قال الشيخ -رحمه الله-: أمَّا من قال: إن اليمين على نية الحالف، وكان هذان يريان أن الزوجة غير داخلة في هذا اليمين (1) فلا يلزمهما شيء إلا على القول بأن الطلاق يلزمه باللفظ من غير نية.
فصل [فيمن قال لزوجته: ما انقلب إليَّ حرامٌ، أو ما أعيش فيه حرام وما أشبه ذلك]
وإن قال: ما انقلب إليَّ 2 من أهلي 3 حرام أو ما انقلب إليه حرام، ولم يذكر الأهل فهو طلاق، فإن قال: حاشيت الزوجة لم يصدق إذا سمى الأهل ويصدق إذا لم يسم الأهل 4. واختلف إذا قال: ما أنقلب إليه حرام إن كنت في امرأة أو إن لم أضربك، فقال ابن القاسم: لا يحنث في زوجته لأنه أخرجها من اليمين حين أوقع يمينه عليها علمنا أنه لم يردها بالتحريم وإنما أراد غيرها، وكذلك إن قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فرقيقي أحرار فإنه يحنث في رقيقه ولا يحنث فيه، وقال أصبغ: يحنث في الزوجة وفي العبد، وإن قال: وجهي على وجهك حرام كان طلاقًا 5. واختلف إذا قال: وجهي من وجهك حرام، فقال ابن القاسم في العتبية:1
تحرم عليه زوجته 1. وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه 2، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناس في قولهم: عيني من عينك حرام، أو وجهي من وجهك حرام 3. يريد بذلك 4 البغض والمباعدة، وقال محمد فيمن قال: ما أعيش فيه حرام لا 5 شيء عليه 6. يريد: أن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل في ذلك بمجرد اللفظ إلا أن ينويها 7 فيلزمه ما يلزم من قال: أنت عليَّ حرام، وقد كان يقال: لا شيء عليه، وإن أدخلها في يمينه جهلًا أنها من العيش بمنزلة من قال: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق جهلًا منه يظن أنه من ألفاظ الطلاق، وليس كذلك؛ لأن هذا نوى الزوجة وغلط في ظنه أنها من العيش وأوقع عليها الطلاق بقوله حرام، وهو بمنزلة من غلط في اسم زوجته فأوقع عليها الطلاق، والآخر سمَّى الزوجة، ولم ينطق بالطلاق فغلط هذا في الزوجة، وغلط الآخر في الطلاق.
باب في الريق والكلام والشعر
1
وإن قال: رِيقُكِ عليَّ حرام كانت طالقًا.
وإن قال: بزاقك، لم يكن عليه شيء 2.
واختلف إذا قال: كلامك أو شعرك عليَّ حرام، فقال سحنون: لا شيء عليه 3. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب تحرم عليه في الوجهين جميعًا، قال: وشعرها من محاسنها ومن خلقها حتى يزايلها قال: وكذلك ريقها 4.
وقال أشهب في كتاب محمد: تحرم في الكلام، وقال ابن عبد الحكم لا شيء عليه بمنزلة من قال سعالك علي حرام، وقال محمد: وليس كلامها بمنزلة شيء من جسدها، قال: وقد أُمر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجاب وكان يُسمع كلامهن، ويُكتب عنهن الحديث 5.
قال الشيخ -رحمه الله-: لا تحرم بتحريم السعال؛ لأنه ليس مما يلتذ به ولا بتحريم البصاق؛ لأنَّ البزاق 6 يقع على ما فارق الفم فطرح، وتحرم بتحريم
الريق؛ لأن ذلك إنما يقع على ما كان في الفم قبل المفارقة وهو مما يلتذ 1 به وهو رضاب، وأمَّا الكلام فإن قصد تحريم استماعه لم تحرم وإن قصد تحريم الالتذاذ به حرمت وبخاصة إذا كانت رخيمة الكلام، وكذلك الشعر هو مما يلتذ 2 به وبرؤيته وبلمسه فتحرم، ولا يقع بذلك عتق، وليس العتق في هذا كالطلاق، وكما لو قال: كلامك عتيق؛ لأنَّ العتق إنما 3 يتعلق بالجسم، وبما لا يصح مفارقته، والطلاق يتعلق 4 بتحريم ما يتلذذ به منها جملة من غير تفضيل.
واختلف فيمن لاعب زوجته فأخذت بفرجه، فقال لها: خلي، فقالت: لا، فقال: هو عليك حرام، وقال: إنما أردت مثل ما يقول الرجل: أحرم عليك أن تمسيه ولم أرد تحريمها، فوقف 5 فيها مالك وخاف أن يكون حنث، ورأى غير واحد من أهل المدينة أن زوجته حرمت عليه بذلك 6.
باب فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، أو حبلك على غاربك، أو قال: أنت خلية أو برية أو ما أشبه ذلك
وقال مالك فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، هي البتة وإن لم ينوِ به طلاقًا 1. قال الشيخ -رحمه الله-: أنت عليَّ حرام فقط، أو أنت عليَّ حرام كالميتة سواء كل ذلك تحريم، ويجري فيه من الخلاف ما تقدم في قوله: أنت عليَّ حرام.
واختلف إذا قال: أنت خلية، أو وهبتك نفسك، أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو وهبتك إلى أهلك، أو رددتك إلى أهلك، أو وهبتك نفسك، أو وهبت لك نفسك، فقيل: يلزمه في أي هذه الألفاظ الثلاثُ وينوى إن قال: أردت واحدة قبل الدخول ولا ينوى بعد، وهذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه 2، وقيل محمله في التي لم يدخل بها على الواحدة، وهو قول أبي مصعب ومحمد بن عبد الحكم في الحرام، وقول ربيعة 3 وعبد الملك في الخلية والبرية والبائنة، ويلزم على قولهم مثل ذلك إذا قال: وهبتك إلى أهلك أو رددتك لأهلك أو لنفسك ألا يلزم قبل الدخول مع عدم النية إلا واحدة إلا في التي قال: أنت عليَّ كالميتة، فعلى قول عبد اللك: يلزمه قبل الدخول ثلاثة ولا ينوى، وفي مسألتين إذا قال البتة فقال مالك: لا ينوى قبل الدخول 4،
وقال أبو الحسن ابن القصار: ينوى.
وفي قوله حبلك على غاربك فقال في المدونة: لا ينوى؛ لأنَّ هذا لا يقوله أحد وقد أبقى من الطلاق شيئًا 1. وهذا يقتضي ألا ينوى قبل ولا بعد، وفي كتاب محمد: ينوى قبل 2.
واختلف في هذه الجملة بعدة فقال أشهب في كتاب أبي الفرج في الخلية والبرية: ينوى وإن كان بنى بها 3، وترجح مالك 4 مرة في هذا الأصل، فروى أشهب عنه في مختصر ما ليس في المختصر 5 فيمن 6 قال: أنت طالق واحدة بائنة أو بتة أو خلية أو برية وهي مدخول بها وقال: أردت واحدة لم يقبل قوله، ثم قال لي 7: لا تكتبه لعلي لا أثبت على هذا.
وقال محمد بن عبد الحكم في حبلك على غاربك ووهبتك لأهلك وشأنكم بها واحدة إلا أن ينوي 8 أكثر 9.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في شرح ابن مزين في حبلك على غاربك: يُنَوَّى 1 وعلى أصله أنها واحدة رجعية؛ لأنه قال في الحرام والتخيير أنها واحدة رجعية 2. قال الشيخ -رحمه الله- 3: وأرى أن يحمل كل هؤلاء قبل الدخول مع عدم النية على واحدة؛ لأنها بالواحدة خلية وبرية وحبلها على غاربها وموهوبة ومردودة، وأمَّا بعد الدخول فيحمل على الثلاث؛ لأن 4 بها تبين إلا على القول أنها تكون بائنة وإن أيكن معها فداء 5. واختلف في قوله: فارقتك، فحمله مالك في كتاب محمد مرة على الثلاث قبل وبعد إلا أن ينوى واحدة، وقال أيضًا: إن لم يكن دخل فهي واحدة إلا أن ينوى أكثر وبعد الدخول ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضًا: هي واحدة وإن دخل إلا أن ينوي الثلاث، وقال أشهب: هي ثلاث ولا يُنوى، وقال أيضًا: هي واحدة إلا أن ينوي أكثر 6، والقول إنها واحدة دخل أو لم يدخل أحسن؛ لأن الفراق والطلاق واحد، ومن طلق فقد فارق، ومن فارق فقد طلق، قال الله -عز وجل-: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] ولم يأمرنا بالثلاث، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]. = ابن القاسم ينوي ويحلف، وروى عنه ابن وهب: هي واحدة حتى يريد أكثر وبهذا أخذ ابن عبد الحكم).
وفرق بين قوله: أنت خلية، وخليت سبيلك، وخليتك، فقال: إذا قال: أنت خلية هي ثلاث قبل الدخول وبعده وينوى قبل ولا ينوى بعد، وحكي عنه في خليت سبيلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن محمل قوله قبل الدخول أو بعده على الثلاث 1 وينوى إذا قال: أردت واحدة قبل وبعد مثل قوله في المدونة.
وقال أيضًا: ينوى قبل ولا ينوى بعد.
والثالث: أن محمله على واحدة قبل وبعد، قال: وإن قال: لم أرد طلاقًا فهو أشده وهي البتة.
وقال محمد في قوله خليتك وسرحتك ذلك سواء، هي 2 واحدة إلا أن يقول في هذين 3: لم أرد طلاقًا فيكون ذلك له إذا حلف، ولا يقبل قوله في خليت سبيلك أنه 4 لم يرد 5 طلاقًا 6. وقال ابن حبيب: خليت سبيلك وخليتك وسرحتك وفارقتك سواء، هو ثلاث في المدخول جها حتى ينوي أقل فيحلف وإن لم يدخل فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك 7 8.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما قوله خلية، فلأن العادة جارية أن يقال: فلانة خلية
من زوج وخلو من زوج إذا كانت لا زوج لها، وذلك بُعَيْد البينونة، وإن كانت مدخولًا بها.
وأمَّا قوله: خليت سبيلك فهي عبارة عن الطلاق والمراد طلقتك، وكذلك أرى في قوله خليتك، ولا يصدق أنه لم يرد طلاقًا، وأن يحمل في جميع ذلك قبل الدخول على واحدة، وقول ابن شهاب أنت بالسراح أنها طلقة إلا أن ينوى الثلاث (1) حسنٌ (2).
فصل [فيمن قال لزوجته: الحقي بأهلك، أو ما أشبه ذلك]
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب وبعضه في كتاب محمد فيمن 3 قال لزوجته في غضب أو في غير غضب: الحقي بأهلك، أو اجمعي عليك ثيابك، أو لا نكاح بيني وبينك، أو لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو اذهبي، أو لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمُّه امرأتَه، أو لا تحلين لي، أو احتالي لنفسك، أو أنت سائبة، أو مني عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فذلك كله سواء ليس بشيء إلا أن ينوي به الطلاق فيكون على ما نوى ويحلف، قال أصبغ: وإن نوى به الطلاق ولم ينو عددًا فهي البتة، وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إذا قال: لست لي بامرأة أو يا مطلقة أو لا حاجة لي بك أو اعتزلي أو اخرجي أو تأخري أو انتقلي أو استتري أو تقنعي أو لم أتزوجك، فذلك سواء ليس بشيء إلا أن ينوى طلاقا فيكون على ما نوى12
ويحلف، وقال أصبغ: وإن لم ينو عددًا من الطلاق فذلك يحمل على 1 ثلاث حتى يريد واحدة 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وبعض هذه الألفاظ أبين من بعض وأشدها قوله: لا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو أنت سائبة أو مني عتيقة، فأرى أن يحمل فيهن على الطلاق ولا يصدق أنه لم يرد بذلك طلاقًا إلا أن يأتي لذلك بوجه.
وقد قال ابن القاسم في كتاب العتق الأول: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك، فإن كان ذلك ابتداء من السيد عتق العبد، وإن كان قبل ذلك كلام يستدل به 3 بأنه لم يرد العتق كان القول قوله 4، وهذا أحسن، وكذلك الطلاق ويحمل في قوله 5 ذلك على الطلاق إلا أن يكون قبل ذلك سبب يعلم أنه لم يرد به طلاقًا.
وأما قوله: لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمه امرأته، فإنه يحتمل كان يريد بذلك أطلقك ولا أبقيك وقد فعلت، فيسأل ما أراد؟ فإن لم تكن له نية بقيت زوجة.
وكذلك قوله: لا تحلين لي يسأل لم كانت لا تحل له؟ فإن قال: لأني ظاهرتك أو طلقتك، صدق، وإن قال: لم تكن لي نية في شيء من ذلك صدق، و 6 كانت زوجة حلالًا؛ لأنها لا تحرم إلا أن يوقع تحريمها بظهار أو طلاق.
وأما قوله: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام فهو أشد، وأرى أن يحمل قوله على الطلاق؛ لأنه إنما يريد أنه لم يبق بيني وبينك شيء من الأشياء، وليس ذلك بمجرد اللفظ؛ لأن قولَه ذلك مستحيل؛ لأنه لا يجتمع أن تكون ليست بحلال ولا حرام وإنما هي على وجهين، حلال بالزوجية أو حرام بالطلاق.
فصل [فيمن قال لامرأته: اعتدي]
وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: اعتدي فهي طالق واحدة 1 ولا يسأل هل أراد به الطلاق؟ ويسأل كم أراد به من الطلاق؟ فإن لم تكن له نية فهي واحدة، وإن قال: اعتدي اعتدي اعتدي، فهي ثلاث إلا 2 أن يريد واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي 3 كانت طلقتين إلا أن يريد 4 واحدة.
وقال في المجموعة: إذا قال: أنت طالق فاعتدي هي طلقتان إلا أن ينوي واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي كانت طلقتين ولا ينوى 5.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق اعتدي 6 أو فاعتدي ليس إلا طلقة وهو أبين؛ لأن حقيقة قوله اعتدي لم توضع للطلاق، وإنما هو أمر بالعدة وقد جعل الله -عز وجل- طلاقًا وعدة، وهذا رجلٌ 7 طلق زوجته وأمرها أن
تعتد فكان محمله في اللفظين (1) على ما وضع له إلا أن ينوي غير ذلك، وكذلك قوله فاعتدي (2)، وإن كانت الفاء ها هنا أبين، وليس يفهم المطلق ولا يريد طلقة أخرى وليس كذلك إذا قال: اعتدي ابتداء؛ لأنه وإن كان أمر بالعدة، فلأن مفهومه أنه طلق ولا تجب عدة من غير طلاق، وذهب بعض أهل العلم فيمن قال: اعتدي اعتدي اعتدي (3) أنها واحدة وحمل قوله الأول اعتدي على أنه طلاق، ثم كرر الأمر بالعدة وذلك لا يوجب طلاقًا.
فصل [في الطلاق اللازم]
الطلاق اللازم ما اجتمع فيه 4 ثلاثة، نية ونطق وأن يكون ذلك النطق من ألفاظ الطلاق كقوله: طلقتك أو فارقتك أو سرحتك.
واختلف إذا التزم الطلاق بالنية من غير نطق، وإذا نطق بالطلاق من غير نية أو كانت نيته ونطق بغير ألفاظ الطلاق الذي يقول: ادخلي الدار، يريد به الطلاق 5 6.
وقد ذكر محمد عن مالك فيمن أجمع الطلاق بالنية من غير نطق قولين، وجوب الطلاق وسقوطه 7، فأما وجوبه فقياسًا على الإيمان والكفر أنه يقع123
بالاعتقاد من غير نطق، وعلى الحب والبغض أنه يُثاب إذا أحب في الله ويأثم إذا أبغض أولياءه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْكُفْرِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ" 1، وأما سقوطه فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" 2.
وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق ولم يرد الطلاق، وإنما أراد من وثاق وليست في وثاق كانت طالقًا، وقال مالك فيمن قال أنت طالق فزل لسانه فقال: البتة قال: هي ثلاث فألزم الطلاق باللفظ من غير نية 3.
وقال سحنون 4: لا شيء عليه في ذلك وهو أحسن، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ" 5 ولأن الطلاق يتعلق به حق لآدمي وحق لله تعالى، فحقها أنه أعطاها نفسها، ومن أراد أن يقول لرجلٍ: بعتك عبدي فقال: وهبتك إياه لم تلزمه هبة، والحقّ لله تعالى؛ لأنها لو رضيت أن تسقط حقها فيما أعطاها، لم يجز ولم يتوجه الحق لله تعالى إذا زل لسانه، فقال: أنت طالق أو قال البتة، ولقول = مالك: ومن طلق بقلبه ثلاثا مجمعا على ذلك، فلا شيء عليه.
قال ابن عبدالحكم: وقد قيل: إنها تطلق عليه، وليس بشيء، فال أبو محمد: وهي رواية أشهب عن مالك في العتبية).
الله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تَجَاوَزَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي الخطَأَ..." (1) الحديث إلا أن يكون على الزوج في حين قوله بينة ولا يصدق أنه أخطأ.
وقال مالك وابن القاسم فيمن قال لزوجته: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق أنها طالق (2).
وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت ادخلي الدار يريد أن الطلاق إنما يقع عندما أقول (3) ليس بنفس اللفظ.
فصل [في محمل قول الزوج: أنت طالق على واحدة]
محمل قول الزوج: أنت طالق، على واحدة.
واختلف هل يحلف أنه لم يرد أكثر؟ فقال ابن القاسم: لا يمين عليه 4.
وقال مالك في كتاب المدنيين فيمن خرج لسفر، فقال لزوجته: إن لم أجئ إلى شهرٍ فأنت طالق، فجاء بعد الشهر وهي في عدتها فارتجعها فقال: لم أرد إلا واحدة، فقال مالك: يحلف.
واختلف أهل العلم إذا أراد بقوله: أنت طالق، الثلاث، فقال مالك123
وأصحابه هو الطلاق بلفظ ونية 1. وقال بعضهم هو طلاق بنية.
وقال مالك في كتاب محمد: إن ناسًا ليقولون: إن نوى بذلك البتة ولم يسم فلا يلزمه إلا واحدة قال: وما هو عندي 2 بالبين وإني لأكره ذلك إذا نوى البتة 3.
قال الشيخ -رحمه الله-: الصواب ما قاله مالك وأصحابه أن طالقًا صفة لحالها 4 أنها صارت ذات طلاق بواحدة أو ثنتين 5 أو ثلاث ولهذا حسن فيه الاستفهام، فيقال لمن قال: امرأتي طالق كم طلقتها ولو كان ذلك للواحدة لم يحسن فيه الاستفهام ولم يحسن قوله: أنت طالق ثلاثًا ولكن 6 بمنزلة القائل واحدة ثلاثًا.
وقال مالك فيمن أراد أن يطلق امرأته قبل الدخول ثلاثًا، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا لزمته الثلاث 7.
وقال إسماعيل القاضي: إن أراد بقوله أنت طالق الثلاث ثم ذكر الثانية والثالثة يريد بذلك بيان 8 ما أراد بالأولى لزمته الثلاث، وإن أراد بقوله أنت طالق واحدة لم يلزمه ما نطق به بعد ذلك؛ لأنه أوقعه على غير زوجة.
وقال مالك فيمن أراد أن يطلق ثلاثًا فقال: أنت طالق ثم سكت لم يقع
عليه إلا واحدة 1. يريد: إذا كان قصده بقوله طالق طلقة وبقوله ثلاث تمام الثلاث، وإن 2 أراد بقوله طالق الثلاث، وبقوله ثلاثًا البيان عما أراد بقوله طالق، لزمه الثلاث وإن سكت عن ذكرها.
وقال مالك فيمن قال: أنت طالق وأراد أن يقول: إن كلمت فلانًا، فلما تمَّ قوله أنت طالق بدا له في اليمين فسكت، لم يلزمه شيء 3. وهذا يحسن فيمن أتى مستفتيًا أو فهمت عنه البينة أن ذلك قصده؛ لأن ذلك سبب المنازعة، وإن لم يتقدم لذلك ذكر لم يصدق، ولو قال: أردت إن دخلت الدار أو لا دخلت الدار إليك وقال ذلك بفور قوله صدق.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: أنت طالق البتة أنت طالق البتة إنْ أذنت لك لموضعٍ سَمَّاه كانتْ سألته الخروج إليه 4: هو حانث أذن لها أو لم يأذن، قال: وما هو بالبين وإن فيها لإشكالًا 5.
قال ابن القاسم: وإنما أراد مالك أنه طلقها في الأولى بالبتة ثم ندم فاستدرك، قال ابن القاسم: وأرى أن يحلف أنه ما أراد إلا أن يسمعها اليمين ويدين، فإن لم يحلف رأيته حانثًا 6.
فصل [فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح]
واختلف فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح، أو طلقة بائنة، أو طلقة لا رجعة فيها، فقيل في قوله طلاق الصلح هي ثلاث؛ لأن طلاق الصلح بائن والبينونة لا تصح بواحدة إلا أن يكون معها فداء، وقيل: واحدة رجعية لأنه إنما التزم من العدد واحدة فلا يلزم أكثر منها وله الرجعة؛ لأن سقوطها إنما يكون مع الفداء أو ما 1 يمنع من ذلك لحق الزوجة مثل أن يطلق لعدم النفقة أو لعيب يحدث به ولا تصح الرجعة مع بقاء الوجه 2 الذي لأجله وقع الطلاق وقيل: هي 3 طلقة بائنة حسب ما نوى 4؛ لأن الرجعة من حقه فإذا أسقط عنها حقه فيها لزمه وهو أبين.
وقال مالك فيمن قال: أنت طالق طلقة بائنة: إنها تبين بثلاث 5.
وقال محمد بن عبد الحكم: أخبرني ابن وهب أو أخبرت عنه أن مالكًا سُئل عنها فقال: هي واحدة وله الرجعة، وبه أخذ ابن عبد الحكم.
وأرى أن يسأل ما أراد بقوله بائنة، فإن قال: أردت الصفة للطلاق وأنها فعلة تبين بها كانت ثلاثًا وإن قال: أردت من العدد واحدة عاد الجواب إلا ما تقدم فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح وقال فيمن قال: أنت طالق تطليقة ينوي لا رجعة في عليك فيها ولا ينوي الثلاث كانت واحدة وله الرجعة.
وقوله لا رجعة في عليك 1 ونيته باطل، يريد أن ذلك سواء قال ذلك قولًا أو نواه.
وقال في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق ولا رجعة في عليك فله الرجعة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق لا رجعة في عليك كانت البتة، وإن قال: ولا رجعة لي كانت له 2 الرجعة 3.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما قوله طلقة ينوي لا رجعة لي فيها أو قال ذلك نطقًا فهو بمنزلة من قال: أنت طالق طلقة بائنة؛ لأن ذلك صفة للطلقة، وأما قوله لا رجعة لي عليك أو ولا رجعة لي عليك فليس بصفة للطلقة وإنما أسقط حقه في الرجعة، ولو قال: أنت طالق طلاقًا لا رجعة فيه لكانت ثلاثًا قولًا واحدًا؛ لأن الطلاق يعبر به عن الواحدة والثلاث، فإذا قال: طلاق لا رجعة فيه كانت صفة للطلاق أنه ثلاث.
والظاهر من المذهب فيمن طلق زوجته واحدة ثم قال لها بعد ذلك: أسقطت عنك حقي في الرجعة أو لا رجعة في عليك أن له الرجعة 4، وقوله ذلك ساقط 5 والقياس ألا رجعة له؛ لأن الرجعة حق له على الزوجة فإذا أسقط حقه عنها لزمه كسائر الحقوق.
وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق أبدًا: فهي البتة ويتزوجها بعد زوج إلا أن يريد كلما تزوجتك 1. قال 2 محمد: وكذلك الذي يقول: أنت طالق كل يوم أتزوجك أبدًا وإن قال: إن تزوجتك أبدًا فأنت طالق لا شيء عليه إلا مرة واحدة، وإن قال: إن تزوجتك فأنت طالق أبدًا كانت البتة، وإن قال: كلما تزوجتك لم تحل أبدًا، ووقف محمد في قوله: أنت طالق أبدًا 3.
باب جامع
واختلف فيمن باع زوجته، فقال مالك في المبسوط: ينكل نكالًا شديدًا وتطلق عليه بواحدة 1، وليس له أن يرتجعها ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف منه التوبة والصلاح مخافة إن تزوجها أو غيرها أن يبيعها، ولم يجعل بيعه لها طلاقًا.
وقال ابن نافع: هي طلقة بائنة، قال سحنون: غاب عليها 2 أو لم يغب، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب محمد: حرمت عليه كالموهوبة، قال محمد: وهذا 3 أحب إلينا من قول ابن القاسم، وقال ابن القاسم في العتبية: بيعه طلاق، قال ابن وهب: وترجم إن أقرت أن المشتري أصابها طائعة وإن ادعت الإكراه لم ترجم 4. وقول مالك لا يكون البيع طلاقًا أحسن إلا أن يكون نوى ذلك؛ لأن البيع إنما يتضمن التمكن منها، ولا خلاف فيمن مكن من 5 زوجته من غير بيع أن ذلك ليس بطلاق وقد يبيعها ويواطئها أن تهرب إليه أو يجعلها تثبت حريتها.
ويختلف أيضًا إذا زوجها على مثل ذلك، وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته 6: اذهبي فتزوجي فلا حاجة لي بك، أو قال لأمها: زوِّجي ابنتك فلا حاجة لي بها، فلا شيء عليه ما لم يرد بلفظه 7 ذلك طلاقًا، وقاله أصبغ 8، فإن
هي زوجتها بعد وفاء عدتها من يوم قال ذلك بحضرتها وعلمها، فقد بانت منه 1، ولا يقبل قوله إن قال: لم أرد طلاقًا، وقال محمد: لا يعجبني قول أصبغ إلا أن يكون الزوج يعلم أن ذلك ليس بطلاق فألزم ذلك نفسه، فأما إن ظن أن ذلك طلاق فتركها حتى اعتدت لم يضره إلا أن يتزوجها 2 غيره أو يقول: أردت بذلك الطلاق فلزمه إلا أن تتزوج بعلمه وتسليمه، فيلزمه الطلاق ويفسخ نكاح الثاني؛ لأنه إذا لم ألزمه الطلاق ألا يتزوجها بالعدة من يوم تزوجت 3. وقال مالك فيمن حلف للسلطان طائعًا في أمرٍ فقال: امرأتي طالق إن كذا وكذا لأمرٍ كذب فيه وأتى مستفتيًا وزعم أنه أراد امرأة كانت له قبل ذلك، وألغز على السلطان بيمينه قال: لا ينفعه ذلك 4 وامرأته طالق 5. قال ابن القاسم فيمن قال حكمة الطلاق 6، وله زوجة تسمى حكمة وجارية تسمى حكمة، وقال: أردت جاريتي، كان القول قوله إذا لم تكن عليه بينة 7 قال: وليست كمسألة مالك لأن هذا إنما سمى حكمة والآخر قال: امرأتي، فأضاف الأمر 8 إلى نفسه، وقول مالك: إنه حانث يحتمل أن يكون ذلك لأنه رأى أن اليمين على نية المحلوف له وأنه أطاع باليمين في أمرٍ نجا به
لو لم يحلف لطلبه 1 السلطان بما حلف عليه، وكان 2 طلبه إيَّاه في حق، ولو كان في باطل وفي أمر لم يلزمه لكان مكرهًا أو لأنه رآه طلاقًا بلفظ دون نية فألزمه إياه كالذي أراد أن يقول: ادخل 3 الدار فزلَّ لسانه فقال: امرأتي طالق، وإنما لم يصدق مع البينة؛ لأنه أتى بما لا يشبه؛ لأن الجارية لا تطلق، ولو كانتا زوجتين تسمى كل واحدة منهما حكمة لصدق، وإن كانت عليه بينة.
وقال محمد في كتاب الإقرار الثاني فيمن حلف بطلاق امرأته عائشة فحنث، فرفع أمره إلى السلطان فأقر وقال: لي امرأة أخرى تسمى عائشة غائبة والغائبة 4 أردت، فقال: إن علم ذلك دين، وإن لم يعلم حيل بينه وبين الحاضرة وحكم بفراقها 5 واعتدت وتزوجت سواه إن شاءت.
فإن تبين بعد ذلك صدقه قبلت نيته وردت إليه التي طلقت عليه.
وقوله: تطلق عليه مع إمكان صدقه ليس بحسن وأرى أن يحال بينه وبين هذه ويكتب إلى الموضع الذي قال، فإن تبين صدقه قبل قوله 6 وبقيت هذه 7 زوجة، وإن تبين كذبه طلقت عليه هذه.
تَمَّ كتابُ التخييرِ والتمليكِ، وَالحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ