التبصرة للخميصفحات 2222-2228

كتاب العدة وطلاق السنة

صفحات 2222-2228

باب في النكاح والمواعدة في العدة

النكاح والمواعدة في العدة ممنوعان، والتعريض جائز، والأصل في ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ﴾ [البقرة: 235] وقد تضمنت هذه الآية إباحة وجهين؛ وهما: التعريض، وما يضمر 1 في النفس من غير نطق، ومنع وجهين هما أشد من الأولين: المواعدة، والعقد.
واختلف في معنى قول الله سبحانه ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والشعبي والسدي وقتادة وسفيان: لا تأخذ ميثاقها وهي في عدتها ألا تتزوج غيرك 2. وقيل: السر ها هنا الزنا 3، وليس هذا بحسن؛ لأن الزنا عليه محرم في العدة وغيرها، وإذا كان الزنا محرمًا لم يكن لذكر المواعدة عليه وللاختصاص بذكره في العدة وجه، وإنما ابتدأت 4 الآية بإباحة التعريض، ثم أخبر -عز وجل- أن المواعدة بخلاف ذلك، لئلا يظن أنها مثلها، وأتى بها على وجه الاستثناء من الأول؛ فقال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فكان محمل الاستثناء على أنه مما يتعلق بالأول حتى يقوم دليل على غير ذلك، ثم أبان ذلك باستثناء ثانٍ، فقال:

﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو التعريض الذي ابتدأ بذكره، ثم قال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] فعلم أن المراد بأول الآية ووسطها وآخرها هو مما تختص به العدة من عقد ومواعدة وتعريض، والتعريض: أن يقول إني فيك لراغب، وإنك علي لكريمة، وإن الله لسائق إليك خيرًا، وإنك لنافعة، وإني بك لمعجب، وإني لك لمحب، وأن يقدر أمرًا سيكون.
قال في كتاب محمد: وإني لأرجو أن أتزوجك.
قال مالك: ولا بأس أن يهدي لها 1. يريد: لأن المفهوم من الهدية التعريض، وهذا الحكم في دخول نكاح على نكاح، والحرة والأمة في ذلك سواء.
ويتصور في الأمة أربعة أوجه: نكاح على نكاح، وملك على ملك، ونكاح على ملك، وملك على نكاح.
فإن كانت في عدة من طلاق أو وفاة، لم يعقد عليها سيدها نكاحًا ولا يواعد عليه 2، ويجوز له البيع والمواعدة عليه لمن يريدها للوطء.
وكذلك في دخول ملك على ملك يجوز، وإن كان في موضع لا يجوز فيه الوطء.
قال مالك: لا يجوز عقد النكاح إلا في موضع يجوز فيه الوطء 3.

فصل [فيمن تزوج امرأة في العدة هل تحرم عليه أم لا؟]

اختلف في تحريم الزوجة على من تزوجها في العدة على أربعة أقوال: فقال مالك: تحرم إذا دخل في العدة أو بعد انقضائها 1، ولا تحرم إذا فرق بينهما قبل الدخول في العدة.
وقال أيضًا: إن دخل بعد العدة، فسخ وما هو بالحرام البين 2. يريد: حتى يدخل في العدة.
وروى ابن الجلاب أنه روي عنه: أنها تحرم بالعقد وإن فسخ قبل الدخول 3. واختلف فيه عن عبد العزيز بن أبي سلمة، فقال: تحرم دخل في العدة أو بعدها.
وذكر ابن سحنون عن ابن نافع أنه قال: لا تحرم وإن أصاب في العدة 4. واختلف إذا قبّل أو باشر في العدة، فقال ابن القاسم: تحرم 5. واختلف عنه في كتاب محمد، فقال مرة: تحرم.
وقال مرة: لا تحرم وأحب 6 إلي ألا ينكحها من غير قضاء، قال: لأن في الوطء نفسه اختلافًا فكيف بما دونه 7. قال محمد: وإن أرخيت الستور ثم تقاررا على أنه لم يمس 8، لم تحل له أبدًا 9.

ودخول وطء على وطء على أربعة أقسام: فإن كان الوطئان بنكاح وقع التحريم، إلا ما 1 ذكر عن عبد العزيز 2. وإن كانا بملك يمين لم تحرم.
واختلف إذا كان أحدهما بنكاح، والآخر بملك يمين، بأن تتزوج 3 وهي في الاستبراء من وطء الملك، أو توطأ بالملك 4 وهي في عدة من نكاح؟ فقال مالك: متى وجدتَّ ملكًا خالطه نكاح بعده 5 في البراءة، أو ملكًا 6 دخل على نكاح، فذلك كله يجري مجرى المصيب في العدة.
قال سحنون: وقد روي أيضًا أنه ليس كالتزويج 7 في عدة 8. فردّه في القول الأول إلى نكاح على نكاح، وفي القول الآخر إلى ملك 9 على ملك.
والقياس: إذا كان الأول نكاحًا أن يحرم وإن كان الثاني ملكًا، وإن كان الأول ملكًا ألا يحرم وإن كان الثاني نكاحًا.

فصل [فيما إذا واعد في العدة ونكح بعدها]

واختلف إذا واعد 1 في العدة ونكح بعد- في فسخ النكاح 2، وفي التحريم فيما بعد.
فقال مالك في المدونة: فراقها أحب إليَّ، دخل بها أو لم يدخل وتكون طلقة ثم يخطبها بعد أن تحل 3. فجعل الفراق على وجه الاستحسان، ولم يحرمها.
واختلف فيه قول ابن القاسم 4، فقال مرة: يفسخ بقضاء، وقال مرة: بغير قضاء.
وقال محمد: قال أشهب: يفسخ ولا تحل أبدًا 5. والقول الأول أحسن؛ لأن العقد لم يكن في العدة، وهذا إذا كانت المواعدة مع الزوجة والأب في البكر أو السيد فأما من لا تتزوج إلا برضاها فلا.
وقال مالك في المرأة تطلق طلاقًا رجعيًّا ثم تتزوج في عدتها ويراجعها زوجها الأول في العدة من قبل أن يفرق بينها وبين الآخر، قال: رجعته رجعة وليس له أن يصيبها حتى يستبرئها من الماء الفاسد بثلاث حيض إن كان دخل بها الآخر 6. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو ارتجع ثم أصاب 7 قبل أن تنقضي عدتها من الآخر

لم تحرم؛ لأنه مصيب لزوجته وليس هو مصيب في عدة.
وكذلك المنعي لها يقدم زوجها فيفرق بينها وبين الآخر فيصيبها القادم في عدة الآخر فإنها لا تحرم؛ لأنه ليس بمتزوج في عدة.
وكذلك المرأة تزني فيصيبها زوجها في استبرائها من الزنا فلا تحرم عليه؛ لأن التزويج تقدم الزنا 1. ولو طلق رجل زوجته طلاقًا بائنًا فتزوجت في العدة، لم يجز للأول أن يتزوجها وهي في عدتها 2 فإن فعل كان فاسدًا ويفسخ قبل الدخول وبعده، وتحرم عليه إن كان دخل بها في العدة منه أو من الثاني.
واختلف إذا كانت في عدة من زنا فتزوجت ودخل بها، فقيل: تحرم.
وقيل: لا تحرم، سواء حامل أم لا، قاله ابن القاسم 3، إلا في عدة التزويج خاصة، ثم رجع ابن القاسم فقال: إن كانت حاملًا حرمت وإلا فلا.
وقال أصبغ: لا أحب أن يتزوجها وإن لم تكن حاملًا، ولا يقضي بذلك عليه؛ لأنه إذا كانت عدة النكاح تحرم فالسفاح أحرم 4. وقال أشهب فيمن اغتصبت زوجته وهي حامل منه: لا بأس أن يصيبها زوجها.
وقال أصبغ: أكرهه وليس يحرم 5. والأول أقيس؛ لأن الحمل منه، وإنما يكره أن يسقي ماءه ولد غيره، وليس يكره أن يسقي ماءه ولده لأجل أن ماء غيره سقاه.

وقال فيمن طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، ثم ارتجعها في عدتها، ثم طلقها كما هي 1 في عدتها ولم تعلم برجعته فتزوجت ودخل بها، ثم فرق بينهما: فلا يطأها الثاني إذا أصابها في العدة من الطلاق الثاني.
ولو كان الطلاق الأول بخلع، ثم تزوجها في عدتها، ثم طلق قبل أن يدخل بها، ثم تزوجت بعد أن أوفت 2 العدة، كان الثاني نكاحًا جائزًا؛ لأنه ليس عليها إلا تمام العدة الأولى، بخلاف الأولى 3 فإن عليها عدتين.
وقال مالك فيمن صالح زوجته على إن طلبت ما أعطته عادت زوجة، فطلبت ذلك فراجعها 4 فأصابها ثم فرق بينهما: فلا يصيبها أبدًا 5. وقال غير واحد من أصحابه: لا تحرم؛ لأنّ الماءَ ماؤه 6، وهو أحسن؛ لأنه قد كان له أن يتزوجها في تلك العدة بولي وصداق.
وقال محمد في امرأة نسيت شوطًا من الطواف الواجب حتى تزوجت ودخل بها ففسخ النكاح فعادت فطافت ثم اعتمرت وأهدت: فلا تحل للزوج الذي تزوجها أبدًا، ثم وقف عن تحريمها 7. وهذه مثل التي قبلها لا تحرم على زوجها لأن الماء ماؤه.
تم كتاب العدة بحمد الله

جارٍ التحميل