التبصرة للخميصفحات 84-123

كتاب الطهارة

صفحات 84-123

الوقتين، ويختلف إذا لم يجمعا قياسًا على المستحاضة.
وكذلك الجواب فيمن تكرر منه المذي، إلا أن يكون لا تسلم لواحد منهما صلاة بطهارة.
وقد سئلت عن رجل إن توضأ لم تسلم له صلاة حتى تنتقض طهارته، وإن تيمم لم يحدث به شيء حتى تتم صلاته، فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى.
واختلف في خروج الدم أو الدود من المخرجين، فقال مالك في "المدونة" في الدود 1: إنه لا ينقض الوضوء 2. وقال ابن نافع: إلا أن يخرج بأذى 3. وقال مالك في "المجموعة" مثل ذلك في الدم: لا وضوء عليه 4. وقال ابن القاسم 5 في الحصاة تخرج من الإحليل: لا وضوء عليه 6. إلا أن يخرج بإثر ذلك بول.
وقال محمد بن عبد الحكم 7 فيمن خرج من دبره دم صاف أو دود نقي: فيه الوضوء 8. فأوجب الوضوء من الدود لأنه كالميتة في حكم النجس، ولأنها تخرج بِبِلّة، وكذلك الحصاة تخرج ببلّة أيضًا.
واختلف في المستحاضة فقال مالك: لا وضوء عليها.
وقال أيضًا: أحب

إليَّ أن تتوضأ لكل صلاة 1. وقال في كتاب محمد: إذا جمعت الصلاتين بوضوء واحد تعيد الآخرة في الوقت 2. والقول بوجوب الوضوء أحسن، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله عنها -: كانت تستحاض فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ"، ثم أمرها أن تتوضأ لكل صلاة.
ذكره الترمذي 3. وهو حديث صحيح فيه فائدتان: إحداهما: أن الدم إذا خرج من الذكر أو الدبر ينقض الطهارة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه عرق وليس بحيضة 4، وأوجب منه الوضوء ولم يوجب منه الغسل، وإذا لم يكن حيضٌ فلا فرق بين خروج ذلك من فرجها أو من دبرها، أو من مثل ذلك من الرجل.
والأخرى: أن تَكرّر 5 ما ينقض الطهارة لا يوجب بقاء الإنسان على طهارته؛ لأن الاستحاضة مما تتكرر.

فصل [في قدر ما يغسل من المذي]

واختلف فيما يجب غسله من المذي، فقيل: زوال الأذى فقط.
وقيل: جميع الذكر 1. وهذا غلط، وقد قال مالك في "المدونة" في المذي إذا كان يخرج منه المرة بعد المرة: ينصرف فيغسل ما به ثم يعيد الصلاة 2. فلم يجعل عليه سوى إزالة النجاسة.
وقد قال البغداديون: معنى قول مالك: "المذي أشد من الودي " إنه 3 لا يستجمر منه، ولا يجزئ منه إلا الماء؛ لأنه لا يتكرر كالبول.
وقيل في غسل الأنثيين 4: إن ذلك لتنقطع عنه مادة المذي.
وقال ابن مسلمة: النضح 5 لمن خشي أن يشككه ذلك بعد الوضوء فينضح لينقطع الشك عنه.

فصل في المباشرة والملامسة [والقبلة]

المباشرة والملامسة والقبلة على خمسة أوجه 1: فإن قصد اللذة ووجدها توضأ، وكذلك إذا كان ذلك عن غير قصد ووجد اللذة، وإن قصد اللذة ولم يجدها، أو لم يقصد ولم يجد لم يتوضأ، وفي هذين اختلاف.
واختلف أيضًا إذا وجد اللذة على حائل ثوب أو غيره، فقال مالك في "المجموعة": ليس في قبلة أحد الزوجين للآخر بغير شهوة وضوء في مرض أو غيره.
وقال أيضًا فيمن قبّلته زوجته وهو يدفعها عن نفسه ويكره ذلك، ولم يجد اللذة فعليه الوضوء 2. وقال أيضًا في قبلة أحد الزوجين الآخر على الفم لشهوة: عليها الوضوء، وكذلك أيضًا إذا أكرهها على الفم لشهوة, وإن قبلها على غير الفم لشهوة فلا وضوء عليها، ولا فرق بين الموضعين الفم وغيره إذا لم تكن لذة, والوضوء موكول 3 إلى أمانة الإنسان، فمن علم من نفسه أنه لم يلتذ فلا شيء عليه.

وقال ابن القاسم في كتاب محمد 1 في مريض ناقه لا يجد اللذة للنساء ولا ينشط، فأراد أن يجرب نفسه، فوضع يده على امرأته ينظر هل يتحرك منه شيء فلم يجد لذة، فإنه يتوضأ لأنه للذة وضعها 2. وهذا يصح على القول أن الوضوء ينتقض بالنية؛ لأنه نوى نقض الطهارة.
وقد اختلف في ذلك، والصواب في هذا أن يبقَى على طهارته؛ لأنه إنما نوى اختبار شيء هل يكون أو لا، فليس كالعازم على رفض الطهارة جملة، وأرى ألا تنتقض الطهارة مع عدم اللذة لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهَا.
قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" 3. وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "رُبَّما اغْتَسَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الجنَابَةِ ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ" 4.

والحكم في اللمس والمباشرة على مثل ذلك، إن وُجدت اللذة توضأ وإن عُدمت فلا وضوء عليه (1). وقال مالك في "المدونة": إذا مس امرأته من فوق الثوب للذة فعليه الوضوء (2)، وروي عنه أنه قال: إن كان خفيفًا فعليه الوضوء كان كثيفًا لا يصل جسّه إلى جسمها فلا شيء عليه (3). وهذا أحسن إذا كان مرور اليدين، فأما إذا ضمها، فالكثيف وغيره سواء.
وقال في "المدونة" في المرأة تمس ذكر الرجل (4) فعليها الوضوء إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه فلا شيء عليها (5). وقال فيمن يمس شعر امرأته تلذذًا فعليه الوضوء، إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه (6) فلا شيء عليه، وقال أيضًا: ما علمت من يمس شعر زوجته تلذذًا (7).

فصل في الإنعاظ

واختلف في الإنعاظ إذا لم يكن معه مسيس، فقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي.1234567 = باب في الجنب يستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل، من كتاب الطهارة وسننها، برقم (580) قال القاري: سنده حسن.

وقيل: عليه الوضوء؛ لأنه لا ينكسر إلا عن مذي.
وهذا مع عدم الاختيار.
وأرى أن يحمل على عادته، فإن كان شأنه أنه لا يمذي عن ذلك كان على طهارته، وإن كانت عادته 1 أنه يمذي توضأ، وإن اختلفت عادته توضأ أيضا، وإن اختبر ذلك بالحضرة أو بعد التراخي فلم يجد شيئًا كان على طهارته.
وإن أنعظ 2 وهو في الصلاة وكانت عادته أنه لا يمذي مضى عليها، وإن كان ممن يمذي قطع، إلا أن يكون ذلك الإنعاظ ليس بالبين ولا يخشى من مثله المذي وإن كان شأنه المذي بعد زوال الإنعاظ ولا يخشى ذلك قبل أن يتم الصلاة 3 فإنه يتمها، إلا أن يتبين له أن ذلك كان قبل أن يتم الصلاة 4 فيقضي الصلاة، ولو شك، فيختلف هل تجزئه الصلاة أم لا.

باب في الشك في الوضوء والصلاة

الشك في الوضوء على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشك هل توضأ أو لا؟ والثاني: أن يشك في بعض وضوئه.
والثالث: أن يكون كامل الطهارة ثم يشك هل حدث ما ينقضها أم لا.
فإن شك هل توضأ أم لا - كان عليه أن يتوضأ إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه، فإن كان ممن يتكرر عليه نظر، فإن كان عنده في الأول أنه لم يتوضأ وجب عليه الوضوء، وإن كان عنده في الأول أنه على طهارة 1 ثم شك لم يكن عليه شيء 2. وإن شك في بعض وضوئه وكان ذلك بحدثانه، فإن كان بذلك العضو بلل كان دليلًا على أنه غسله، وإن لم يكن به بلل غسله، وإن طال ذلك مما يجف فيه لو كان غسله, فإن عليه غسله، إلا أن يكون ممن يتكرر ذلك عليه.
وإن كان على طهارته وشك هل حدث ما ينقضها، فإن كان ممن يتكرر ذلك عليه لم يكن عليه شيء.
واختلف إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه على خمسة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يتوضأ.
قال: وهو بمنزلة من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا 3.

وعلى هذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأن من شك في الرابعة يجب عليه أن يأتي بها.
وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ 1. قال: وروي عنه أنه قال: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع.
وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك.
قال: وروي عنه أنه قال: يقطع وإن كان في صلاة 2. وقال ابن حبيب.
إن خيل إليه 3 أن ريحًا خرجت منه فلا يتوضأ إلا أن يوقن به، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه.
قال: بخلاف من شك هل 4 بال أو أحدث؟ فإنه يعيد الوضوء 5. فأما على القول إن الوضوء واجب فلا فرق بين أن يكون شك وهو في الصلاة أم لا، فإنه يقطع 6، واختلف على القول إن الوضوء استحسان، فقيل: يستحسن ألا يصلى به.
وإن شك وهو في الصلاة إنما يستحب له أن يقطع؛ لأن الشك إنما هو عن شيء تقدم قبل الدخول في الصلاة، وقيل: لا يدخل في الصلاة به، فإن فعل أو شك وهو في الصلاة لم يقطع؛ لأنها صلاة جائزة؛ فيكون قد أبطل عملًا

صحيحًا، وهذا في أحد الحدثين البول والغائط.
والشك في الريح على وجهين: فإن شك هل كان ذلك منه فنسيه أم لا، عاد الجواب فيه إلى ما تقدم من الشك في غيره، وإن شك في شيء أحسه هل ذلك ريح أم لا، أيكن عليه شيء، سواء وجد ذلك وهو في صلاة أو قبل، ويجوز له أن يبتدئ الصلاة به.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب 1؛ لأن الشكين ليسا سواء 2، فليس من شك هل كان ذلك فنسيه مثل من هو مجتمع الحس والذكر، ولا يدري هل كان أو لا 3؟ وقيل: هو مثل الأول؛ لأن كل ذلك منه شك.
وإن كان هذا أضعف.
واستشهد من نفى الوضوء منه بحديث عباد بن تميم - رضي الله عنه - وقد تقدم 4، وبحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ أَمْ لاَ، فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" أخرجه مسلم 5. وقال أيضًا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجدِ فَوَجَدَ رِيحًا بينَ أَلْيَتَيْهِ، فَلاَ يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" ذكره الترمذي وقال: حديث صحيح 6.

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن الشيطان هو يفيش 1 بين أليتي أحدكم.
وقال الليث: أغفل أبو هريرة واحدة تخرج لا ريح لها ولا صوت 2. وقد صدق الليث، إلا أن الأول أولى 3؛ لأن الغالب الوجه الآخر أنه يكون الصوت أو الريح، وللحديث، ولِمَا ذكر أن الشيطان يُدخل على الإنسان الشك بمثل ذلك.
فإن شك في الصلاة هل صلى أم لا؟، وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة ما لم يتكرر ذلك عليه، فإن تكرر، وكان يسبق إليه أنه لم يصلِّ وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة أيضًا، وإن كان يسبق إليه أنه قد صلاها ثم دخله شك وتكرر ذلك عليه، لم يكن عليه شيء.
ومثله إذا شك في الرابعة فإن عليه أن يأتي بها إذا لم يتكرر ذلك عليه أو تكرر وكان الأول عنده أنها ثالثة.
وإن كان الأول عنده 4 أنها رابعة ثم شك لم يكن عليه شيء.
واختلف إذا سلم وهو على شك ثم استيقن أنها رابعة- فقال ابن حبيب: تجزئه الصلاة، وقال سحنون: أفسد على نفسه 5. = أبواب الطهارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم (75)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

باب في تنكيس الوضوء وموالاته القدر الذي يكتفي به من الماء

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ على نحو ما وردت به التلاوة في القرآن" 1. واختلف في فعله هل هو على وجه الاستحباب أو سنة لا ينبغي تركها أو واجب؟ فإن لم يفعل ونكس هل يجزئه أو لا 2، فقال مالك في "المدونة": صلاته مجزئة.
قيل: أفيعيد الوضوء؟ قال: ذلك أحب إلي 3. فجعله استحبابًا.
وقال أبو جعفر الأبهري عنه: إن الترتيب سنة.
وروى عنه علي بن زياد مثل ذلك أنه قال: يستأنف الوضوء والصلاة.
ثم قال: لا يعيد الصلاة وإن كان في الوقت.
وقال أبو مصعب: إن صلى به صلوات ابتدأ الوضوء ولاءً على كتاب الله، وأعاد الصلوات 4 كلها.
فجعل الترتيب فرضًا لأن الصلوات لا تكون إلا من وقتين، فتضمن قوله: "أعاد" إعادة الصلاة بعد خروج الوقت، والإعادة بعد خروج الوقت تكون لإسقاط الواجب.
وقال محمد بن مسلمة: إذا غسل يديه ثم رجليه ثم وجهه فإنه يغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه حتى يكون على نسق القرآن، وكما جاء عن

النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن طال ذلك استأنف الوضوء كله، قال: وهو بمنزلة من غسل وجهه بداية ثم ذهب حتى طال فليس له أن يبني.
فجعل كل ما قدمه على الوجه كأنه لم يفعله، ورأى أن الترتيب واجب.
والقول الأول أبين؛ لأن التلاوة في الأمر بالوضوء لم تأت على صفة توجب الترتيب، ألا ترى أنه لو نزل بعد ذلك آية أخرى بالأمر ببداية اليدين على الوجه أو الرجلين لم تكن نسخًا، بل يحمل على البيان الأول، ويحمل فعله - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون على وجه الاستحباب والابتداء بما بدأ الله -عز وجل- به، فلا يتعلق فرض بمحتمل.
وكذلك الصفا 1 لم تكن البداية بها بمجرد التلاوة، ولا بمجرد فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ لاحتماله أن يكون على وجه الاستحباب، وإنما رجع في ذلك إلى الإجماع، وليس تبدئة الركوع على السجود من هذا الباب في شيء؛ لأن الأمر بالصلاة ورد مجملًا بقوله -عز وجل-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 83].
فهو مجمل لا يعلم بمجرد التلاوة، كيف يقيمها ولا ما 2 يتضمن ذلك الأمر، وكانت الصفة التي فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب؛ لأنها من باب بيان المجمل إلا ما قام الدليل عليه أنه غير واجب.

فصل [في الموالاة في الطهارة من الحدثين وما يعرض لها]

وينبغي موالاة الوضوء والغسل، فإن غُلب على ذلك بعد أن أَخذ من الماء قدر ما يكفيه، ثم غُصبه أو أُهراق له، جاز أن يبنأنه على ما مضى منه وإن بعد طلبه للماء.
واختُلف إذا فرّقه متعمدًا أو ناسيًا على أربعة أقوال، فقال مالك وابن القاسم: إن فرقه ناسيًا أجزأه، وإن تعمد فرقه لم يجزئه 1. وقال ابن وهب: لا يجزئه ناسيًا كان أو متعمدًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه في الوجهين جميعًا في العمد والنسيان.
ولمالك عند ابن حبيب قول رابع: أنه إن فرق ناسيًا لم يجزئه في المغسول ويجزئه في الممسوح.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - "أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالسُّوقِ إِلاَّ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى جَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا" 2. وفي سماع ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل مسح على خفيه ثم نزعهما وأقام طويلًا: يستأنف الوضوء أحب إلي، فإن غسل رجليه رجوت أن يجزئه 3.

وكلا هذين القولين موافق لما ذهب إليه محمد بن عبد الحكم، وقد قيل: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنه كانت في رجليه علة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه كان يغسل رجليه، فإن كان له عذر ولم يجد من يغسلهما له لم يجز أن يبتدئ الوضوء إلا في الوقت الذي يتيسر له فيه غسل رجليه؛ إذ البداءة بالوضوء قبل ذلك غير مفيد؛ إذ كان لا يستبيح الصلاة إلا بعد تمامه، مع كونه يعلم 1 أن ذلك لا يتعذر عليه في السوق، وظاهر القرآن 2 يقتضي الموالاة لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، فكان ذلك لحق الصلاة إذا قام إليها؛ لأنه لا يصح أن يصلي ببعض الطهارة.
فأما إذا رأى 3 أن يتوضأ قبل دخول الوقت أو بعده ولا يتلبس بالصلاة حينئذ، فأتى به متفرقًا فإنه يجزئه، لأنه داخل في امتثال ما أمر المصلي به أنه لا يصلي إلا بطهارة في أعضاء وقد فعل.
فأما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في مرة واحدة؛ فإن الإتيان به في مرة أسهل على المتوضئ والمغتسل من تفرقته، وهذا موجود في النفوس أنه متى شرع الإنسان في الغسل وفي الوضوء لا يجب 4 ترك بعضه ليأتي به في زمن آخر، ولو كان الفرض من الله سبحانه أن يؤتى به متفرقًا لكان ذلك أشق من الإتيان به في مرة واحدة 5، وهو في زمن البرد أشد، وهو في الغسل إذا فرقه أعظم مشقة.

فصل [في القصد في استعمال الماء في الطهارة وغيرها]

ويستحب القصد في الماء في الوضوء والغسل ويكره السرف في ذلك، وفي مسلم "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُغَسّلُهُ الصَّاعُ وُيوَضِّئُهُ المُدُّ"، وفي البخاري مثل ذلك 1. وقال مالك في "المجموعة": رأيت عياش بن عبد الله بن معبد -وكان فاضلًا- يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه، فأعجب مالكا ذلك 2. وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، فسمعته يقول: "قطرًا قطرًا" إنكارًا لذلك 3. قال مالك: وكان ربيعة أسرع الناس لبثًا في الوضوء والبول، وقال ابن حبيب: كان ابن هرمز بطيء الوضوء بطيء التنظف من البول 4. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: الناس في الاستبراء من البول مختلفون، وليس الرجل المرطوب كغيره, فمن كان يعدم من نفسه أنه بنفس الفراغ تنقطع مادته لم يكن عليه غير ذلك، ومن كان لا تنقطع عنه بفور ذلك فعليه أن يستبرئ نفسه.
ومن كانت عادته أنه يمسك عنه فإذا قام نزل ذلك منه، فذلك عليه أن يقوم ثم يعود ويستبرئ، فإن لم يفعل ذلك وخرج منه شيء بعد الوضوء استأنف.

باب في غسل القيء والمحاجم والقرح ينفجر في الصلاة والصلاة في الخفين والنعلين تكون فيهما النجاسة وفي درع المرأة تصيبه النجاسة

قال مالك: القيء قيآن: فما يخرج بمنزلة الطعام فليس بنجس، وما تغيّر عن حال الطعام فإنه يغسل 1. يريد إذا تغير إلى أحد أوصاف النجاسة التي تنقض الطهارة.
وقيل: لا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من الموضع المعتاد.
والقياس أن يعيد الوضوء؛ لأن انتقاض الطهارة إنما كان لأجل خروج تلك النجاسة ليس لأجل ذلك الموضع.
ولو جرح رجل جائفة 2 وكان يخرج منها إحدى النجاستين لكان عليه الوضوء إذا صار خروجه على وجه المعتاد قبل ذلك، وإن تكرر على غير العادة عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في سلس البول.
قال مالك: ويغسل موضع المحاجم ولا يجزئه المسح.
ومن مسح ذلك ولم يغسله ثم صلى أعاد في الوقت 3. وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه، وما روي عن سعيد بن المسيب في فتل الدم بين الأصابع أكثر من هذا 4. قال: ولا شيء على من بصق دمًا في الصلاة ما لم يتفاحش كثرته.
فراعى

قدر النجاسة لا قدر موضعها؛ لأن ما يبقى في موضع المحاجم بعد المسح لو كان مجتمعًا- يسير، وراعى مالك الموضع النجس لأنه كثير، وظاهر قوله في الإعادة في الوقت أن ذلك وإن كان متعمدًا، وهذا مراعاة للخلاف.
واختلف إذا بولغ في مسح موضع النجاسة (1) فلم يبق منها شيء، أو غسل بشيء من المائعات هل يطهر الموضع أولا؟ وأن يطهر أحسن؛ لأن النهي ألا يتقرب إلى الله -عز وجل- وعليه نجاسة، وهذا لا نجاسة عليه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في الدم يصيب السيف: يجزئه مسحه؛ لأنه صقيل لا تتخلله نجاسة، ولأن به ضرورة إلى ذلك، لأنه متى غسل فسد (2). فراعى زوال عين النجاسة، وهذا هو الصحيح.
وكذلك الفم يطرح منه الدم ثم يطرح معه بصاقًا نقيًا، فإن الريق يطهره على أحد القولين.

فصل [فيمن كانت به قرحة فنكأها]

وقال مالك فيمن كانت به قرحة فنكأها 3 وهو في الصلاة فسال منها دم: إن كان يسيرًا فتله ويمضى في صلاته، وإن كان كثيرًا قطع 4. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: ولو سال بنفسه وكان بحضرته ماء فغسله12

جاز له أن يتمادى في صلاته؛ قياسًا على أحد قولي مالك فيمن تبين له أن في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة؟ أن له أن ينزعه ويتمادى في الصلاة 1. وبيان ذلك يأتي فيما بعد.
وقال مالك في معنى الحديث في الدرع: "يُطَهِّر مَا بَعْدَهُ" 2: ذلك في القشب اليابس.
يريد أنه يمر على غيره فيذهب ما يتعلق به من النجاسة 3. وقيل: ذلك في الرطب؛ لأن الذيل للمرأة كالخف للرجل؛ لأن المرأة ندبت إلى أن ترخي ذيلها شبرًا، فيصير ذلك مما تدعو الضرورة إليه.
وقد اختلف قول مالك فيمن وطئ بالخف على أرواث الدواب، فقال مرة 4: يغسله.
ثم قال: يدلكه 5. فأجاب في الأول بالغسل على الأصل في النجاسات أنها تزال بالماء، ثم رأى أن ذلك مما يتكرر فيصير ضرورة فيجزئه الدلك كالاستجمار في غير ذلك، وكذلك ذيل المرأة، وإذا كان تصرف الرجل والمرأة على الأرض الطاهرة في الغالب ولا يصيبها 6 ذلك إلا نادرًا، لم يجزئها في الرطب إلا الغسل.

واختلف في النعلين يطأ بهما على ما يكون من أرواث الدواب، فقال مالك: يدلكهما ويصلي فيهما.
وقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك لخفة نزعهما، وهذا أبين.
وقال مالك فيمن وطئ على دم أو عذرة 1 بخفيه: لم يصل فيهما حتى يغسلهما 2. يريد لأن كون ذلك في الطرق نادر، ومن مشى حافيًا فأصاب رجليه شيء مما يكون من الدواب مسحهما وصلى على أحد قولي مالك في النعلين، وأرى ألا يجزئه إلا الغسل، إلا أن يكون فقيرًا يشق عليه شراء ما يصون به رجليه من ذلك.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في مسافر على طهارة، وكان مسح على خفيه فوطئ بخفيه على نجاسة ولا ماء معه: أنه ينزعهما ويتيمم ويصلي؛ لأنه أُرخص في الصلاة بالتيمم، ولم يرخص في الصلاة بالنجاسة.
وقال مالك في سماع أشهب فيمن توضأ ثم وطئ على المكان القذر الجاف: لا بأس بذلك؛ قد وسع الله على هذه الأمة، ثم تلا: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] 3. وقال أبو بكر بن اللباد 4: ذلك إذا مشى بعد ذلك على أرض طاهرة؛ لما

روي: أن الدرع يطهره ما بعده 1. وليس هذا الذي أراد مالك، وإنما أراد أن 2 الرجل إذا أراد 3 رفعها بالحضرة لم يمنع من تلك النجاسة شيء إلا شيئًا لا قدر 4 له.
= مناقب مالك".
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 5/ 286، والديباج، لابن فرحون: 2/ 196، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 597، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 84، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 160.

باب في غسل الدم وغيره من النجاسات

وقال مالك في "المدونة" في الرجل يصلي وفي ثوبه دم يسير من دم حيضة أو غيرهما ثم يراه وهو في الصلاة: فإنه يمضي على صلاته ولا ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا.
فإن كان دم كثير نزعه واستأنف الصلاة بإقامة 1. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: على المصلي أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بجسد طاهر وثوب طاهر في موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك، فأمر بغسل المذي لحديث المقداد 2، وبغسل المني 3 لحديث عمر أنه ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال له: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" 4. وبغسل دم الحيض من الثوب بحديث أسماء 5، ومر - صلى الله عليه وسلم - على قبرين فقال: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ

فكَانَ لاَ يَسْتبرِئُ مِنَ البَوْلِ" 1 أي: لا يتوقاه.
وقيل: المعنى: لا يستتر من الناس، والأول أحسن؛ لأن الأول حقيقة لقوله: "لا يستبرئ منه"، والثاني مجاز وخروج عن النص.
وجميع هذه الأحاديث اجتمع عليه الصحيحان البخاري ومسلم؛ وقال الله -عز وجل- ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: 28]، فجعل العلة في منعهم المسجد لأنهم في معنى النجس.
قال قتادة: الأنجاس: الأخباث 2. إذا منع موضع الصلاة من النجاسة كان منع الصلاة أولى، وأجمع أهل العلم على أن على المصلي ألا يتقرب إلى الله - صلى الله عليه وسلم - بالنجاسة.
واختلف بعد ذلك في إزالة النجاسة على ثلاثة أقوال: فذهب مالك إلى أن ذلك فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، فإن صلى بنجاسة متعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت 3. وقال ابن وهب: يعيد أبدًا ناسيًا كان أو متعمدًا 4. وجعل ذلك فرضًا مع الذكر والنسيان.
وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا في الوقت ناسيًا كان أو متعمدًا 5. ورآه

سنة، والأول أحسن، فيعيد إذا كان ذاكرًا وإن ذهب الوقت؛ للقرآن والحديث والإجماع 1، ولا يعيد إذا ذهب الوقت وكان ناسيًا، للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَخَلعَ نَعْليْهِ لِنَجَاسَةٍ فِيهِمَا، فَأتمَّ الصَّلاَةَ" 2. فاجتزأ بالماضي لأنه كان غير عالم، فكذلك يجزئ جميعها إذا علم بعد الفراغ.
واختلف فيمن رأى في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، فقال مالك في "المدونة": يقطع وينزع الثوب ويستأنف الصلاة 3. والقطع على أصله استحسان؛ لأنه يقول: إذا لم يعلم حتى فرغ من صلاته أنه يعيد ما دام في الوقت 4. وهذا استحسان.
وإذا كان ذلك الماضي من صلاته جازئًا، فإعادته استحسان.
وقال في "المبسوط": إن كان يستطيع نَزْعه نَزَعه ومضى على صلاته، وإن كان لا يستطيع نزعه أو كانت النجاسة في جسده قطع.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يستطيع نزعه نزعه 5 وإلا

تمادى وأعاد.
وقال أشهب في "مدونته": إذا خرج لغسل النجاسة من ثوبه أو بدنه ثم بنى أجزأه قياسًا على الراعف 1. والقول: إنه ينزعه ويبني، أحسن، للحديث: "أنه خلع نعليه وأتم" 2. وذهب أحمد بن المعذل إلى قول أشهب أن الإعادة عليه ما دام في الوقت، قال: لأنه لو حضرته الصلاة ولم يجد إلا ثوبًا نجسًا وخاف فوات الوقت صلى فيه.
واختاره على تأخيرها ليصليها في ثوب طاهر.
قال: ولو أن رجلين تعمدا فصلى أحدهما في الوقت بثوب نجس، وهو ذاكر قادر على غيره، وأخر الآخر الصلاة وهو ذاكر حتى خرج الوقت وصلاها بثوب طاهر ما استوت حالاتهما عند مسلم ولا قربت، فيعيدها الأول ليأتي بأكمل منها 3، وإن خرج الوقت لم 4 يعدة لأنه يأتي بأنقص.
قال الشيخ -رحمه الله-: واختلف بعد القول إن الإعادة في الوقت- هل ذلك الوقت المختار أو الضروري؟ فقيل: هو الوقت المختار، فيعيد الظهر والعصر ما لم تصفرّ الشمس.
وقال مالك في "المبسوط" وعند ابن حبيب: النهار كله في ذلك وقت إلى غروب الشمس، والليل كله إلى طلوع الفجر.
وقد يحمل هذا على القول أنه غير مؤثم إذا أخر إلى مثل ذلك متعمدًا، ومن قال: إنه مؤثم، أعاد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وينبغي أن يعيد الظهر ما لم تخرج القامة أو

لمقدار أربع ركعات من الثانية؛ لأنه الوقت المختار وهو نظير الاصفرار في العصر، وكذلك في صلاتي الليل يعيد الغرب ما لم يغب الشفق والعشاء ما لم يذهب نصف الليل، ولا وجه لقول من قال: يعيد إلى طلوع الفجر؛ قال: لأن جميع الليل وقت للنفل بخلاف النهار؛ لأن النفل بعد الاصفرار مكروه.
وليس ذلك بالبّين؛ لأن الإعادة لم تكن لأنها نفل، وانما كانت ليأتي بالفرض بأكمل منه أولًا.
وقال ابن حبيب: إذا أبصر النجاسة في ثوبه فلما همّ بالانصراف نسي وأتم صلاته، فإنه يعيد وإن ذهب الوقت؛ لأنه حين أبصرها انتقضت صلاته، وكذلك إذا ذكرها بعد الفراغ وقبل خروج الوقت ثم نسي الإعادة حتى خرج الوقت أنه يعيد (1) وكذا القولين بعيد؛ لأن القطع إذا ذكره وهو فيها وهو قادر على طرح الثوب استحسان، وقد قال مالك: يخلعه ويمضي، وكذلك الإعادة إذا ذكرها بعد الفراغ، وفي الوقت الإعادة استحسان.

فصل [في يسير القيح والصديد ودم الحيض يصيب الثوب]

واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد ودم الحيض، فقال مرة: يعفى عن يسيره مثل غيره من الدم لما كان من جنس ما تدعو الضرورة إليه 2. وقال من "المبسوط": دم الحيض والقيح كالبول والرجيع 3 قليل ذلك1

وكثيره سواء، والصديد مثله 1. وهذا حسن؛ لأنه ليس مما تدعو الضرورة إليه، والقيح والصديد تجوز الصلاة بكثيره متى كانت العلة ال كائن عنها قائمة، فإن ذهبت وبرأ صاحبها كان الحكم في قليله وكثيره سواء؛ لأنه لا ضرورة إليه.
وكذلك دم الحيض لأنه 2 مما ينفك منه الرجل، وليس ذلك مما يكون في ثياب الرجال، وليس هو أيضًا مما تدعو الضرورة إليه للنساء؛ لأن المرأة إنما يطرأ عليه 3 أيام الحيض، فإذا طهرت لم تره إلى مثلها، والبول يتكرر أكثر منه، فلم يعف عن يسيره.
ويختلف على هذا في الدم اليسير إذا كان في ثوب غيره فلبسه.
وفي اليسير من دم الشاة؛ لأن كل ذلك مما ينفك منه 4. والدم على ضربين: نجس، ومختلف فيه، هل هو نجس أو طاهر، فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا كان خروجه في حال الحياة أو في حال الذبح؛ لأنه مسفوح.
واختلف فيما يبقى في الجسم بعد الذكاة وفي دم ما ليس له نفس سائلة من الحيوان البرّي، وفي دم الحوت هل هو نجس أو طاهر، فقال مالك في "المدونة" في دم البراغيث: إذا تفاحش يغسل 5. قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يفرق بين الدم، ويجعل دم كل شيء سواء.

قال 1: وسألته عن دم القراد 2 والذباب 3 والسمك؟ فقال: ودم السمك 4 أيضًا يغسل 5. واختلف في غسل هذه الدماء هل تغسل على وجه الوجوب لأنها نجسة أو استحسانًا وأنها طاهرة؟ فقال مالك في سماع أشهب: دم الحوت ودم الشاة وغيره 6 سواء، كله نجس.
وقال أيضًا في الثوب يكون فيه الدم يتجفف فيه من الغسل، قال: إن كان كثيرًا كثيفًا يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بلّه فأخرج منه ما أصاب جسده، فأرى أن يغسل جسده.
قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك؛ قال الله -عز وجل-: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] 7. وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الأطعمة 8

وما يحل أكله من ذلك وما يحرم.

فصل [في الاحتلام أو البول يصيب الثوب ولا يدرى موضعه]

وقال مالك في الثوب يصيبه البول أو الاحتلام فيخطئ موضعه فإنه يغسله كله.
وإن شك هل أصابه ذلك أو لا نضحه 1، وهو الشأن، وهو من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه، كان عرف موضعه وشك في غيره غسل ما علم ونضح ما لم يعلم.
واتفاقهم على النضح مع الشك وألا يغسل، يقضي على ما اختلفوا فيه إذا شك في الريح، وأن القول قول من قال: إنه لا يتوضأ.
واختلف إذا صلى ولم ينضح، فقال ابن القاسم في "المجموعة" و"العتبية": يعيد الصلاة 2. وبه قال سحنون وعيسى بن دينار 3.

وقال أشهب في أصل سماع أبي زيد من ابن القاسم وابن نافع 1 في شرح ابن مزين وابن الماجشون في "الواضحة" لا إعادة عليه.
وهذا الاختلاف فيمن أصابته جنابة فغسل ما رأى ولم ينضح بقية الثوب.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: النضح استحباب 2. وهو أحسن، ولو كان ذلك على الوجوب لوجب الغسل، وقد قال ابن القاسم فيما يتطاير من البول مثل رؤوس الإبر: إنه يغسل 3. واختلف فيمن أصاب ثوبه الماء المشكوك فيه، فقال مالك في سماع أشهب فيمن غسل ثوبه بماء سقطت فيه فأرة: لو رشّهُ لرجوت أن يكون في ذلك سعة 4. وقال في مختصر ابن شعبان في الثوب الرفيع يصيبه الماء المشكوك فيه وغسله يفسده أنه يصلي فيه بغير غسل 5، ولو كان الماء نجسًا لا شك فيه 6 غسل الرفيع وغيره، وظاهر قوله أن الثوب إذا لم يكن رفيعًا غسله، وعلى رواية

أشهب عنه (1)، ينضح الرفيع لأن ذلك لا يفسده.

فصل في المسح على الجبائر

ويجوز المسح على الجبائر 2 وإن لم تشد على طهارة، بخلاف الخفين؛ لأن مباشرة الماء للجرح يفسده، ولأن غسل 3 الجبائر للضرورة، فلم يكن عليه أن يتوضأ في موضع لم يخاطب فيه للصلاة.
وكذلك من خشي أن يمسح برأسه عند الوضوء، يجوز له أن يمسح على العمامة وإن لم يكن لبسها على وضوء.
ويجوز لمن حدثت به جنابة وخشي إن كشف رأسه وغسله- أن يمسح على الحائل، وإن لم يكن لبسه على وضوء.
وقال مالك: في الظفر يكسى الدواء: لا بأس أن يمسح عليه 4. وقاله ابن القاسم: في المرارة يكسى الظفر بها.
وقيل في العلك يعمل على الظفر مثل ذلك 5.1

وفي الذرور 1 يعمل على الجرح: إنه يمسح عليه، وإن لم يجعل عليه خرقًا، فإن برأ وزال غسل ذلك الموضع وإن لم يكن صلى بالطهارة الأولى.
وقال مالك فيمن أجنب وبه جرح، فاغتسل ومسح على ذلك الجرح، ثم برأ- غسل 2 ذلك الموضع، فإن نسي حتى صلى صلوات، وكان في موضع لا يصيبه الوضوء مثل المنكب والظهر- لم تجزئه الصلاة 3. قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان الجرح في الرأس لأعاد الصلاة؛ لأن فرضه في الوضوء المسح وفي الجنابة الغسل، والمسح لا يجزئ عن الغسل، ولو كان في الوجه، أو الذرل أو الرجل- لأجزأه ذلك إذا كان قد توضأ للصلاة، ولم يكن عليه أن يعيد غسل ذلك بنية الجنابة؛ لأن نية الوضوء تجزئ عن نية الجنابة.
وإذا عصبت الجبائر بعصابة، وكان حلّها يؤدي إلى فساد ما عملت عليه الجبائر جاز له أن يمسح على العصائب، وإلا حلّت، وغسل ما تحت العصائب، وكذلك الفصادة 4 تحل العصائب ويغسل ما تحتها ويمسح موضع الفصد ثم يعيد الرباط إن شاء.
= فيجعل عليها عِلْكًا، لأنْ تَنْبُتَ, أيَتَوَضَّأُ على العِلكِ؟ قال: أرجو أن يكون في سَعَة).

باب في غسل بول الغلام والجارية وحكم المرأة فيما يصل إليها من ذلكـ

وقال مالك: يُغسل بول الغلام والجارية وإن لم يأكلا الطعام، أصاب ذلك رجلًا أو امرأة، وأما الأم فأحب إلي أن يكون لها ثوب سوى الذي ترضع فيه إن كانت تقدر، وإن لم تقدر على ذلك فلتصل في ثوبها، ولتغسل ما أصاب من البول ثوبها جهدها 1. وروى الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" أنه قال: لا يغسل الثوب من بول الصبي ولا الصبية حتى يأكلا الطعام.
وقال ابن وهب مثل ذلك في الصبي دون الصبية، ولم يختلف في أثفالهما 2 أنها نجسة تغسل وإن لم يأكلا الطعام.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أُتي بصبي لم يأكل الطعام، فبال على ثوبه, فنضحه 3. وفي كتاب مسلم: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ" 4.

ومحمل ذلك أنه نجس؛ ولو كان طاهرًا لم يصبّ عليه ماءً لا على وجه الغسل ولا على وجه النضح، ومعلوم أن النضح لم يكن إلا ليكون له تأثير في ذلك البول، ولولا ذلك لم يكن لنضحه وجه، والتأثير رفع حكمه, وحكمه إنما يرفعه بأن يصبّ عليه من الماء ما يذهبه، وذلك يصح بالصبّ من غير غسل باليد؛ لأن البول كالماء، وإنما يحتاج إلى اليد إذا جف، والنضح يصح أن يعبر به عما يصب من الماء القليل والكثير، والعرب تسمي الإبل التي يُسقى عليها نواضح، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": يقال للسانية: ناضح، وقد يكون ذلك على وجه النسبة، أي: ذات نضح، كما قالوا: تامر، ولاحم، أي: ذو تمر ولحم.
قال: ويقال: نضح فلان عن نفسه، أي: دافع عنها بحجة 1. فإن قيل: إنما فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التنظف، قيل: فلا ينظف منه إلا ما أكثر من الماء، وإذا كان ذلك عاد الجواب إلى أنه أراد إزالته، وإذا كان ذلك ولم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه طاهر ولا نجس- حمل على أنه مثل غيره من أبوال بني آدم، وأنه مثل أثفاله حتى يثبت عنه نص أنها طاهر.

باب في الانتفاع بالماء النجس وتطهير ما وقع فيه من بئر وغيره

اختلف في الانتفاع بالماء النجس، فأجري الانتفاع به مجرى الانتفاع بالميتة، فقيل: لا ينتفع به بحال، ولا يسقى بهيمة ولا نباتًا.
وقيل: لا بأس بالانتفاع به في هذين الوجهين.
وقيل: لا بأس أن يسقى ما لا يؤكل لحمه من البهائم وما لا ينتفع به بقرب السقي من النبات؛ لأنه عنده ينجس ما يشربه من حيوان أو نبات.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إن غلب على ماء البئر ما وقع فيها من نجاسة فما عولج به من عجين أو طعام فلا يجوز أن يطعم لدجاج ولا الحمام ولا النصراني، وهي كالميتة 1. وقال ابن وهب عن مالك في "المبسوط": لا بأس بذلك أن يسقى الدواب وأصول الثمر والزرع.
قال: وكأنه كره ما يسقى به مما يؤكل من المواشي 2. وقال أبو مصعب مثله: إنه لا يسقى ما يؤكل لحمه، ولا بأس أن يسقى الزرع والنخل.
وكل هذا موافق للقول إن عرق السكران نجس، وعلى القول: إنه طاهر.
لا بأس أن يوكل لحم 3 ما شرب منه، وإن ذبحت الغنم أو قلع البقل بالحضرة.
وعلى القول الأول لا يؤكل إلا أن يطول بعد شربه، فتخلفه أعراض أخر.

وقال في "المدونة" في العسل ينجس: لا بأس أن يعلف النحل (1). وعلى قول عبد الملك يمنع من ذلك.

فصل [في تطهير الآبار مما مات فيها]

وأما تطهر ما وقعت فيه، فقال مالك في "المدونة" في البئر من آبار المدينة تقع فيه الوزغة، أو الفأرة: يسقى منها حتى تطيب وينزحون 2 منها على قدر ما يظنون أنها قد طابت.
وفي "المجموعة": إذا تزلعت الدابة التي تقع في البئر أو سال من دمها أو فرثها ولم تتزلع فلتنزف إلا أن يغلبهم الماء، فإن غلبهم نزع حتى لا يبقى من النجس شيء، وإن لم تتزلع ولا سال من دمها شيء فلينزح منها شيء، فإن أروحت نزع منها حتى تذهب الرائحة 3. وقال أبو مصعب: ينزف ذلك الماء كله، وذكر عن المغيرة وابن الماجشون: ينزع منها خمسون دلوًا.
وقال ابن أبي أويس: سبعون دلوًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: النجاسة على ضربين: فإن كانت مما يمازج الماء كالدم1

والبول وما أشبه ذلك نزع جميعه؛ لأن أعلاه وأسفله سواء في الحكم.
وهذا إذا كانت النجاسة ليست 1 في بئر أو ما أشبه ذلك، فإن كانت في بئر فإذا ذهب منه ما كان متغيرًا وخلفه غيره فهو طاهر.
وإن كانت النجاسة دهنية وما أشبه ذلك مما يعلو الماء ويطفو عليه ولا تمازج جملته، أجزأ من ذلك زوال أعلاه إذا أحكم زوال ذلك وصار يطلع الباقي ولا دهنية عليه.
وأما ما ذكره عمن حدد ذلك فيمكن أن يكونوا حصروا ذلك للعامة لقلة ميزهم، وإلا فالأصل ما تقدم ذكره.

باب في صفة الغسل من الجنابة والحيض والتدلكـ في الغسل والوضوء وعلى من يجب الغسل والنية في جميع ذلكـ

يبتدئ الجنب بغسل مواضع الأذى، ثم يغسل تلك المواضع بنية الغسل عن الجنابة.
وإن نوى ذلك في حين إزالة النجاسة وغسل غسلًا واحدًا أجزأه, ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة, وينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه, فإن أتمّ وضوءه وعجل غسل رجليه فحسن، ثم يأخذ في الغسل، وإن أخر غسلهما فلا بأس.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه فعل الأمرين جميعًا فعجل غسلها تارة وأخره تارة 1. ثم يفيض على رأسه ثم على جسده، فإن كانت له وفرة غمس يديه في الماء ثم خلل بهما أصول شعره ثم يفيض عليه الماء ويخلل

بيديه حتى يصل الماء إلى أصول شعره.
وقد اختلف عن مالك في تخليل اللحية فقال: ذلك عليه في الغسل والوضوء.
وقال أيضًا: ليس ذلك عليه فيهما جميعًا.
وقال أيضًا: يخلل الجنب ولا يخلل المتوضئ 1. وقال ابن حبيب: من لم يخلل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه 2. وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أن تخليل اللحية من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض 3. والقول الأول أحسن، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخلل أصول شعره في غسله من الجنابة 4، ولم يفرق بين اللحية وغيرها.
وروى عنه الترمذي: "أَنَّهُ كَانَ يُخَلّلُ لحيَتَهُ في الوُضُوءِ" 5، ويحتمل أن

يكون ذلك في الوضوء ليعمّ الظاهر من الشعر؛ لأن الماء ينبو عن بعض الشعر؛ لأن الظاهر بعضه أعلى من بعض، وليس مروره عليه كمروره على البشرة.
وصفة اغتسال المرأة من الجنابة والحيض على مثل ذلك، وتخلل أصول شعر رأسها وليس عليها أن تنقضه.

جارٍ التحميل