بالميامن، وأن يوضأ، وأن يكون وترًا من الثلاث إلى ما بعد، وجواز غسله بالماء المضاف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويخص بالإنقاء الفم والأنف والأرفاغ كالإبطين وغيرهما, ولا بأس أن يفضي باليد إلى الفرج إذا كانا زوجين، أو ملك يمين، وإن كانا أجنبيين لف على يده ثوبًا كثيفًا لا يجد معه حس 7 ما تمر عليه اليد.
واختلف إذا كان في الموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة (1) اليد، فأجاز مالك (2) في المدونة أن يباشر ذلك (3)، ومنعه ابن حبيب، وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك (4) النجاسة أعلى رتبة من الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو لغيرها إلا بمباشرة غيره لذلك الموضع، فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حاله، فهو في الميت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه.
ولا يقتصر الغاسل على دون الثلاث؛ لأن الاقتصار على الواحدة لا يأتي على ما يراد من الإنقاء، والاقتصار على اثنتين خلاف ما تضمنه الحديث من أن يكون وترًا، وإن أنقى في أربع زاد خامسة، وإن أنقى في ست زاد سابعة.
فصل في تجريد الميت عند الغسل وستر عورته
تجريد الميت عند الغسل، وستر عورته أو جميع جسده, أو منع غسله جملة, يختلف 5، وذلك راجع إلى صفة المغسول والغاسل، وهما على سبعة أوجه: غسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة، والرجل المرأة 6، والمرأة الرجل إذا كانا زوجين، أو بينهما محرم، أو أجنبين لا زوجية بينهما ولا محرم 7، وغسل الصبي والصبية.
فأما غسل الرجل الرجل، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يجرد ما سوى السوأتين 8، وهو قول مالك في المدونة 9، وقال ابن حبيب: من السرة1234
إلى الركبة 1، وهذا راجع إلى ما تقدم في كتاب 2 الصلاة، هل الفخذ عورة، أم لا؟ والسترة 3 في ذلك أحسن.
وصفة ستر العورة أن يجمع ثوبًا ويجعل هناك، وليس يبسط؛ لأنه يصف، وقال محمَّد بن سحنون 4: استحب أن يجعل على صدره خرقة 5، وهذا أحسن فيمن طال مرضه، ونحل جسمه؛ لأن منظره حينئذٍ يقبح، والميت يكره أن يرى ذلك منه في حال الحياة.
وأما غَسل المرأة المرأة، فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل من الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها؛ لأنه قال في المرأة تدخل الحمام: إنها تدخل في ثوب 6 يستر جميع جسدها، وقد يستخف ذلك في المتجالة.
واختلف في غسل أحد الزوجين الآخر مجردًا 7، فقال مالك في المدونة: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه 8، وأجاز ابن حبيب أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة 9، والأمر في ذلك واسع، إلا أن يحتاج الغاسل في ذلك إلى معونة غيره فليستر 10 العورة بلا خلاف، ثم ينظر فيما بعد ذلك، فإن غسل الزوج زوجته وكان المشارك له في الغسل أحدًا من ذوي محارمها أعني 11 في صب الماء، ستر جميع جسدها، فإن كانت امرأة متجالة ستر من
السرة إلى الركبة، وكذلك إذا كانت امرأة من ذوي محارمه 1، ولا ينبغي أن يعاونه في ذلك أحد من ذوي محارمها من النساء إذا كانت متجالة 2، ويباعد بين أنفاس الرجال والنساء 3.
وأما غسل المرأة زوجها فلا بأس أن يشاركها في ذلك النساء في صب الماء من غير مس، أو أحد من ذوي محارمها من الرجال، وتستر منه من السرة إلى الركبة، ولا يشاركها في ذلك أحد من 4 أولياء الرجل، إلا أن تكون الزوجة متجالة.
وأما غسل الصبي، فإن كان صغيرًا، أو في الإثغار، فلا بأس أن يغسل مجردًا 5، وأن يغسله النساء مع وجود الرجال، فإن ناهز الحلم جرى على حكم الرجل، فيغسله الرجال مستور السوءة 6، ولا يغسله النساء.
وأما غسل الصبية، فإن لم تبلغ أن تشتهى جاز أن يغسلها النساء مجردة، وستر العورة 7 أفضل، ولا بأس أن يغسلها الرجال عند عدم النساء، وتستر سوءتها 8، وإن بلغت أن تشتهى جرت على أحكام المرأة.
واختلف إذا ماتت المرأة مع الرجال وليس هناك نساء، أو مات رجل مع نساء وليس هناك رجال وبينهم 9 رحم محرم، فأجاز مالك في المدونة أن يغسل كل واحد منهما الآخر من فوق الثوب 10، وقال أشهب: أحب 11 إليّ في أمه
وأخته أن ييممهما، وكذلك المرأة في ابنها 1، وقاله ابن نافع في المبسوط.
وقال مالك: لا أرى أن يغسل زوج المرأة أم امرأته ولكن ييممها.
وفرق بين أن يكون التحريم من 2 النسب أو 3 الصهر.
وهذا أحسن، وليس ذلك في نفوس 4 الناس كتحريم النسب، وإذا كان بينهما محرم من النسب، وغسلت المرأة الرجل، فلا بأس أن تلصق الثوب بالجسد، وتحرك الثوب وتغسل به 5.
وإن غسل الرجل المرأة صب الماء من تحت الثوب ولم يلصقه بها لئلا يصف، ويلف على يده ثوبًا كثيفًا، ويمرها من تحت الثوب.
وإذا 6 لم يكن بينهما محرم رجع إلى التيمم فتُيَمِّم المرأةُ الرجلَ، الوجه واليدين إلى المرفقين، وييمم الرجلُ المرأةَ إلى الكوعين.
فصل [في الماء الذي يغسل به]
واختلف في الماء الذي يغسل به فقال مالك في المدونة: يغسل بماء وسدر، ويجعل في الآخرة 1 كافورًا إن تيسر 2، فأجاز غسله بالمضاف من الماء، كما في الحديث 3. وقال ابن حبيب: يغسل في الأولى 4 بالماء وحده، وفي الثانية بماء وسدر، وفي الثالثة بغير سدر 5 ويجعل فيه كافورًا، والأول أبين للحديث، وللاختلاف في وضوء الحي بالماء المضاف.
وقال ابن شعبان: لو غسل بماء الورد والقرنفل لم أكرهه إلا من ناحية السرف 6؛ لأنه لا يطهر فيختار 7 له من الماء ما يطهر به 8، وقول 9 مالك: إنه 10 ييمم عند عدم الماء 11، دليل على أن ذلك عبادة.
قال: ولا يغسل بماء زمزم 12، وهذا يصح على أصله؛ لأنه يقول: إن
الميت نجس, ولا يقرب ذلك الماء للنجاسة (1)، وقد ذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور (2)، وأهل مكة يتوقون ذلك ولا يرون (3) الاستنجاء به، وعلى القول إن الميت طاهر يجوز أن يغسل بماء زمزم، بل هو أولى؛ لما يرجى من بركته.
فصل لا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت
وقال سحنون: لا ينجس الثوب الذي ينشف فيه 4 الميت 5، وقال محمَّد بن عبد الحكم: 6 ينجس 7، وتقدم قول ابن القاسم إن الميت نجس, وعلى قوله، ينجس الثوب الذي ينشف فيه، والقول إنه طاهر أحسن، وقد مضى بيان ذلك، ويختلف فيما يصيب الإنسان من مائه على الاختلاف المتقدم في نجاسته.
وقال مالك في العتبية: يغتسل غاسل الميت وعليه أدركت الناس 8، واستحب ذلك ابن القاسم وأشهب 9، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه 10، وقاله123
جملة (1) من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وذكر حديث أسماء (2)، فقيل: الوجه في استحباب اغتساله الثلاث (3)، لئلا يتوقى غاسله ما يصيبه، فلا يبالغ في غسله لتحفظه منه.
فصل أولياء الميت أولى بغسله
والأولياء أولى بغسل الميت، وأولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه، وأما المرأة فأولى النساء بغسلها ابنتها، ثم ابنة الابن، ثم على مثل منازل الرجال لغسل الرجل.
والزوجان أولى بغسل بعضهما بعضًا، والأصل في ذلك غسل أسماء لأبي بكر 4، وغسل علي لفاطمة 5 رضوان الله عليهما 6، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلا أَزْوَاجُهُ" 7.123
ويغسل الرجل 1 زوجته وإن كان عبدًا وهي حرة، وتغسله زوجته وإن كانت أمة وهو حر.
قال سحنون: وتغسل النصرانية زوجها المسلم بحضرة المسلمين، قال: ويقضى للرجل بغسل زوجته الحرة، إذا كان الزوج حرًا أو عبدًا وأذن له سيده.
ولا يقضى للمرأة بغسل زوجها على أوليائه، وقال محمد: يقضى لها، قال سحنون: ولا يقضى للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة 2. ففرق بين القضاء له ولها مع وجود الأولياء؛ لأن غسل الرجل إلى أوليائه، فلا ينتزع 3 ذلك منهم، وغسل المرأة إلى النساء دون 4 أوليائها، فكان الزوج أحق منهن 5، فإن لم يكن للزوج ولي، أو كان وعجز عن الغسل، أو 6 أحب أن يجعل ذلك إلى غيره، كانت الزوجة أحق 7 وقضي لها بذلك 8، قولًا واحدًا، ولهذا قضي للزوج إذا كان عبدًا وأذن له سيده، وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن القضاء بذلك على النساء ليس على الأولياء.
ولم يُقضَ للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة؛ لأن القضاء بذلك على وليها وهو السيد، وكأنه أجاز للسيد غسلها والاطلاع عليها، وليس بالبين، والزوج أحق منه، وأما قوله 9: لا يقضى للزوجة إذا كان الزوج عبدًا، فصحيح على أصله إذا كان السيد رجلًا، أو كان للعبد أولياء، والسيد يقدم = (26349)، والحاكم: 3/ 61، في كتاب المغازي والسرايا، برقم (4398)، والبيهقي: 3/ 387، في باب ما يستحب من غسل الميت في قميص، من كتاب الجنائز، برقم (6413)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
على الأولياء، فإن أسقط حقه كان الأمر إلى الأولياء، وإن كان العبد (1) ملكًا لامرأة كان الأمر إلى أولياء العبد، ابنه أو (2) أخيه أو (3) ما أشبه ذلك، فإن لم يكن ولي قضي للزوجة، ولم يكن لسيدته (4) منعها إن قالت: أنا أُولِّي ذلك أجنبيًا، وعلى قول محمد يقضى للزوجة على جميع من ذكر من مولى أو ولي، وهو أحسن، والزوجة أستر لزوجها، ولا يؤمن عند تقليبه أن ينكشف.
فصل [وإذا كان النكاح مجمعًا على فساده لم يغسِّل أحدهما الآخر]
وإذا كان النكاح فاسدًا مجمعًا على فساده لم يغسل أحدهما الاخر، وإن كان مختلفًا فيه 5 مما يمضي بالعقد، مضى على حكم الصحيح، وإن كان مما 6 يفسخ قبل ويثبت بعد مُنعا الغسل قبل، ولم يمنعاه بعد، وقال سحنون: إذا كان النكاح في المرض لم يغسل أحدهما الآخر؛ لأنهما لا يتوارثان، ولأن من أصحابنا من يفسخه إذا صح 7، وهذا أحسن 8 مع وجود من يجوز 9 منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من فوق 10 الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه.
قال سحنون: وإن ظهر بأحدهما عيب، جنون أو جذام أو برص فالغسل بينهما جائز 11،1234
وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق أو 1 الموت فات موضع الرد 2، وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها، فتأخذ الصداق، والميراث 3.
وإن كان العيب بها 4 كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب ويمنعوها الميراث، والصداق، فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها وقام الزوج بالعيب ليسقط 5 عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها.
وكذلك إذا كان العيب به 6 وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها.
وإن زالت العصمة بطلاق بائن ثلاثًا، أو واحدة بخلع، ومات أحدهما في العدة، لم يكن بينهما غسل.
واختلف في الرجعي، فمنع ذلك في المدونة، وأجازه في المبسوط؛ لبقاء الموارثة، والأول أحسن؛ لأن المراعى التحريم في حال الحياة، وقد كانت حرامًا لا يجوز له مسها قبل أن يحدث رجعة، فكذلك بعد الموت لا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تطلع عليه.
وأما الملك، فيجوز أن يغسل كل واحد منهما الآخر، إذا كانت الإصابة جائزة في حال الحياة كالأمة والمدبرة، وإن لم يجرِ بينهما من ذلك شيء في حال الحياة، وأم الولد، وهم في ذلك كالزوجين وإن انتقل ملك الأمة إلى الورثة بنفس الموت، ولا يجوز ذلك فيمن لا تجوز بينهم 7 الإصابة كالمعتقة إلى أجل، والمعتق بعضها، ومن له فيها شرك، والمكاتبة، ولا غسل بين المرأة وعبدها ولا مدبرها.
باب في الحنوط للميت
ويحنط الميت بالمسك والكافور، والعنبر، وغير ذلك من الطيب، وكل جنس طاهر يتطيب به وكذلك العنبر، وإن صح أنه تقذفه دابة من دواب البحر فإنه طاهر.
ومواضع الحنوط خمسة: على ظاهر جسد الميت، وفيما بين أكفانه، ولا يجعل فوق الكفن، وهو 1 قول مالك في المدونة 2.
والثالث: أن يجعل على 3 المساجد السبع 4: الجبهة 5، والأنف والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، واليدين 6، وهو قول ابن القاسم في شرح ابن مزين للموطأ 7.
والرابع: أن يجعل في منافذ الوجه السبعة: الأذنين، والعينين، والفم، والمنخرين.
والخامس: أن يجعل في المغابن، وهي: الأرفاغ، وهو: كل موضع يجتمع فيه الوسخ: الإبطين 8، ومراجع الركبتين، وهي المآبض، وهو قول عطاء.
وهذا مع اتساع الطيب، فإن قل فالبداية عند ابن القاسم في شرح ابن مزين بالمساجد السبعة، وأراه فعل ذلك إكرامًا لتلك المواضع لما كان يتقرب بها 9 إلى الله سبحانه.
قال: فإن كثر فعلى الجسد، وبين الأكفان، ولم يزد على ذلك 10.
باب في كفن الميت وهل يكون من رأس المال؟ وتكفين من لا مال له وتحسين (1) الكفن وصفته
الكفن من رأس المال مبدًّى على الورثة والغرماء، فإن لم يخلف الميت إلا قدر كفنه كفن منه 2، ولم يكن للغرماء ولا للورثة في ذلك مقال، إلا أن يكون رهنًا فإن المرتهن أحق به.
والأصل في كونه من رأس المال حديث مصعب بن عمير: قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة كفن فيها 3، ولا خلاف في ذلك.
واختلف إذا سرق كفنه بعد الدفن، فقال مالك في المبسوط: يجدد له كفن.
وقال ابن القاسم في العتبية: من رأس المال، وإن كان عليه دين، كالأول 4. وقال سحنون: ليس ذلك على ورثته 5.
وقال أيضًا: إن لم يقسم ماله كُفِّنَ من رأس المال، وإن قسم فلا شيء على ورثته، وإن 6 أوصى بثلثه لم يجدد كفنه من ثلث ولا غيره 7.
قال: وإن وجد بعد ذلك الكفن المسروق بعد أن دفن كان ميراثًا.
قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون عليه دين فيكون للغرماء.1
فصل يكفن الميت من تلزمه نفقته
وإذا لم يكن للميت مال، وكان له من تلزمه 1 نفقته من والد أو ولد، كان كفنه عليه، فعلى الأب أن يكفن ولده الصغير، والكبير الزَّمِن، وعلى الابن أن يكفن أبويه، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون.
وإذا لم يكن له والد أو ولد، أو كانوا فقراء فعلى بيت المال، فإن لم يكن بيت مال، أو لم يقدر على ذلك منه 2 فعلى جميع المسلمين.
وقال أصبغ: ليس ذلك على الابن ولا على الأب.
وفرق بين النفقة في الحياة والكفن، واختلف في ذلك قول سحنون فقال مرة: ذلك على الأب في ابنه الصغير وفي ابنته البكر.
وقال مرة: ليس ذلك عليه، وقال أيضًا: استحسن ذلك في الولد، وأما الأبوان فلا شيء عليه فيهما، والقول الأول أحسن.
ولا فرق بين النفقة، والكسوة، والكفن، والمؤن، حتى يواريه في قبره، وقد فهم من الشرع أن الله سبحانه خص كل واحد من هؤلاء بالقيام بالآخر عند العدم لدفع المعرة، ولا يتكفف الناس، والإجماع 3 على أن على السيد 4 أن يكفن عبده 5 وإن سقط الملك 6 بالموت.
واختلف في الزوجة على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة 7 في الواضحة: يقضى على الزوج بكفن زوجته وإن كانت موسرة 8، وقال في العتبية: إن كانت موسرة فمن مالها، وإن كانت معسرة فعليه 9. وقال ابن القاسم
وسحنون: لا شيء على الزوج بحال 1، وهو أحسن؛ لأن النفقة كانت على وجه المعاوضة لمكان الزوجية، وقد انقطعت بالموت.
وإن اجتمع أبي وزوج، فإن لم يكن دخل الزوج فعلى الأب، وإن دخل بها 2 سقط عن 3 الأب، ويختلف في الزوج حسب ما تقدم.
وإن اجتمع أب وابن كان الكفن على الابن؛ لأن نفقته كانت في حال الحياة على الولد دون الأب.
واختلف إذا كان زوج وابن، فقال مالك في العتبية: ذلك على الزوج 4، وقال ابن القاسم: على الابن 5 وهو أبين 6، فإن كان للأم 7 خادم، وكان الابن ينفق عليها 8 فإنه يختلف هل يكون كفنها على الابن؟
فصل [في تحسين كفن الميت]
أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُحسَّنَ كَفَنُ المَيِّتِ.
أخرجه مسلم 1، فإن اختلف الورثة عند ذلك 2 كان القول في ذلك قول من دعا إلى ذلك، دون من دعا إلى دون ذلك مما فيه معرة أو تقصير، ودون من دعا إلى سرف.
واختلف إذا أوصى الميت أن يكفن في سرف، فقال مالك 3: الزائد على ما هو 4 سداد ساقط، ويرجع ميراثًا 5. وقال أيضًا: يجعل الفضل في ثلثه، وقال سحنون: إن أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة آخر وأنكر الآخرون فلا ضمان عليه إذا كان في تركتهم 6 محمل لذلك 7، يريد: لأن عليهم في كفنه في ثوب واحد وصمًا، وإن كان عليه دين لم يوسع كالأول.
وإن كان كفنه من بيت المال وسع عليه، وإن كان مواساة من الناس كان دون ذلك في باب ما يجبرون عليه.
وقال عيسى في شرح ابن مزين: يجبر الورثة والغرماء على ثلاثة أثواب من مال الميت، وإن قالوا: تكون غليظة، لم يكن ذلك لهم إذا كانت لا تشبهه 8.
فصل المراعى في الكفن ثلاثة
المراعى في الكفن ثلاثة: عدده، ولونه، وصفته 1.
فأما عدده، فيستحب أن يكون وترًا ثلاثا إلى ما فوق ذلك 2 سبع أو خمس، ولا يكفن في واحد إلا أن لا 3 يوجد غيره، والاثنان وإن كان 4 شفعًا أولى من الواحد وإن كان وترًا؛ لأن الواحد يصف 5 والاثنان أستر، وثلاثة أولى من أربعة، وخمسة أولى من ستة 6، ولا أرى أن يجاوز السبعة؛ لأنه في معنى السرف، وإن كانت السبعة مدارج من غير قميص ولا عمامة فحسن.
واختلف في شيئن 7: العمامة والقميص، فقال مالك قي المدونة: من شأن الميت عندنا أن يعمم 8. وقال ابن حبيب أحب إلى مالك ثلاثة أثواب، تُعَدُّ فيها العمامة، والمئزر، والقميص، ويلف 9 في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، ودرع، وخمار، وثوبين تدرج فيهما 10.
واستحب في المدونة العمامة 11، وفي الواضحة: القميص، وقيل لابن القاسم في العتبية: أيجعل في الكفن عمامة أو قميص 12، أو يؤزر الميت؟ فقال:
أحب ما في كفن الميت إلي (1) ثلاثة أثواب لا يجعل فيها قميص ولا عمامة ولا مئزر ولكن يدرج فيها إدراجًا، وكذلك كُفِّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكل ذلك واسع فيجوز أن يقتصر على المدارج (3) من غير قميص، وأن يكفن في قميص ومدارج، ولا يقتصر على قميص من غير مدارج (4)، وليس الشأن الاقتصار على العمامة والمدراج من غير قميص.
فصل ندب لون الكفن أن يكون أبيضًا
وأما الألوان 5 فيستحب البياض، فإن كان مصبوغًا فما كان بالطيب مثل: الورس، والزعفران دون الأزرق والأخضر والأسود، والرجال والنساء في ذلك سواء.
واختلف في المعصفر فكرهه مالك في المدونة 6؛ لأنه ليس بطيب، وأجازه في المجموعة.
وأما جنسه: فالكتان والقطن.
واختلف في الحرير والخز فمنع ذلك في المدونة 7 للرجال والنساء ورأى 8 أن ذلك إنما جاز لهن في الحياة 9؛ لأنه زينة، كما جاز لهن لباس الذهب، والموت يقطع ذلك، ويعدن فيه كالرجال في الحياة؛ لأنه سرف، ولأن1234
مصيره الآن 1 إلى المهنة والصديد، وكما لا يلبس الآن الحي 2، وأجاز في سماع ابن وهب الحرير للرجال والنساء، وقال: لا أحب ذلك وإن فعل فواسع، ورأى أن المنع سقط بالموت؛ لأنه حينئذٍ غير مخاطب، فأشبه لباس الصبيان له في حال الحياة 3، وقال ابن حبيب: يجوز 4 ذلك للنساء، ويمنع للرجال 5، وأجراهم فيه على حكم الحياة.
وأرى أن يجوز من ذلك 6 كل ما فيه جمال من غير سرف، والخز الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير؛ لأن سداه أو 7 طعمته حرير، وليس كالذي يعمل بالمشرق.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز لباس الخز؛ لأنه ليس بحرير، وقد لبسه السلف، وكرهه مالك لأجل السرف 8.
باب في خروج النساء الى الجنائز
النساء في خروجهن إلى الجنائز ثلاث 1:
متجالة: يجوز ذلك لها وإن كان الميت منها أجنبيًا.
وشابة: يجوز لها أن تخرج إذا كان الميت زوجًا أو ولدًا 2 أو أخًا أو ما أشبه ذلك 3، ولا يجوز إذا كان أجنبيًا.
وقال أيضًا: لا بأس بشهودهن الجنائز 4، ما لم يكثرن 5 كُنَّ ركبانًا أو مشاة، وقد كن يخرجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك 6، والأول أحسن، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ المَسْجِدَ 7 " 8.
وامرأة برزة رائعة جسيمة 9 يكره خروجها، وإن كان الميت أحد أقاربها، ويكره لها التصرف بحال.
وإذا مات ميّت مع نسوة ولا رجل 1 معهن صلين عليه 2، قال ابن القاسم في المدونة: أفذاذًا، ولا تؤمهن واحدة منهن 3. وقال أشهب: يصلين عليه جماعة وتؤمهن واحدة منهن 4، وهو أحسن.
وقد روى ابن أيمن عن مالك أنه أجاز إمامة المرأة للنساء في الفريضة، فهن في الصلاة على الجنائز أولى.
باب في السلام من الصلاة على الجنائز
وقال مالك في المدونة: يسلم الإمام ومن خلفه تسليمة واحدة، وُيسمع الإمام من خلفه، ويسمع من خلفه 1 أنفسهم، فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس 2. وقال في العتبية: يرد المأموم على الإمام تسليمة أخرى 3، وقال أشهب في مدونته: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وشماله، ويسلم القوم كذلك، وهو أحسن أن يجري السلام في العدد على ما يجري في غيرها من الصلوات، فيرد المأموم على الإمام وعلى من على شماله بعد التسليمة التي يخرج بها 4؛ لأنّ ردّ التحية فرض، والإمام يسلّم على من خلفه فيردون عليه، وكل واحد من المأمومين قد سلم عليه 5 بالتي خرج بها صاحبه من الصلاة.
باب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرًا لميته (1) فدفن فيه غيره
كره مالك تجصيص القبور 2؛ لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله.
واختلف في تسنيمها، والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة 3، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر، والعود 4 يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه 5. وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبر أحب إلي، فإن رفع فلا بأس 6، يريد: إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - مسنمة وهو أحسن.
وفي البخاري ومسلم: "أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسَنَّمٌ" 7. وقال خارجة بن زيد في البخاري: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْتةً الَّذِي يَثبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يجاوِزَهُ" 8، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع.
ويمنع من بناء البيوت على الموتى؛ لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد.
وقيل لمحمد بن عبد الحكم 9 في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا ولا كرامة يريد: بناء البيوت، ولا بأس بالحائط1
اليسير الارتفاع، ليكون حاجزًا بين 1 القبور؛ لئلا يختلط 2 على الإنسان موتاه مع غيرهم، ليترحم عليهم، ويجمع إليهم 3 غيرهم.
وليس لأحد أن يدفن في مقبرة غيره، إلا أن يضطر إلى ذلك فإن اضطر لم يمنع؛ لأن الجبانة أحباس لا يستحق فيها أحد شيئًا، ويمنع مع الاختيار؛ لأن للناس أغراضًا في صيانة موتاهم، وتعاهدهم بالترحم.
وقال سحنون: سألت بعض أهل العلم عمن 4 حفر قبرًا في الجبانة 5 فدفن غيره فيه؟ قال: على الثاني أن يحفر للأول قبرًا مثله في ذلك الموضع 6.
وقال أبو بكر بن اللباد: عليه قيمة حفر ذلك القبر 7. وقال الشيخ أبو الحسن 8: عليه الأقل مما يحفر به الأول 9 أو قيمة الأول 10.
وقال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن يكون عليه الأكثر من قيمة الأول، أو ما يستأجر به الثاني؛ لأنه بتعديه أدخله 11 في الأجرة الثانية، وإن كان الحفر الأول في موضع مملوك أخرج منه الميت إذا كان بالفور.
باب في إمام الجنائز (1) تنتقض (2) طهارته، وهو يصلى عليها بالتيمم، أو بثوب نجس؟
ومن المدونة: قال ابن القاسم في إمام الجنازة يحدث بعد أن كبَّر: إنه يأخذ بيد رجل فيقدمه فيتم 3 بهم الصلاة فاستحب أن يقدمه من غير كلام وإن كان هو في غير صلاة؛ لأنه أتم 4 لصلاة المأمومين فقد يجهلون ويتكلمون عند كلامه.
واختلف فيمن أحدث ولم يجد ماءً، هل يتيمم؟ أو كان على غير طهارة، هل يبتدئ الصلاة بالتيمم؟ فقال ابن وهب: إن خرج معها على طهارة فانتقضت ولم يجد ماء تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم.
يريد: لأن من تعمد الخروج معها بغير طهارة بمنزلة من تعمد الصلاة عليها بالتيمم مع القدرة على الماء 5، ويجوز على قوله إذا 6 لم يخرج معها وكان في موضعه حتى أتي بها 7 وهو على غير طهارة أو كان الماء موجودًا فمتى 8 تشاغل بالوضوء فاتته الصلاة عليها، أو كان دخل في الصلاة بالوضوء فانتقضت 9 طهارته 10 وهو في هذا أبين.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يصلى على الجنازة في الحضر بالتيمم وهو يجد الماء، وقوله: وهو يجد الماء، مثل قول ابن وهب: إنه يجوز12
مع عدمه 1. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن رأى في ثوبه نجاسة، أو رعف في الصلاة على الجنازة، أو العيدين- فإنه يخرج ولا يتكلم، فيغسل الدم، ثم يرجع فيقضي بقية التكبير، وكذلك في العيدين، وإن قضى ما فاته من صلاة العيدين في بيته فحسن، فإن لم يكن دخل في صلاة الجنازة، ولم يعقد من صلاة 2 ركعة، وخاف إن ذهب يغسل الدم فوت صلاة العيد والجنازة، دخل كما هو في الصلاة، ولم ينصرف 3.
باب في الأوقات التي تصلى فيها الجنائز
1
ويصلى على الميت في الليل والنهار، وبعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر، فإن اصفرت الشمس أخَّر حتى تغرب، فإن أسفر الصبح أخر حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، وهذا قول مالك في المدونة 2.
وفي التفريع لابن الجلاب: إن ذلك جائز إلا عند غروب الشمس وطلوعها 3.
ولأبي مصعب في ذلك قول ثالث، قال: الصلاة على الجنائز جائزة في الساعات كلها.
وأرى أن تصلى ما لم تدن الشمس للغروب، أو تبرز الشمس حتى يحل النفل، لحديث عقبة بن عامر الجهني قال: "ثَلاَثُ سَاعَاتٍ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُصَلَّى فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرة حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ".
أخرجه مسلم 4، فإذا نهى عن أن نقبر في ذلك الوقت فالصلاة حينئذ أولى بالمنع.
وقال مالك: إذا حضرت المغرب والجنازة فإن بُدئ بالمغرب فهو أصوب، وإن بُدئ بالجنازة لم أر في ذلك بأسًا، يريد: ما لم يُخش على الميت فساد فيبدأ به، أو يخشى فوات المغرب فيبدأ بها وإن خشي على الميت.
وإن حضرت العشاء والجنازة، أو الظهر والجنازة بدأ بأيهما شاء، فيبدأ بالجنازة؛ لأن الوقت في الصلاة واسع ويبدأ بالصلاة إن أحب؛ لأن التنفل بعدها جائز إلا أن يخشى تغيّر الميت فيبدأ به، أو يخشى فوات وقت الصلاة بذهاب نصف الليل، أو تدخل القامة الثانية فيبدأ بالصلاة، وإن حضرت الصبح، أو العصر والجنازة، استحب البداية بالجنازة؛ لأن التنفل بعدهما مكروه، إلا أن يخشى طلوع الشمس في الصبح، أو اصفرارها في العصر، فيبدأ بالصلاة.
فصل وإذا ماتت المرأة وجنينها يضطرب في بطنها
وإذا ماتت امرأة حامل وجنينها يضطرب، فإن كان غير متم، وفي وقت العادة أنها 1 إذا أسقطته وهي حية لم يعش، لم يُبْقَر عنه.
واختلف إذا كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته، كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر، وكان متى بُقِرَ عليه رُجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه 2، وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه 3.
فقدم مالك حق الأم؛ لأن في ذلك مثلة بها.
وقدم الآخران حق الولد، وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ذلك 1 من ميت.
وقال مالك في المبسوط: يخرج إن استطيع ذلك من مخرج الولد، وهذا مما لا يستطاع.
وإن ابتلع رجل دنانير غصبًا أو كانت وديعة فلم تخرج منه، غرمها الغاصب، موسرًا كان أو معسرًا، وإن مات الغاصب 2 ولا شيء على المودعَ إذا فعل ذلك خوفًا عليها موسرًا كان أو معسرًا وإن مات الغاصب ولا شيء له بقر بطنه وأخذت وإن خلَّف مالًا أخذت من تركته 3، ثم يعود المقال في ذلك لورثته بمنزلة ما إذا ابتلع مال نفسه، فإن كان المال يسيرًا لم يَبْقُرْ ورثته عنه.
واختلف إذا كان كثيرًا، فقال ابن القاسم في رجل لقيه لصوص ومعه جوهر له أو وديعة فابتلعه ثم قتل: فإنه يشق بطنُهُ إذا 4 لم يوصل إليه إلا بذلك، وقال في الدنانير يبتلعها: كذلك إلا أن تكون يسيرة؛ 5، وقال ابن حبيب: لا يشق بطنه وإن كانت قيمة الجوهر ألف دينار، واستشهد بقول مالك في الجنين 6، وهذا أحسن إذا كان الميت ممن له عبادة، أو رجل فقيه، أو ما أشبه
ذلك، فإنه يغلب حقه في دفع المثلة عنه.
وقال ابن القاسم: إذا دفن الميت في ثوب ليس له، نُبِشَ ونُزِعَ عنه إلا أن يطول أو يروح 1، وقال سحنون: إذا كان لصاحبه بيِّنة، أو صدَّقه أهل الميت، أو ادَّعى رجل أنه سقط خاتمه في القبر، أو دنانير كانت في كُمِّه، أن له أن يستخرج ذلك ما لم يتغير الميت.
تم كتاب الجنائز من التبصرة بحمد الله وحسن عونه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم