التبصرة للخميصفحات 4773-4813

كتاب الشركة

صفحات 4773-4813

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا

كتاب الشركة باب جواز الشركة ومن تجوز مشاركته 1 بالدنانير والدراهم (2) الأصل في الشركة قول الله -عز وجل- في ولي اليتيم: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: 3].
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "هي اليتيمة تشاركه في ماله".
الحديث 2. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة في كل ما لم يقسم".
أخرجه 3 البخاري ومسلم 4. وقال -عليه السلام-: "من أعتق شركًا له في عبد...". الحديث 5.6

###: (باب: جواز الشركة ومن تجوز مشاركته بالدنانير والدراهم)

ساقط من (ت).

قال مالك في كتاب ابن حبيب: لا ينبغي للحافظ لدينه أن يشارك إلا أهل الدين والأمانة والتوقي للخيانة، والربا والتخليط في التجارة، ولا يشارك يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مسلمًا فاجرًا، إلا أن يكون هو الذي يلي البيع والشراء والمال، ولا يلي الآخر فيه إلا البسط والعمل (1).

فصل [في أنواع الشركة]

الشركة ثلاثة: شركة أموال، وأبدان، وعلى الذمم.
وشركة الأموال 2 ثلاثة أصناف: العين، والطعام، والعروض وما أشبهها.
فأما الشركة بالعين: الدنانير والدراهم، فتجوز بخمسة شروط 3: أن تكون العين المشترك فيها في الصفة 4 سواء، والعمل والربح والخسارة على قدر أموالهما 5، والمال بينهما على الأمانة.
واختلف هل مِنْ شرطها أن يخلطا المالين؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة وإن لم يخلطا واشتريا قبل الخلط.
وقال غيره: لا يجوز إلا أن يخلطا المالين حتى يصيرا شيئًا واحدًا لا يتميز، ورأى أن ذلك مبايعة نصف دينار أحدهما بنصف دينار الآخر، فغاية المناجزة الخلط 6. والقول الأول أحسن،1

والمعلوم أنه ليس القصد المبايعة فيها، وإنما القصد المبايعة بها والتجر فيها.
وإن اختلفت السكة والقيمة لم يجز أن يشتركا على قدر قيمتها؛ لأن ذلك ربا، ولا على المساواة بالفضل على العفو 1 إذا كان ذلك كثيرًا؛ لأن ذلك زيادة في الشركة من أحدهما.
فأجاز ابن القاسم ذلك إذا كان يسيرًا 2. والقياس ألا يجوز؛ لأن ذلك الترك لمكان الشركة 3 فأشبه من بادل دنانير بمثلها على أن يبيعه الآخر السلعة.
وقال محمد: إن أخرج أحدهما عشرة 4 دنانير قائمة والآخر ناقصة 5 حبتين 6 واشتركا على ترك الفضل لم يجز.
يريد: لأن الترك لمكان الشركة، ولم يفعله الآخر معروفًا منه لصاحبه، ولولا مقارنة الشركة 7 لكان جائزًا؛ لأن نصف كل عشرة على ملك صاحبها، وإنما 8 صارت المبادلة في خمسة 9 قائمة بخمسة ناقصة، وذلك جائز إذا كان الفضل من أحد الجنسين 10. وقد أجاز ابن القاسم الشركة إذا أخرج أحدهما مائة هاشمية، والآخر

مائة دمشقية إذا كان الفضل يسيرًا (1). والقياس أيضًا ألا يجوز؛ لأن الترك لموضع الشركة كما قالوا في الإقالة والشركة في الجملة (2) أنها جائزة على وجه المعروف.
ولو قال: لا أقيلك إلا أن تقيلني، أو لا أشركك إلا أن تشركني، لم يجز؛ لأنهما خرجا بذلك عن وجه المعروف (3)، إلا أن يكونا عقدا الشركة على سكة واحدة ووزن واحد (4)، ثم أحضر أحدهما ماله وفيه فضل في الجودة أو الوزن، أو كان بينهما قبل ذلك من (5) المكارمة ما يفعل له ذلك من غير شركة فيجوز.

فصل [في شركة النقد]

كان أخرج أحدهما مائة مسكوكة والآخر مائة تبرًا وتساوى الذهبان، نظرت إلى فضل السكة، فإن كان كثيرًا لم تجز الشركة، وإن كان يسيرًا جازت إذا ألغيا ذلك الفضل على قول ابن القاسم 6، ولم تجز الشركة 7 على القيمة، وإن اعتدلا في القيمة فكانت جودة التبر مكافئة للسكة جرت على قولين؛12345

بمنزلة ما لو أخرج أحدهما دنانير (1) والآخر دراهم؛ لأنها حينئذ مبايعة (2) فيجوز إذا قبض هذا دنانير صاحبه والآخر تبر صاحبه.

فصل [في اختلاف المالين في القدر]

وإن اختلف المالان في القدر، فأخرج أحدهما مائتي دينار والآخر مائة على أن العمل 3 والربح والخسارة أثلاثًا، جاز ذلك، وإن شرطا العمل نصفين والربح والخسارة أثلاثًا 4، لم يجز، ورجع صاحب المائة على صاحبه بإجارة عمله في خمسين، وكان الربح والخسارة بينهما أثلاثًا، وإن اشترطا العمل والربح بينهما نصفين، كانت المسألة على ثلاثة أوجه كلها فاسدة، فإن كان العمل بينهما نصفين والربح بينهما نصفين 5 والخسارة أثلاثًا أو الربح 6، لتكون الخمسون عند صاحب المائة على وجه الهبة، أو على وجه السلف 7، فإن كان له ربحها وخسارتها على صاحبها، كان ربحها لربها قولًا واحدً؛ لأنه عمل فيها على أنها باقية على ملك صاحبها لما كانت خسارتها ومصيبتها منه 8، وإن جعل خسارتها12

من 1 الآخر لتكون سلفًا أو هبة لا يرجع بها بعد اليوم، كان فيها قولان: أحدهما: أن يكون ضمانها من المتسلف والموهوب وربحها له.
والثاني: أن مصيبتها من صاحبها وربحها له؛ لأن الآخر لم يمكّن منها تمكينًا صحيحًا لما كان الشرط أن يتجر بها في جملة المال، ولا يبني بها؛ لأن التحجير يمنع انتقال ضمانها، وعلى هذا يخرج قول مالك في "المدونة" لأنه قال: إنما 2 أسلفه الخمسين على إن أعانه 3 بالعمل، فأراه مفسوخًا 4 ولا ضمان عليه، وضمانها من صاحبها وربحها له ووضيعتها عليه 5. يريد: وإن قصد أن تكون سلفًا فلا تكون كذلك؛ لأن مضمون سلفه 6 أن يتجر بها في المال؛ لأن يد صاحب المائتين مطلقة في جميع المال تتصرف فيه بالبيع والشراء.
ثم يختلف في رجوع العامل بإجارة المثل في الخمسين الزائدة، فقال في المدونة 7: يرجع فيها بإجارة المثل فيها 8 وإن كان في المال وضيعة 9.

وقال في (1) "مختصر ما ليس في المختصر": لا أجرة له (2). وهو أحسن.
ولا أرى له أجرة في الخسارة، وله إن كان ربح الأقل من إجارة المثل، أن ربحه عليها (3)؛ لأن صاحب المال لم (4) يستأجره عليها، وإنما جعله أن يعمل فيها لنفسه، فإذا لم يكن فيها فضل لم يكن على صاحبها عنها (5) أجرة.
وقد قال ابن حبيب في القراض الفاسد: إذا كان حكمه أن يرد إلى الإجارة، أن الإجارة معلقة بالربح، فإن لم يربح لم يكن له شيء (6). وإذا لم يستحق الأجرة (7) من الذمة في القراض (8) مع كونه أجيرًا على العمل فيها (9) كان ذلك أبين فيما لم يكن منه (10) استئجار ألا شيء عليه (11).

فصل [فيما إذا كان جميع العمل على صاحب المائة]

وإن كان جميع العمل على صاحب المائة على أن الربح والخسارة نصفان، كان الجواب على ما تقدم.
ويختلف في ضمانه خمسين، فمن ضمنه جعل له1234567891011

ربحها، ومن لم يضمِّنه جعل ربحها لربها، ويرجع العامل بإجارة المثل في مائة وخمسين؛ لأنه عملها لربها.
ويختلف في الإجارة عن خمسين.
وإن شرطا أن الربح نصفين والخسارة أثلاثًا جاز ذلك، وكانت المائتان 1 قراضًا على الربع 2، ولم يضره شرط خلط المالين على أحد قولي مالك، ولم يتكلم مالك على هذا الوجه وإنما جاوب 3 إذا شرطا 4 الربح والخسارة نصفين، وهذا لم يجرها مجرى القراض.
ولو علم من صاحب المائتين أنه قصد المعروف والمكارمة في سلفه 5 الخمسين لصداقة بينهما ومؤاخاة، كان السلف صحيحًا مضمونًا، والهبة ماضية متنقلة الملك عن معطيها 6، ويكون المال بينهما نصفين ربحه وخسارته، وهو قول مالك في "كتاب محمد" 7. وعلى هذا يجري الجواب إذا أخرج أحدهما مائتين ولم يخرج الآخر شيئًا على أن تكون مائة منها سلفًا أو هبة، فإن كان لصداقة بينهما أو مؤاخاة وما يرى أنه كان يفعل ذلك لو لم يشاركه، جاز، وإلا لم يجز.
ثم يختلف هل يضمن ذلك السلف أو الهبة، أو لا يضمن لأجل التحجير؟ ويسقط الضمان عنه على

أحد القولين وإن انفرد بالعمل.

فصل [في مشاركة من له مائتان من له مائة]

وقال مالك في رجل أخرج مائتي دينار شارك بها رجلًا له مائة، وكان صاحب المائتين (1) ضم غلامين يعملان معه (2) فدخل عليهما نقصان: إن النقص على قدر المالين ولا تكون للشريك في ذلك أجرة (3). قال: لأنهم اعتدلوا في الأبدان وقد أقام صاحب المائتين رجلين مقامه (4)، قال: وقد قال قبل (5) ذلك: له أجرة مثله (6). والأول أحسن إذا كان الغلامان يحسنان التجارة، وإن كانا يخدمان، كان للعامل إجارة مثله (7) في المائتين، وعليه إجارة الغلامين فيما ينوبه من خدمتهما.

فصل [فيما إذا لم يخلط الشريكان المالين]

قد تقدم القول: إنهما متى خلطا المالين 8 صحت الشركة، وهما إذا لم يخلطا1234567

على ثلاثة أوجه: فإما أن يجمعا المالين في موضع ثم يشتريان بهما 1، أو يشتريان قبل الجمع وكل واحد ممكّن من الاشتراء بمال صاحبه، أو يشترطا ألا يجمعا وأن يكون الشراء بهما 2 على الانفراد، فالشركة في القسمين الأولين إذا اشتريا بعد الجمع وقل [الخلط أو قبل الجمع، جائزة، وكل شيء اشتري بمال أحدهما شركة بينهما.
قال مالك: إذا اشترى أحدهما بماله جارية قبل الجمع فهلكت، مصيبتها منهما 3؛ لأن هذا فعل ما أمره به صاحبه.
وقال فيما ضاع قبل الشراء وقبل الجمع: مصيبته من صاحبه دون شريكه 4. ومحمل ذلك على أنه بقي فيها وجه من التوفية: وزن أو انتقاد 5، ولو كانا قد وفّيا ووزنت وقلبت وبقيت عند صاحبها على وجه الشركة وضاعت 6، لكانت مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة، ولو كان ذلك لكانت مصيبة الجارية التي اشتريت بمال أحدهما قبل الجمع من صاحبها دون شريكه.
وذهب سحنون إلى أن الشركة لا تنعقد إلا بخلط المالين 7، وحمل أمرهما فيما أخرجا من الدنانير على المبايعة، وأن كل واحد منهما باع نصف ملكه بنصف ملك صاحبه، وأنها مصارفة، فإذا خلطا كان ذلك قبضًا و 8 فوتًا،

وقياد قوله: إذا قبض كل واحد منهما جميع 1 دنانير صاحبه، كان قبضًا ومناجزة وإن لم يخلطا؛ لأن المقبوض 2 نصفه صرف ونصفه وديعة.
ولو صرف رجل من رجل خمسين دينارًا ودفع إليه مائة؛ ليكون له نصفها، ونصفها وديعة لجاز ذلك.
ولو قبض أحد الشريكين دنانير صاحبه ولم يقبض الآخر شيئًا، لم تصح الشركة على أصله.
وقول مالك في هذا أحسن، وإنما القصد في الدنانير التجر بها ليس المبايعة الآن بعضها ببعض.
وقد تكلم مالك على هلاك الجارية أنها من جميعهما 3، ولو لم تهلك وكان فيها فضل، كان الربح بينهما إذا أخرج الآخر مثل دنانير صاحبه، وإن عجز عن الخلف لم يكن له من ربحها شيء؛ لأنه يقول: لم أرض أن يكون لك في مالي ربح إلا أن يكون لي في مالك ربح.
وهذا الجواب على أصل مالك وابن القاسم في المال الغائب: أن الربح بينهما على ما لكل واحد منهما من المال.
وعلى قول محمد 4 يكون الربح بينهما نصفين في هذا 5. وإن اشترطا 6 أن يشتري كل واحد بماله بانفراده من غير خلط، كانت الشركة فاسدة، وما اشتراه أحدهما فله ربحه وعليه وضعيته، وإن جالت أيديهما في المال واشترى كل واحد منهما بمال الآخر، كان فيها قولان: هل

تكون شركة، أو لمن اشترى بماله دون صاحبه؟

فصل [في الشركة بمالين حاضر وغائب]

اختلف في الشركة بمالين، حاضر وغائب، فأجازه مالك وابن القاسم، ومنعه سحنون 1، ومر في ذلك على أصله أنها مبايعة.
والأول أحسن، ولو كانت مبايعة لم يجز أن يخرج أحدهما مائة دينار وألف درهم والآخر مثلها 2، ولا أن يخرجا في شركة الحرث الزريعة جميعًا وأحدهما العمل والآخر الأداة والبقر؛ لأنه لا خلاف في منع مكيلة من الطعام بمثلها، ومع أحدهما عمل بقر والآخر عمل يد 3. وقال مالك: إذا أخرج أحدهما ألفًا وخمسمائة، والآخر خمسمائة وله ألف غائبة 4، فخرج بالمالين واشتريا 5 بالألفين وباعا وربحا، أن الربح بينهما أرباعًا 6. وقال محمد: إن كان كَذَبَهُ وخَدعه 7، اقتسما الربح أرباعًا، وإن كان أمره

على الصحة، كان بينهما نصفين 1. وأرى أن يسأل العامل عن الوجه الذي اشترى عليه، فإن قال: ليكون بيننا أرباعًا على قدر أموالنا، قبل قوله وكان له ربع الربح قولًا واحدًا.
وإن هلك المال قبل وصوله أو خسر فيه بعد بيعه، لم يضمن العامل بالمال 2 للمقيم شيئًا.
وإن قال: اشتريت ليكون بيننا نصفين حسب ما اشتركنا عليه، قُبِل قوله.
فإن هلك قبل بلوغه أو خسر، ضمن للمقيم خمسمائة إن هلك المال وما ينوبها من الخسارة إن خسرا، وإن ربحا كان الربح أرباعًا.
والحكم في الخسارة والربح مختلف، فإن خسر قال المقيم: أنا أمضي ذلك المشتري حسب ما ألزمت نفسك واشتريت عليه 3. وإن ربح قال: لم أرض أن يكون لك في مالي نصيب إلا أن يكون لي في مالك مثله.
وإلى هذا ذهب غير ابن القاسم في "المدونة": إذا اشترى أحدهما بماله جارية، فكان فيها ربح وهلك مال الآخر.
[قال: لأن 4 صاحب الجارية يقول: لم أرض أن يكون له معي نصيب إلا أن يكون لي معه نصيب] 5. وهذا إذا أقر العامل أنه تَجر ليكون ضامنًا للخمسمائة، وإن كان ضامنًا 6 لتكون الخسارة على قدر المالين أرباعًا، كان الربح كذلك.

فتكلم ابن القاسم على هلاك الجارية، وجاوب غيره على ربحها، إلا أن يرضى الآخر أن يأتي بألف أخرى مكان التي هلكت فيشتريان بها، فيكون ربح الجارية بينهما، أو يرضى 1 الآخر أن يخلف ألفًا 2 ويرجع وحده فيشتري بها، وهو 3 استحسان؛ لأن من حجة الأول أن يقول: عليَّ مضرة في انتظار سفرك ورجوعك، إلا أن يكون الذي بينهما قريبًا.
ومحمل جواب محمد في كون الربح بينهما نصفين، على أن الآخر يخلف مكان 4 التي عدمت.
واختلف بعد القول أن الربح أرباع في الأجرة، فقال ابن القاسم: لا شيء للذي سافر من الإجارة وهو متطوع.
وقال سحنون: له أجرته.
وهو أحسن، والقول قوله أنه لم يعمل على وجه التطوع ويكون له الأقل من إجارة مثله أو الربح.
وفي قول مالك: "الربح بينهما أرباع"، دليل على أنه يرى أن عدم الألف لا يمنع الغائب من التمادي في الاشتراء بالمالين، ولو كان عنده أن للمقيم منعه 5 لموضع قلة مال الآخر، لقال: الربح بينهما نصفان، ويكون له جميع الربح إذا اشترى به لنفسه؛ لأنه إذا كان الحكم عند عدم الألف أن يوقف مال المقيم ولا يتجر فيه له فتعدى وتجر، كان له جميع الربح.
وهذا هو الحكم في كل ما 6 حكمه لا يحرك لتجارة.

فصل [في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم]

اختلف عن مالك في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه في "المدونة" 1 وأجازه في "كتاب محمد" 2. يريد: إذا تناجزا بالحضرة وأخذ مخرج الدنانير الدراهم وأخذ الآخر الدنانير؛ لأن هذه مصارفة وليس بمنزلتهما إذا أخرجا صنفًا واحدًا، وإنما منع ذلك في القول الأول؛ لأن لكل واحد منهما بعد تسليمه أن يشتري بما سلمه ويتصرف فيه وإن كان عند الآخر، وذلك وصم في المناجزة.
فإن اشترى على هذا القول بالمالين تجارة صفقة واحدة، كان ذلك المشترَى بينهما على قدر ما أخرجاه يوم الشراء، ليس يوم المفاضلة.
فإن أخرج أحدهما ألف درهم والآخر مائة دينار 3 والصرف وقت الشراء 4 عشرون درهمًا بدينار، كان المشتري بينهما أثلاثًا، وسواء تغير 5 الصرف بعد ذلك أم لا؛ فإنهما يقتسمان ما يكون في أيديهما من ربح أو خسارة أثلاثًا.
وإن اشتريا 6 بكل مال على حدة، ثم اختلط عليهما ولم يعلما ما اشتري بكل مال، كان ذلك المشتري بينهما على قدر الصرف يوم اشتريا كالأول، فإن

علم ما اشتري بكل مال، لم تكن 1 بينهما شركة وكان لكل واحد ما اشترى بماله، له ربحه وعليه خسارته.
ومحمل قول ابن القاسم في المدونة على أنهما 2 اشتريا 3 بالمالين 4 جملة أو اختلط عليهما 5. وقد كان بعض أهل العلم يحمل قوله: "إذا كان قائمًا بعينه" 6، أن ذلك ليس له 7 وإن عرف ما اشتري بكل مال 8. وهذا غير صحيح، ولو كان ذلك لوجب أن يكون المشتري بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما اشترى نصف 9 ملك صاحبه من دنانير أو دراهم، وأن يكون اشتراؤه به فوتًا كالبيع الفاسد يفوت ويكون قد انشغلت 10 ذمة كل واحد منهما بنصف ما أخرجه الآخر.

وقول ابن القاسم: إن هذا يأخذ بقدر مائته وهذا بقدر ألفه، ثم الربح بينهما 1 على ذلك 2 - دليل على أنه رأى أن مال كل واحد على ملكه لم تعمر ذمة الآخر منه بشيء، ولا مطالبة لأحدهما على الآخر.
وأيضًا فلو كان عنده أن التمكين في هذه الشركة 3 يصح، لأجازها إذا تقابضا.
ومحمل قوله: يعطى هذا بقدر دنانيره والآخر بقدر دراهمه 4، أن ذلك إذا لم يتغيّر الصرف برخص ولا بغلاء، ولو تغيّر لاقتسما أثلاثًا حسب ما كان وقت الشراء؛ لأن التجارة والسلع التي اشتريا كانت بينهما كذلك، فلو غلت الدراهم حتى صارت الألف تعدل المائة، لم يكن الثمن الذي يبيعاها 5 به أنصافًا؛ لأن السلع كانت أثلاثًا، ولو فعل ذلك لكان صاحب الدراهم قد أخذ بعض مال صاحبه.

باب في الشركة على الذمم

1 الشركة على الذمم جائزة في الشيء المعين: عبد، أو دار، أو ثوب.
ولا تجوز في غير معين، وسواء عينا الصنف الذي اشتركا فيه، أو لم يعيناه وأجملوا ذلك في جميع الممتلكات.
قال مالك: يكره ذلك؛ لأن هذا يقول: تحمَّل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمَّل عنك بنصف ما اشتريت 2. يقول: لأن الحمالة تتضمن سلف الحميل عند عدم المتحمل عنه أو غيبته.
والسلف الجائز ما أريد به المعروف من المتسلف.
فإذا تحمَّل هذا بشرط أن يتحمَّل الآخر، خرجت عن المعروف وصارت مُعاوضة وغَررًا.
وهذا الوجه الذي منع به يدخل في الشريكين في الشيء المعين، وإنما أمضاه في المعين لما مضى عليه العمل، ومنعه فيما لم يرد به عمل مما كان الأصل عنده المنع.
فإن اشتركا على الذمم 3 واشتريا سلعًا صفقة واحدة، كان شركة بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه.
واختلف إذا اشترى كل واحد منهما منفردًا عن صاحبه، فقال ابن القاسم: ذلك شركة بينهما؛ لأنه اشتراه بأمر 4 صاحبه.
وقال سحنون: لكل واحد منهما ما اشتراه.
والأول أحسن؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه على شراء نصف ما اشتراه بجعل فاسد، وهي الحمالة والوكالة بجعل فاسد لا

توجب أن يكون المشترى للوكيل من غير خلاف، ولا يعارض هذا بالشركة الفاسدة في العروض 1؛ لأن لكل واحد منهما ما يبيع به عرضه لا يشركه الآخر فيه؛ لأن هذه سلع بيعت بيعًا فاسدًا ولم يمكَّن المشتري منها فكانت أثمانها لأربابها، ففارق الشركة على الذمم، ويكون للبائع منهما أن يبيع كل واحد منهما بنصف الثمن إذا 2 كانا حاضرين موسرين.
فإن افتقر أحدهما أو غاب، كان الجواب في مطالبة الحاضر عن 3 الغائب، والموسر عن الفقير على ثلاثة أقسام: فقسم يكون له ذلك، وقسم يختلف فيه هل ذلك له أم لا؟ وقسم يكون له أن يأخذ بذلك المتولي للشراء 4 إذا كان حاضرًا موسرًا، فإن غاب المتولي للشراء أو افتقر لم يأخذ الآخر إلا بنصف الثمن فقط، فإن كان البائع عالمًا بالشركة ولم يعلم بفساد ما عقداه، كان له أن يأخذ الموسر الحاضر بجميع الثمن، وإن لم يكن هو المتولي للشراء، وإن كان عالمًا بفسادها لم يكن له ذلك، فأخذ هذا بنصف الثمن ولم يطالبه بالحمالة عن الآخر، وإن لم يكن علم بالشركة وكان الحاضر 5 الموسر هو المتولي للشراء، كان للبائع أن يأخذه بجميع الثمن؛ لأنه دخل على أن 6 المبايعة منه ولم يدخل معه على أنه وكيل لغيره في النصف الآخر، وإن كان الحاضر 7 الموسر الذي لم

يتول الشراء أخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك؛ لأن البائع لمّا لم (1) يعلم بالشركة لم يدخل على حمالة هذا فكان له أن يأخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك (2) لأنه ملك نصف سلعته.

فصل [فيمن شارك رجلًا على أن يعمل والحاصل بينهما]

وقال ابن القاسم في العتبية: فيمن شارك رجلًا وقال: أتقبل عليك المتاع وتعمل أنت فما رزق الله بيننا نصفين، لم يجز ذلك 3. قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن تقبل وعمل الآخر، كان ما تقبل به للعامل ولصاحب الحانوت إجارة المثل فيما كان يتولى من العقد مع الناس وإجارة حانوته، وسواء علم من تقبل منه أن العمل على 4 هذا العامل بعينه، أو دخل على أن العمل مضمون؛ لأن المعاقدة كانت بين صاحب الحانوت وبين العامل على أن منافعه المبيعة ومنافعه كسلعة 5 عنده بيعت، والثمن 6 لمن بيعت منافعه.
قال ابن القاسم: وإن اشترك رجلان فقال أحدهما: أنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علينا 7 ففعلا، كان الربح بينهما على قدر ما تعاملا.
قال، ولو قال: أنا آخذ لك متاعًا تبيعه ولك نصف ما ربحت، لم يصلح والربح لمن أجلسه12

وللآخر إجارة مثله 1. يريد: فيما تولى من البيع 2. وفرق بين السؤالين؛ لأنه قال في الأول: الضمان علينا، وذلك يقتضي أن الشراء 3 على ذمتهما.
وقال في الثاني: لك نصف ما ربحت، ولم يجعل عليه من الخسارة شيئًا، وذلك يقتضي كون المشتري على ذمة المشتري وحده.

باب في شركة الأبدان كالصناع، والأطباء، والمعلمين، والحمالين، واللذين يحشان أو يحتطبان أو يصيدان

1 الشركة بالأبدان: إذا كانا صاحبي صنعة 2، تجوز 3 بخمسة شروط، وهي 4: أن تكون الصناعة واحدة، ويكونان في السرعة والإبطاء، والجودة والدناءة واحدًا أو متقاربًا 5، ويعملان في موضع واحد، وتكون الأداة والآلة التي يعملان بها بينهما.
وهذه جملة متفق 6 عليها، فإن انخرم شرط 7 من ذلك فسدت تارة، وتارة تصح على اختلاف فيها.
وإن اختلفت الصناعة فكان أحدهما صواغًا أو خياطًا، والآخر طرازًا أو حائكًا، لم تجز الشركة؛ لأنه لا تصح منهما معاونة 8.

والتقدير عند مالك أن كل واحد باع نصف كسبه بنصف كسب صاحبه 1. وكذلك إذا كانت الصنعة واحدة وكانا يعملان في موضعن مفترقين ولم يتعاونا، وإن اختلطا كان بيع منافع بمنافع وذلك جائز، وإن كان جنسًا واحدًا وكان أحدهما أسرع بالأمر البّين، جازت الشركة على قدر أعمالهما ولم تجز على المساواة.
وإن تباينت صناعتهما بالجودة والدناءة وكان أكثر ما يصنعانه ويستعملان فيه الأدنى، جازت الشركة؛ لأن الأعلى يعمله الأدنى، ولا حكم للقليل.
وإن كان أكثر ما يدخل إليهما ما يعمله الأعلى أو كان كل واحد منهما كثيرًا، لم تجز الشركة للغرر 2 والتفاضل؛ لأن أحدهما يصنع دون الآخر.
واختلف إذا كانت الصنعة 3 جنسًا واحدًا، وكانا يعملان منفردين كل واحد في موضع على حدة، فمنعه في "المدونة" 4 وأجازه في "العتبية" 5. وقد اختلف في هذا الأصل فيمن استأجر أجيرًا على أن يأتيه 6 بالغلة فأجيز ومنع 7، فعلى القول بإجازته تجوز الشركة إذا كانا يعملان في موضعين

والصناعة متفقة أو مختلفة؛ لأن كل واحد منهما باع نصف منافعه على أن يبيعها لمشتريها منه، ولا فرق بيئ أن يستأجره على أن يجيئه بالغلة بدراهم أو بنصف منافعه، فإن قدره منافع بمنافع جاز الجميع في الشريكن، وفي الإجارة على أن يأتيه بالغلة وإن قدَّره كسبًا بكسب (1)، لم يجز الجميع.

فصل [في اشتراك حائكين بأموالهما على أن يتولى أحدهما العمل والآخر الخدمة]

ولو 2 اشترك حائكان بأموالهما وكان 3 أحدهما يتولى العمل والآخر الخدمة والشراء والبيع، ولا يحسن النسج وكانت قيمة العمل والخدمة سواء، جازت الشركة.
وكذلك إذا لم يكن لهما رأس مال، وكانا يتقبلان العمل ليعمل أحدهما ويخدم الآخر ويتولى ما سوى النسج وتساوت القيمة، جاز ذلك، وهما بخلاف المختلفي الصنعة؛ لأن المختلفي الصنعة يصح أن يعمل أحدهما ولا يدخل على الآخر عمل.
والشركة على الخياطة على ما وصفنا جائزة؛ لأنه إن دخل عَمَلٌ عملا جميعًا وإلا يعطلا جميعًا فلم يكن في ذلك غرر 4، وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يتكلف الغوص عليه 5 والآخر يقذف 6 أو1

يمسك عليه، فإذا كانت الإجارة سواء؛ جازت الشركة على التساوي فيما يخرج من اللؤلؤ، وإن كانت أجرة من يخرجه أكثر، لم يجز إلا على (1) قدر أجرة كل واحد من الآخر (2).

فصل [فيما إذا كان الشريكان صباغين]

وإن كانا صباغين وكان رأس المال فيما يصبغان به من عُصفر 3 أو نيل 4، والعمل على جزء واحد نصفين أو ثلث أو ثلثين، جاز، وإن خالفا 5 الأجزاء وجعلا 6 العمل نصفين وما يصبغان 7 به ثلثا 8 وثلثين، كان نصف ما أصابا لصاحب الثلثين وثلثه لصاحب الثلث، ويبقى سدس لواحد فيه رأس المال وللآخر العمل، وفضل ما أصابا فيه على قدر ما لهما فيه من رأس المال 9 وعمل؛ لأن ذلك الجزء الفاضل هبة أو سلف بشرط 10 الشركة.12

ومذهب مالك وابن القاسم أن الواهب والمسلف لم يمكن من ذلك لما كان (1) يشترط أن يعمله الآخر معه، وإذا لم يكن فيه (2) تمكين كانت مصيبته من صاحبه وكان ما بيع به (3) له ويشارك الآخر بقدر عمله فيه.
وقد قيل: إن ذلك قبض فيكون ما أصابا (4) بينهما بالسواء، ويرجع صاحب الكثير على صاحبه بمثل ما أسلفه أو وهبه، ولو كان ذلك الزائد ليس على وجه (5) الهبة (6) ولا السلف، وإنما وهبه الربح خاصة، فقال: إن خسرنا اقتسمنا رأس المال أثلاثًا، وإن ربحنا كان الربح بيننا نصفين، لكانت هبة الربح للواهب خاصة؛ لأن مصيبة ذلك الزائد من صاحبه قولًا واحدًا؛ لأن العامل عمل فيه على ملك صاحب الأكثر وللآخر الربح وهي هبة فاسدة ومردودة إلى الواهب، وبعض (7) ما بيع به (8) ذلك الزائد على قدره من قدر (9) العمل.

فصل [في الأداة التي يستعملها الشريكان]

لا تخلو الأداة التي يستعملانها من ثلاثة أوجه: إما أن تكون شركة بينهما، أو ملكًا لأحدهما وتطوع باستعمالها على صاحبه، أو بإجارة.123456789

فإن كانا شريكين فيها على قدر أعمالهما، كانت الشركة جائزة.
وكذلك إن كانت لأحدهما (1) إذا كان الفضل فيها يسيرًا.
وإن كانت لأحدهما وتطوع بعملها من غير إجارة ولم يكن لها قدر ولا بال؛ جاز ذلك.
وإن كان لها قدر، لم يجز.
وإن استأجره القدر الذي ينوبه من الشركة بإجارة مثلها، أو كان التغابن يسيرًا، كانت الشركة جائزة (2) على مذهب ابن القاسم (3)، وفاسدة على قول غيره، إلا أن تكون ملكًا لهما، وإن استأجراها جميعًا لتكون أجرتها (4) على قدر شركتهما، جاز، فإن كانت على غير ذلك، لم تجز (5).

فصل [في الشركة بالبيت والرحى والدابة]

وقال ابن القاسم في ثلاثة نفر اشتركوا في الطحين لأحدهم البيت، وللآخر الرحى، وللآخر الدابة، قال: يقتسمون ما أصابوا أثلاثًا؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم 6، فإن كانت أجرة البيت والرحى والدابة معتدلًا، لم يكن بينهما تراجع، وإن كان 7 مختلفًا، رجع من له الفضل على صاحبه.
قال: ولو لم يصيبوا شيئًا لترادّوا فضل الكراء 8.12345

وقال محمد: يقتسمون على 1 ما أصابوا على قدر كراء 2 ما لكل واحد منهم 3، فإن فضل بعد ذلك فضل 4 قسم على أجرة كل واحد منهم، فإن فضل بعد ذلك نظر إلى جملة ما اجتمع لكل واحد فيقسم الفضل على قدر ذلك.
قال: فإن لم يصيبوا إلا مثل ما يعلفون وينفقون رجع بعضهم على بعض ويخرجون ذلك من أموالهم.
وليس هذا بحسن.
وأرى أن يكون رأس الال الرحى والدابة؛ لأن الإجارة والثمن المأخوذ إنما هو عنهما وليس عن البيت ولا عن عمل اليد، وليس للشركاء في ذلك سوى رباط الدابة والمعونة اللطيفة، ومعلوم أن الأجرة للرحى والدابة والبيت بمنزلة الحانوت، ولا تراجع بينهم في عمل أيديهم لأنهم قد تساووا فيه.
قال ابن القاسم: وإن كان العامل صاحب الدابة وحده كان له ما أصاب وعليه إجارة البيت والرحى وإن لم يصب شيئًا.
قال: وهو بمنزلة من دفع دابته أو سفينته على أن له نصف ما يكسب عليها 5. وليس هذا بالبيّن، وأرى أن يكون ما أصاب مفضوضًا على قدر إجارة الرحى والدابة، فما ناب الرحى من العمل رجع عليه العامل فيه بإجارة المثل؛ لأن صاحب الرحى لم يبع من العامل منافعها؛ وإنما قال له: واجرها ولك بعض ما 6 تؤاجرها به، فإنما يؤاجرها على ملك صاحبها ثم يغرمان جميعًا إجارة البيت.

وكذلك إذا كان العامل صاحب الرحى، فعلى قول ابن القاسم يكون له ما أصاب وعليه إجارة المثل للآخرين.
والقياس أن يكون مفضوضًا حسب ما تقدم، إلا أن يكون الذي يطحن عليها طعام نفسه وليس يؤاجرها من الناس، فيكون بمنزلة من قال: لك نصف (1) ما تكسب عليها.
وكذلك الدابة, فإن قال: وأجرها، وكان يعقد منافعها من الناس، كانت الإجارة التي بيعت به (2) منافعها لصاحبها وللآخر إجارة المثل.
وإن قال: اعمل عليها، فكان يحمل (3) عليها تجارته أو ما يحتطبه أو الكلأ أو الماء، كان ما باع به تلك الأشياء للعامل وللآخر إجارة المثل (4). وكذلك الرحى والدابة إن دخل على أن يؤاجرها من الناس، كان ما أخذ عنهم لأصحابه وللعامل إجارة مثله، وإن دخل على أن يعمل فيها طعامه، كان ربح ماله له وعليه إجارة المثل.

فصل [في شركة الأطباء]

شركة الأطباء جائزة إذا كان طبهما 5 واحدًا، فإن اختلفا 6 فكان طبائعي وأعيني، أو طبائعي وجرائحي، أو أعيني وجرائحي، لم تجز الشركة ويصير كسبًا بكسب.
ولو كان أحدهما طبائعي أعيني والآخر أعيني خاصة، فاشتركا1234

فيما يدخل عليهما عن طب الأعين وما دخل عن النظر فيما ينفرد به الآخر عن صاحبه (1) خاصة، كانت الشركة جائزة.
وإن اشتركا على أن ما دخل عليهما من جميع ذلك شركة بينهما، لم يجز (2). وإن كان طبهما واحدًا، وشرطا الكسب على أجزاء مختلفة، لم يجز.
وكذلك ما يخرجان من رأس المال فيكون بينهما بالسواء.

فصل [في شركة المعلمين]

شركة المعلمين جائزة إذا كان تعليمهما صنفًا واحدًا: القرآن، أو الكتابة، أو النحو، أو اللغة، أو الحساب، فإن اختلفت فكان تعليم أحدهما القرآن والآخر النحو أو غير ذلك، لم يجز، وإن كانا يعلمان القرآن ويزيد أحدهما تعليم النحو أو الخط أو الحساب، فإن كان تعليم ذلك الزائد بالموضع تبعًا لا يزاد له في الأجرة شيء، أو كان الزائد بذلك يسيرًا؛ جازت الشركة، وإن كان شيء له قدر وبال، لم تجز الشركة إلا أن يكون لذلك قسط من الإجارة يختص به من يعلمه.

فصل [في الشركة في الحِمْل]

الشركة في الحمل على وجهين: بأبدانهما، أو على دوابهما، فإن كانت بأبدانهما، لم تجز إلا في شيء بعينه؛ لأن التعاون يحصل في مثل ذلك، ولا تجوز في12

غير معين للغرر، فقد يتيسر الحمل لأحدهما دون الآخر فيكون أخذ من لم يحمل من أكل المال بالباطل.
وهي على الدواب على أربعة أوجه: إما أن يكون ملكًا لهما من غير شركة، أو ملكًا وشركة، أو ملكًا لأحدهما واستأجر الآخر نصف منافعها ليعملا عليها أو يحملا، أو ملكًا لغيرهما واستأجراها، فإن كانت ملكًا لهما من غير شركة، لم يجز الاشتراك ليحمل عليها، كما لم يجز إذا كانت الشركة ليحملا على أنفسهما 1، لإمكان أن يتيسر الحمل لبعض الدواب، فكل واحد منهما يريد أن يحمل على دابة غيره لتكون دابته مستريحة 2 وهذا غرر.
وإن كانت الدواب شركة 3 بينهما، جاز ذلك، اتفق الحمل لأحدهما 4 أم لا؛ لأن صحبة 5 أحدهما للذي يحمل، وجلوس الآخر في حيز التبع.
قال ابن حبيب: لا بأس بذلك وإن افترقا في البلدان والمواضع 6. يريد: وإن قرب أحد الموضعين وبعد الآخر.
وإن كانت الدواب لأحدهما واستأجر الآخر نصفها ليحمل عليها بالإجارة 7؛ جاز؛ لأنه يجوز أن يستأجر دابة ليؤاجرها مع إمكان أن تتيسر إجارتها أو تتعذر ولا تفسد الإجارة لأجل ذلك 8.

فإن استأجراها جميعًا من أجنبي ليكونا شركاء في منافعها ويؤاجراها، جاز ذلك إذا عقدا الإجارة عقدًا واحدًا، وإن استأجر كل واحد دابة لنفسه، لم تجز الشركة, كما لم تجز إذا كانت الرقاب ملكًا من غير شركة إلا أن يجتمعا على حمل شيء بعينه.

فصل [في الشركة على الاصطياد]

الشركة على الاصطياد على خمسة أوجه، تجوز في وجهين: فإن كانت 1 البزاة والكلاب 2 شركة جاز، وإن افترقا في الاصطياد بذلك 3؛ لأن الذي يصاد به بمنزلة رأس المال وعمل الشريك تبع، فأشبه الاشتراك بالأموال، أنها تجوز وإن افترقا في البلدان.
وإن لم يكونا شركاء في البزاة والكلاب 4، جازت الشركة إذا كان الصيد بهما معًا، يتعاونان ولا يفترقان، فيكون مضمون الشركة عملًا بعمل 5. ولا يجوز إذا افترقا؛ لأنه يصير كسبًا بكسب.
وإن كان صيدهما بالنبل، لم يجز إلا أن يجتمعا ويرسلا سهميهما معًا.
وقال ابن القاسم في "العتبية": في النهر تكون فيه الحجارة تكون 6 فيه الحيتان، وقد أظله الطرفاء، ولها أصول تحت الماء فيضيق عن جر الشباك إن

اجتمعت وتنفر (1) الحيتان، فيقول صاحب شبكة منهم (2): دعوني فما أصبت كان بيني وبينكم، وربما انقطعت شبكته فيقولون هم (3): لا شركة بيننا.
قال: الشركة بينهم كما شرطوا، ولولا الشركة لأفسد بعضهم على بعض.
يريد: لأنهما لم يدخلا على ضمان الشبكة، ولو دخلا على ضمانها لجاز، وهو أبين، وهذا إذا كانا يطرحانها مرة واحدة، وأما إذا تكرر ذلك فأرى أن ينصب هذا مرة وهذا مرة وكل هذا للضرورة، فإن لم تكن ضرورة فأجَّر رجل شبكته أو قاربه على أن له جزءًا مما يصيد الآخر، لم يجز؛ لأنه لا يدري ما يصيد، فقد يقل أو يكثر.

فصل [في الاشتراك على الاحتطاب والحش]

الاشتراك على الاحتطاب والحش يجوز على مثل 4 ما تقدم، فإن اجتمعا في الاحتطاب والحش جاز وان افترقا في مواضع البيع 5، وسواء كان الحمل على أنفسهما أو على دوابهما، فإن افترقا في الأصل، لم تجز الشركة وإن اجتمعا في حمل ذلك أو بيعه؛ لأنه في الأول عمل بعمل 6 وفي الثاني كسب بكسب 7،123

إلا أن يكون الكسب والاحتطاب في موضع، ويشترط أحدهما على الآخر أنك تبيع في موضع كذا على بعد والآخر على قرب، فلا يجوز، فما وجدا كان ثمنه بينهما على السواء، ويرجع من أبعد في البيع على صاحبه بإجارة المثل فيما يفضله به.

باب في مرض أحد الشريكين أو غيبته

1 وإذا عقد الشريكان 2 الإجارة على عمل ثم مرض أحدهما أو مات أو غاب 3، كان على الآخر أن يوفي بجميع ذلك العمل 4، وسواء كانت الشركة على أن العمل مضمون في الذمة أو على أعيانهما؛ لأنهما 5 على ذلك يشتركان، وعليه يدخل الذي يستأجرهما أخهما ربما جالت أيدجهما في عمل الشيء الواحد، وربما انفرد بعمله أحدهما، وليس كذلك إذا لم يكونا شريكين، وكانت الإجارة على عمل رجل، لم يجز أن يضمن عنه ذلك الآخر أجرة ذلك العمل 6 إن مرض أو مات أو غاب.
ولو آجر رجلان أنفسهما في عمل شيء بعينه 7، أو كانت الإجارة في الذمة، لم يكن على أحدهما أن يوفي عن الآخر، وليس كالأول؛ لأن أولئك متفاوضان فلزم أحدهما ما لزم الآخر.
وإذا كانت الإجارة 8 في الصحة ثم حدث مرض خفيف أو طويل أو غاب أحدهما إلى وضع قريب أو بعيد، كان على الصحيح والحاضر 9 القيام بجميع العمل.

وكذلك إذا عقدا الإجارة على شيء في أول المرض ثم برئ عن قرب أو بعد أو في سفر أحدهما على 1 قرب من المكان، ثم رجع عن قرب أو بعد 2، فكل 3 ذلك سواء، فإن على الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل، هذا في حق الذي له 4 العمل، وكذلك في المسمى 5 الذي عقدا عليه، هو بينهما 6 نصفين في الوجهين جميعًا.
ويفترق الجواب في رجوع الذي عمل على صاحبه، فإن كان المرض الخفيف والسفر القريب لم يرجع؛ لأن العادة العفو عن مثل ذلك ولولا 7 العادة لرجع.
وإن طال المرض أو بعُد السفر رجع على صاحبه بإجارة المثل، ولو اشتركا على العفو عن مثل ذلك كانت الشركة فاسدة، ولو فسدت الشركة من غير هذا الوجه لكان التراجع بينهما في قريب ذلك وبعيده.
ولو عقد أحدهما إجارة بعد طول المرض أو بُعْد 8 السفر كان ذلك له وحده؛ لأن الشركة حينئذ قد انقطعت، وكذلك ضمان ما هلك إذا كان العقد عليه في موضع لم تنقطع الشركة كانت القيمة عليهما، وإذا كانت بعد أن انقطعت كانت عليه وحده.

باب في الشركة في الحرث

قال محمد بن المواز: إذا سلم المتزارعان 1 في قول مالك من أن تكون الأرض لواحد والبذر من عند الآخر، جازت الشركة إذا تساويا ولم يفضل أحدهما الآخر بشرط 2 في عمل ولا نفقة ولا منفعة 3. قال الشيخ -رحمه الله-: فتجوز الشركة إذا كانا شريكين في الأرض والبذر، أو في الأرض دون البذر، أو في البذر دون الأرض وتساويا فيما بعد ذلك؛ لأنه لا 4 يدخلهما حينئذ كراء الأرض بالطعام.
واختلف إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر، أو كانت الأرض والبذر لأحدهما والعمل من عند الآخر، فمنع مالك وابن القاسم إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر.
قال ابن القاسم: لأنه أكرى الأرض بنصف البذر، فإن نزل ذلك وفات بالعمل كان الزرع لصاحب الأرض وعليه مثل جميع البذر.
وروى ابن غانم عن مالك أن الربح لصاحب الزريعة وعليه قيمة كراء الأرض والعمل 5. قال ابن حبيب: وبه قال من المدنيين، مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع.
ومن المصريين، ابن وهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ 6.

قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: أما القول: إن جميع ذلك لصاحب الأرض، فلا وجه له؛ لأن المنع إذا كان لأن صاحب الأرض أكرى نصف أرضه بنصف البذر 1 وهو بيع فاسد، فنصف البذر باق على ملك صاحبه ولم يكن فيه بيع، وهو بمنزلة من أكرى أرضه بثمن فاسد على أن العمل على مكتري الأرض، فإنه لا خلاف أن الزرع لصاحبه وللآخر إجارة مثل 2 أرضه وعمله، ثم يختلف في النصف الآخر هل يكون لمن زرعه؛ لأنه بِيعَ بيعا فاسدًا 3 وقبضه مشتريه فأفاته بعمله في أرضه، أو يكون لبائعه لأنه بيع فيه 4 تحجير أن يزرعه معه ولا يبين به عنه فيزرعه في أرض أخرى؟ والأول أحسن، فيكون الزرع بينهما نصفين ويتراجعان؛ هذا بمثل نصف البذر والآخر بكراء نصف 5 الأرض 6 والعمل إن عملا جميعًا كان النصف لصاحب البذر؛ لأنه بذره وعمله بيده.
ويختلف في النصف الآخر، فعلى رواية ابن القاسم يكون للعامل، وعلى رواية ابن غانم يكون لصاحب البذر.
والأول أحسن؛ لأنه بيع فاسد فات بعمل 7 مشتريه.
ولو كان صاحب البذر العامل وحده كان جميع الزرع له؛ لأن النصف عمله على ملكه، والنصف الآخر باعه بيعًا فاسدًا، وأفاته بنفسه ولم يفته

مشتريه.
وقال أحمد بن نصر الداودي: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، أو أخرج الأرض والبقر والعمل، أو الأرض والعمل، أو الأرض والبقر، والآخر البذر وما يحتاج إليه، فذلك جائز؛ لأنه إنما اشترى كل واحد منهما نصف ما أخرج صاحبه بنصف ما أخرجه الآخر 1. والفرق عنده بي الشركة وكراء الأرض بنصف ما يخرجه ليس على وجه الشركة؛ لأنه في الكراء أكرى جميع الأرض ليزرعها المكتري على ملكه بنصف ما يخرج وهو لا يدري ما يخرج، فعاد الأمر إلى الغرر، وفي الشركة أكراه بنصف الزريعة يقبضها الآن ثم يزرعها لنفسه على ملكه فهو معلوم.
ومر في ذلك على أصله فيمن اكترى أرضًا بطعام فذلك عنده جائز.
قال: ويلزم من رأى أنها 2 إذا أكريت بطعام ليزرعها بطعام 3، أنه الطعام بالطعام 4 أن يدخل ذلك إذا اكتريت بالفضة والذهب فهو من اشتراء المجهول؛ لأنه يقل ويكثر.
يريد: أنه إذا قدر أن الذي تخرجه الأرض كان صاحب الأرض بائعه، أن يدخله 5 في الوجه الآخر المجهول، وبيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.

جارٍ التحميل