التبصرة للخميصفحات 4533-4573

كتاب بيع الخيار

صفحات 4533-4573

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب بيع الخيار

باب في بيع الخيار والأمد الذي يجوز إليه الخيار (1)، وهل يستعمل المبيع على خيار؟ والنقد في ذلك

الأصل في بيع الخيار 2 قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ" 3، والخيار يكون لثلاث: ليرتئي في الثمن ويعلم غلاءه من رخصه، والثاني: ليؤامر نفسه في العزم على الشراء مع علمه بموضع الثمن من الغلاء والرخص، والثالث: ليختبر المبيع، وأي ذلك قصد بالخيار جاز، وإذا كان الخيار ليرتئي رأيه في الشراء، لم يكن له قبض المبيع؛ لأن ذلك يصح مع كونه عند بائعه، وإذا كان الخيار ليعاود نظره في الثوب، أو العبد وما أشبه ذلك، أو ليختبر المبيع كان له قبضه، فإن لم يبين الخيار لما أراده كان محمله على غير الاختيار؛ لأن المفهوم من الخيار أنه في العقد، إن شاء قبل وإن شاء رد، فإن قال المشتري: أسلمه إلي، لأختبره لم يكن ذلك له إلا بشرط، والخيار على وجهين: مطلق ومقيد بأجل، فإن1

أطلق جاز وجعل له من الأجل مما يحتاج إليه، والأجل على ثلاثة أوجه: جائز ومكروه وممنوع، فإن كانت مدة تدعو الحاجة إليها جاز، وإن زاد يسيرًا كره ولم يفسخ، وإن بعد الأجل كان مفسوخًا، وهذا قول مالك (1)، وحملهما في بعيد الأجل على التهمة، وأن يكونا أظهرا الخيار وأضمرا البت، ليكون في ضمان البائع (2). ويختلف في ذلك إذا نزل على ما تقدم من الاختلاف في بيوع الآجال هل المنع لأنها عادة في التعمد للفساد أو حماية؟ وإن كانت العادة التعمد لمثل ذلك فسخ البيع، وإن لم تكن عادة مضى بالثمن، وقد مضى قول أبي الفرج ومحمد بن مسلمة في هذا (3).

فصل [في مدة الخيار]

مدة الخيار تختلف بقدر اختلاف الحاجة إلى الاختبار 4 قال مالك: في الثوب لا بأس أن يكون فيه 5 اليوم واليومان، والجارية الخمسة الأيام والجمعة ينظر إلى خبرتها وهيئتها وعملها، والدابة تركب اليوم وشبهه، ولا بأس أن يسير عليها البريد ونحوه ينظر إلى سيرها والدار الشهر وشبهه 6. وقال أشهب: في الدابة يسير عليها البريدين.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الثوب فإن كان إنما يريد معرفة ذرعه فذلك بالحضرة123

ويستخف 1 أن يبين به لمثل ذلك ويرده من يومه أو كالغد وإن كان مخيطًا فذلك أبن أن يبين به ليلبسه هو وأهله ليعلم قيسه، وأما الدابة فإن كان قصده معرفة حسن سيرها، فاليوم وبعض اليوم يجزئ من ذلك، وإن كان يريدها لسفر وأراد اختبار صبرها وصلابتها فالبريدان في ذلك حسن بريد سير وبريد رجوع، إذا كان يردها من فورها؛ لأن البريدين في الفور الواحد يتبين ذلك فيه.
واختلف في العبد والجارية، فأجاز ابن القاسم في كتاب محمد، أن يكون الخيار عشرة أيام، وروى ابن وهب عن مالك أنه أجاز أن يكون الخيار شهرًا 2، وقال أصبغ: في العشرة يمضي، وفي الشهر يفسخ 3، وقد قيل: في العبد والجارية إنما أجيز فيهما الخيار الجمعة؛ لأنه يصح منهما كتمان ما هما عليه، فإن كرها البائع أظهرا فوق طاقتهما، وإن كرها المشتري قصرا عن ذلك، وإذا كان الوجه ذلك لم يفسخ في الشهر؛ لأنه أبلغ فيما يراد من معرفة باطنهما، ولا يغيب المشتري على الجارية؛ لأنها لم تحل له بعد، ولا للبائع؛ لأنها حرمت عليه بما عقدا فيها من البيع، ولأن من حق المشتري أن يحول بينه وبينها لما تعلق له فيها من شبهة الشراء.
وأما الدار فإن كان المشتري من أهل المحلة لم يمكّن من سكناها؛ لأنه بحال الجيران وما هم عليه من الخير وحسن الصحبة، وإن لم يكن من أهل المحلة

جاز له أن يشترط السكنى، ليختبر حالهم، والشهر في ذلك حسن، وإن كان ليرى رأيه في الثمن استوى في ذلك الثوب والعبد والدابة، وكان الأجل على قدر الثمن وليس الأمد، إذا كان الثمن دينارا كالعشرين، ولا العشرون كالمائة، ولا المائة كالألف يشتري بها عقارًا، وإن كان الخيار للوجهين جميعا ليرتئي في الثمن ولاختبار المبيع، نظر إلى أبعدهما في الأمد لو انفرد، وإن كان أبعدهما ما يكون لمهلة النظر لكثرة الثمن ومدة الاختبار قريبة جعل أجلين، فإذا ذهبت مدة الاختبار عاد إلى يد بائعه وكان المشتري على الخيار إلى المدة الأخرى، وإن كان أمد الاختبار أبعد كان أجلًا واحدًا وهو على خياره إلى انقضاء مدة الاختبار.

فصل [في العوض عن الانتفاع بالدار والدابة والعبد]

والعوض عن الانتفاع بالدار والدابة والعبد على وجهين: ساقط وواجب.
فأما الدار فتسقط الأجرة عنه إذا كان المشتري في مسكن بملك، أو بكراء ولم يخله لأجل انتفاعه بالأجر، وإن كان سكناه قبل ذلك في كراء وهو غير وجيبة فأخلاها، أو كانت وجيبة فأكراها، لم يجز أن يكون الثاني بغير كراء، وكذلك الدابة إن كان اختبارها فيما لا يستأجر له جاز بغير عوض، وإن كان فيما يستأجر أو لم تختبر هذه لم يجز إلا بعوض.
والعبد على ثلاثة أوجه: عبد خدمة, وعبد صناعة ليس يغيب في مثلها، وعبد خراج.
فإن كان عبد خدمة لم يكن له أجرة، وليس ينظر إلى الأجرة في مثل ذلك، وإن كان ذا صنعة وكان يقدر على معرفتها وهو عند سيده، فعل ذلك وإلا عمل عند المشتري وتكون عليه الأجرة، إلا أن يجري من اختباره

الشيء الذي لا تؤدى في مثله أجرة، وإن كان من عبيد الخراج، وأراد المشتري معرفة كسبه كل يوم، بعثه المشتري في مثل ذلك وكان كسبه للبائع، وإن دخل على أنه للمشتري لم يجز، وإذا ثبت العوض عن هذه الأشياء السكنى أو غيره، فإنه ينبغي أن يكون العوض معلومًا، فإن قبل المشتري بعد انقضاء الأمد كان للبائع الثمن والأجرة، وإن قَبِل قَبْل الانتفاع به سقطت الأجرة، وإن قبل بعد مضي بعض (1) ذلك الأمد، أخذ أجرة للماضي ويسقط ما سواه، والأمد إذا كان الخيار للبائع في الثمن، مثل ما يكون للمشتري وليس يضرب له أجل الاختبار؛ لأنه عالم بملكه، فإن فعل حمل على أنه قصد استثناء منافعه ذلك الأمد، فإن كانت مدة يجوز استثناء منافع ذلك المبيع فيها جاز، وإلا لم يجز إلا أن يكون أمدًا تتغير فيه الأسواق فلا يجوز الخيار إليه، وإن كان لا يتغير المبيع فيه فيجوز أن تستثنى منافع الدار سنة، ولا يجوز أن يكون الخيار سنة؛ لأنه لا يدرى كيف يكون سوقها حينئذ.

فصل [في شرط النقد في أيام الخيار]

ولا يجوز شرط النقد في أيام الخيار، وسواء كان الخيار للبائع أو المشتري أو لهما جميعا، ولا بأس به بغير شرط في العقار والعبيد والثياب والوخش من الإماء، ولا ينبغي ذلك في العليّ؛ لأنه يصير إذا قبل كمن أخذ جارية تتواضع للحيضة من دين، وكذلك الخيار في السلم والكراء المضمون لا ينقد فيه بغير شرط، ولا أرى أن يفسخ شيء من ذلك إذا نزل؛ لأن النقد إنما كان قبل ثبوته في الذمة لتؤخذ هذه الأشياء، ففارق بذلك ما كان من ربا الجاهلية أن يقول1

تقضي أو تربي، وهذا قد أوجب للمشتري أن يأخذه بالعقد المتقدم من قبل أن ينقد، وإن كان بالخيار للبائع كان أثقل وهذا يمضي أيضًا، والخيار في الفواكه الرطبة واللحم جائز إلى مدة لا تتغير فيها، ولا يغيب عليها البائع ولا المشتري إلا أن يطبع عليها، أو تكون ثمرًا في شجره، فإن غاب عليها أحدهما ولم يطبع عليها لم يفسد ولم يتهم، إذا كان الخيار للبائع أن يقصد أحدهما بالبيع غير هذه الموجودة، ولا إن كان الخيار للمشتري أن يسلفها ليرد مثلها، وكذلك كل ما بيع بالخيار مما يكال أو يوزن، كالقطن والكتان والقمح والزيت، فلا يغيب عليه بائع ولا مشترٍ، فإن فعلا مضى ولم يفسخ.
وقال أشهب: فيمن باع عبدين أو ثوبين بثمن إلى أجل، وشرط المشتري أن يرد أحدهما بعد أن ينتفع به إذا حل الأجل فلا بأس به 1. قال سحنون: هذا إذا كان الذي يردّ معلوما.
والتعيين على وجهين فإن عين البائع والمشتري المبيع من المستأجر جاز، وإن جعل البائع التعيين إلى المشتري، ليكون أحدهما مبيعا والآخر على إجارة، ويشهد على ذلك قبل أن يستعملهما جاز أيضًا، وهو الظاهر من قول أشهب 2، وإذا جاز أن يكون المشتري بالخيار فيهما في المبيع بانفراده، ليأخذ أيهما أحب وفي الإجارة بانفرادها، فيختار أحدهما فيكون على الإجارة، جاز أن يجمع له الخيار من الوجهين جميعًا، فيقول له: أيهما أحببت كان لك ملكًا والآخر على إجارة، وإن جعل له أن ينتفع بهما في الأجل، ويكون على خياره كان فاسدًا، ومصيبتهما إن هلكا في الأجل من البائع وله إجارة المثل فيهما، وإن اختار أحدهما في الأجل

ضمنه بالقيمة؛ لأنه بيع فاسد وسقط عنه إجارته من حينئذ.

فصل [في إصابة من له الخيار بالجنون أو الإغماء أو الموت]

وإذا جن في أيام الخيار من له الخيار، من بائع أو مشترٍ جنونًا مطبقًا، نظر له السلطان في من يقيمه للنظر له في ماله، فإن رأى أن يمضي البيع أمضاه وإلا رده.
واختلف إذا أغمي على المشتري، فقال ابن القاسم: ليس للسلطان أن يأخذ له 1 ويترك حتى يفيق فيأخذ أو يترك، فإن تطاول به الإغماء ورأى السلطان ضررًا فسخ البيع، وليس له أن يأخذ له 2، وقال أشهب: للسلطان أن يأخذ له في أيام الخيار، أو يجعل ذلك إلى من يرضى من ورثته، فإن لم يفعل حتى مضت أيام الخيار، لم يكن للسلطان إلا الرد 3. وقوله إن للسلطان أن يأخذ له في أيام الخيار حسن؛ لأنه قد علم أن للمشتري غرضًا في اشترائها وتقدم منه عقد فيها، وليس هو بمنزلة من لم يتقدم منه عقد.
وقول ابن القاسم أن لا يفسخ البيع بمضي أيام الخيار أحسن، وإذا كان الخيار ثلاثة أيام فأفاق بعد يومن كان له الخيار في اليوم الباقي ويومن بعده؛ لأنه إنما اشترى على أن يؤامر نفسه ثلاثة أيام، ولا مضرة على البائع في زيادة اليومين.

وإن كان الخيار للبائع فانقضت أيام الخيار وهو مغمى عليه، كان أبين أن لا مقال للمشتري إذا قال البائع أنا أستأنف الخيار ثلاثة أيام؛ لأن الزائد لا مضرة على المشتري في الصبر إليه، وإن فقد المشتري في أيام الخيار 1 لم يؤخذ له على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب يؤخذ له في ثلاثة أيام قياسا على المغمى عليه، وإذا جاز أن يؤخذ للمغمى عليه مع قرب الأيام التي ترجى إفاقته فيها، كان أحرى أن يؤخذ للمفقود.
وإن مات من له الخيار من بائع أو مشتر، كان ورثته في مكانه هم بالخيار بين الأخذ أو الترك، وإن خلّف ولدين فاتفقا على أخذٍ أو تركٍ فذلك لهما 2، وإن اختلفا فاختار أحدهما الأخذ والآخر الترك، وكان الخيار للمشتري وهو الميت، كان البائع بالخيار بين أن يقبل نصيب من رد ويمضي نصيب من تمسك، أو يقول لمن قبل إما أن تأخذ الجميع أو ترد، أو يقبل نصيب من رد ويرد نصيب من قبل؛ لأن البائع يقول رد هذا لنصيبه علي جائز، وقد عاد ذلك النصيب على ملكي، ورد نصيب الآخر؛ لأنه دخل على البيع من واحد، ولم يكن للميت أن يبعض فيأخذ البعض 3 ويرد البعض وكذلك ورثته.
قال أشهب: هذا القياس، والاستحسان أن لمن قبل أن يأخذ نصيب من رد، إذا كره البائع التبعيض؛ لأنه يقول أنا أرفع عنك عيب التبعيض، وإن كان الخيار للبائع كان ورثته بالخيار بين أن يقبلا أو يردا، فإن اختار أحدهما الرد والآخر أن يمضي البيع كان من اختار الرد على نصيبه، وكان المشتري بالخيار

في نصيب من أمضى له، بين أن يقبله أو يرده وليس للوارث إذا رد نصيبه أن يأخذ نصيب من أجاز، ولا للمشتري أن يأخذ نصيب من رد والقياس والاستحسان إذا كان الخيار للبائع سواء 1. وقول أشهب في هذا الوجه ليس بحسن، ولو كان الوارث مولى عليه كان النظر لوصيه، وإن كانا وصيين فاختلفا نظر السلطان في ذلك، فإن كان الآخذ أولى رد فعل من رد وصار جميع ذلك مأخوذًا، وإن كان الرد أولى رد جميعه، وإن كان وصي وكبير فاختلفا، فإن كان رأي الوصي الرد كان نصيبه مردودا، وكان مقال البائع مع الكبير، وإن كان رأي الوصي الأخذ خرج الكبير، وكان مقال البائع مع الوصي حسب ما تقدم لو كانا كبيرين، وكذلك إذا كانا وصيين وكبيرًا واتفق الوصيان واختلفا مع الكبير فعلى ما تقدم لو كانا كبيرين، وإن اختلف الوصيان فأخذ أحدهما ورد الاخر ورد الكبير، نظر السلطان في ذلك، فإن رأى الرد أولى رد وصار جميع ذلك مردودًا، وإن رأى الأخذ أولى كان جميع نصيب الصغير مأخوذًا، وعاد المقال بين البائع والوصيين، وإن اختار الكبير الأخذ ورأى السلطان الأخذ أولى صار جميعه مأخوذًا، وإن رأى الرد أولى كان جميع نصيب الصغير مردودًا، وعاد المقال بين البائع والكبير، وعلى مثل هذا يكون الجواب إذا كان الخيار للبائع فمات وخلّف صغيرًا وكبيرًا واختلفا.
وإن كان على الميت دين واتفق رأي الغرماء والورثة، على أخذٍ أو تركٍ كان الأمر على ما اتفقوا عليه، وإن اختلفوا فرأى أحدهم الأخذ والآخرون الرد، فإن كان فيه فضل بدئ بالغرماء، فإن أحبوا الأخذ كان ذلك لهم وإن كره الورثة، وإن أحبوا الرد كان ذلك لهم، ولا يلزمهم أن يتركوا ناضا ويتجروا

به للميت، ثم يكون الورثة بالخيار بين أن يأخذوا ذلك من أموالهم أو يتركوا، وإن لم يكن فضل سقط مقال الغرماء، وكان للورثة أن يأخذوا ذلك من أموالهم أو يتركوا (1).

فصل [في الرجل عليه دين فيستحلفه الطالب بالطلاق ليقضيه حقه, فيموت الطالب]

2 ومن المدونة قال ابن القاسم -فيمن كان عليه دين فاستحلفه الطالب بالطلاق ليقضيه حقه لأجَل سماه، إلا أن يؤخره صاحب الحق فمات الطالب- كان للورثة أن يؤخروه وللوصي إن كانوا صغارا وللغرماء إن كان عليه دين يغترق ماله، وأبرأوا ذمة الميت 3. فرأى إن قصد الحالف أن لا يكون منه لرد، وليس أن يقضي عين 4 الغريم، وعلى القول بمراعاة الألفاظ، لا ينتفع بتأخير أحد ممن ذكر، فإن لم يقض قبل الأجل حنث؛ لأنه إنما شرط تأخير رجل بعينه، ويمكن أن لو كان الطالب حيا لم يرض بتأخيره.
وقال أشهب: لا يجوز تأخير الوصي ولا يجوز أن يسلف أموالهم 5. واختلف بعد القول أن التأخير لا يجوز هل يبر بتأخير الوصي؛ لأنه لم يلد عن القضاء أو يحنث؟ وإذا كان الدين يغترق مال الميت، جاز تأخير الغرماء1

على قول ابن القاسم إذا أبرأوا ذمة الميت، ولا يحتاج إلى مطالعة الورثة لأن الورثة إذا لم يكن هناك ما يرثونه لم ينظروا إلى ما يفعله الغرماء، وإن كان فضل احتيج إلى مطالعتهم فقد يختارون قضاء الدين ويبقى غرماء ميتهم لهم.

فصل [في من شرطت على من يتزوجها أمورا إن فعلها كان أمرها بيد أمها فماتت الأم]

وقال مالك -فيمن تزوج امرأة وشرطت عليه، أنها إن هو تزوج عليها أو تسرى أو خرج بها من بلدها، كان أمرها بيد أمها فماتت الأم- قال: إن كانت أوصت بما كان بيدها من ذلك إلى أحد، فذلك إلى من أوصت إليه به، وإن أوصت بغير ذلك من أحوالها ولم توص بالتمليك سقط ما كان بيدها 1. قال ابن القاسم: وإن لم توص بشيء فكأني رأيته يرى أن ذلك للابنة 2 بيدها، أو قال: ذلك لها ولم أتبينه 3، وروى علي بن زياد عن مالك أنه قال 4: لا يكون ذلك بيد أحد غير من جعله الزوج بيده؛ لأنه يقول لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيده للذي أعرف من نظره وقلة عجلته 5. وهذا أحسن إلا أن يكون ذلك بيد أجنبي؛ لأن المعلوم من شأن الأم الإمساك على 6 ابنتها وأن لا تطلق، ثم ينظر إلى أصل التمليك، فإن كان ذلك سؤال من الزوجة عاد

الأمر إليها، ومن حقها أن لا تبقى تحته وقد تزوج أو تسرى ولا تطلق، وإن لم يكن ذلك بسؤالها حسن أن يسقط التمليك.
وقال في كتاب محمد.
إن تزوج عليها وأرادت الأم الطلاق وأرادت (1) الابنة البقاء، كان القول قول الابنة إذا كان الشرط ليس للابنة، فإن قضت الأم قبل أن يزيله الحاكم من يدها مضى قضاؤها، وإن كان الشرط لرِضَى الأم كان لها أن تقضي.

فصل [في من باع سلعة ثم اشتراها على خيار]

ومن باع سلعة من رجل ثم اشتراها منه على خيار جاز، وسواء انتقد الأول الثمن أو لم ينتقد؛ لأن من حق الأول أن ينتقد ثمنه الآن، ولا يمنع من ذلك، لأجل الخيار، إلا أن يقول آخذها من الدين، أو أقيلك فيها فلا يجوز لأنه نقد في خيار.1

باب في البيع على رضى فلان أو خياره أو مشورته, ومن وكل على أن يشتري على البت فاشترى على خيار

البيع على رضى فلان أو خياره جائز، فإن رضي فلان بإمضاء البيع أو رده، كان الأمر على ما حكم من إمضاء أو رد، وإن كان ذلك شرطا من البائع والمشتري لم يكن لأحدهما عزله إلا باتفاق منهما، فإن اتفقا على عزله، أو على قبولٍ أو ردٍّ، قبل نظر فلان، كان الأمر إلى ما اتفقا عليه، وسقط ما بيد فلان، وإن اختلفا بقي على ما جعل له من ذلك حتى يقضي أو يرد.
وقال مالك فيمن اشترى على إن رضي فلان: فليس للمشتري أن يمضي ولا يرد حتى يوضى فلان 1. يريد إذا كان ذلك شرطا من البائع والمشتري؛ لأن قوله أشتري على إن رضي فلان، لا يقضي أن ذلك الشرط منه وحده.
واختلف إذا كان الشرط من أحدهما، فقال مالك: إن شرط البائع إن رضي فلان، كان البيع جائزا، فإن رضي فلان أو رضي البائع جاز البيع 2، ولم يقل أن له أن يرد قبل مطالعة فلان، وقال ابن حبيب: إن اختار الذي اشترط الخيار منهما لغيره، الأخذ أو الرد دون من اشترط له فذلك له، ولا مقال لصاحبه في ذلك، أن يقول ليس لك أن تختار شيئا دون الذي اشترطت له الخيار بائعا كان أو مشتريا 3. وأرى إذا كان الشرط من البائع، وكان رغبة المشتري في بت الشراء، فقال

البائع: حتى يختار فلان أو يرضى، أن يكون للبائع أن يمضي البيع؛ لأن ذلك كان رغبة المشتري وليس له أن يرد، وإن كان الشرط من المشتري ورغب البائع في بت البيع، فقال المشتري: لا حتى يختار فلان أو يرضى، أن يكون للمشتري أن يقبل البيع ولا ينتظر رضى فلان ولا خياره، وليس له أن يرد قبل مطالعة فلان؛ لأن البائع يقول قد كان العقد على إن رضيها لك لزمتك، وإن اشترط أحدهما مشورة فلان، كان له أن يقبل أو يرد ولا يستشيره وهذا قول مالك، إلا أن يدخلا على التزام ما يستشيره.
قال مالك -في شرح ابن مزين، فيمن باع سلعة على أن يستشير فلانا، فإن أمضى البيع ثم بينهما، ثم ندم (1) المشتري قبل أن يستشار الذي استثنى البائع نظره-: فالبيع لازم إن أجازه الذي استثنى نظره، قال: وإن ندم البائع لم يكن ذلك له، فألزم البيع في المشورة بقوله، فإن أمضى الذي يستشار فالبيع ثابت بينهما.
وقد غلط علي بن نافع في هذه المسألة، ونسب إليه أنه جعل المشورة مثل قوله إن رضي فلان، وأسقط من الرواية قوله: إن أمضى البيع تم بينهما، وإذا كان من شرط رضاه أو خياره، أو مشورته غائبا بعيد الغيبة لم يجز البيع.

فصل [في من وكل على أن يشتري على البت فاشترى على خيار]

اختلف فيمن وكل رجلا يشتري له سلعة على البت، فاشتراها على خيار، هل يلزم الأمر؟ فقال مالك -في كتاب محمد فيمن وكل رجلا يشتري له ثوبا، فاشتراه على خيار فضاع-: كان من الآمر فألزمه الشراء.
وقال محمد: الرسول1

ضامن إلا أن يبيّن الرسول للبائع أنه وكيل فيحلف لقد ضاع، وتكون المصيبة من البائع 1. والأول أحسن إذا لم يزد في الثمن لمكان الخيار؛ لأنه زاده خيرا بما جعل له من الارتياء ومهلة النظر، وإن زاد في الثمن لأجل الخيار كان متعديا.
وإذا جاز الخيار على قول مالك، لم يكن للوكيل رد ولا قبول دون مطالعة الموكل؛ لأن الخيار كان بوجه جائز، وعلى قول محمد يكون له أن يرد، إذا لم يبيّن أنه رسول؛ لأنه عنده متعد فله الرد ليرفع العداء، وله أن يقبل إذا رأى ذلك من حسن النظر، ويكون كمبتدئ شراء على بت.

باب في من اشترى على خيار، فأعتق، أو دبر، أو كَاتب، أو وطئ أو قبل أو نظر، أو باع، أو ساوم، أو أجر، أو رهن أو كانت أرضا فبنى أو غرس

ومن اشترى على خيار فوهب 1، أو تصدق أو أعتق أو دبر، أو كاتب أو أولد أو وطئ أو قبل، أو باشر أو نظر إلى الفرج، فإن ذلك رضا وقبولا للبيع، وإن نظر إليها متجردة وقال أردت معرفة جسدها، أحلف على ذلك ولم يكن رضا، وإن اعترف أنه أراد الالتذاذ بذلك فإن رضى، وإن ركب الدابة إلى الموضع القريب، أو استخدم العبد فيما يقصد من مثله الاختبار، وقال: ذلك أردت، صدق، وإن كان شرط الخيار لغير الاختبار، ثم تعدى وفعل ذلك لم يعد رضى؛ لأنه يقول تعديت لأختبر ما اشتريته.
واختلف في إجارة العبد وإسلامه للصناعة ورهنه وتزويجه والجناية عليه إذا كانت عمدا فقال ابن القاسم في جميع ذلك: إنه رضىً، وقال أشهب: ليس برضى 2. وأرى أن ينظر في الإجارة وإسلامه إلى الصناعة والرهن، إلى المدة التي عقد فيها ذلك، فإن كانت مدة أيام الخيار، وقال أردت بالإجارة أن أعلم قدر خراجه، وفي إسلامه للصناعة هل ترجى نجابته؟ وفي الرهن أنه كان لأمر

وقف عليه تلك المدة ثم قضاه، وقال أردت أن أرده بعد القضاء، أن يقبل قوله ويحلف؛ لأن كل ذلك مما يشبه أن يكون أراده، فلا يحمل عليه رضى مع الشك، وإن ضرب أجلا طويلا في جميع ذلك كان محمله على الرضى.
واختلف إذا تسوق به أو باعه، فروى ابن القاسم عن مالك: أنه رضى 1. وروى عنه علي بن زياد في البيع أنه ليس برضى.
وقال ابن حبيب: إن تسوق به فقال أردت أن أعرف رخصه من غلاه، حلف على ذلك وكان على خياره، وإن نكل لزمه 2، وهو أحسن.
وأما البيع فرواية ابن القاسم أحسن وذلك رضى.
وقال محمد: إن باع بربح لم يجز له ذلك، حتى يعلم البائع أو يشهد على نفسه قبل، فأما ما دام صاحبها ضامنا لها إن تلفت لم تطب له وكان من ربح ما لم يضمن، وقال أيضا: القول قوله ويحلف أنه كان اختار قبل البيع 3. وهذا أصوب لأن الغالب فيمن وجد ربحا أنه لا يجعله لغيره، وإن باعه المشتري والخيار للبائع وفات به المشتري الثاني 4، كان للبائع الأكثر من ثلاثة من الثمن الأول؛ لأنه يقول أنا أجيزه لك، أو الثمن الثاني؛ لأنه يقول لا أمضي إلا البيع الثاني، أو القيمة؛ لأنه يأخذه بالتعدي، وإن باعه البائع والخيار له، مضى بيعه وذلك رد لعقده مع الأول، وإن كان الخيار للمشتري كان بالخيار في ثلاثة، بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يقبل، أو يكون 5 له الأكثر من الثمن الثاني، أو القيمة يوم البيع الثاني.

فصل [في من اشترى على خيار فعتق أو وطئ]

وعِتْق من له الخيار من بائع أو مشترٍ ماض، وهو من البائع رد ومن المشتري قبول، وإن أعتق من لا خيار له افترق الجواب، فإن أعتق البائع والخيار للمشتري، كان عتقه موقوفا، فإن قبل المشتري سقط عتق البائع، وإن رد مضى عتقه.
وإن أعتق المشتري والخيار للبائع، فإن رد البائع سقط عتق المشتري، وكذلك إذا مضى له البيع لم يلزمه العتق؛ لأنه أعتق ما ليس في ملكه ولا في ضمانه، ويفارق هذا المشترى شراءا فاسدا يعتق قبل القبض، فإن العتق ماض على قول ابن القاسم؛ لأنه سلطه على العتق ولم يسلطه في بيع الخيار، ويصح أن يقال يلزمه العتق على قول ابن حبيب، فيمن اشترى عبدا على الخيار فجنى عليه ثم قبل 1، أن الجناية له 2، وكأنه لم يزل له من يومئذ، وإن باع عبدا بأمة وله الخيار ثم أعتق العبد مضى عتقه؛ لأنه رد لبيعه وترد الأمة إلى بائعها، وإن أعتق الأمة كان رضى بها ويكون العبد لمشتريه، وإن أعتقهما معا مضى عتقه في عبده وكانت الأمة لبائعها؛ لأن عتقه لعبده رد لبيعه، فكأنه قال أرد البيع في عبدي وآخذ الأمة، وذلك غير لازم لبائعها، وإن أعتقها بائع الأمة والخيار لبائع العبد، كان عتقه موقوفا، فإن لم يرض صاحب العبد بالبيع كان عبده له، وعتقت الأمة على بائعها، وإن رضي وأخذ الأمة وسلم العبد لم يعتق، وقال أبو الفرج: قال مالك -في الأمة تباع على خيار، فوطئها من لا خيار له فولدت، واختارها الآخر-:

فهي له دون من لا خيار له، والولد للواطئ بالقيمة، والأمة رد على الآخر 1، فدرأ الحد وألحق النسب؛ لأنه وطئ بوجه شبهة، فإن كان الولد من البائع فلأنها ملكه وفي ضمانه، وإن كان من المشتري فلأن العقد شبهة، ولم تمض الأمة أم ولد، كما لم يمض عتقها لو أعتقها من لا خيار له.
وقال محمد -فيمن باع أمة واحتبسها بالثمن، ثم وطئها فحملت-: لا حد عليه إذا احتبسها بالثمن، للاختلاف في قول من يقول إنها من البائع والجارية للمشتري، وله على البائع قيمة الولد.
قال ابن القاسم: وإن أمكن البائع منها المشتري، فأقرها المشتري عنده فوطئها البائع بعد الاستبراء، كان زانيا وعليه الحد أو الرجم، وإن وطئها قبل البيع ولم يستبرئ درأ الحد؛ لأني لا أدري لعل الحمل كان قبل البيع، ويفسخ البيع وتكون له أم ولد 2، فإذا لم يحد في بيع البت، لم يحد في بيع الخيار.
وإذا كان الخيار للمشتري فوطئها كان رضى، فإن كانت من الوخش دفع الثمن، وإن كانت من العلي وأقر البائع بالوطء، وقفت للاستبراء، فإن تبين ألا حمل بها دفع الثمن، وإن ظهر حمل ووضعت لستة أشهر فأكثر دعي له القافة، وإن هلكت قبل ظهور الحمل كانت من البائع، ويختلف إن هلكت وهي في يد المشتري قبل أن توقف 3 هل تكون منه 4 أو من البائع؟ لأنه لا يختار بالوطء إلا لتبقى عنده، ويتمادى على مثل ذلك.
وقد اختلف فيمن اشترى

جارية من العلي ليقبضها، كما يقبض وخش الرقيق، فقيل: المصيبة من البائع وقيل المصيبة (1) من المشتري.
وقيل: إن أقر البائع بالوطء كانت منه، وإن أنكر كانت من المشتري، ولا يختلف أنها إن لم تفت تنزع وتوقف؛ لأن البائع باع بيعا صحيحا، على الاستبراء وتزويج الأمة رضى، بخلاف تزويج العبد؛ لأنه اشترى له متعة، وتزويجها بيع لمنافعها وهو ضرب من تمليكها، وإن كانت مبوأة كان أبين؛ لأنه لم تبق فيها منفعة لأحد سوى زوجها، فأشبه لو باع بعضها.

فصل [في من اشترى على خيار فبنى أو غرس]

البناء والغرس ممن له خيار رضى، لإمضاء البيع، إن كان من المشتري فقبول، وإن كان من البائع فرد، وإن بنى أو غرس من لا خيار له نظرت، فإن كان ذلك من المشتري، والخيار للبائع فأمضى له البيع مضى فعله، وإن رد كان على البائع قيمة ذلك منقوضا، وهو قول سحنون في العتبية 2، ولم يجعله بمنزلة من بنى بوجه شبهة، وإن كان الخيار للمشتري فقيل: إن بنى البائع أو غرس، كان للمشتري على قول سحنون أن يدفع للبائع قيمته منقوضا؛ لأنه وإن كان فعل ذلك في ملكه، فإنه متعد على المشتري لما عقد له من البيع.
وقال سحنون: إذا كان الخيار للبائع، فكل شيء يفعله مما لو فعله المشتري1

كان رضى، فهو إذا فعله البائع رد البيع 1. وليس هذا بالبيّن في جميع هذه الوجوه، فإن آجر البائع العبد في أيام الخيار، وكان من عبيد الإجارة، أو بعثه 2 في صناعة لم يكن رد؛ لأن غلاته ومنافعه له حتى 3 يمضي البيع.

باب في الجناية على المبيع في أيام الخيار وإذا تغير بزيادة أو نقصان وفي الغلات والولادة

لا تخلوا الجناية على العبد في أيام الخيار من أربعة أوجه: إما أن تكون من البائع، أو من المشتري، أو من أجنبي، أو من غير فعل آدمي، فإن كانت من البائع قتله 1 خطئا، انفسخ البيع ولا شيء للمشتري إن كانت القيمة أكثر، وإن قتله عمدا وكانت القيمة أكثر، كان للمشتري أن يأخذ فضل القيمة على الثمن؛ لأن التوفية عند قبول المشتري حق على البائع، فليس له أن يعمد 2 بفعل شيء يمنع من ذلك، فإن فعل كان للمشتري أن يأخذه بحكم التعدي، وإن كانت الجناية دون النفس خطئًا، كان المشتري بالخيار بين أن يقبله معيبا، ولا شيء له من قيمة العيب أو يترك، وإن كانت عمدًا كان له أن يأخذه معيبًا وقيمة العيب ويدفع الثمن.
وقال ابن القاسم: إن جنى عليها المشتري خطئًا وكانت الجناية يسيرة، كان المشتري بالخيار بين أن يمسك أو يرد وما نقصته الجناية، وإن كان أفسده ضمن الثمن كله، وعلى هذا إن قتله عمدًا غرم الثمن 3. وقال سحنون: يغرم القيمة 4. وهو أحسن وليس هذا بمنزلة من أهللناسلعة وقفت على ثمن؛ لأن الثمن في الخيار لم يثبت، وإنما يغرم ثمن السلعة إذا وقفت على ثمن تمالأ عليه جماعة فيصير كالقيمة.

وقال ابن القاسم: جناية العمد رضى، وقال أشهب: ليس برضى لأن ذلك مما يفعل عند الغيظ والغضب (1). ولو قيل: يغرم الأقل لكان وجها، فإن كانت القيمة أقل غرمها؛ لأنه لم يرض الشراء، وإن كان الثمن أقل أغرمه؛ لأن البائع رضي منه به، وإذا كانت الجناية رضا على القول الأول، كان قليلها وكثيرها في ذلك سواء، فإن لم تكن مثلة لم يعتق، وإن كانت مثلة عتق؛ لأنه إن عد رضى فقد مثَّل بعبده؛ لأنه ملكه قبل أن يجني، ونية الرضى تسبق الجناية، وإن كانت الجناية من أجنبي كان الخطأ والعمد سواء، فإن قتله انفسخ البيع وكانت القيمة للبائع قلت أو كثرت، وإن كانت الجناية دون النفس أخذها البائع، وخير المشتري بين أن يقبل العبد معيبا ولا شيء له أو يتركه، وكذلك إن كانت الجناية بأمر من الله تعالى وهي دون النفس، كان المشتري بالخيار بين أن يقبله بجميع الثمن أو يرده.
وقال ابن حبيب: إذا كانت الجناية من أجنبي ورضيه المشتري، كانت الجناية للمشتري، ورأى أنه إذا رضيه كأنه لم يزل منعقدا من وقت البيع.

فصل [في حدوث العيب في أيام الخيار]

وإذا حدث عيب في أيام الخيار فرضيه المشتري وقبل البيع، ثم حدث عنده عيب مفسد، ثم وجد عيبا قديما فأحب التمسك والرجوع بالعيب القديم، قوّم العبد قيمتين قيمة بعيب الخيار كأنه اشتراه به من الأول، وقيمة بالعيب الذي لم يعلم به، فحط من الثمن ما ينوبه تسعًا كان أو عشرًا أو غير ذلك، وكلا القيمتين يوم قبل؛ لأنه حينئذ ضمنه، وليس يوم اشترى على خيار.1

وإن أحب الرد زيدت قيمة ثالثة بالعيب الحادث عنده، وهي قيمته بالعيوب الثلاثة فما حطت قيمته بالعيب الثالث عن القيمتين حط عن البائع (1) من الثمن بقدره ورجع المشتري (2) بالباقي، وإن كان البيع فاسدًا؛ لأنه بيع في أيام الخيار بشرط النقد، أو غير ذلك من وجوه الفساد، وكان قد حدث به عيب في أيام الخيار علم به ورضيه، ثم وجد عيبًا قديمًا قوم قيمة واحدة بالعيبين جميعًا، يوم قبله لأن الثمن كان فاسدًا فسقط، وإنما يغرم قيمة ما قبض على هيئته يوم القبض، وكذلك إن حدث عنده عيب مفسد وأحب التمسك، فإنه يقوم قيمة واحدة، وإن أحب الرد زيدت قيمة ثانية، فتحط قيمة العيب الحادث من تلك القيمة، وإن تغيّر سوقه بعد قبضه ولم يتغير في نفسه، كان قد فات في البيع الفاسد ولم يفت في العيب، فإن أحب أن يرده بالعيب كان ذلك له، وإن أحب أن يمسكه ويغرم قيمته كان ذلك له.
واختلف هل يغرم قيمته سالمًا أو معيبًا؟ فقال سحنون وابن عبدوس: يقوّم معيبًا.
وقال محمد: يقوم سالمًا؛ لأنه قد ملك الرد، وحوالة الأسواق ليست بفوت من ناحية العيب.
والأول أحسن وإنما قبض معيبًا وعمرت ذمته بمعيب فلا يغرم فوق ما قبض.

فصل [في تغيّر المبيع بالزيادة أو النقصان أيام الخيار]

تغيّر المبيع في أيام الخيار بزيادة أو نقص للبائع وعليه، فإن كان الخيار له وحدث به 3 عيب، ثم أمضى البائع البيع كان للمشتري أن لا يقبله معيبا، وإن12

نمى وزاد زيادة خارجة عن المعتاد، والخيار للمشتري وقبله، كان للبائع أن لا يمضي له البيع، وإن كانت غنمًا فاحتلب لبنها وجزّ صوفها وولدت، كان اللبن للبائع؛ لأنه غلة والصوف للمشتري؛ لأنه مما انعقد فيه البيع.
واختلف في الولد فقال ابن القاسم: هو للمشتري.
وقال أشهب: هو 1 للبائع.
2 والأول أصوب؛ لأنها لا تضع في أيام الخيار، إلا وهي في وقت العهد ظاهرة الحمل بقرب، وقد انعقد البيع على تسليمها بحملها، ولو كنت أقول أن للبائع في الولد مقالًا، لم أر إذا كان الخيار له أن يلزم المشتري الأمهات بغير أولادها؛ لأن المشتري زاد في الثمن لما يرجو من ولادتها، ومعلوم أن ثمنها حاملا أكثر، وثمنها بعد الوضع والولد معها أكثر من ثمنها حاملًا، فذلك النماء تقدم بعضه في وقت العقد وبعضه بعد، فليس للبائع أن يأخذه كله، وكذلك إذا كان الخيار للمشتري وَقَبِلَ، فليس للبائع أن يأخذ الأولاد وجميع الثمن، وهذا في الغنم والإماء إذا كن من الوخش، وأما إذا كن من العلي فإن للبائع مقالا في الأم على قول ابن القاسم.
وإن كان الخيار للمشتري وَقَبِلَ، كانت الأمة وولدها له، إلَّا أن يَقُوم البائع بحقه في الأم؛ لأن حمل العلي عيب، وقد ذهب العيب في أيام الخيار، وكذلك إن مات الولد أو أسقطته ميتًا وَقَبِلَهَا المشتري، فإن للبائع أن يردها إن شاء؛ لأن عيب الحمل قد ذهب، وعلى قول أشهب له مقال في الأم والولد، فإن أسقط مقاله في ذهاب العيب سلمها دون الولد.
واختلف في التفرقة فقال محمد: يفسخ البيع بمنزلة من باع جارية ولها

ولد صغير وسكتا عن الولد، فإن البيع يفسخ.
قال: وقد 1 قيل: لا يفسخ البيع ويكون الولد للبائع، فإن اختار المشتري الأخذ، خُيِّرَا على أن يجمعا أو يبيعا من واحد، ثم يقسمان الثمن ولا يفسخ البيع؛ لأن أصله كان جائزًا، والجواب الأول في العتبية لابن القاسم والثاني لأصبغ 2.

باب في ضمان ما اشترى على خيار

ومن اشترى ثوبا يختاره من ثوبين فادعى ضياعهما أو أحدهما، ومن اشترى ثوبا على خيار وبان به ثم ادعى ضياعه، لم يصدق وسواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وقال ابن كنانة: الضمان من مشترط الخيار 1. فإذا بان به المشتري والخيار للبائع، لم يضمن على قوله؛ لأن المشتري رغبه في أخذه على بت، فامتنع من ذلك البائع ووقفه لخيار نفسه ولمنفعته دون المشتري، فصار قاصدا للائتمان مع القدرة على غير ذلك، وإن بقي في يد البائع والخيار للمشتري، كان ضمانه من البائع على القولين جميعا.
ويختلف إذا قال المشتري أنا أقبله، فعلى قول ابن القاسم يحلف البائع لقد ضاع ويبرأ، وعلى قول أشهب يحلف ثم يغرم فضل القيمة على الثمن، إن كان فيها فضل.
واختلف إذا ضاع عند المشتري والخيار له أو للبائع، فقول ابن القاسم يغرم الثمن إن كان الخيار للمشتري بغير يمين، وإن كانت القيمة أقل من الثمن فإنه يغرم الثمن، وكذلك إن كان الخيار للبائع وقيمته أقل من الثمن، وإن كانت قيمته أكثر حلف لقد ضاع وغرم الثمن، فإن نكل غرم القيمة.
وقال أشهب: إن كان الخيار للمشتري غرم الأقل من القيمة أو الثمن 2، فإن كان الثمن أقل غرمه بغير يمين؛ لأنه كان له أن يقبله، وإن كانت القيمة أقل غرمها بعد اليمين، فإن نكل غرم الثمن، وإن كان الخيار للبائع غرم

الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن كان الثمن أكثر قال: أنا أجيز البيع، وإن كانت القيمة أكثر قال: لا أجيز البيع، فكانت له القيمة بلا يمين ها هنا على واحد منهما.

فصل

وهو في الثوبين على أربعة أوجه: إما أن يأخذهما على أنه بالخيار في أحدهما، أو يردهما أو يأخذ واحدا وذلك لازم له أو يرد الآخر، أو قد لزمه أحدهما وهو بالخيار في الآخر، أو على أن يأخذهما جميعا أو يردهما.
فاختلف إذا أخذهما ليختار واحدًا أو يردهما، فادعى ضياعهما على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: يضمن واحدا منهما بالثمن 1. وقال أشهب: يضمنهما جميعا أحدهما بالقيمة والآخر بالأقل من القيمة أو الثمن 2. وقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: إن كان البائع هو المتطوع بذلك فقال: خذ واحدا فاختره منهما ضمن واحدا، وإن كان المشتري سأل البائع أن يعطيه إياهما حتى يختار ضمنهما كليهما، وهذا قوله في الذي دفع أربعة ليختار منها واحدا فقال محمد: لا يضمن إلا واحدا؛ لأن البائع دفعها 3 عن رضى وحرص وإن كان المشتري الذي ابتدأ المسألة 4. وقال ابن حبيب يضمنهما جميعا بالثمن الذي سمى لكل واحد، وإنما سار بها على الخيار فيها كلها، ينتقل بخياره من هذا إلى هذا، وهو قول أصحاب

مالك ولم يكن في شيء منهما مؤتمنا (1) كما قال ابن القاسم انتهى قوله.
وقوله يضمنها لأنه قبضها على أنه بالخيار في كل واحد منها حسن، وقول أشهب إن أحدهما بالقيمة والآخر بالأقل أحسن، وليس له أن يدفع الثمن فيهما، ولا ذلك عليه؛ لأنه لم يجعل له أن يحبس اثنين.
واختلف إذا ادعى ضياع أحدهما، فقال ابن القاسم: يضمن نصف ثمن التالف وهو بالخيار (2) في الباقي بين أن يأخذه أو يرده، قال محمد: ليس له أن يأخذ إلا نصف الباقي؛ لأنه إنما باعه ثوبا ولم يبعه ثوبا ونصفا (3). وقول أشهب أحسن أنه بالخيار، إن شاء رد الباقي، وغرم في التالف الأقل، أو يمسكه ويغرم فيه الثمن، وفي التالف القيمة قلت أو كثرت.

فصل [في من أخد الثوبين على أن أحدهما لازم له ويرد الآخر]

وإن أخذهما على أن أحدهما لازم له 4 ويرد الآخر، كان الجواب على الاختلاف المتقدم، فعلى قول ابن القاسم يضمن واحدا، وعلى قول أشهب وما ذكره ابن حبيب يضمنهما جميعا 5، والقول الآخر: أنه إن كان ذلك 6 برغبة من البائع ضمن له واحدا، وإن كان برغبة من المشتري123

ضمنهما، وهذا مع عدم البينة.
ويختلف إذا شهدت البينة بضياعهما، فقول ابن القاسم أنه يضمن واحدا، والبينة وعدمها في ذلك سواء، وأصل أشهب أنه يضمنهما كالرهان والعواري، 1 ويجري فيها قول ثالث أن لا ضمان عليه فيهما.
وأرى أن يكون ضامنا لهما مع عدم البينة، وأن لا شيء عليه إذا شهدت البينة بضياعهما؛ لأن المشتري قبضهما على أنهما، على ملك البائع حتى يختار واحدا، والتزم أن يختار واحدا، فإذا ضاعا قبل أن يختار، كانت المصيبة من البائع؛ لأنهما على ملكه ولا ينتقلان عن 2 ملكه إلى ملك المشتري إلا أن يختار.
واختلف إذا ضاع أحدهما فقال محمد: الهالك منهما والسالم بينهما، وعليه نصف ثمنها، وفي المستخرجة يلزمه نصف ثمن الثوب التالف، وله أن يرد الباقي.
وقال محمد أيضًا: إذا كانا عبدين أخذهما ليختار أحدهما، وذلك واجب عليه فهلك أحدهما كان من البائع، ويجب رد الباقي على المشتري.
وفي كتاب ابن سحنون: أن له أن يرد الباقي، وقاله أشهب وابن عبد الحكم 3. فوجه الأول أنه لما كان أحدهما على وجه الشراء، والآخر على وجه الأمانة، ولم يعين ما كان على وجه الشراء مما هو على وجه الأمانة، جعل نصفا ونصفا.
ووجه القول أن له أن يرد الباقي؛ لأن الشركة عيب، ولم يدخل المشتري على شركة، فكان له أن يرد بعيب الشركة.
ووجه القول أن لا شيء عليه في التالف؛ لأن كل مبيع على خيار، على ملك بائعه حتى يختاره المشتري،

وإنما فائدة الإيجاب أنه لابد للمشتري أن يختار أحدهما، وليس القصد إيجاب الشراء في نصف كل واحد، ثم يجمع النصفين في ثوب واحد أو عبد، ولزمه الباقي لما كان الاختيار في التالف لا يصح، وهو بمنزلة من قال لعبديه 1 أحدكما حر، فمات أحدهما قبل أن يختار، فقيل: الباقي حر؛ لأنا لا نجد موضعا للعتق والبيع إلا في الباقي.
وقد اختلف قول سحنون فيمن قال لعبديه: أحدكما حر فقتلا، فقال: على قاتل الأول قيمة عبد، وعلى 2 الثاني دية حر في الخطأ، ويقتص منه في العمد.
وإن ماتا ورث الأولَ سيدُه بالرق، والثاني ورثته الأحرار، ثم رجع فقال: إن ماتا ورثا بالرق، وإن قتلا فقيمة عبدين قال: ولا يعتق واحد منهما قبل اختياره 3، فعلى هذا يكون له أن يرد الباقي وهو أقيسهما؛ لأن المشتري دخل على أنهما على ملك البائع حتى يختار، فهو يقول لو كانا قائمين لأمكن أن يحسن 4 عندي الهالك، أو هو الذي كنت أرغب فيه، وقد هلك وهو على ملك المشتري، فيحلف أنه هلك قبل أن يختاره ويبرأ 5. واختلف إذا قال المشتري: كنت اخترت هذا الباقي قبل هلاك صاحبه هل يقبل قوله؟

فصل [في من أخذ الثوبين على أن يمسكهما أو يرد واحدا والآخر لازم، فضاعا]

وإذا أخذ الثوبين على أنه بالخيار، بين أن يمسكهما أو يرد واحدا والآخر لازم له فضاعا، ضمنهما قولا واحدا إن لم تشهد البينة على الضياع.
ويختلف إذا قامت البينة على ضياعهما، فقول ابن القاسم يسقط عنه ضمان واحد، وعلى قول أشهب الضمان على حاله فيهما، وعلى القول الآخر لا شيء عليه فيهما، ومصيبتهما من صاحبهما فيسقط عنه 1 ضمان واحد؛ لأنه كان له أن يرده، وضمان الآخر؛ لأنه على ملك صاحبه حتى يختاره، إذا حلف أنه لم يكن اختار منهما شيئًا حتى ضاعا، وإن ضاع أحدهما ضمنه، إلا أن تقوم بينة بضياعه، فيسقط ضمان نصفه عند ابن القاسم، ويلزمه نصف الباقي، ويكون بالخيار في نصفه الثاني، بين أن يمسكه ويلزم 2 ثمن جميعه، أو يرد النصف ويلزم ثمن النصف الآخر 3، وعلى القول الآخر له أن يرد جميعه، يرد نصفا؛ لأنه كان فيه بالخيار، ونصفا لعيب الشركة.
وعلى أحد قولي سحنون لا شيء عليه في التالف؛ لأنه ضاع وهو على ملك بائعه، وإن اشتراهما صفقة واحدة على إن شاء أخذهما أو ردهما ضمنهما، إلا أن تشهد بينة على الضياع، وإن ادعى ضياع أحدهما ضمنه عند ابن القاسم بالثمن، قال: وله أن يرد الآخر بما ينوبه من ثمن صاحبه.

وعلى قول أشهب له أن يرد الباقي ويغرم قيمة التالف، أو يمسك ويغرم قيمة (1) ثمنهما (2) وهو أبين (3).

فصل [في من اشترى ثوبا يختاره من ثوبين فمضمت أيام الخيار]

وقال ابن القاسم- فيمن 4 اشترى ثوبا يختاره من ثوبين فمضت أيام الخيار وتباعد ذلك فليمس له أن يأخذ واحدا، إلا أن يكون أشهد قبل مضي الأمد 5 أو فيما قرب أنه أخذه وهو قول مالك 6.123

[باب] (1) الدعوى في بيع الخيار، ومن اشترى ثوبين من رجلين على خيار فاختلطا عليه

وقال ابن القاسم -فيمن اشترى ثوبا أو جارية بالخيار، ثم اختلفا في حين ردهما 2 فقال البائع: ليس هو ثوبي ولا جاريتي-: أن القول قول المشتري مع يمينه لأنه أمينه 3. قال الشيخ: ولو كانت هبة ثواب لكان القول قول الموهوب له، أنها الهبة التي قبض منه؛ لأنها وإن كانت آكد من بيع الخيار، فهي على القبول حتى ترد، وبيع الخيار على الرد حتى يقبل بخلاف بيع البت، لما كان أخذها 4 بالخيار في أن يأخذ 5 أو يرد؛ لأن الواهب دخل على أن له أن يردها، وأما بيع البت 6 يطلع فيه على عيب، فيقول البائع: ليس هذا 7 الثوب الذي بعت منك، فإن القول قول البائع؛ لأنه الغارم ولم يدخل معه على رد، ولو صدقه أنه الثوب الذي باع منه، فكان ثمنه ثوبا أو عبدا فاختلفا فيه، فقال بائع العبد أو الثوب: غير هذا كنت سلمت إليك، كان القول قول من يرده؛ لأن البيع قد 8 انتقض برد المعيب، فكان القول قول الغارم أنه الذي كنت قبضت ولو فات واختلف1

في صفته كان القول (1) قول قابضه أيضا؛ لأنه هو الغارم.

فصل [فيمن اشترى ثوبين من رجلين على خيار فاختلطا عليه]

وقال مالك في كتاب محمد -فيمن اشترى ثوبين من رجلين بالخيار، فلما أراد ردهما ادعى كل واحد من البائعين الجيد منهما، وادعى المشتري معرفته أنه لأحدهما-: كان القول قول المشتري مع يمينه، وإن اختلفا 2 عليه حلف كل واحد من البائعين على الجيد أنه له ثم يكون المشتري بالخيار بين أن يغرم لكل واحد ثمنه أو يسلم الجيد 3، لأحدهما ويغرم للآخر ثمنه، قال ابن القاسم: فإن نكل البائعان قيل للمشتري: ادفع الجيد إليهما واحتبس الأدنى حتى يدعياه 4. وقال ابن كنانة -في كتاب المدنيين-: إذا ادعى البائعان الجيد فقد أبرئا المشتري، فيحلفا على الجيد ويقسم بينهما، وينقلب المشتري بالثوب الآخر حتى يطلب على وجهه.
قال: ولو قطع أحد الثوبين ورد الآخر فقال: لمن هذا منكما؟ فأنكراه، والمشتري لا يعرف لمن هو منهما، فإنهما يحلفان أنه ليس لهما ويمسكه ويغرم ثمن الثوبين.
وقال مالك -في كتاب ابن حبيب-: إذا كان ثمن أحدهما عشرة والآخر1

خمسة، فققطع الذي بعشرة وشك لمن هو منهما، وكلاهما يدعيه حلفا ثم يغرم عشرة وهي ثمنه، ويغرم أيضًا قيمته، فتكون العشرة والقيمة بينهما، إلا أن تكون القيمة أكثر من عشرة، فلا يغرم إلا عشرين، ثمنه مرتين.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان للحالف عشرة وللناكل الثوب المردود، قال: وكذلك لو رد الثوبين جميعا، فادعى كل واحد منهما 1 الرفيع، فالجواب على ما ذكرنا 2. قال الشيخ: أما إذا ادعى المشتري معرفة ثوب كل واحد منهما وهما قائمان، سلم الجيد لمن اعترف له به، وحلف للآخر أن الدنيء له، ثم يعود المقال بين البائعين، فيحلف من أقر له المشتري بالجيد أنه له؛ لأن الآخر يقول أنت تعلم أن 3 الجيد لي، فإن نكل حلف الآخر وأخذه، وسلم إليه الدنيء؛ لأنه إن نكل المشتري عن اليمين، حلف البائع أن الذي أقررت به لصاحبي هو ثوبي، ثم يكون له على المشتري، الأقل من الثمن الذي اشترى به منه أو قيمة الجيد، فإن كان الثمن أقل قال: قد كان لي أن أقبل به، وإن كانت القيمة أقل قال: ليس علي سواه لأني لم أقبله 4، فتقول ذلك رضى منك؛ لأنك حبسته وهذا هو في يد غيري يدعيه لنفسه، ولبائعه أن يحلف المقر له إذا كانت القيمة أقل، فإن حلف لم يكن له سوى القيمة من المشتري، فإن نكل حلف مدعيه واحدة، ويكون للناكل ثوب الحالف، وأما إذا لم يعلم ثوب كل واحد منهما

وكانا قائمين، فالخلاف المتقدم فيها 1 راجع إلى أنه هل يعذر بالنسيان؟ وقد اختلف في هذا الأصل فيمن أودع مائة دينار فادعاها رجلان، هل يعذر بالنسيان؟ وتكون المائة بينهما، أو لا يعذر ويغرم لكل واحد منهما مائة، فرأى مالك أنه: لا يعذر بالنسيان، ويغرم لكل واحد ثمنه إذا حلفا، أو يسلم الجيد منهما لهما، ويغرم لكل واحد نصف ثمنه 2. ورأى ابن كنانة أنه: لا يغرم 3 ويعذر 4 بالنسيان، فيقسمان الجيد بعد أيمانهما، ويحلف المشتري على الآخر، أنه أحد الثوبين الذي اشترى منهما ويبرأ، ويقسمانه إن أحبا وإلا وقف حتى يدعو إلى قسمتمه، وإن قطع أحدهما وأنكر كل واحد الباقي، وأنكر أيضًا المقطوع؛ لأن القطع غيّره، وقال المشتري: لا أعلم أيهما هو، غرم لكل واحد ثمنه، وعلى هذا تكلم ابن كنانة.
وإن ادعى كل واحد أن 5 المقطوع أنه 6 له، عاد الجواب إلى ما تقدم، فعلى قول ابن كنانة، يغرم لكل واحد نصف ما اشترى منه به، وكان الباقي بينهما 7، وعلى قول مالك يغرم ثمنه مرتين، إلا أن تكون القيمة أقل، وعلى هذا الوجه تكلم مالك في كتاب ابن حبيب.

فصل (1) [في المشتري بالخيار يدعي إباق العبد، أو تلف الدابة]

وإذا ادعى المشتري بالخيار إباق العبد، أو تلف الدابة، كان القول قوله مع يمينه، فيحلف على الإباق والتلف ويزيد في يمينه وأن ذلك كان 2 قبل اختياره 3، فإن نكل عن اليمين غرم الثمن، ولو حلف على الإباق والتلف ونكل عن أن يكون ذلك قبل أن يختار أو حلف 4 أنه لم يختر ونكل عن الإباق والتلف لغرم الثمن، وإن ادعى أن ذلك كان بحضرة فلان وفلان فأنكرا أن يكون ذلك 5 بحضرتهما، وكانا عدلين غرم الثمن وإن لم يكونا عدلين لم يغرم، وعاد الجواب إلى ما تقدم من يمينه، وإن ادعى الموت كان القول قوله، إذا كان في سفر ولا أحد معه، أو كان معه من لا يقبل، وإن كان معه من يقبل قوله، وقالوا لم يمت بحضرتنا شيء لم يقبل قوله، ومثله إذا كان في حاضرة وكذبه جيرانه، 6 فإن لم يكونوا عدولا قبل قوله مع يمينه، وإن كانوا عدولا وكان مثل ذلك لا يخفى عليهم لم يصدق وغرم.1

باب فيمن يبيع حائطه، أو ثمار حائطه ويستثني بعض ذلك أو يشترط ذلك (1)، أو يشترط ذلك المشتري على البائع

ومن باع حائطه فاستثنى بعضه، فإنه في استثنائه ذلك على ثلاثة أوجه: إما أن يستثني جزءا أو عددا، ولا يشترط خيارا، أو يشترط الخيار، فإن استثنى جزءا جاز ذلك، قل ذلك أو كثر، فإن استثنى الثلثين كان قد باع ثلثا على الشياع وذلك جائز، وكذلك إن استثنى عددا ولم يشترط خيارا، يجوز؛ لأنه يعود إلى الجزء، فإن استثنى ستين من مائة كان قد باع خمسيها، وإن اشترط الخيار جاز أن يكون له الخيار 2، في أقل المبيع ولا يجوز في أكثره، ويختلف 3 في النصف.
وإن كان الخيار للمشتري جاز في أكثر ذلك وأقله، وإن اشترط البائع جزءا أو عددا من غير خيار، جاز ذلك؛ لأنه يعود إلى الجزء، فإن كانت مائة فاستثنى نصفها وعشرها 4، كان قد استثنى ثلاثة أخماسها، وإن اشترط جزءا وخيارا، أو عددا وخيارا لم يجز، إلا أن يكون الخيار اليسير، في 5 تلك الجملة التي وقع فيها البيع، مثل أن تكون الجملة مائة، فيستثنى المشتري النصف وخيار عشرة، فيجوز؛ لأنه بمنزلة من باع من رجل على الخيار، وباع1

جارٍ التحميل