النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أول الحج الثالث (1)
باب في حكم من فاته الحج أو أفسده
ولمن أحرم بالحج ففاته أن يحل بعمرة، فإن كان بمكة أو قريبًا منها- استحب له أن يحل؛ لأنه لا يأمن أن يدخل عليه فساد من حاجته إلى النساء، أو يصيب صيدًا؛ فكان إحلاله أولى وأسلم له.
وإن كان على بعد كان بالخيار بين أن يمضي فيحل، أو يبقى على إحرامه لقابل؛ لأن عليه مشقة في كلا الأمرين: في بقائه على إحرامه، وفي مضيه؛ فيحل فيقيم عند أهله لقابل، أو يعود فيتكلف الخروج للقضاء.
فلم يؤمر أن يقدم أحدهما على الآخر.
وقاله أشهب في كتاب محمد، في عبد أحرم بالحج بإذن سيده، ففاته، قال: فليس لسيده أن يمنعه أن يحل بعمرة إن كان قريبًا، وإن كان بعيدًا كان له أن يبقيه فيه على إحرامه لقابل، أو يأذن له فيحل بعمرة 2. وقال محمد فيمن أحرم بحج فأفسده، وفاته: إنه ينحل بعمرة، ولا يقيم على إحرامه لقابل 3.
يريد: لأنه إن أقام لقابل على إحرامه ثم حج لم يجزه عن الفائت؛ لأنه1
فاسد.
فأمره بالإحلال ليأتي قابلًا بحجة تجزئه، ولاسيما على القول أن الحج على الفور.
وإن استأنف إهلالًا بالحج لم ينعقد، وكان على حجه الفاسد؛ لأن إحرامه الأول لم ينحل.
ومن فاته الحج فنوى أن ينحل بعمرة، ثم بدا له أن يقيم لقابل؛ كان ذلك له 1. قال محمد: ولكن إن أحب أن يقيم على إحرامه لقابل، ثم بدا له إن عجل بعمرة 2؛ كان ذلك له.
وقال ابن القاسم فيمن فاته الحج فطاف وسعى، وقال هذا لحج قابل: أخاف ألا يكون ذلك مجزئًا عنه.
وهذا مراعاة لاختلاف الناس فيمن طاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه لا يجزئه.
وقد قال مالك في الكتاب الأول، فيمن قرن فطاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه يجزئه 3. والإعادة بعد ذلك أحوط.
وقد قيل: معنى قول ابن القاسم ألا يجزئه؛ لما كان له أن ينحل عقبه بعمرة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه لا خلاف أنه باق على إحرامه للحج، ولم ينحل بذلك الطواف، والإحلال له جائز ما لم تدخل أشهر الحج؛ فيؤمر حينئذ ألا ينحل.
واختلف إذا فعل، فقال مرة: إحلاله باطل.
وقال مرة: يصح إحلاله، ولا يكون متمتعًا.
وقال أيضًا: يكون متمتعًا.
فلم ير إحلاله في القول الأول يصح لما صار إلى وقت ينوب فيه الإنسان إلى أن ينشئ الحج.
وقوله: أنه يصح إحلاله إن أراد أن يحل في أوائل أشهر الحج؛ لأنه قد تكلف مشقة في الصبر إلى الآن، وفي بقائه على ذلك شهرين آخرين إذا أضيف إلى الأول مشقة.
فكان له
أن يحل وينتفع بأهله ما بينه وبين آخر الوقت.
ولا يكون متمتعًا فيلزمه هديين: هدي التمتع بالإحلال، وهدي التمتع بالعمرة؛ لأنه لم يبتدئ عمرة، وإنما أتى بها لمكان الإحلال، فكان عليه هدي التمتع بالإحلال وحده.
فإن لم يحل حتى أتى بالحج لقابل لم يكن عليه هدي؛ لأن الهدي لم يكن لمكان الفوات، وإنما كان لأجل الانتفاع بالإحلال.
وإن أصاب أهله بعد أن فاته الحج، وقتل صيدًا أو تطيب- كان قد أفسد الحج.
وإن كان له أن ينحل بعمرة؛ فلا يكون مفسدًا لعمرة؛ لأنه كان له أن يبقى على إحرامه لقابل، إلا أن إفساده الحج لا ينقله عن حكم الفوات، وأن له أن ينحل بعمرة، ويقضي الفائت حسبما كان له (1) لو لم يفسد.
فصل [فيمن وطئ أهله في حج أو عمرة]
وقال مالك فيمن جامع امرأته في الحج: يفترقان قابلًا من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يحلا 2. قال أبو الحسن ابن القصار: ولم يبين هل ذلك واجب، أو مستحب.
قال: وعنه أنه يستحب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ذلك مستحب لمن فعله جهلًا بالتحريم، وواجب إذا كان عالمًا بتحريمه، فيجبر على الافتراق، وسواء كان معه الآن تلك الزوجة، أو غيرها أو سُرِّيَّةً؛ لأنه لا يؤمن أن يأتي مع من هو معه مثل ذلك.
قال مالك: ومن أفسد عمرة أو حجًا؛ أحرم من حيث كان أحرم بهما، إلا أن1
يكون أحرم من أبعد من الميقات، فليس عليه أن يحرم إلا من الميقات (1).
ولم ير في تقديم الإحرام على الميقات فضل، ومحمل قوله: -أنه لا يحرم إلا من حيث أحرم أولًا- على أنه كان أحرم من هناك بوجه جائز؛ لأنه جاوز الميقات، وهو لا يريد دخول مكة، أو غير ذلك من العذر، ومن كان تعدى أولًا أُمِرَ الآن ألا يتعدى ميقاته.
وقد قال: أستحب لمن قدم مكة بعمرة، ثم أحب أن ينشئ الحج، وعليه نفس أن يخرج لميقاته (2). وإن كان إحرامه الأول من الميقات، فتعدى في الثاني، أو أتى به من دون الميقات- أجزأه، وعليه الهدي؛ لأنه لو تعدى الميقات في حجة الإسلام أجزأه.
فصل [فيمن أفسد حجة الإسلام أو التي نذرها]
وإن أفسد حجة الإسلام، أو حجة كان نذرها في الذمة أتى بحجة واحدة.
واختلف إذا أفسد القضاء، فقال عبد الملك: عليه حجة واحدة.
وهي الأولى: حجة الإسلام، أو التي نذر.
وقال ابن القاسم: يأتي بحجتين 3. إحداهما عن الأولى التي في الذمة، والأخرى عن التي أفسد آخرًا، قال: وقد قاله فيمن أفطر يومًا من رمضان ثم أفطر القضاء؛ عليه يومان، قال: والحج مثله 4.
وقال أصبغ: الصوم بخلاف الحج؛ لأن الحج عمل ثان أفسده فعليه قضاؤه.
قال وليس بالقوي، ولا الواجب إلا القضاء عن الأول فقط.
وقول عبد الملك12
أحسن؛ لأنه لم يختلف في السؤال الأول إذا أفسد حجة الإسلام أن ليس عليه سوى حجة الإسلام، وأنه في ذلك بمنزلة من لم يتقدم له إفساد.
فإذا جعل إحرامه في العام الثاني قضاء عن حجة الإسلام، وسقط حكم التي أفسد، ولم يخاطب عنها بشيء، وكأنه لم يأت بالتي أفسد- كان حكم الثانية والثالثة حكم الأول، وأن الخطاب إنما يتوجه عليه أن يأتي بالتي في الذمة خاصة، كأنه لم يكن أفسد.
ولو صح أن يكون عليه قضاء الفاسد وقضاء ما في الذمة، لكان ذلك عليه في أول عام إذا أفسد، فيقضي التي أفسد والتي في الذمة.
وقال ابن القاسم فيمن قرن، وطاف أول ما دخل مكة وسعى، ثم جامع: عليه أن يقضي الحج والعمرة.
قال له سحنون: ولمَ لا يكون قد تمت عمرته حين طاف وسعى؟ فقال: لأن ذلك الطواف والسعي للعمرة والحج 1.
ومعارضة سحنون صحيحة، ولا ينبغي أن يكون عليه عن العمرة شيء؛ لأنها تمت بفراغه من السعي، فلم يبق إلا الحلاق، منع منه بقاؤه على الحج، وإنما أفسد بوطئه بعد ذلك الحج وحده، ولم يغلب على العمرة.
قال أيضًا فيمن قرن ففاته الحج: يحل بعمرة، ويقضي قارنًا 2. والقياس أن يقضي الحج وحده؛ لأن الفوات من الحج وحده، ولم يغلب على العمرة؛ لأن الوقت الذي ينحل فيه وقت لها، وقد وفى بها.
وقال ابن القاسم فيمن أفسد وهو مفرد، فقضى قارنًا: لم يجزه 3. لأن حج القارن ليس تامًا كتمام المفرد، إلا بما أضاف إليه من الهدي.
فإن أفسد وهو
قارن؛ قضى قارنًا، وإن قضى الحج والعمرة مفردين؛ لم يجزه.
وقال عبد الملك: إن كان مفردًا، فقضى قارنًا؛ أجزأه (1). وهو أحسن لوجهين: أحدهمما: أن الهدي عنده يرفع الوصم، ويصير تامًا كتمام المفرد.
والثاني: أن من أتى بحجة الإسلام قارنًا؛ أجزأه.
فإن كان الفرض حجًا بانفراده، فتطوع بإضافة العمرة- أجزأه.
ولا يقال له: إنه غير جائز؛ لأنه اشترك بين فرض وتطوع.
وإن كان ذلك فإنه لا يخلو أن تكون الحجة التي أفسد حجة الإسلام، فلا يكون إفساده أوكد في الوجوب مما كان يجزئه أن يأتي به ابتداء أو تطوعًا، فلا يكون التطوع آكد.
وكذلك، إذا أفسد وهو قارن، فأتى بالحج والعمرة مفردين يجزئانه؛ لأنه أتى بأفضل مما أفسدة لأنه أفسد طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأتى بطوافين وسعيين.
والقارن يأتي بالهدي لإسقاط أحد العملين، وإسقاط أحد السفرين، فجمعها بدم.
والمتمتع يأتي بدم لإسقاط أحد السفرين.
وقد وفى هذا بالعملين مَنْ أتى بالعمرة مِنْ أشهر الحج.
وإن أتى بها قبل أشهر الحج كان أبين؛ لأنه أتى بعملين سلم فيهما من الهدي.
فصل [فيمن أفسد حجه]
وإن أفسد وهو متمتع، فقضى مفردًا غير متمتع؛ أجزأه 2. وأن أفسد مفردًا فقضى متمتعًا أجزأه أيضًا؛ لأن الهدي لإتيانه بالعمرة حينئذ ليس لوصم في الحج.1
وذكر أبو محمد في النوادر، فيمن قرن، ثم أفسد بالوطء، ثم قضى قارنًا متمتعًا لم يجزئه (1). ولا وجه لهذا؛ لأنه إنما أفسد عمرة لا غير ذلك، فعليه قضاؤها.
وقال عبد الملك فيمن تمتع فأفسد العمرة، ثم أنشأها بحج: أنه يأتي لقابل بالحج والعمرة (2). لأنه أفسد متعته، وهذا مثل الأول إنما أفسد عمرة ثم بعد ذلك أنشأ الحج، فعليه عمرة؛ لأنها التي أفسد.
فصل [فيما يلزم من الدم لفوات أو فساد الحج]
وأما ما يلزم من الدم عن هذه الأشياء، وعلى مَنْ أفردَ ثم فاته الحج هدي واحد.
وإن أفرد ثم أفسد فهدي.
وإن اجتمع فوات وفساد فهديان.
وإن قرن وأفسد فثلاث هدايا: هديان في العام الأول للقران والفساد، وهدي للقران في العام الثاني.
وإن قرن ثم فاته الحج كان عليه هدي الفوات وهدي القران بحَجَّة القضاء.
واختلف في هدي القران عن العام الفائت، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: عليه الدم.
ومرة قال: لا دم عليه.
وهو أحسن؛ لأنه إنما آل أمره إلى عمرة، ولم يتم القران.
وإن اجتمع قران وفساد وفوات- كان عليه هدي الفوات والفساد والقران بحجة القضاء.
ويختلف في هدي القران عن الفائت.
وقال ابن القاسم فيمن تمتع وقرن، ثم فاته الحج: عليه دم القران12
وحده 1. وهو أحسن؛ لأنه لما فاته الحج صار بمنزلة من أتى بعمرتين بغير حج.
فأما دم القران للقضاء فإنه يؤخر حتى يقضي، فإن عجله قبل أن يحرم ونحره بمكة لم يجزه.
واختلف إذا قلده وأشعره قبل أن يحرم، ثم نحره بمنى بعد أن أحرم، هل يجزئه أم لا؟ واختلف في دم الفساد، ودم الفوات، فقال مالك مرة: له أن يعجله.
وقال مرة: لا يعجله، فإن فعل أجزأه.
وقال مرة: لا يجزئه.
والأول أحسن؛ لأنه أتى بهما عن أمر تقدم وجوبه في الذمة، ولا وجه لتأخره.
باب فيما يحرم على المحرم من الوطء واللباس والصيد وغيره
الإحرام يمنع الرجل خمسة عشر شيئا:
الوطء وإن لم يكن إنزال، والإنزال وإن لم يكن وطء في الفرج، وعقد النكاح لنفسه ولغيره، والخطبة، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، ولبس الخفين أو الشمشكين مع القدرة على النعلين، وحلق الرأس وغيره من البدن، وقص الأظفار، وإزالة الشعث عن جميع الجسد الرأس وغيره، والطيب، والاصطياد، وقتل الصيد وإن كان قد صاده غيره، وإمساكه وإن كان قد صاده قبل ذلك، وقتل القمل.
والمرأة مساوية للرجل في ذلك سوى ثلاث: لبس المخيط، وتغطية الرأس، ولبس الخفين.
والأصل في منع الوطء: قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ...﴾ الآية [البقرة 197].
وفي الحلاق: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وفي الاصطياد: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ...﴾ [المائدة: 95]، ومن السنة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلاَ يُنْكحُ، وَلاَ يَخْطُبُ" 1، وقال: "لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلات، وَلاَ البَرَانِسَ، وَلا الأَخْفَافَ إِلاَّ أَلاَّ يَجِدَ نَعْليْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّينِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ يَلْبَس شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ
زَعْفَرَانٌ" 1. فتضمن منع المخيط وتغطية الرأس والرجلين والتطيب.
وقال في الذي وقصت به راحلته: "لاَ تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ رَأْسَهُ" 2. فمنع تغطية الوجه.
وقال لكعب بن عُجرة: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ"؟ قال: نعم.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "احْلِقْ، وَانْسُكْ بِشَاةٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" 3 وقال: "لاَ تَنْتَقِبُ المُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" 4.
فيُفسِدُ الحج التقاء الختانين فما بعد وإن لم ينزل، والإنزال وإن لم يَصُبَّ في الفرج، وسواء كان عالمًا بتحريم ذلك أو جاهلًا أو ناسيًا.
وإن كان الإنزال على أَمرٍ الغالب أن ينزل منه، أو متردد هل يكون أم لا؟ أفسد.
وإن كان الغالب ألا ينزل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه الهدي.
فإن حركته دابته فأدام حتى أنزل أفسد.
فإن رهقه ولم يستدم لم يفسد وأهدى.
وكذلك المرأة تحركها دابتها، فتجد اللذة وتستديم حتى تنزل؛ فقد أفسدت.
وقال في محرم أو محرمة عبثا بأنفسهما حتى أنزلا: أفسد، وإن قبل، أو
باشر، أو ضم أهله فأنزل أفسد 1. واختلف في النظر والتذكر إذا كرر فأنزل، فقال مالك: أفسد حجه 2. وروى أشهب عنه: ألا شيء على من تذكر حتى أنزل، ويهدي 3.
وقال محمد: رواية ابن القاسم أحب إلينا إذا أدام ذلك وكرره.
قال: وكذلك النظر 4.
يريد: إن كرر أفسد عند ابن القاسم، ولم يفسد عند أشهب.
ولم يختلفا إذا لم يكرر النظر ولا التفكير فأنزل ألا يفسد، وعلى هذا: إذا قَبَّلَ امرأة أو غمز، وشأنه ألا ينزل عند ذلك فأنزل؛ ألا يفسد 5.
وفرَّق مالك بين الصوم والحج، فقال فيمن نظر، أو تفكر ولم يدم فأنزل: عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
وإن أدام ذلك؛ كان عليه القضاء والكفارة 6.
وقال في الحج: إذا لم يدم لم يفسد 7. ولا فرق بين الموضعين، فإما أن يقال للجميع: ألا شيء عليه أو أن ذلك عليه، إلا أن يحمل قوله في قضاء الصوم على الاستحسان ولا شيء عليه في الجميع فيستخف قضاء الصوم ليسارته.
ومن أصاب محرمة طائعة أو مكرهة، زوجته كانت أو غيرها أفسد حجها، وعليه أن يحجها من ماله بعد إحلالها من هديه.
قال محمد: فإن ماتت قبل أن يحجها أهدى عنها.
ولم يجعل عليه أن يغرم نفقة العام الذي أفسد عليها.
قال مالك (1): وإن طلقها وتزوجت غيره؛ فعلى الزوج الآخر أن يأذن لها (2). وقال فيمن أحرمت أمته بإذنه، ثم أكرهها: عليه أن يحجها، ويهدي عنها (3)، وإن باعها قبل ذلك كان عيبًا ترد به، إلا أن يتبرأ منه (4). وعلى قول سحنون لا يجوز البيع؛ لأن المشتري يجبر على أن يدعها تحج القضاء، فكان بيعًا في تحجير، إلا أن يفلس البائع.
فصل [في غُسل المحرم]
وإن أجنب المحرم فاغتسل أَمَرَّ يديه مع الماء على جسده 5، ولم يدلك تدلكًا ينقي الوسخ، فإن فعل افتدى.
قال مالك: ولا يغمس رأسه في الماء خشية أن يقتل الدواب 6. يريد: فيمن كانت لهم وفرات حسب عادتهم، فإن لم يكن وعلم ألا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق- فلا بأس أن1234
يغمس رأسه.
قال: ولا يغسله بالخطمي (1). وهذا نحو الأول، يمنع من ذلك من كانت له وفرة؛ لأنه يغمس شعره، فإن فعل افتدى.
والأمر فيمن لا وفرة له أخف؛ لأنه لا ينقله عند من ينظر إليه عما كان عليه.
وللمحرم أن يغتسل اختيارًا للتبرد، ويكره له دخول الحمام.
واختلف عن مالك إن فعل، فقال مرة: الحمام ينقي الوسخ.
قال مرة: إن تدلك فعليه الفدية.
وقال أيضًا: إن تدلك وأنقى الوسخ افتدى (2).
وأرى أن يفتدي وإن لم يتدلك؛ لأن الشأن فيمن دخل الحمام ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه، ويزول الوسخ بصب الماء بعد عرقه فيه، وإن لم يتدلك.
فصل [في لباس المحرم]
قال مالك: ولا بأس أن يبدل المحرم ثيابه، وأن يبيعها 3. واختلف في تغطية الرجل وجهه، وفي القفازين للمرأة وفي الخاتم للرجل وفي السوارين، وتقلد السيف وشد المنطقة اختيارًا، وما شابه ذلك، كالعصائب: فمنع تغطية الوجه في المدونة، وقال: إن فعل فعليه الفدية 4. وقال أبو مصعب وأبو الحسن12
ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه 1. والأول أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي وقصت به راحلته: "لاَ تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ" ذكره مسلم 2، ولأن المرأة أحق بالستر، فقد أمرت ألا تستر وجهها، ويلزم على القول أن ليس ذلك على الرجل: أن يكون 3 لها أن تستر وجهها.
وقال مالك في المرأة: لا تلبس القفازين، فإن فعلت افتدت 4. فقال ابن حبيب: لا أبلغ بها الفدية لما جاء فيهما من الرخصة عن عائشة.
والمنع أحسن للحديث وقد تقدم.
ويجوز لبس الخاتم والسوار والعصائب للمرأة؛ لأن لباس المخيط يجوز لها.
واختلف في هذه الأشياء، هل هي داخلة في معنى المخيط، فيمنع منها الرجل؟ فالمعروف من قوله المنع.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم.
وأجاز في الحج الأول من المدونة أن يحرم الصبي وعليه الأسورة وفي رجليه الخلاخل 5.
ولم يختلف المذهب أن الصبي يجرد عند الإحرام من الثياب، ويجنب ما يجنب الكبير 6، ومحمل قوله في الصبي على قوله في الخاتم للرجل.
وقال أصبغ فيمن تقلد سيفًا من غير حاجة إليه: يفتدي.
وقال محمد: لا فدية عليه 7.
ويختلف على هذا في لباس المنطقة اختيارًا.
وقال فيمن أصابه جرح فعصبه: يفتدى (1).
وقال في مختصر ما ليس في المختصر، ومثله في كتاب محمد، فيمن أصاب أصبعه شيء، فوضع عليه حناء، ولفها بخرقة: لا شيء عليه (2). وهذا أحسن في هذا الأصل، ولا يدخل هذا في معنى النهي عن لباس المخيط.
فصل [فيما يحرم على المحرم من الوطء والصيد واللباس]
ومن أصاب أهله مرارًا فعليه هدي واحد؛ لأن الهدي للفساد، وهو بأول مرة قد أفسد، كمن أصاب أهله في يوم رمضان مرارًا فكفارة واحدة تجزئه.
وإن أصاب صيدًا بعد صيد كان عليه لكل صيد جزاء؛ لأنه من باب غرم قيم المتلفات، فكل نفس أتلفها غرم قيمتها.
وأما إماطة الأذى واللباس فعلى ثلاثة أوجه: فإن حلق وقلم أظفاره وتطيب، فإن كانت نيته فعل جميعها فعليه فدية واحدة، وإن بَعُدَ ما بين تلك الأفعال فذلك سواء.
وإن كانت نيته أحدها، ثم حدثت نية ففعل أيضًا، فإن بَعُدَ ما بين الفعلين؛ فعليه لكل شيء من ذلك فدية.
وإن كان ذلك في فور واحد ففدية واحدة.
وهذا قوله في المدونة 3.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق،12
أنت طالق، أنت طالق.
هل يلزمه الثلاث أو طلقة واحدة، إذا كانت نيته من أول طلقة واحدة، ثم كرر الطلاق بنية محدثة أو استثنى بنية محدثة؟
والقياس: أن القرب والبعد ما بين اللباسين في ذلك سواء.
وإن لبس قميصًا بعد قميص لم تكن في الثانية فدية، وإن كان ذلك بنية محدثة وبعد ما بين اللباسين 1. وإن لبس سراويل ثم قميصًا ففديتان.
وقال ابن الماجشون: إن لبس قميصًا ثم سراويل ففدية واحدة.
وكذلك إن احتاج بعد القميص إلى جبّة فلا شيء عليه.
والقياس أن يكون عليه في السراويل والجبة فدية ثانية؛ لأن منفعة الثانية غير منفعة الأول.
وقال محمد فيمن ائتزر بمئزر فوق مئزر: افتدى إلا أن يبسطهما، ثم يئتزر بهما 2. وذكر ابن عبدوس عن عبد الملك مثله، قال: وأما رداء فوق رداء فلا بأس به 3. وإن لبس قلنسوة ثم عمامة ففدية، إلا أن تزيد العمامة على القلنسوة بقدر ينتفع به في مثله فعليه فدية أخرى.
وإن لبس قميصًا ثم قلنسوة أو عمامة كان في الثاني فدية، إلا أن يكون تلك بنية أو يكون بقرب الأول على ما تقدم.
وإن حلق ثم لبس قلنسوة أو عمامة كان في الثاني فدية، إلا أن تكون تلك نيته أو تلبس بقرب الحلاق.
وإن لبس قميصًا وهو صحيح، ثم مرض ثم صح وهو لابسه؛ ففدية واحدة.
وقال محمد: إن لبسه لمرض، ثم صح فتمادى على لباسه؛ فعليه فديتان 4.
يريد: لأن نيته كانت أن يلبسه للمرض خاصة، وقد بَعُدَ ما بين النية الأولى والثانية.
والقياس على أصله: ألا شيء عليه في التمادي؛ لأنه بانقضاء المرض تمادى في اللباس، فأشبه ما يقرب فعل بعضه من بعض.
وكذلك (1)، إن تطيب وهو صحيح، ثم مرض ثم صح وهو عليه؛ ففدية واحدة.
وإن استعمل ذلك لمرض، ثم صح وهو عليه فلم يغسله كان عليه على قول محمد فديتان.
وإن وصف له الطِّيب فاستعمله، ثم استعمل طيبًا آخر بقرب الأول؛ ففدية واحدة.
وإن تباعد ما بينهما، وذهبت رائحة الأول ففديتان.
وكذلك إن لم يذهب الأول حتى استعمل الثاني؛ لأنه لو لم يستعمل الثاني ذهبت رائحة الأول قبل ذلك.
فصل [فيما يحمل المحرمُ على رأسه]
قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه خرجه فيه زاده، وإن فعل ذلك لغيره تطوعًا أو بإجارة؛ افتدى.
قال ابن القاسم: ولا يحمل على رأسه شيئًا للتجارة 2.
يريد: لأنه لم يضطر إلى ذلك، فإن فعل افتدى.
وكذلك إن حمل زاده وهو من أهل الغنى بخلاف المضطر.
ولا بأس عند مالك أن يشد المنطقة في وسطه لنفقته من تحت مئزره، فإن شدها من فوقه افتدى.
وكره أن يشدها على فخذه أو عضده أو ساقه، قال1
ابن القاسم: ولا فدية عليه إن فعل (1). وقال أصبغ: أما العضد (2) ففيه الفدية.
والأول أحسن، ولا فرق بين جميع ذلك.
وإن شدها لغير نفقته أو لنفقة غيره افتدى.
وإن جعل نفقة غيره مع نفقته فلا بأس.
فإن فرغت نفقته رد الأخرى إلى صاحبها.
فإن تركها افتدى.
وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى.
وإن لم يعلم فلا شيء عليه، ويبقيها معه.
وقد قال ابن القاسم فيمن أودع صيدًا وهو حلال فأحرم وقد غاب صاحبه: فلا يرسله وليضمنه إن فعل (3). وكذلك النفقة قبلها بوجه جائز، ثم غاب صاحبها؛ جاز أن يبقيها عنده، ولا يخرجها إلى غيره.
فصل [فيما يحرم على المحرم التطيب به]
ولا يتطيب المحرم بطيب مؤنث كالكافور والمسك والزعفران، فإن فعل افتدى.
ولايتعمد شمّه، فإن فعل فلا شيء عليه.
واختلف إذا مسه ولم يعلق بيده أو علق بيده، أو شربه أو أكله في طعام.
فقال مالك: إن مسه افتدى.
قيل لابن القاسم: وإن لم يلصق بيده؟ فقال: قال مالك: إن مسه افتدى 4.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن مسه فعلق بيده ريحه ولم يتلف منه شيء؛ لم تلزمه فدية 5.123
وقال أبو الحسن ابن القصار: إن تطيب أو لبس ثيابًا، ثم نزع اللباس وغسل الطيب بالحضرة؛ فلا شيء عليه.
والصواب ألا شيء في المس إذا لم يعلق باليد، أو علق فغسله بالحضرة، أو لم يغسله وكان يسيرًا لا تظهر رائحته ليسارته؛ لأن النهي إنما ورد في التطيب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ زَعْفَرَانٌ" 1. فهو مستهلك في الثوب، إلا أن رائحته تشم على لابسه.
وقد قال مالك فيمن جعل ثوبه في تابوت فيه طيب، فعلقت فيه رائحته فلبسه: افتدى 2. لأنه الوجه الذي ورد فيه النهي.
وقال مالك فيمن أصابه خلوق الكعبة: يغسله، ولا شيء عليه، وله تركه إن كان يسيرًا 3. فأباح ترك اليسير؛ لأنه لا يشم منه كبير رائحة.
وإن أكل طعامًا فيه طيب، فإن كان مسته النار فلا شيء عليه 4؛ لأن النار تذهب رائحته أو يبقى ما لا خطب له.
واختلف إذا لم تمسه النار، هل تكون عليه فدية أم لا؟ وألا شيء عليه أحسن؛ لأنه لا يكون بأكله 5 متطيبًا، وهو بمنزلة من مسه ثم غسله بالحضرة، فهذا مسه لملاقاته لفمه حين الأكل، ثم ذهبت بالحضرة.
ويكره ما كان غير مؤنث كالرياحين والورد والياسمين، ولا فدية فيه إن مسه أو شمه أو علق شيء به 6 قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتوضأ
بالحرض (1). وهو: الأشنان.
ولا بأس أن يعالج المريض الجراح وغيرها بدواء فيه طيب.
قال مالك: ويفتدي (2). والمعروف في هذا الأصل في كل ما ألجئ إليه ولم يقصد الانتفاع به ألا فدية عليه، كالذي يحمل زاده على رأسه، ويجعل المنطقة لنفقته، ويحمل السيف عند الخوف، ولا شيء عليه، وفي كلها الفدية عنده مع الاختيار، فعلى قوله في الذي يعالج بما فيه طيب الفدية- تجب الفدية على حامل زاده، وحامل السيف، والمنطقة وإن لم يفعل ذلك اختيارًا، وعلى قوله ألا فدية على هؤلاء؛ لا يكون على من يعالج بما فيه طيب فدية.
وألا فدية على جميعهم أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُما أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ" (3). وأباح أن يستر ظهور قدميه عند عدم النعلين؛ لأنه لم يقصد الانتفاع بذلك، وإنما قصده دفع الحفى.
وهو لا يقدر على ذلك عند عدم النعلين إلا بما يستر ظهور القدمين، ولو لبس الشمشكين اختيارًا افتدى.
فصل [في اكتحال المحرم]
واختلف في الكحل وغيره مما هو زينة، فقال مالك في المدونة في الرجل يكتحل: عليه الفدية 4. وقال ابن 5 الجلاب عن عبد الملك: لا فدية123
عليه 1.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا فدية على الرجل إذا اكتحل بما لا طيب فيه 2.
وقال أيضًا: الزينة ممنوعة في الإحرام كالكحل للنساء ولبس الحلي وغيره.
قال: واختلف أصحابنا هل هو منع 3 حظر فتجب فيه الفدية، أو كراهية فلا فدية فيه؟ فوجه الحظر: أنها عبادة تمنع الطيب والنكاح، فمنعت الزينة كالعدة.
ووجه الكراهية أنها عبادة لها إحلال وإحرام كالصلاة.
انتهى قوله 4.
فلم يجعل في اكتحال الرجل فدية، وفعل الرجل لذلك بالشرق 5 على وجه الزينة، وقد اعتاد ذلك كثير منهم.
والأول أحسن؛ لما جاء من منع الحلاق وإلقاء التفث، وإذا كان ذلك كان منع الزينة أولى.
وقال مالك في المدونة في المحرم يدّهن عند الإحرام بالزنبق غير مطيب، وبالبان السمج: لا بأس به، أما كل شيء يبقى ريحه فلا يعجبني 6.
ومنع الادهان بعد الإحرام 7 بما لا طيب فيه؛ لأنه يحسن الجسم.
والقياس ألا
فرق بينهما جميعًا (1) فيمنع قبل الإحرام كما يمنع بعد، وكما لا يبتدئ الإحرام في مخيط ولا يلبسه بعد.
وفي البخاري ومسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي أحرم بعمرة وعليه جبة وخلوق: "انْزِعِ الجُبَّةَ وَاغْسِلِ الخَلُوق" (2).
فصل [في فدية المحرم]
الفدية تجب فيما تقدم ذكره إذا طال وانتفع به.
واختلف إذا زال ذلك في الحضرة قبل أن ينتفع به، لو كان من الانتفاع ما لا خطب له، فقال مالك فيمن غطى رأسه أو لبس قميصًا، فنزع ذلك بالحضرة: فلا شيء عليه.
وإن تركه حتى طال، وانتفع به افتدى (3).
واختلف إذا صلى به صلاة ولم يطل، فقال: لا شيء عليه.
وقيل: يفتدي؛ لأنه انتفع به حتى صلى به صلاة.
وقال (4) فيمن تطيب وغسله بالحضرة: عليه الفدية.
قال ابن القصار: لا شيء عليه.
فصل [في حلقِ المحرمِ رأسَ حلالٍ]
وإن حلق المحرمُ رأسَ حلالٍ ولا قملَ فيه؛ فلا شيء عليه.
وإن كان فيه يسيرًا أطعم شيئًا من طعام.
واختلف إذا كان كثيرًا، فقال مالك: يفتدي.
وقال1234
ابن القاسم: يتصدق بشيء 1. وكذلك إن حلق رأس محرم طوعًا، فالفدية على من حلق رأسه، ولا شيء على الحالق، فإن لم يكن فيه، أو كان يسيرًا أطعم شيئًا من طعام، وإن كان كثيرًا افتدى على قول مالك، وتصدق بشيء من طعام 2 وعلى قول ابن القاسم.
وإن أكرهه على الحلاق كان عليه عن الذي حلق رأسه الفدية، كان فيه شيء أو لم يكن، ولا شيء عن نفسه إن لم يكن فيه شيء، وإن كان قليلًا أطعم.
واختلف إذا كان كثيرًا.
وكل ما لزمه عن نفسه جاز أن يكفر بالصوم إن أحب.
وما لزمه عن الذي حلقه؛ لم يصح أن يصوم عنه، وعليه أن ينسك عنه أو يطعم.
وإن كان فقيرًا؛ صام الآخر إن أحب، ولم يرجع بشيء.
وإن نسك أو أطعم؛ رجع عليه.
وقال مالك فيمن غطى رأس محرم وهو نائم، أو حلقه، أو طيبه في حال النوم: كان على من فعل ذلك الفدية.
قال محمد: ولا يفتدى الفاعل بالصيام، ولا يجزئه إلا النسك أو الإطعام 3.
فإن كان عديمًا افتدى المحرم عن نفسه، فان افتدى بالصيام فلا شيء له على الفاعل، وإن افتدى بالنسك أتبع الفاعل به، إلا أن يكون ثمن الطعام أقل، فيرجع بالأقل.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الحلاق فيفتدي النائم ثم يرجع على من حلقه متى أيسر، فإن غطى رأسه لم يكن عليه شيء؛ لأنه لو فعل ذلك بنفسه, وهو نائم لم يكن عليه شيء، بخلاف الحلاق لا ينتفع به بعد اليقظة إلا على ما قال ابن حبيب.
ويختلف في الطيب إذا غسله بفور ما استيقظ، فعلى قول ابن القصار: لا شيء عليه؛ لأنه لا ينتفع به في حالة النوم.
وإنما المراعى حالة اليقظة، إلا أن يغسله بخلاف التغطية؛ لأنه ينتفع بها في حالة النوم.
وفي تقليم الأظفار الفدية 1، وكذلك إن قلم يدًا أو رجلًا.
وقال ابن القاسم: في الظفر الواحد إن أماط به أذى ففيه الفدية، وإلا أطعم شيئًا من طعام 2. قال: وإن انكسر ظفره فقلمه فلا شيء عليه.
وإن كان بإصبعه قروح، ولا يستطيع علاجها إلا أن يقلم أظفاره فعل وافتدى 3.
وإن أخذ من لحيته أو من شاربه ما أماط به أذى افتدى وإن لم يمط أذى أطعم شيئا من طعامه، ولا يستظل المحرم ما يقرب من رأسه فإن فعل افتدى وإن كان بعيدا فلا شيء عليه فإن كان في محارة كشف عنها فإن لم يفعل افتدى وإن كان نازلا بالأرض لم يستظل تحتها فإن فعل افتدى.
ولا بأس أن يكون في ظلها خارجًا عنها.
وكذلك إن كان ماشيًا؛ فلا بأس أن يستظل بظلها إذا كان خارجًا عنها، ولا يمشي تحتها.
واختلف إذا فعل.
باب في فدية الأذى وأين يخرج
فدية الأذى ثلاثة أصناف حسب ما ذكر الله تعالى في كتابه: صيام أو صدقة أو نسك 1. يفتدي بأي ذلك أحب، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم -: قدر الصدقة والصيام وما يجزئ من النسك، فقال لكعب بن عجرة: "صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاة" 2 قال مالك: وله أن يفعل ذلك بحيث يشاء من البلاد 3. فجعلها على التراخي.
وعلى القول أن الأوامر على الفور: يكون عليه أن يأتي بها بمكة، ولا يؤخرها لرجوعه.
فإن وجبت عليه الفدية قبل الوقوف، وأحب أن يكفر بالصيام؛ صام قبل وقوفه.
واختلف إذا أخر الصوم حتى إذا وقف، ووجبت عليه بعد الوقوف، هل يصوم أيام الرمي؟ فأباح ذلك في المدونة 4، وكرهه في كتاب محمد 5، ورأى أنها أيام منهي عن صيامها، فلا يصوم فيها إلا الثلاثة من العشرة، لورود النص فيها بذلك.
وقال في النسك: ليس عليه أن يقلده ولا يشعره، إلا أن يحب أن يجعله هديًا 6. وهذا على أصله أنها على التراخي.
والاستحباب 7: أن يعجل ذبحه
إن كان وصل إلى موضعه، ولا يؤخره ليبعثه، ويجعله هديًا.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجزئ النسك إلا بمكة.
ورأيا أنه دم وجب عن أمر تعلق بحج أو عمرة؛ فوجب أن يراق بتلك المواضع مثل غيره مما وجب عن الحج.
وقال الشافعي في الطعام مثل ذلك؛ أنه يطعم بمكة.
وهذا يحسن على القول أنه على الفور 1، وليس له إن خرج عن مكة ووصل إلى بلاده أن يؤخر إخراجه حينئذ.
وقال مالك: يطعم مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكل مسكين من طعام ذلك البلد 2 وإن كان عيشهم الشعير أطعم منه مدين مدين.
وقال محمد: إن أطعم من الذرة نظر مجزأه من القمح، فيزيد من الذرة قدر ذلك 3.
وليس هذا بالبين، ولا يصح أن يجعل القمح أصلًا، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدين لكل مسكين 4.
وغالب أقواتهم حينئذ التمر.
وفي كتاب أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بثلاثة آصع تمر 5. فالتمر الأصل، ومدان من تمر قوت الرجل في يومه بين غدائه وعشائه، والكفارة عن العمد والخطأ والنسيان.
ومن اضطر إلى ذلك ففعله لوجه جائز عن ضرورة سواء.
ولا يجوز لأحد أن يأتي ذلك اختيارًا ويكفِّر؛ لأن ذلك انتهاك لمحارم الله تعالى.
باب ما يجوز للمحرم قتله، من الصيد وللحلال في الحرم
1.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ وَالعَقْرَبُ وَالفَارَةُ وَالكَلْبُ العَقُورُ" 2. وقال: " خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ..." 3 فذكر الخمس المتقدمة.
اجتمع على هذين الحديثين الموطأ والبخاري ومسلم.
فنص الحديث الأول على ما يحل للمحرم 4، والثاني على الحلال في الحرم، وزاد مسلم: "الحيَّة" 5. وقال أبو مصعب يقتل المحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور حسب ما في الحديث.
ولا خلاف في العقرب والحية والفأرة والكلب العقور.
واختلف المذهب في الغراب والحدأة، فأجاز أبو مصعب قتلهما، وقد تقدم قوله.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا أحب للمحرم أن يقتلهما حتى يؤذياه، ولو قتلهما قبل أن يؤذياه لم يكن فيهما جزاء 1. وقال مالك في المختصر: لا يقتلان في الحرم خوف الذريعة للاصطياد، إلا أن يؤذياه 2. وقال أشهب: إن قتلهما من غير اضطرار وداهما 3. والأول أصوب للحديث، وقد يحمل قول أشهب في المنع لظاهر القرآن؛ لأنهما من الصيد.
وقد اختلف هل يخص القرآن بخبر الواحد؟
واختلف في العقرب والفأرة هل هما من الصيد؟ 4 فقال أبو محمد عبد الوهاب: للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر، ولا جزاء عليه فيها.
فذكر الأسد والذئب والنمر والفهد، ومن الطيور الغراب والحدأة، قال: وأما الكلب العقور والحية والعقرب والزنبور فله قتله بغير معنى الصيد 5. انتهى قوله.
قاله 6 عند غير واحد من أهل العلم، وأما غير هذين من سباع الطير، فلا يقتلهما ابتداء لعدم النص فيه.
قال مالك: فإن فعل فعليه الفدية، إلا أن يبتدئه بإيذاء، فلا شيء عليه 7. قال ابن القاسم: وكذلك لو أن رجلًا عدا على رجل يريد قتله، فدفعه عن نفسه فقتله؛ لم يكن عليه شيء 8. قال أشهب في
كتاب محمد: عليه الجزاء، وإن كان ابتدأته 1. يريد: إذا كان قادرًا على أن يصرفها بغير قتل.
وقول ابن القاسم أحسن ألا شيء عليه؛ قياسًا على الغراب والحدأة لما كان شأنهما الإيذاء، فكذلك ما كان منه أذى من غيرهما.
واختلف في المراد بالكلب العقور، فقول مالك في الموطأ: أنها السباع والأسد والنمر والفهد 2. فحمل الحديث على الكلب الوحشيِّ.
وظاهر قول أشهب: أنه الكلب الإنسيِّ؛ لأنه قال: يقتل الكلب، وإن لم يعقر 3.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: للمحرم قتل الكلب العقور والحية والفأرة بغير معنى الصيد.
قال: وليس من ذلك الصقر والبازي، ولا القرد ولا الخنزير، إلا أن يبتدئ شيء من ذلك بالضرر.
انتهى قوله 4. وقال مالك في كتاب محمد: ولا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا.
قال ابن القاسم: لا وحشيًا ولا أهليًا ولا خنزير الماء 5. قال مالك: وفدى 6 ذلك كله.
ووقف محمد 7 في خنزير الماء 8. قال: ولا شيء في الضفدع.
قال أشهب:
وقيل يطعم شيئًا 1.
وسئل مالك: أيقتل المحرم الوزغ؟ فقال: لا؛ لأنها ليست من الخمس الفواسق 2 التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهن، ولو أرخص للناس في هذا؛ لزادوا فيه عددًا كثيرًا، وإنما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس...". قال: ويقتل في الحرم إن كان حلالًا، ولو لم يقتل في الحرم؛ لكثرت وغلبت وأما المحرم فشأنه يسير 3. فمنعه المحرم من قتل الوزغ دليل على أنه رأى أن العقرب والفأرة من الصيد، وأنهما استثنيا من الصيد، ومنع من قتلهما حماية؛ لئلا يتذرع الناس إلى قتل الصيد.
والقياس أن يلحق بالعقرب والفأرة، وقد ورد في الحديث الحث على قتلهما، ولولا أن شأنهما الإيذاء لم يحض على ذلك؛ لأنه لا يجوز إتلاف نفس الحيوان لغير علة، وذلك من السرف، ولولا أن شأنهما الإيذاء أيجز قتلهما للحلال في الحرم.
ومنع من قتل الخنزير البري 4 بخلاف السباع، وإن كان لا يجوز أكله؛ لأنه ليس من شأنه أن يعدو.
وقال: وتقتل العقرب والفأرة صغارها وكبارها 5. وقال ابن القاسم في صغار السباع والنمور إن كانت لا تفترس: فلا ينبغي أن تقتل 6. قال في
كتاب محمد: وإن قتلت؛ فلا شيء عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: ما كان من كبار السباع، فإنه تقتل صغارها مع كبارها وكذلك الحية والعقرب والفأرة، صغارها وكبارها سواء (1). وقال: إن قتل غرابًا وحدأة أو صغار السباع على غير إضرار ولا أذى؛ فعليه جزاؤه.
فقال في الأول: كبار السباع يقتل صغارها وكبارها.
يريد: في الصنف الذي هو كباره، كالأسد والنمر والفهد، فصغاره وكباره سواء.
والصنف الذي هو من صغار السباع، كالثعلب والضبع، صغارها وكبارها سواء إن قتلها ابتداءً وداها، وإن قتلها بعد أن آذته؛ فلا شيء عليه.
وكره مالك قتل سباع الطير، فإن فعل وداها (2). قال ابن القاسم: فإن عدى عليه شيء منها، فخافه على نفسه فقتله؛ فلا جزاء عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: عليه الجزاء، بخلاف من قتل سباع الطير (3).
والأول أحسن؛ لأنها إذا عدت، صارت كالغراب والحدأة.
فصل في صيد البحر للمحرم
4 صيد البحر جائز للمحرم لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ...﴾ الآية [المائدة: 96] ولا خلاف في ذلك في كل ما لا حياة له بعد أخذه، ولا يحتاج123
إلى ذكاة.
والبحر والأنهار في ذلك سواء، ولا يجوز له أن يصيد طير الماء، ولا قتل ما صاده غيره من المحرمين.
فإن فعل وذبح شيئًا من ذلك؛ كان غير مذكّي، وعليه الجزاء.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في خنزير الماء وفي الضفدع.
باب في تحريم الصيد على المحرم
1
الأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، وقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة 94].
أي: يبتلي المحرمين بالصيد ليختبرهم فيعلم من يصبر مخافة منه فلا يعتدي فيصطاده؛ تُقًى له، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
والمحرم في الصيد على ثمانية أوجه: يحرم عليه ثلاثة، ويحل له اثنان، واختلف في ثلاثة.
فيحرم الاصطياد، وإن كان الاصطياد على صفةٍ تسْلَمُ نفسه وتؤمن حياته.
ويحرم قتله، وإن كان ملكًا له قبل إحرامه، أو في ملك غيره، فإن ذبحه لم يكن ذكيًا.
وإن يستأنف ملكه من حلال بشراء أو هبة.
ولا يحرم ملكه إذا كان الملك متقدمًا له وهو حلال، إذا كان في بيته، وليس في يده ولا معه.
وقال مالك: ليس عليه أن يرسله؛ لأنه أسيره 2. واختلف إذا كان معه في رفقة أو في يده، فقال مالك: إن كان يقوده, أو في قفص أرسله 3. وقال محمد: إن كان معه في رفقة؛ فلا شيء عليه.
وفي مختصر ابن الجلاب: إن كان معه في رفقة
أرسله، فإن لم يرسله حتى مات في يديه؛ كان عليه جزاؤه 1. وقال أشهب: إن سافر به فلا شيء عليه.
ومن أرسله من يده فعليه قيمته, وقال محمد: في قوله إن سافر به فلا شيء عليه؛ يريد: ويرسله 2. وظاهر قول أشهب خلاف ما ذهب إليه محمد، ولو كان عليه أن يرسله؛ لم يكن على من أرسله من يده قيمة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه، ثم حل أو خرج من الحل، أو حل الذي صاده، وهو محرم والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه.
قال: وخالفني أشهب، وقال: لا شيء عليهما 3. فحكى عن أشهب ألا شيء عليه إذا أكل منه بعد أن حل، وهذا يرد على محمد أن ليس عليه أن يرسله إلا على وجه الاستحسان.
فحرم قتل الصيد لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
والاصطياد بقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ...﴾ الآية [المائدة: 94]، وحرم استئناف ملكه وإن كان ملكًا بحلال لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أهدى له صيدًا فرده عليه: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" 4.
ولم يحرم ملكه إذا لم يكن معه؛ لأنه أمر خارج عما ورد فيه القرآن، فبقي على أصل الملك.
وحرم إذا كان في يده لقوله - صلى الله عليه وسلم - في مكة: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" 1. فكذلك الصيد 2 مع الحلال 3 في الحرم يكون آمنًا، وإذا لم يجز أن ينفره؛ لم يجز أن يبقى في يده.
واختلف في معنى قول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] فقيل: المراد الصيد نفسه.
وقيل: الاصطياد.
وكلا القولين يحتمل؛ لأن الصيد يقع على المصيد، يقول: هذا صيد، وأخذت صيدًا.
وعلى الاصطياد، يقول: صاد يصيد صيدًا، فهو مصدر صاد.
وقول مالك وأصحابه أن المراد الاصطياد، وألا شيء عليه إن بقي في ملكه إذا أيكن في يده معه 4.
واختلف فيه عن الشافعي فقال مرة: المراد الاصطياد.
وقال مرة: الصيد نفسه، وعليه أن يرسل ما كان في بيته.
وحمل الآية على الملك.
واحتج من أجاز ملكه بالنكاح لتقدم الإحرام، فإنه لا يؤمر بالفراق، ولا يجوز أن يستأنف نكاحًا بعد الإحرام.
وليس الاحتجاج بالزوجية 5 بالبين؛ لأنه يجوز أن تكون معه وتضاجعه، بخلاف الصيد أنه يرسله إن كان معه، والوجه فيه ما تقدم: أن
النهي إنما ورد عن القتل والاصطياد، وأن يستأنف فيه ملكًا وهو معه؛ لئلا يكون خائفًا منه، وما كان في بيته خارج عن ذلك، فقد يجوز أن يشتري وهو محرم 1 بمكة صيدًا بمدينة أخرى، وتقبل هبته.
وقول محمد ألا شيء عليه إن كان معه في رفقة- حَسَنٌ، ولا فرق بين ذلك ولا بين أن يكون في داره وهو في تلك المدينة ولا بين أن يكون معه في رفقة، بخلاف أن يكون معه خائفًا منه، وقد نهي أن يزيله من الظل ويكون مكانه.
والسابع اصطياده وقتله للضرورة، ففيه ثلالة أقوال:
فقيل: لا يجوز قتله.
وقيل: يجوز، وعليه الجزاء.
وقيل: لا جزاء عليه.
فقال مالك في الموطأ في المحرم يضطر إلى الميتة: يأكلها، ولا يصيد.
قال: لأن الله تعالى لم يرخص في قتل الصيد في حال من الأحوال، ورخص في كل الميتة عند الضرورة 2. وهذا يقتضي ألا يأكله وإن لم تكن ميتة؛ لقوله: لم يرخص فيه في حال من الأحوال، مثل أحد القولين في المضطر إلى الخمر.
وقال محمد بن عبد الحكم: لو نالني ذلك؛ لأكلت الصيد، وإن كانت الميتة موجودة 3.
وقال أبو محمد عبد الوهاب فيمن قتل صيدًا لضرورة: عليه جزاؤه 4. وهذا محتمل أن يمنعه عند الضرورة، أو يقول: يجوز له، وعليه جزاؤه.
وقال الأوزاعي: لا جزاء عليه.
وأرى أن يجوز الصيد والقتل عند الضرورة لإحياء
نفس، وليس له ذلك إذا جاع، ولم يخف على نفسه.
وقد اختلف في الميتة هل يأكل منها إذا اضطره الجوع، أو حتى يخشى الموت؟ وإن استودع صيدًا وهو حلال، ثم أحرم وهو في يديه؛ دفعه لصاحبه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا بقي في يده حتى يقدم، فيرده عليه.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولا يرسل متاع الناس، ويضمنه إن فعل، وإن استودعه بعد أن أحرم أرسله، وغرم قيمته لصاحبه (1).
يريد: إذا غاب، وإن كان حاضرًا رده عليه.
وقال في كتاب محمد، في محرم اشترى صيدًا من حلال: يرده عليه، ويلزم ذلك البائع، شاء أو أبى.
وقال ابن حبيب: يرسله، فإن رده على بائعه؛ كان عليه الجزاء (2).
فصل في ذبح المحرم للصيد
3
لحم الصيد على المحرم على ثلاثة أوجه:
حرام، وهو: ما ذبحه المحرم، أو قتله باصطياد.
وحلال، وهو: ما ذبحه الحلال لنفسه، أو لغيره ممن هو حلال، فهو حلال للمحرم.
وكذلك ما صاده المحرم وذبحه له قبل أن يحرم، ثم أحرم من ذبح له فهو ذكي؛ يجوز أكله للمحرم، كان من ذبح له أو غيره.
والثالث: ما صيد للمحرم بعد إحرامه, أو صيد قبل وذبح له بعد، فإن كان صيده أو ذبحه بأمره؛ لم يحل كله بحال، وهو غير ذكي، وعلى الآمر جزاؤه؛ لأن12
إراقة دمه كان بأمره.
واختلف إذا لم يكن بأمره، فذهب عثمان - رضي الله عنه - إلى أنه ذكي، ويجوز أكله للحلال ولغير من ذبح له من المحرمين، وقال لأصحابه: كلوا، فإنما صيد من أجلي 1. وقد يكون ذلك منه على وجه الاستحسان في امتناعه؛ حماية لئلا يتذرع المحرم للاصطياد؛ لأنه لا يكون ذكيًا غير ذكي.
وقال مالك وغيره من أصحابه: ليس بذكي، ولا يأكله حلال ولا حرام 2.
واختلف بعد القول بمنع الأكل منه: إن أكل منه من ذبح من أجله على ثلاثة أقوال: فقيل عليه جزاؤه.
وقيل: لا شيء عليه 3. وقيل: إن علم فعليه الجزاء، وإلا فلا 4.
وإن أكل منه محرم غير من ذبح من أجله، وهو لا يعلم، فلا شيء عليه.
واختلف إذا علم هل عليه جزاؤه؟ وألا جزاء في ذلك كله أحسن؛ لأن الجزاء إنما يتعلق بإتلاف نفس الصيد وإراقة دمه، وقد كان الاصطياد والذبح، لم يلزم صائده ولا ذابحه جزاء، وإن كان ذلك لم يلزم بالأكل.
وإن أشرك بالنية فذبح لنفسه وللمحرمين فهو أخف.
ويجوز أكله للحلال والحرام؛ لحديث أبي قتادة 5 إلا أن يكون ذبحه لنفسه في معنى التبع، ولولا من معه لم يذبحه.
باب الصيد في حرم مكة والمدينة, وهل يعضد شجرها أو يختلا خلاها؟
1
الصيد في الحرم حرام لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة 95] فدخل في عموم الآية الحلال يحرم أو يدخل الحرم؛ لأنه يصير بذلك حرامًا.
يقال: أحرم إذا دخل في الحرم، وأتهم وأنجد: إذا أتى تهامة ونجدًا.
وأمسى وأصبح: إذا دخل في الصباح والمساء.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: "لاَ يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" أخرجه البخاري ومسلم 2.
فيحرم على الحلال في الحرم قتل الصيد واصطياده، وإن كان الاصطياد على صفة تسلم فيه نفسه، ويحرم تنفيره.
واختلف إذا صاده في الحل وأدخله الحرم، فأجاز ذلك مالك في المدونة: أن يبقى في ملكه، وأن يذبحه ويكون ذكيًا.
ومنعه ابن القاسم في العتبية فقال فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه ثم حل، أو خرج من الحرم، أو حل الذي صاده وهو محرم، والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه؛ لأنه وجب عليه إرساله.
قال: وخالفني في ذلك = الحج، برقم (778)، ولفظ البخاري: (عن أبي قتادة - رضي الله عنه -: أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غيى محرم فرأى حمارًا وحشيًا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبى بعض فلما أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن ذلك قال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله".
وعن زيد بن أسلم).