النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب السلم الثالث
باب في إقالة المريض من السلم
وقال ابن القاسم فيمن أسلم مائة درهم في مائة إردب قيمتها مائتا درهم، ثم أقال منها في مرضه ولا مال له غيرها: يخير الورثة بين أن يجيزوا الإقالة، أو يقطعوا له بثلث ما عليه من الطعام ويأخذوا ثلثيه، وإن كان الثلث يحمل جميعه جاز ذلك وتمت وصيته، وإن لم يكن فيه محاباة فالإقالة جائزة 1. وقال سحنون: لا تجوز إقالة المريض إذا كان فيها محاباة؛ لأن فعل المريض موقوف لبعد الموت 2. قال أبو بكر ابن اللباد: لعل ابن القاسم أراد أن المريض مات مكانه 3. قال: ولو قيل: تفسخ الإقالة ما لم يمت، فإذا مات صارت ضرورة، كمن أقال وهرب بعد 4 فقد قالوا: تصح الإقالة 5.
قال الشيخ -رحمه الله-: الإقالة على وجهين:
على البت، ووصية لبعد الموت، فإذا كانت على البت، وتناجزا وتقابضا جهلًا منهما بما توجبه الأحكام من حق الورثة، أو كانا عالمين بما للورثة في ذلك من الحق، وتقابضا على وجه الافتيات على الورثة، وعلم الورثة بذلك بعد الموت - كانت الإقالة جائزة.
وعلى هذا يُخَرَّج كلام ابن القاسم؛ لأن المسألة تتعلق بحق الله 1 سبحانه وهو 2 قوله: (تتعلق بحق الله) المناجزة، وقد كانت وتقدمت، والمقال الآن لحق آدمي وهم الورثة، ولا يقال فيما يراد لحق آدمي: إنه فاسد، والورثة بالخيار بين أن يسقطوا مقالهم فتمضي الإقالة أو يردوها، إلا أن يحملها الثلث.
وإن علم الورثة في الحياة فأجازوا، مضت الإقالة، وقد قيل في الأصل: إنه لا ينظر إلى إجازتهم وأن للحاكم أن يفسخ ذلك، لإمكان أن يكون الوارث غير من أجاز.
والأول أحسن؛ لأن هذا من النادر أن يموت الصحيح في حياة موروثهم الذي أشرف على الموت، فإن أرادوا الفسخ بأنفسهم الآن كان ذلك لهم، والفسخ إلى الحاكم إذا رفعوا ذلك إليه، فإن فسخوا بأنفسهم من غير حاكم كان ذلك على قولين، هل ذلك فسخ أم لا؟
وإن لم يفسخوه وقالوا لهما: رُدَّا الإقالة، فلم يفعلا حتى وقع الموت، مضت الإقالة إذا كان الثلث يحمل المحاباة.
والوصية بالإقالة على ثلاثة أوجه: جائزة, وممنوعة، ومختلف فيها بالجواز والمنع.
فإن كانت الوصية إلى الورثة وقد وكلهم على أن يقيلوه كانت جائزة.
وإن كانت من الميت، فقال: إذا مت فقد أقلته وأوجب 1 ذلك له، كانت فاسدة، عَاقَدَهُ على ذلك المُسْلَمُ إليه أم لا.
وإن لم يوجب الإقالة كان فيها قولان: الإجازة والمنع، فأجاز في الكتاب الوصية 2.
وحكى ابن حبيب فيمن صرف ذهبًا بورق في مرضه وحابى أو وصى 3 أن يصرف منه، وفيه 4 محاباة أو لا محاباة فيه أن ذلك جائز، قيل: وإن كان ينظر في ذلك بعد الموت، قال: قد قال قائل ذلك حرام للتأخير، قال: ولا أراه إلا حلالا؛ لأنه لم يرد التأخير 5.
وقد جمع ابن حبيب في هذا السؤال بين البت والوصية، وأجاز ذلك في الجميع، ومحمله في البت على أنهما تناجزا.
والحكم في الإقالة والصرف سواء، وكذلك النكاح: لا يجوز على الوقف.
وإن أوصى أن تزوج ابنته من فلان جاز، وإن أوجب هو ذلك ليكون تمامه بعد الموت لم يجز، وإن قال: إذا مت فقد زوجت ابنتي وكان الخيار ما بينه وبين أن يموت كانت على قولين، وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الأول.
وإذا كانت الإقالة على البت كانت المحاباة في الثلث وحده خاصة، وإذا
الإقالة كانت على الوصية لبعد الموت، كان في الثلث جميع السلم، لمحاباته 1.
والفرق بينهما أن المريض غير ممنوع من البيع، وممنوع من الهبة، فإذا جمع عقد واحد بيعًا وهبة، مضى البيع، وكانت الهبة وحدها في الثلث، وإذا أخر البيع لبعد الموت، كان الورثة مالكين للثلثين بنفس الموت، فلم يكن له أن يبيع ذلك عليهم وإن استوفى الثمن.
ولم ير ابن القاسم أن يمضي من ذلك ما لا محاباة فيه كالعروض؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل استيفائه، والمنع في ذلك شرعٌ لا لِتهمةٍ 2.
ولو كان المسلم إليه هو المريض فأقال من السلم ولا شيء له سوى رأس المال، ولم يُجِزِ الورثة، وقيمة السلم يوم أقال أقلّ، فإن لم يجز الورثة اشترى من تلك الدراهم الطعام الذي عليه فقضى عنه، فما فضل بعد قضاء دينه كان للمسلم ثلثه، ولا يدخل في هذا بيع الطعام قبل استيفائه.
باب إذا أسلم جارية في طعام فولدت ثم أقال منها
وإذا أسلم جارية في طعام فولدت عند المسلم إليه ثم أقال منها امتنعت 1 الإقالة؛ لأنه إن كانت الإقالة على أن يرد الولد معها كان ذلك زيادة، وإن كان 2 على أن يحبسه كان نقصانًا 3؛ لأن كونها ذات ولد عيب يوجب الرد لمن اشترى أمة ولم يعلم.
وإن اشترط أن يبقى له ويكون الولد 4 في حضانتها، فذلك أنقص لثمنها ويدخله التفرقة، وإن مات الولد وكانت حاملًا به حين أسلمت لم تجز الإقالة؛ لأنها كانت ذات عيب فذهب العيب.
وكذلك إن حدث عند المشتري مِنْ زنًا أو من زَوْجٍ زوجها المسلم إليه لم تجز الإقالة؛ لأن الزنا والتزويج عيب.
وإن كانت حين ولدت ذات زوج فولدت ثم مات الولد وتعالت من نفاسها جازت الإقالة.
باب إذا أسلم غنمًا أو نخلًا أو دورًا في طعام
قال ابن القاسم: إن أسلم غنمًا أو دارًا أو نخلًا في طعام فأكل من لبنها أو من تمرها وأخذ كراء الدور، فلا بأس بالإقالة بعد ذلك.
وهذا الذي قاله صحيح؛ لأن أخذ الغلة لا يمنع الإقالة إذا كان الأصل لم يتغير، فأخذ اللبن غلة، وسواء كانت في حين السلم ذات لبن أو حدث بَعْدُ.
وأما الصوف فلا تجوز الإقالة بعد جَزِّهِ؛ لأنه إن كان عليها في حين السلم فجزه كانت الإقالة على أقل من رأس المال، إلا أن يسلمه معها إذا كان قائمًا، أو يحط ما ينوبه من الطعام إذا كان فائتًا، وإن حدث الصوف عنده فجزه لم تجز الإقالة؛ لأن الشاة تتغير في مثل تلك المدة.
وإن أسلم نخلًا لا تَمْرَ فيها فأقاله، وفيها تمر مأبور أو مُزْهٍ، جازت الإقالة والثمرة للمسلم إليه، ويؤخذ بجذاذها بالحضرة؛ لأن إطلاق الإقالة يقتضي رجوع الأصل على هيئة ما قبضت عليه، وليس ذلك بمنزلة بيعها ابتداءً؛ لأن الثمر على أنه لا تعلق له 1 فيها أفضل منه إذا كان على أن هناك حقًا في الدخول والخروج والتصرف 2 لأجل الثمار، فكان عليه رد الشيء على صفته، لا عيب فيها على ما كانت أسلمت 3 عليه.
وإن أسلمها وفيها ثمار غير مأبورة كان السلم فاسدًا إلا أن يشترطها ربها على الجذاذ، وإن كانت مأبورة أو مزهية كان السلم جائزًا إلا أن يستثنيها
مشتري الأصول، فيفسد عند ابن القاسم؛ لأنها وإن كانت في حين السلم علفًا غير طعام فإنه يراعى ما تؤول إليه في المستقبل، وأجاز ذلك ابن مسلمة 1 إذا لم تزه، قال: لأنها غير مقصودة، وأجازها سحنون في السليمانية، وإن طابت، قال: هو بمنزلة العبد يباع ويستثنى ماله، فلا بأس به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغىً، قال: وكذلك يقول بعض أصحابنا، وكذلك السيف المحلى بالفضة تبعٌ له.
وإذا كان السلم جائزًا على قول ابن مسلمة ثم تقايلا بعد أن انتقلت الثمرة إلى الإبار، أو كانت مأبورة فأزهت- لم تجز الإقالة؛ لأنها على أحد ثلاثة أحوال: 2 إما أن يتقايلا على أن يسلما الثمار مع الأصول، فهي إقالة على أكثر من رأس المال، أو على أن تبقى لمشتريها، فهي إقالة على أقل من رأس المال، أو على أن يبقى ما 3 ينوبها من الثمن فتفسد؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عَمِلا على ذلك في أصل العقد، فيكون بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
ولو عقدا على الثمرة وهي مزهية على قول سحنون، ثم انتقلت إلى اليبس لم تجز الإقالة لهذه الوجوه التي تقدمت، وإذا كانت الإقالة على أن تبقى بما ينوبها كانت التهمة على بيع طعام بطعام ليس يدًا بيد.
وإذا أسلم عبدًا في طعام فاستدان العبد دينًا، ثم أقال من ثمن الطعام، لم تجز الإقالة، إلا أن يقضي ذلك عنه سيده، أو يسقطه عنه صاحب الدين، فتجوز الإقالة، إلا أن يكون استدان ذلك بغير إذن مشتريه 4، أو يكون تداين
في فساد، فلا تجوز الإقالة وإن أسقط عنه الدين.
وإذا أسلم دراهم في طعام، ثم تقايلا، وأخذ عن الدراهم دنانير- لم تجز الإقالة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون صرفًا مستأخرًا.
وإن أخذ عن الدراهم عرضًا، لم يجز ذلك 1 عند مالك، خيفة أن تكون الإقالة في الباطن على ذلك العرض، ويجوز على أصل أشهب؛ لأن التهمة حينئذ 2 ليست على شيء كان في أصل العقد، وإنما ينبغي أن يكون بيع الطعام قبل قبضه.
وقد أجاز أن يعطي الغريم لمن له السلم أقل من رأس المال ليشتري به طعامًا لنفسه، ولم يتهمهما أن يكونا عَمِلا على ذلك فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وفرق بين الموضعين: فيمنع ما أدى إلى تهمة في أصل العقد؛ لأنها بيعة أجل، وبياعات الأجل مما يتهم الناس عليها، وإذا سَلِمَ 3 العقد من التهمة لم يمنع فيما يكون بعد؛ لأنها من بياعات النقود، ولا يتهم فيها إلا أهل العينة.
باب في التأخير في الإقالة والتولية ورأس مال السلم
وقال ابن القاسم: قال مالك فيمن أسلم في طعام أو عروض، فأقال من ذلك أو ولَّى ذلك رجلًا، أو باع السلم إن كان مما يجوز بيعه، قال مالك: لا يجوز أن يؤخره ساعة ولا يفترقان حتى تقبض ذلك من الذي وليت أو من صاحبك الذي أقلت، أو من الذي بعت، وإلا صار دينا بدين، وكذلك الصرف لا يجوز أن يفترقا قبل القبض، كذلك هذا 1.
قال الشيخ -رحمه الله-: والمعروف من المذهب أن الأمر في الإقالة أوسع من الصرف، وأنه تجوز المفارقة في الإقالة ليأتي بالثمن من البيت، أو ما قارب ذلك، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة؛ لأنه لا يجوز تأخير الإقالة اليومين والثلاثة بشرط بغير خلاف، واختلف في التولية هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين.
واختلف في الإقالة إذا وقع التراخي فيها بغير شرط على ثلاثة أقوال: فمنعه في المدونة، ورءاه دينًا بدين 2.
وقال مالك في كتاب محمد: بل يتبعه بالدنانير ولا يرجع في الطعام 3، قيل له: إن المشتري يقول: إن الإقالة لا تصلح مستأخرة فأنا أرجع في طعامي، قال: ليس ذلك له.
وقال أشهب: إذا كانا من أهل العينة، فسخت الإقالة، وإن لم يكونا كذلك ولا عملا عليها رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ 1. وهذا تفسير لقول مالك.
فإن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن قام دليل على عدم التهمة؛ لأن ذلك كان لسفر حدث، أو لأنه حبس، أو كان من أهل الدين والثقة، بحيث لا يتهمان، مضت الإقالة، وإن لم يكن دليل تهمة 2 ولا براءة، كان هو موضع الخلاف المتقدم.
والإقالة من العروض والطعام سواء، فإن كان رأس المال عينًا في الذمة، لم تجز الإقالة إلا على المناجزة، وإن كان السلم في الطعام، وكانا شَرَطَا تأخير رأس المال ثلاثة أيام، لم يجز تأخير الإقالة إلى مثل ذلك، وجازت إذا تناجزا، ولا يراعى ما كان من تأخير الثمن عند بائع الدنانير.
ولو أسلم رجل دنانير في طعام إلى سنة ثم أقال منها عند تمام السنة لجاز، وإن كان ذلك في معنى من أقال في أقل من رأس المال؛ لأن المسلم لها قد خسر انتفاع الآخر بها إلى 3 سنة، وإذا لم يراع ذلك كان أحرى ألا يراعى انتفاع بائعها بها قبل أن يسلمها.
ولو أسلم رجل عبدًا في ثياب على أن يدفع العبد بعد يومين، ثم أسلمه، ثم أقال من تلك الثياب، ليسلم 4 العبد بالحضرة بمجرد الإقالة، ولم يكن لمن
كان في يده أن يقول يبقى في يدي يومين كالأول.
فصل [في حكم التراخي في الإقالة في السلم إذا كان رأس المال شيئا معينًا أو طعامًا أو عروضًا]
وإن كان رأس المال شيئًا معينًا -عبدًا أو ثوبًا- وأقاله على ألا يقضيه إلا إلى يوم أو يومين، لم يجز ذلك في الطعام، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه.
ويختلف فيه إذا كان السلم في عروض:
فيمنع على قول ابن القاسم، ويدخله عنده فسخ الدين بالدين.
ويجوز على قول أشهب؛ لأنه أجاز أن يأخذ من دين سلعة غائبة وتمرًا لاستجذاذه 1.
وإن كان حاضرًا فأمكنه منه فقام وتركه، جاز ذلك، وهو وديعة عنده، وإن أمسكه حتى يشهد بالإقالة 2 وسقوط السلم، لم تفسد الإقالة على القول بأن المصيبة فيه من بائعه الأول، وعلى القول الأول 3 أنه ممن هو في يده 4 يعود الخلاف المتقدم.
وأن يجوز أحسن؛ لأنه إن أخذ بظاهر النهي عن فسخ دين في دين، قيل: هذا معين ليس بدين، وإن أخذ بالقول أنه معلل وأنه 5 لئلا يزيد في الثمن
لمكان الصبر، جاز.
هذا أيضًا لأنه لا يزيده في الثمن لمكان حبسه في الثمن عنه حتى يشهد، وقد أجاز أن يأخذ من دين طعامًا يكثر كيله وتتراخى المناجزة فيه، لما كانت العادة أنه لا يختلف الثمن فيما يقبض من ساعته، أو يكون التراخي لأجل كثرة (1) كيله.
فصل [في التأخير اليسير عقد السلم]
واختلف في التأخير في بيع الدين: فمنع ذلك في المدونة إلا على المناجزة 2.
وقال محمد: يجوز تأخيره اليوم واليومين والإقالة غير هذا 3. وهو أصوب، ولا فرق بين بيع الدين وعقد الدين، وهو السلم.
وقد اختلف في السؤالين جميعًا وهو 4 عقد السلم وبيعه، فقيل: يجوز تأخير ذلك اليوم واليومين.
وقيل: لا يجوز أن يفترقا قبل أن يدفع فيهما جميعًا، وهو أقيس، فإما أن يؤخذ بمجرد النهي عن بيع الكاليء بالكاليء، فلا يجوز أن يفترقا في السؤالين جميعًا على أن الذمتين مشغولتان، ولا يجوز إلا أن يدفع هذا رأس المال، وهذا ثمن الدين، ويكون الدين في ذمة واحدة، أو يقال: إن تأخر هذا القدر معفو عنه في جنب أجل السلم وأجل الدين، فيجوز في الجميع.1
ولو كان 1 أجل السلم قريبًا إلى يومين أو ثلاثة لم يجز أن يشترط تأخير رأس المال إلى يومين، وكذلك بيع الدين إذا كان الدين 2 حالًا، أو بقي من أجله هذا القدر، لم يجز تأخير رأس المال بحال، وكان دينًا بدين، وإن ولى طعامًا وكان دفع رأس المال فيه بفور العقد، كانت التولية فيه 3 على مثل ذلك، ولا يجوز تأخير القبض.
وإن كانا شرطا تأخير رأس مال السلم إلى ثلاثة أيام، وكانت التولية بفور العقد- لم يقبض رأس المال من المولَّى إلا بعد مضي 4 ثلاثة أيام، فإن كانت التولية بعد مضي ثلاثة أيام جرت التولية على قولين:
أحدهما: أن إطلاق التولية يقتضي التأخير إلى مثل ذلك، وإن شرطا التعجيل فسدت.
والآخر: أنها تقتضي التعجيل والقبض بالحضرة، فإن شرط التأخير إلى مثل الأول فسدت.
وهذا قياس على الشفعة إذا كان الشراء بثمن مؤجل، فقام الشفيع بعد انقضاء ذلك الأجل؛ لأن الشفيع إنما يستشفع بمثل ذلك الثمن، وكذلك التولية تجب بمثل ذلك الثمن أمرهما واحد.
فصل [في تأخير رأس مال السلم بعد الإقالة من غير شرط، وتأخيره حتى يحل الأجل عمدًا أو مطلًا]
واختلف إذا كان الثمن عينًا في الذمة، فأقاله فتراخى قبض رأس المال من غير شرط على ثلاثة أقوال: فمنعه في المدونة، ورءاه دينًا بدين.
وقال مالك في كتاب محمد: بل يتبعه بالدنانير، ولا يرجع في الطعام، قيل له: إن المشتري يقول: إن الإقالة لا تصلح مستأخرة فأنا أرجع في طعامي، قال: ليس ذلك له.
وقال أشهب: إن كانا عَمِلا على ذلك، أو كانا من أهل العينة، فسخت الإقالة، وإلا رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ 1.
وهذا 2 أصوب فإن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن كان ذلك لسفر حدث أو غيره من العذر، أو كانا من أهل الدين والثقة، مضت الإقالة، وإن لم يكن دليل تهمة ولا براءة، كان هو موضع الخلاف المتقدم.
واختلف إذا تأخر رأس المال من غير شرط حتى حل الأجل، فقال ابن القاسم: أراه من الدين بالدين ولا يجوز، وأجازه في كتاب محمد.
وأرى أن يعتبر رأس مال السلم، فإن كان مثل ما كان سلم الناس جاز، وإن كان أكثر مثل ما يكون ثمنًا لما يقبض يدًا بيدٍ، كان فاسدًا، وذلك تهمة، وإن كان التأخير بهرب من أحدهما لم يفسد السلم.
وقال ابن حبيب: إن كان التأخير من المسلم بمطل 1 أو التراخي حتى حل الأجل، كان المسلم إليه بالخيار بين أن يقبض الثمن ويعطي ما عليه، أو يفسخ السلم؛ لأن السلم إنما أرخص 2 لتعجيل الثمن قبل أوان حلوله وانتفاع المسلم إليه 3 بثمنه، فإذا حرم ذلك لم يلزم دفع السلم 4.
وإن كان التأخير من سبب المسلم إليه حتى حل الأجل كان السلم لازمًا، وكذلك من باع طعامًا بثمن إلى أجل فلم يقبض الطعام حتى حل الأجل، قاله ابن القاسم وغيره.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن أسلم في حنطة ثم وجد درهمًا ناقصًا انتقض من السلم بقدره، فعلى هذا ينتقض السلم إذا تأخر رأس المال وإن كان بهرب من أحدهما؛ لأن محمل الزائف والنقص على غير التهمة.
باب [فيمن أسلم ثيابًا في حيوان، ثم استقال من ذلك السلم أو من بعضه]
ومن أسلم ثوبين في فرسين ثم استقال من ذلك السلم، فإنه لا تخلو الإقالة من أن تكون: على أعيان الثوبين، أو مثلهما، أو على عين أحدهما، أو على مثله، أو على عين أحدهما ومثل الآخر.
فإن أقال على أعيانهما جاز، وكذلك إن زاد شيئًا من صنفهما، أو من غير صنفهما، وكانت الإقالة على جميع السلم أو عن بعضه، ما خلا وجهًا واحدًا، وهو أن تكون الزيادة من صنف المسلم فيه، فلا يجوز 1 أن يعجل قبل أجله، وإن أخر إلى أجله جاز.
وإن كانت الإقالة على مثلهما من غير زيادة، أو أخذهما عن جميع الدين جاز، وإن كان معهما زيادة، أو أخذهما عن بعض السلم دخله سلف بزيادة.
وكذلك إن أقاله على مثل أحدهما عن جميع الحق جاز، وإن أخذه عن بعضه لم يجز ودخله بيع وسلف، وكذلك إن أخذه عن جميع السلم ومعه زيادة، فهو بيع وسلف، فالثوب الذي رجع إليه سلف، والزائد بيع، والذي في الذمة من الفرسين بيع بالثوب الباقي.
وإن أقاله على عين أحدهما لأنه مثل الآخر 2 من غير زيادة جاز، إذا 3 كانت الإقالة عن جميع السلم، ولا يجوز عن بعضه، وهو سلف بزيادة؛ لأن
المعين الذي رجع إليه 1 لغو، كأنه لم يسلم، والآخر الذي هو مثل الباقي سلف، وما معه زيادة لأجل السلف.
وكذلك إن أخذه عن بعض السلم والباقي في الذمة زيادة لأجل السلف.
وقد اختلف في موضعين:
فالأول: إذا كانت الإقالة على عين أحدهما على أحد الفرسين على أن يعجل الباقي، فأجازه ابن القاسم في كتاب محمد، ورأى أنه إنما أخذه على أنه حقه ليس على وجه السلف 2. ولا خلاف فيمن عجل دينًا عليه ثم فلس ألا مقال لغرمائه فيه، ولو كان سلفًا لأخرجه وتحاصوا فيه.
والثاني: إذا رد مثل الثياب وزيادة: فأجازه ابن القاسم في كتاب محمد، وقال: كل ما خرج عن يدك 3 بمناجزة مما له مثل فلا تأخذ في ثمنه إلا ما يجوز أن تبيعه به إلى أجل، قال: ولا يدخل ذلك في الثياب مع المناجزة ولا فيما لا يجب فيه إلا القيمة في التعدي 4.
باب في الشركة والتولية في الطعام
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ إِقَالَةٍ أَو شِرْكٍ أَو تَوْليَةٍ" 1.
وقال مالك: أجمع 2 أهل العلم على أن لا بأس بالإقالة والشركة والتولية 3.
وذكر أبو الفرج عن مالك أنه منع الشركة.
ووافق الشافعي وأبو حنيفة في الإقالة وحدها؛ لأنها عندهما حل بيع.
واختلف فيمن اشترى طعاما بثمن إلى أجل ثم أشرك فيه قبل أن يكتاله: فقال مالك في المدونة: لا بأس بذلك 4، وعلى قوله تجوز التولية.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يحل أن يولي حتى يقبضه 5.
قال أشهب: لا يصلح فيه إلا الإقالة وحدها، قال: وهو بمنزلة من وجب له طعام من إجارة أو اشتراه بعرض فلا يصلح فيه إلا الإقالة فقط ما لم يفت العرض، أو يعمل الأجير، فلا تصلح إقالة ولا غيرها 6.
واحتج ابن حبيب في منع الشركة والتولية باختلاف الذمم، قال: فليس ذمته وذمة الذي أشرك أو ولي سواء، يكون أحدهما أملى أو أعدم ولا يمكن أن يكون الاستيفاء منهم واحدا (1).
وإن اشترى طعاما غائبا قريب الغيبة واشترط النقد جاز فيه الشرك والتولية، وإن كان بعيد الغيبة مما لا يجوز النقد فيه واشتراه على ألا ينقد إلا بعد قبضه جاز فيه الشرك والتولية على قول مالك، ولم يجز على القول الآخر؛ لأن الذمم تختلف، فأشبه من اشترى بثمن إلى أجل.
ويختلف في الإقالة هل تجوز؛ لأن الذمم تبرأ من الآن، أو لا تجوز؛ لأنه يأخذ طعاما غائبا (2) عن دين، فيدخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه.
فصل [في اشتراط المعاوضة في الشركة والتولية والإقالة في الطعام]
قال محمد: وإن أشركته في طعام ابتعته على أن أشركك في طعام ابتاعه، أو قال: أوليك على أن توليني، أو أشركك على أن توليني، أو أقيلك على أن تقيلني، أو تشركني أو توليني، لم يجز 3؛ لأنهما خرجا بذلك عن المعروف إلى المكايسة والمبايعة ودخلا في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.12
فإن قال: أشركني وأشركك، وكان رأس المال سواء، كان محمل شركتهم بيع أحد الطعامين بالآخر، وذلك جائز؛ لأن الثمن لغو لا يخرجه واحد منهما.
وإن كان رأس مال أحدهما دنانير والآخر دراهم، أو عينًا والآخر عرضًا - فسدت الشركة؛ لأنها خرجت عن وجه المعروف لما شرط أحدهما بيع الطعام بالآخر 1.
وإن قال: أقيلك على أن تقيلني، جاز إن تساوت رؤوس الأموال؛ لأن مآل أمرهما إلى 2 بيع أحد الطعامين بالآخر؛ لأنه لا يخرج أحدهما للآخر شيئًا، وإن اختلف رأس المال أو استوى واختلف الطعامان، لم يجز.
وإن قبض المشتري بعض الطعام جاز تولية ما قبض، والشرك فيه، ولا يجوز أن يولي ما قبض وما لم يقبض، ولا أن يشرك فيهما.
واختلف هل يولي ما لم يقبض وحده؟
فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد، وأجازه ابن حبيب 3.
وقال محمد فيمن أسلم في طعام فقبض بعضه، فأعسر بما بقي فأقاله منه: لم يجز ذلك في طعام ولا عرض، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه مع البيع والسلف 4. لأنه لما قبض بعضه صار لما قبض منفعة، فكانت 5 إقالة بمنفعة، قال: فإن رد المقتضي ما اقتضى وأقاله من الجميع لم يجز، وهو بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن ما اقتضى صار مالًا من ماله، فلم يقِله مما بقي حتى ولاه قمحه
الذي اكتاله.
قال محمد: إلا أن يكون الذي قبض يسيرًا مثل خمسة من المائة، وإن قبض عشرة من المائة فأرجو أن يكون خفيفًا (1).
فصل [فيمن اشترى سلعة ثم سأله آخر أن يشركه فيها]
وقال ابن القاسم في رجلين اشتريا عبدًا، فقال لهما رجل: أشركاني فيه، ففعلا، قال: له ثلث العبد؛ لأنهما إنما أرادا أن يكون فيه كأحدهما 2.
فجعل له الثلث؛ لأن ذلك القصد عنده، ولو كان المشتري واحدًا، كان له النصف على قوله، وأصله في الشرك عنده أنه لا يقع على جزء معلوم.
وقد قال فيمن أعطى رجلًا مالًا قِراضًا على أن له شركًا من الربح إنه فاسد 3. لأن قوله: "شرك" لا يتضمن جزءًا معلومًا، وقال غيره: هو جائز، وله النصف 4.
فإذا كان ذلك عند ابن القاسم لا يقع على جزء معلوم، كان القول قولهما فيما دون ذلك.
وفي كتاب ابن سحنون فيمن قال لفلان في هذا العبد شرك معي، أو لم1
يقل معي، ثم قال: وهو العشر، كان القول قوله، وصل الكلام أو لم يصله؛ لأن الشرك يقل ويكثر، وكذلك الدار 1.
قال ابن سحنون: وقال بعض أصحابنا: له النصف، وفرق بعضهم فقال: إن قال: معي صُدّق، وإن لم يقل: معي، لم يُصدّق، وأجمعوا أنه إذا وصل كلامه بقوله: له 2 شرك الثلث أنه 3 يصدّق 4.
وإن قال: هذا العبد لي ولفلان، أو بيني وبينه، ثم سكت، فيسأل بعد ذلك، فقال: له الثلث أو السدس، وقال الآخر: النصف، فذكر الخلاف المتقدم، قال: ولو قال له معي فيه حق لصدق فيما يقر به 5.
وقال الشيخ -رحمه الله-: قوله له فيه شرك معي، أو لم يقل معي 6، أو هو بيني وبينه، أو له فيه حق، كل ذلك سواء، وهذه الألفاظ لا تتضمن المساواة، ويصح أن يؤتى بها مع اختلاف الأجزاء.
وإذا كان ذلك، كان القول قول المقر أنه أراد ذلك، فإن خالفه الآخر، أخذ ما أقر له به، وتحالفا في الجزء الذي اختلفا فيه على أصل ابن القاسم، فكان ذلك الجزء بينهما نصفين، فإن قال المقر: له الربع، وقال الآخر: النصف، أخذ الربع بإقراره، وتحالفا في الربع، وكان بينهما؛ لأن الإقرار بالربع إقرار منه بأن يد الآخر معه على ذلك العبد وإن كان في بيت المقر.
ولو كان الإقرار بطعام أو بدراهم وقال: كانت الشركة في نصفه، وهو الذي قبضت وأضفت إليه نصفًا، كان القول قول المقر، وإن قال: كانت أيدينا على جميع هذا 1 الطعام إلا أن الذي لك الربع، لم يقبل قوله، وقيل له: سلّم الربع واقتسما الربع بعد أيمانكما.
باب فيمن اشترى سلعة فأشرك فيها رجلًا على أن ينقد عنه أو ينقد هو عن المشرك
وقال ابن القاسم فيمن اشترى سلعة، ثم سأله رجل أن يشركه فيها فقال: أشركك على أن تنقد عني، لم يجز، وهو بيع وسلف 1.
فإن نزل فسخ، إلا أن يسقط السلف، فإن كان السلف من المشتري، فقال: اشتر وأشركني وانقد عني، أو قال: اشتر وأشركني ثم بعد انعقاد الشراء قال: انقد عني، جاز ذلك في كل شيء الصرف والطعام والعروض، وبيع النقد والأجل؛ لأن الشراء انعقد عليهما جميعًا.
ولو اشترى لنفسه فبعد أن عقد البيع قال: أشركني وانقد عني، أو قال: أشركني، فلما أشركه، قال: انقد عني، لم يجز في الصرف، وجاز في العروض إذا لم يكن سلمًا في الذمة، وسواء أشركه بشرط النقد أو تَطَوَّعَ بالنقد بعد أن أشركه.
فإن كان سلمًا في الذمة فأشركه على أن ينقد عنه، لم يجز، وإن أشركه بغير شرط ثم رضي أن ينقد عنه جاز.
وجعل الجواب في الطعام على ثلاثة أوجه:
معينًا حاضرًا، أو معينًا غائبًا، أو 2 سلمًا في الذمة.
فإن كان حاضرًا، لم يجز أن يشركه على أن ينقد عنه، وإن أشركه بغير شرط ثم قال: انقد عني، ولم يكن الأول نقد، جاز، وإن كان قد 3 نقد لم يجز.
وقال ابن القاسم أيضًا: لا بأس إذا سأله بعد أن ينقد عنه 1. ولم يراع نقد الأول أو لم ينقد.
وإن كان الطعام سلمًا في الذمة لم تجز الشركة إلا أن ينقد بالحضرة، قال ابن القاسم مثل الصرف حرفًا بحرف.
يريد أنه لا يجوز أن ينقد الأول بشرط ولا بتطوع.
قال: وإن كان الطعام غائبًا لم يجز فيه شرك ولا تولية وإن كان معينًا؛ لأنه يصير دينًا بدين 2. قال محمد: إلا أن ينقد حصته قبل أن يفترقا 3.
والجواب في الصرف صحيح؛ لأن الشركة في جميع هذه الوجوه كبيع مبتدأ، فلا يجوز أن يتطوع بالصبر في الصرف، كما لا يجوز إن كانت مصارفة من غير شركة.
وأما العروض تكون سلمًا في الذمة، فمحمل قوله في منع الشركة بشرط النقد على 4 القول في التولية أنها لا تجوز إلا أن ينقد 5، ويجوز على القول الآخر أن ينقد بعد 6 اليومين والثلاثة، كتأخير رأس مال السلم.
ومنع الشركة في الطعام الحاضر بشرط النقد؛ لأنهما خرجا عن وجه المعروف 7، وإن كانت بغير شرط، صحت، ثم كان تطوعه بالنقد معروفًا أيضًا، ومنعه في القول الآخر، خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك 8.
باب في بيع زراريع ما يكون منه طعام وبيع التوابل قبل أن تستوفى
قال مالك: لا بأس ببيع زريعة الفجل الأبيض الذي يؤكل وزريعة الجزر، والسِّلق، والكراث قبل أن تستوفى، وكذلك كل زريعة لا تراد للأكل وإنما يزرع منها ما يؤكل، وإن كان 1 تراد للأكل في نفسها، لم تبع قبل أن تستوفى إلا أن يكون ذلك نادرًا 2. واختلف قول مالك في التوابل: الكزبر، والقرنباذ 3، والفلفل وما أشبه ذلك، فقال في المدونة: لا يباع قبل أن يستوفى 4. وأجاز ذلك في مختصر ما ليس في المختصر 5.
باب في بيع الطعام قبل قبضه
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" اجتمع 1 عليه الموطأ، والبخاري ومسلم 2، فبيع الطعام قبل قبضه يمنع بثلاثة شروط:
أن يكون من بيع على كيل، أو وزن، أو عدد مما يحرم التفاضل فيه، واختلف إذا كان مما يجوز التفاضل فيه، وإذا كان في ضمان البائع على غير كيل.
فأما ما يجوز فيه التفاضل فالمعروف من قول مالك المنع، لعموم الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا"، ولم يفرق.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: ما 3 لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه 4.
وقال في كتاب محمد فيمن اشترى تينًا وزنًا ثم قال: زن لي بنصفه عنبًا أو بطيخًا، ونصفه تينًا: أرجو أن يكون خفيفا، لا بأس به، وقال محمد: لا خير فيه 5. ومحمل قول مالك في التين على 6 أنه مما لا يدخر كالشتوي أو صنف يدخر عُجِّلَ جناه في وقت لا يدخر، وهذه المسألة أصل في جواز التفاضل فيما أصله الادخار إذا كان هذا في نفسه لا يدخر، وكأنه حمل الحديث على ما كان غالبًا أنهم يتبايعونه ويسلمون فيه، وهو التمر، وقاس عليه جميع المدخرات.
واختلف في الجزاف إذا كان في ضمان بائعه: فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن ابتاع لبن غنم بأعيانها شهرًا بغير كيل: لا يبعه حتى يحتلبه 1. وأجازه أشهب 2.
وقال مالك في العتبية 3 فيمن اشترى جزءًا من ثمرة: لا يبعه حتى يقبضه، ثم رجع عن ذلك 4، ولا فرق بين الجزء والجميع.
وقال في كتاب محمد فيمن ابتاع ثمرة حائط غائب لم يره: لم يجز أن يبيعه حتى يراه؛ لأنه في ضمان البائع 5. يريد إذا كانت يابسة؛ لأنه لا يسقط الضمان وإن رضيه 6 إلا فيما كان يابسًا، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لعموم الحديث.
وقد قال مالك: نهى في الحديث "عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" 7 أن ذلك في الطعام 8، فبأي وجه كان الطعام في ضمان بائعه، فإنه يمنع من بيعه.
ويختلف على هذا في الصبرة إذا كانت محبوسة بالثمن على القول أن
المصيبة من البائع.
واختلف إذا أمكن منها هل يبيعها قبل نقلها؟ فقال ممالك مرة: لا بأس بذلك 1.
وقال في العتبية: أحب إلي أن يؤخذ في ذلك بالحديث فيمن اشترى طعامًا جزافًا قال: لا يباع 2 حتى ينقل من مكانه 3.
يريد: حديث ابن عمر، قال: رَأَيْتُ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا تَبَايَعُوا 4 طَعَامًا جُزَافًا يُضْرَبُونَ أَلَّا يَبِيعُوهُ في مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُئْوُوَهُ إِلَى 5 رِحَالهِمْ.
اجتمع عليه البخاري ومسلم 6، وذكره مالك في الموطأ، ولم يقل جزافًا 7، وأخذ به الشافعي، وأبو حنيفة، وقال مالك في تفسير ابن مزين: إنهم كانوا يريدون بيعه بالدين، وأما بالنقد، فلا بأس.
ولا فرق بين النقد في ذلك والدين إذا بيع من غير بائعه، واتباع الحديث أولى.
واختلف في المكيل هل المنع معلل أم لا؟ فقال أبو محمد بن عبد الوهاب
وأبو الفرج وغيرهم من البغداديين: المنع لأجل العينة 1. وقيل: شرعًا، وهو أحسن.
ولو كانت العلة العينة، لجاز بيعه من بائعه بأقل، ومن غير بائعه بأقل وأكثر، وهذا الأصل فيما كان المنع فيه خيفة العينة، ويكون على قولهم الطعام والعروض سواء.
وقال 2 محمد فيمن باع طعامًا قبل قبضه وقبض الثمن وذهب المشتري بالطعام، قال: يأخذ الثمن من البائع الآخر، ويقام به للغائب فيشتري به طعامًا، فإن كان أقل من الكيل الأول كان الباقي دينًا على الغائب يتبع به، وإن كان أكثر وُقف له 3، ورأى أن البائع الأول قد برئ بذلك الكيل؛ لأنه وفى بما عليه، والتعدي في البيع إنما كان من البائع الآخر، وليس من البائع الأول تعد، واستحسن في السليمانية إذا اشترى طعامًا أن يعاد إلى يد الأول حتى يوصله إلى يد 4 من اشترى منه.
فصل [في الطعام يجب عن نكاح أو صلح أو ثمن كتابة أو غير ذلك فيبيعه قبل قبضه]
وإذا وجب الطعام عن 1 نكاح أو خلع أو مصالحة عن دم أو كراء دار أو غير ذلك، لم يجز أن يباع حتى يقبض؛ لأن كل هذه معاوضات وداخلة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا..." 2.
واختلف فيمن باع كرمه أو حائطه واستثنى منه كيلًا، قال ابن القاسم: أكره بيعه قبل قبضه، ثم رجع عنه وقال: لا بأس به 3، فذهب في القول الأول إلى أن المستثنى مشتَرَى اشتراه البائع من المشترى منه، والقول أنه يبقى 4 على الملك الأول أحسن.
وقال ابن القاسم في المكاتب يكاتب بطعام: يجوز لسيده أن يبيعه من المكاتب قبل قبضه؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، ولا يبيعه من أجنبي؛ لأن السيد لو دبر عبده جاز أن يبيع خدمته منه، ولا يبيعها من أجنبي 5.
ولا فرق بين المسألتين، فإما أن يقال: إن الكتابة دين ثابت، كما قال ابن عمر، فلا يباع الطعام من المكاتب ولا من غيره، أو يقال: ليست بدين ثابت، فيباع منه ومن الأجنبي.
وقد منع سحنون فسخ الكتابة في غيرها إذا لم يعجل العتق؛ لأن فيه شبهة الدين، فكذلك بيع الطعام (1).
وأرى أن يجوز ذلك من العبد وغيره إذا كانت الكتابة على قدر الخراج؛ لأنها غلة، وإن كانت أكثر بالشيء البين، أو كانت إنما ينالها بما يستعين من الناس ألا يجوز بيعه؛ لأنه يصير ثمنًا للرقبة.
وقال مالك في النصراني يبتاع الطعام من نصراني: لا أحب للمسلم أن يشتريه منه قبل قبضه (2).
فلم يره محرمًا؛ لأنهم غير مخاطبين بفروع الإسلام، والحديث متوجه لمن كان مسلما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (3)، وسواء كان اشتراه النصراني من نصراني أو مسلم، فإن كان المسلم هو المشتري لم يجز أن يبيعه من نصراني قبل قبضه قولًا واحدًا.
فصل [في المواعدة في الطعام قبل قبضه ومن ابتاع طعاما بعينه أو بغير عينه فيريد بيعه قبل قبضه]
قال ابن القاسم: ولا يواعد أحدًا في بيع الطعام قبل قبضه، ولا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام اشتراه، بعينه كان، أو بغير عينه 4. والمواعدة123
في هذا كالمواعدة في الصرف.
وقد اختلف في المواعدة في الصرف: فكره ذلك مالك 1، ومنعه أصبغ، وأجاز هذا 2 ابن نافع.
وأجاز مالك في كتاب محمد الخيار في الصرف 3، والمواعدة في هذا أخف.
وكذلك إذا عقدا بيعًا على طعام في ذمته، ونيته أن يقضيه من ذلك الطعام، فالعقد ماض ولا تأثير للنية في العقد، وقد أجيز التعريض في النكاح، فكيف بمن يضمر هذا ولا ينطق به.
وقيل: المعنى: لا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام عليه.
وهذا أبعد؛ لأنه يستحيل صرف النية فيه إذا كان عليه طعام فطُلب بقضائه، وليس عنده، فلا يجري إليه.
إلا بشراء.
وإنما الاختلاف إذا جعل للطالب أن يقضيه من المشتري منه أخيرًا: فمنع ذلك ابن القاسم، إلا أن يقضيه الغريم من البائع آخرًا ثم يقضيه 4. وأجازه مرة، فقال فيمن عليه طعامٌ من سلم فأعطى الطالب مثل رأس ماله ليشتري ذلك لنفسه: فلا بأس به 5.
فإذا جاز للطالب أن يشتري الطعام على ذمة المطلوب، ثم يقبضه لنفسه، جاز أن يشتريه الغريم ثم يجعل للطالب قبضه.
وقد قيل: إن هذه إقالة 1، وهو خطأ؛ لأنهما متفقان أنه أخذ ذلك على وجه الوكالة، ولو ضاع الثمن كانت مصيبته من الباعث، وإن ثبت أنه اشترى ذلك للغريم ثم قبضه منه جاز، وأجازه أشهب 2 وإن أخذ أقل 3 من رأس المال؛ لأنه أخذه على أنه وكيل وأن يشتري على ذمة الباعث، ولو دخل على أنه يمسك ذلك لنفسه لم يجز، ويجوز على قوليهما إذا أعطاه أكثر من رأس المال واشترى بنيته وكل ذلك راجع إلى القضاء عن البيع، هل هوبيع أم لا؟
والقول إنه ليس ببيع أحسن 4؛ لأن البيع المتقدم لم يكن في عين 5 هذا الطعام، وإنما قضاه عن دين تَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ في الذمة، وإنما جاء الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ" 6، ولم يقل فلا يقضه.
وقد أجاز مالك وابن القاسم وأشهب لمن أسلم في حنطة أو اشترى حنطة بعينها أن يأخذ بكيلها شعيرًا 7، وإن تقارَّا أنهما أرادا المبايعة ولم يقصدا المعروف.
= يعني طعاما أقضيك.
قال: إن ابتاع منه بنقد فلا بأس به.
وكذلك من أسلم في سمراء وأخذ محمولة 1 يريدها للزريعة جاز وإن اعترف أنه قصد المبايعة جاز 2، وإن كان مما ينطلق عليه بيع الطعام قبل قبضه.
ويختلف في المقاصة قياسًا على ما تقدم في القضاء.
فإن أسلم رجلان كل واحد لصاحبه في طعام كيلًا واحدًا وصفة واحدة، ثم أرادا المقاصة، وتساوت رؤوس الأموال، لم يجز عند ابن القاسم 3.
وقال أشهب في كتاب محمد: يجوز ويكون 4 إقالة 5.
يريد: أنهما لواتهما أنهما 6 عَمِلا على ذلك في حين عقد السلم الثاني، جاز، وكانت إقالة، فإذا سَلِمَا من التهمة جازت المقاصة؛ لأن الثاني قضاء عن الأول، والقضاء بخلاف البيع.
ويلزم ابن القاسم أن يجيزه على ما تقدم له إذا وكله على أن يشتري لنفسه، فإذا اختلف رأس المال لم يجز، فإن كان الثاني أكثر دخله سلف بزيادة، وإن كان أقل، كانت إقالة على أقل من رأس المال، فإن خفي ذلك لهما، وكان باطنهما على الصحة أنهما يسلمان، جازت المقاصة؛ لأنه قضاء.
وكذلك إذا كان لرجل قِبَلَ رجل طعام فأحاله المطلوب على من له عليه
طعام من سلم، فمنعه ابن القاسم 1؛ لأن الحوالة عنده بيع، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وأجازه أشهب إذا تساوت رؤوس الأموال قال: ويكون تولية 2.
يريد: أنهما يَسلَمَانِ من التهمة؛ لأنهما لو شاءا جعلاها تولية، وإلا فهما مُقران أنهما لم يقصدا إلا الحوالة والقضاء، ولو كان ذلك فاسدًا لم يجز أن يطرح ما اعترفا به على أنفسهما من الفساد ليصح غيره.
فإن اختلف رأس المال، وكان أحدهما أكثر -الأول أو الآخر- لم تجز الحوالة على قولهيما.
وإن كان أحدهما من سلم والآخر من قرض جازت المقاصة عند ابن القاسم إذا حلَّا 3.
وأجازه أشهب إذا حلَّ أحدهما 4.
وذكر ابن حبيب عنه أنه قال: يجوز إذا حل السلم 5. وقال ابن حبيب: تجوز وإن لم يحلا 6.
وهو أبين؛ لأن الذمم تبرأ من الآن.
وأما الحوالة فتجوز إذا حل المحال به، حل المحال عليه (1) أم لا، وإذا صحت الحوالة عاد الجواب في بيعه في ذمة المحال عليه قبل قبضه على ما تقدم، فإن كانت الحوالة ببيع على قرض أو بقرض على بيع لم يجز على قوله في المدونة (2)، ويجوز على قوله في كتاب ابن حبيب إذا كانت الحوالة بقرض على بيع (3).
فصل [في الرجل يكون له طعام من سلم على أخر فيأمره ببيعه وإحضار الثمن]
ومن كان له على رجل طعام من سلم فقال له: بعه وجئني بالثمن، لم يجز عند مالك وابن القاسم 4، وسواء أتاه بمثل رأس المال أو أقل أو أكثر، فإن أتاه بأكثر اتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك في أصل السلم، وهي بيعة أجل، فيكون سلفًا بزيادة، وإن أتاه بمثل رأس المال دخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الإقالة على التأخير في معنى أقل.
وكذلك إن أقاله على أقل من رأس المال فهو فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه.
وفرق ابن القاسم، فمنع أن يكون المسلم إليه وكيلًا على البيع وإن أتى برأس المال؛ لأنه يتهم على الإقالة المستأخرة، وأجاز أن يكون الذي له السلم123
وكيلًا على الشراء بمثل رأس المال؛ لأنه يقبض ذلك بالحضرة، فلو أراد الإقالة لصحت بالحضرة، وإذا سقطت التهمة بقي وكيلًا على 1 حسب ما اعترف 2 به، إلا أن يقول: بقي لك الفضل بعد الشراء، فتدخله 3 التهمة على بيع الطعام قبل قبضه، أو يقول: بقي عليك فأتم، فتدخل التهمة في أصل العقد في السلم بزيادة.
ويجوز على قول 4 أشهب أن يوكل المسلم إليه إذا أتى بمثل رأس المال فأقل، قياسًا على قوله إذا وكل الطالب على الشراء بأقل من رأس المال، وإنما منع عنده إذا أتاه بأكثر من رأس المال؛ لأنه يعد تهمة 5 في أصل العقد، وهي بيعة أجل.
وإذا لم تكن زيادة، سَلِمَ العقدُ، وكانت التهمة بعد ذلك فيما يفعلانه بالحضرة على النقد إلى يومين أو ثلاثة، وهي كبيعة النقد، لا يتهم فيها إلا أهل العينة.
وقد أجاز أشهب لمن عليه دين أن يعمل به قراضًا، وأجاز لصاحب المال أن يأخذ الربح 6.
فصل [في بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من غير معاوضة]
يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من 1 غير معاوضة، كالقرض، والهبة، والصدقة، والميراث، إذا لم يكن الميراث في ذمته عن معاوضة، والغصب والتعدي، فمن أقرض رجلًا طعامًا، جاز للمقرض أن يبيعه قبل أن يقبضه، ويجوز للمقرض إذا قبضه منه أن يبيعه قبل أن يقبضه 2 من المقرض ومن غيره، ويجوز لمن له 3 سلم أن يقرضه قبل أن يقبضه، ولا يجوز للمقرض أن يبيعه قبل قبضه؛ لأنه على حكم السلم ما دام في الذمة، ولا يصح القرض إلا بعد قبضه.
ولو فلس المسلم إليه أو مات أو غاب، لم يلزم المقرض إليه 4 شيء، فإن قبضه وصار إليه، جاز للمقرض أن يبيعه منه ومن غيره قبل أن يقبضه؛ لأن كيل البيع قد تقدم، ولا يدخل في الحديث "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" 5؛ لأن هذا قد قبضه، وما وقع في الكتاب فحماية أن يكون باعه منه قبل قبضه من المسلم إليه وأظهر أنه إنما أقرضه 6، وأجاز في كتاب محمد إذا